الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مظاهر الاصالة في قصص الدوعاجي

Share

كان الثلث الاول من القرن العشرين خصبا تطور فيه الادب التونسى تطورا ملحوظا وذلك عندما اطلع الأدباء التونسيون على ما للغربيين من فنون أدبية قيمة ، واصبحت الاذواق ترنو الى كل جديد ، ماجة كل قديم ، متبرمة من كل سخيف ، ساعية الى ادب يعبر عما يجيش فى خلد الانسان من عواطف وأفكار . وانطلق أبو القاسم الشابى ينادى بأعلى صوته : " لقد اصبحنا نتطلب أدبا جديدا نضيرا يجيش بما فى اعماقنا من حياة وأمل وشعور ، نقرؤه فنتمثل فيه خفقات قلوبنا وخطرات ارواحنا وهجسات أمانينا واحلامنا " (1 ). فقامت نهضة أدبية شاملة ، كان من أهم نتائجها دخول القصة على الادب التونسي المعاصر واتجاه الادباء نحوها اتجاها لا نظير له ، ذلك لانهم وجدوا فيها " مجالا خصبا وميدانا واسعا لتصوير الحياة وعرض مبتكرات خبالهم " ( 2 ) يقول محمد عبد الخالق البشروش : " نحن إذا طلبناها ( اى القصة ) للادب العربى فانما اردنا ان يكون هذا الادب اوسع تعبيرا عن الحياة واشمل تصويرا لحقائقها ومفاتنها فان فى الحياة لمن المشاهد والصور والمناظر للتغنى ، بأشواقها وآمالها وبآلامها وشقائها وبما فيها من حسن وجلال وفتنة . . لقد تحت الدعوة الى القصة واليها يجب ان تتجه غايات الادباء حتى نجعلها المعيار الذي يوزن به الادب العربى كما يوزن الادب الغربى لانها اصدق مرآة للعبقرية والنفوس " ( 3 ).

ولعل الفضل الاكبر يرجع الى الاستاذ زين العابدين السنوسى الذى عمل جاهدا فى سبيل خلق أدب تونسي ، وسخر له مجلة " العالم الادبى " ( 4)

التى كانت منيرا لآراء الكتاب والشعراء ومسرحا للفنون الجديدة والقصة منها بالخصوص . يقول عنها الشيخ الفاضل بن عاشور : " . . . فكان فيما نشرته " العالم الادبي " أقاصيص ذات لون تونسى مستمد من صميم الحياة الشعبية والنفسية العربية الا أن أكثر ما نشر من تلك القصص كان ممضى بامضاء رمزى ويظهر أنه لكاتت واحد وان اختلف الامضاء ، فكان مرة الراوى وأخرى المحدث نشر له نحو ثمانى قصص وأقل تلك القصص ما نسب لكاتبه مثل قصة روح ثائرة للشابي ، ودموع القمر لمصطفى خريف وزوجة أحمد شرودة لمحمد عبد الخالق البشروش ، وهل كان مجنونا ؟ للتيجانى بن سالم (5 ). غير أن هؤلاء لم تثبت أقدامهم فى الميدان القصصى لما اعترى قصصهم من الضعف سواء من ناحية المضمون او من ناحية الشكل ولكنهم شقوا الطريق المن بعدهم ومهدوا السبيل للدوعاجى.

وإننا بازاء دراستنا لمظاهر الاصالة عنده سننظر الى فنه القصصى من ناحيتين اثنتين :

أ - ناحية المضمون . ب - ناحية الشكل .

1 - ناحية المضمون :

أول شئ يعترضك عند قراءتك لقصص الدوعاجى ويشدك اليه انغراسها في اعماق المجتمع التونسي وتأصلها فى ثراء هذه التربة الخصبة ، فهى مرآة صافية تنعكس عليها البيئة التونسية فى حركاتها وسكناتها وصورة صادقة لتلك الحياة ، فمن المؤدب البخيل الى الزوج الذى سهرت منه الليالى ، الى العروس التى تودع دار أبويها فى حرقة وتلهف ، الى غير ذلك من الصور العديدة والمظاهر المختلفة والاشكال المتباينة التى صدق الدوعاجى فى تصويرها وأبدع فى رسمها بأسلوب جذاب ولغة دقيقة ونغمة صادقة واحساس عميق ، بل ما لنا نذهب بعيدا فآستمع اليه وهو يندد بأصحاب التقليد والمحاكاة ، مقاوما هذه " الاكليشيات "التى طغت على الادب العربى والتي ليست هى من الاصالة فى شىء . يقول الدوعاجى : " إننا بطول الوقت سئمنا الرسائل الملقاة من الباخرة على أمواج البحر والهروب بعد منتصف الليل الى الجيزة فى الرولس رويس التى تقطع كيلومتر في الساعة وابن العميد

