( تابع الحلقة الثانية عشرة )
( وعندما اشتد الجدل وتفاقم النزاع بين الطرفين خشى الامبراطور ان يؤثر ذلك فى وحدة الامبراطورية ، فحاول ان يوفق بين المذهبين ، وأرسل مبعوثا ( هوسيوس ) الى الاسكندرية لهذا الغرض ، ولكن جهود الامبراطور لم تكلل بالنجاح . لذلك دعا قسطنطين الى عقد مجمع دينى فى نيقية سنة ٣٢٥ لحسم الخلاف . وكان هذا المجمع- ( لمجمع مسكونى عالمى فى تاريخ الكنيسة ، اذ حضره نحو ثلاثمائة من رجال الدين من الشرق والغرب، ورأسه الامبراطور قسطنطين نفسه على الرغم من انه لم يكن معمدا ، وقد أدان مجمع نيقية هذا أريوس وبالتالى تقرر نفيه الى اليريا واعدام كتاباته وتحريم تداولها واضطهاد اتباعه من الاريوسيين . ومع ذلك فقد ظلت الاريوسية قائمة فى الاجزاء الشرقية من الامبراطورية ، وعن هذا الطريق انتقلت الى الامم الجرمانية بواسطة المبشرين ورجال الدين .
( ولعل بقاء المذهب الاريوسى قويا فى
الشرق كان من العوامل التى ادت بالامبراطورية قسطنطين الى تغيير رأيه ، فاستدعى أريوس من منفاه سنة ٣٢٨ ، ونستطيع ان نعلل هذا التغيير الذى طرأ