الذي دعا البرنسيس المجرية الى شراب الشاى على مائدته فتبتسم وأصابع يدها تعبث بسيجارة تركية ، وهذه " الاكليشيات " كما يقولون التى نجدها فى قصص العالميين والتى لو أبدلنا اسماءها الشرقية بأسماء غربية لآنطبقت آنطباقا عليها والتي لا تصف لنا من القاهرة ودمشق وبغداد الا ما يصفه الكاتب الاروبي لو زار هذه المدن " (6).

بهذا ابتعد عن الزيف والمحاكاة وقدم لنا قصصا تنبع من الواقع التونسي أعطانا ثمرة اتصالاته بأفراد المجتمع وخلاصة تجاربه وزبدة خبرته تلك التى قضاها فى " ممارسة الزبناء " والرجال طيلة عمره بمتجر السيد المبزع " (7). فاذا شخصياته يتكلمون بما يجيش فى صدر الشعب التونسى وما يدور فى خلده واذا هي يعالجون مشاكله العويصة ومسائله المتشعبة . يقول توفيق بكار فى هذا المجال : " ٠٠ ٠ثم يوغل )اى القارىء ( فى المطالعة فيحدق فى الاشخاص ماثلين فى شتى الهيئات ويصغى الى محاوراتهم تجرى فى شعاب القول ويتحسس نفسياتهم تختلج بألوان من الشعور واذا عينه تثبت الصورة واذا سمعه يألف اللفظ واذا حسه يعهد السجايا واذا هو لا ينكر منهم شيئا هم هم أبناء جلدته ، هم هم أبناء بلده ومما يزيده ثقة بسلامة نسبهم التونسي أنه يلقاهم فى زحمة الحياة لا يعالجون من المشاكل ومن المآسى الا ما يصح ان يكون تمخض عنه المجتمع التونسى "  (8).

فهذا المؤدب الذى "لم يكن له الا عيب واحد او على الاصح ضعف واحد هو حبه لجمع المال جمعا لما والمال قوام الاعمال ولا يقام عنده الدين الا بالدنيا" تراه يعمد الى طريقة شيطانية للحصول بها علي ما يصبو اليه ، وذلك ان يعمد الى استظهار التلاميذ " ومن وجده يتلكأ فى سرد الآيات المطلوبة أغرمه غرما ماليا يتراوح بين ثلث ريال وسدسه ولكنه لا يتشدد فى تقدير الغرم الا على الاطفال الاثرياء وكان اباؤنا لا يرون فى ذلك الا دليلا على شدة المؤدب بتعليمنا " . ألا ترى هذا النقد اللاذع للجهل المخيم على العقول السخيفة، الضارب أطنابه على الشعب التونسى وقتئذ ؟ ألا ترى هذه الطريقة القويمة التى اعتمدها فى اصلاح المجتمع .

ويحلل الدوعاجي نفسية المرأة المتزوجة لسكير والتى كانت حياتها معه سلسلة من الارزاء والمحن وحلقة من السب والشتم ، هذه المسكينه التى جنى عليها زواجها برجل ليس فى مستواها او ليست فى مستواه : " إنه رجل خبيث، أحمق ، سكير يسكر كل ليلة ولا يأتى بعد كل منتصف ليل الا ليعربد على وعلى طفلي . آه لو لم يكن حمادى ابننا بيننا ! آه يا خالتى لقد كان فى أول سكراته يشتمني شتما مقذعا وينعتنى بأقبح النعوت ولا يسمينى الا بأخبث اسماء الاسماك والطيور فاننى ( حسب الخمار ) بين الطاؤوس والوطواط او بين التن و " النازللى " القبيح الرأس ، ثم يجبرنى على إيقاد النار وطبخ المشلوش بعد الساعة الثانية من منتصف الليل والا فانى استحيل فى نعته حمارة لا تجيد الطبخ] ٠٠٠[ ليتك زوجتني أميا مثلى ، إن عشرة هذا لا تطاق ".

وتراه ينقد العادات السخيفة والتقاليد البالية التى لا تسمن ولا تغنى من حوع ، والتي تكبل المجتمع التونسي ، انذاك ، وإلا فما الداعى الى هذا الصياح والصراخ المنبعث من الحناجر والذي تشمئز منه النفس ولا يزيد الا فى ازعاج فتاة ستغادر دار أبويها بحرقة وتلهف نحو زوج لا تعرف منه الا اسمه: " . . وفعلا فان اصواتا ضعيفة كابية كامدة كألالوان التى أتت عليها الشمس ارتفعت " بتعليلة " :( لا اله الا الله ، والفرح واتانا كل من عادانا ، جانا وهنانا )فى نغمة هي للعويل والنواح أقرب منها لاى شىء آخر . نغمة كان أجدر بها أن توقع فى جنازة ميت من أن تغنى فى ليلة زفاف . ثم أتبعت الاصوات ذلك ب ( دوح دوح دوح ماندوحشى نمشى للحمام وما نروحشى ) وهو عويل آخر ليس من شأنه الا ان يزيد فى إيحاش فتاة خارجة من بيت نشأت فيه وكل ركن فيه آلاف من ذكريات طفولتها وشبابها وهى ستتركه الى بيت مجهول وستغادر فيه أبوين حنونين خلقت منهما وترعرعت بين أحضانهما الى عروس لا تعرف منه الا اسمه " . الا يدل هذا على سخافة عقل وسذاجة تفكير وبساطة عيش ؟

تلك هي أهم المواضيع التى عالجها الدوعاجي بكل صدق واخلاص ، ساعده على ذلك انغماسه فى الحياة العامة والاستفادة منها ، أضف الى ذلك عقلا نيرا وبصيرة نافذة وفكرا ثاقبا .

11 - ناحية الشكل :

اما من الناحية الفنية فتمتاز قصص الدوعاجي بدقة فى الوصف وبراعة فى التصوير ، فلا يكاد بأخذ شخصية حتى يرسمها رسما دقيقا ، تقرؤها فترى

لوحة زيتية كاملة الخطوط ، بارزة الملامح ، تنطق ببراعة صاحبها وتعبر عن اصالته فى هذا المضمار . واستمع اليه وهو يصور حالة فقير لم يجد ما يقدمه لأبنائه فى عيد اضحى : " عندما ارجع الى بيتي وأجد أكبادى كل منهم قد انتحى ركنا كئيبا واجما لا يبكى حتى لا يطالبني بالخروف كان الصغار فهموا من سنين ان لا فائدة فى مضايقتى بطلب ما لا استطيعه ، حقا انى لأتعس حالا من الخرفان الضحايا " .

ويعتمد فى أسلوبه الايجاز الذي يضفى على وصفه مسحة من الجمال كما فى وصفه للمؤدب الذي جمع بين اللين والقسوة والورع والبخل : " كان المؤدب رجلا طيبا ولكنه قاس شديد وكان تقيا ولكنه بخيل وكان يعلم عن جارته الأرملة ما يعلمه كل الجيران : أرملة فى الخامسة والعشرين جميلة زاهية ولكنها عفيفة " ٠

ويمتاز اسلوبه ايضا بـــــ " الايحائية " التى تضفى على لوحته حركة رشيقة كما نرى تصويره للخالة التى يعوقها سمنها عن المسير : " كانت الخالة امرأة ممتلئة الجسم يتحرك كل جزء منها بمفرده وهي تطلع درج السلم لاهثة شاخرة ، تتصبب عرقا وهي تصرخ مداعبة ابنة أختها من قبل ان تراها ، أين أنت ؟ اين ؟ ما هذا بسلم ؟ هذا الصراط ، أين أنت يا فتاتى ، لعن الله هذا الشحم الذي يعوقني حتى عن التنفس ".

ويتجه - احيانا نحو " الكاريكاتور " فتراه " يعبث بالصورة فى تخابث يحرفها تحريفا مقصودا ، فيبالغ في تضخيم بعض الملامح على حساب البقية" يقول الدوعاجى متحدثا عن العم باخير السقاء " كان العم باخير السقاء ، خفيف الروح ، دميما دمامة عليها مسحة من جمال التناسب مما جعل دمامته مقبولة ، فالانف البارز المكور تعلوه عينان حمراوان تحتهما فم واسع له شفة سفلى متورمة متدلية فى مستوى أفقى مع ذقنه وعلى الجميع لون من الوان الاشراق وطلاء من البشر مما زاد فى خفة ظله انه كان لا يملك صندوق ملابس بل كان يرتدى كل ما يشتريه ، فتراه مثلا معتما بعمة بيضاء عليها " محرمة حمراء يربط الجميع بخيط من وبر قاتم اللون ويرتدى فى اوقات الراحة الجبة والبرنس والقشابية والبلوزة صيفا وشتاء " .

ومن خصائص القصة عند الدوعاجي الحوار الذى يعد من العناصر الرئيسية فى الفن القصصى (9) فبواسطته يطلعنا الكاتب على " طبائع الاشخاص

ودخائل نفوسهم " . وحوار الدوعاجى يمتاز بالسرعة والخفة والرشاقة ويشع بالفكاهة والمرح والسخرية والعبرة . واليك هذا الحوار الجميل الذى يجرى بين الخالة وابنة أختها :

زكية : إنه لا يصحو إلا بعد منتصف النهار كعادته وإن صحا فلكى ينام ثانيا .

الخالة : ينام !

- بين الكتب والجرائد التى تأخذ كل وقته ،إنه لا يكلمني الا وهو  سكران ، فان صحا فهو للكتب والاوراق هي ذي تملأ الغرف والويل لى ان فقد منها ورقة ، لبتك زوجتني أميا مثلى ، إن عشرة هذا لا نطاق .

- تطاق !

- تصورى أنه رجع ليلة أمس يترنح سكرا ورائحته كرائحه النسناس وعثرت رجله بكتاب القاه الطفل المسكين ولم انتبه له ، فصب جام غضبه على الطفل ولطمه لطمة كادت تخرج روحه ووددت افتكاكه منه . .

-الكتاب أم الطفل ؟

- الطفل يا خالتى . . . حمادى . . . فلطمنى أنا بدورى " .

وتأمل هذا الحوار الذي يصور لنا نفسية كل من المرأتين ، هذه التى تريد الطلاق وتلك التى تشفق على زوجها ولا تقدر على مفارقته :

" - خالتى لا ترفعى صوتك .

- لا ارفع صوتى ، سأرفع صوتى ويدى ، لا ارفع صوتى ولماذا من فضلك ؟

- لئلا تزعجى . . . تزعجيه .

- ازعج من ؟

- هو دعيه ينام . . .  المسكين لقد سهر الليلة البارحة يا خالتى " .

أما من الناحية اللغوية فقد كان الدوعاجي شديد العناية بلغة قصصه ، دقيق استعمال المفردات اللغوية ، بعيدا عن التكلف ، قليل التحاسين البيانية بل كانت الفاظه على قدر معانيه فالاطناب فى مواقف الاطناب كما فى

هذه الفقرة : " أتصبرين على معاشرة هذا الفظ . قلت إنه أحمق قلنا لا بأس ككل الرجال ، قلت إنه يسميك بأسماء البهائم قلنا لا بأس سيغير نعوته حسن معاشرتك له . قلت إنه سكير قلنا لا بأس ستنتفخ كبده ويترك الخمرة ، قلت انه يحب مطالعة الكتب قلنا لا بأس وهى وإن كانت ضرائر لك الا أنها أخف وطأة من ضرة بشرية واحدة . لكن وصلنا لسوء المعاشرة والضرب . . . آطلبي طلاقك وأنا الضمينة بحصولك عليه من أقرب السبل" الايجاز فى مواقع الايجاز كما فى قوله : " رأيت العروس فاذا وجهها منتفخ وعيناها تنهمران دموعا وأصباغا وأنفها محمر وقد أتى سيل الدمع على ما كان على وجهها من مساحيق ، حقا أنه لمنظر مؤسف " .

وصفوة القول فان الدوعاجي قصاص أصيل عالج مشاكل مجتمعه بكل صدق واخلاص ، وما القصاص الاصيل الا ذلك الذى " يختار من كل ما حوله ما يهم جمهوره وما ينمي وعيه وما تتحد به المعانى الانسانية العامة " (10) . وما احرانا اليوم ان نلتفت الى هذا القصاص البارع وان نعيره اهتمامنا وان نقف عند بقية قصصه باحثين محللين ناقدين .

اشترك في نشرتنا البريدية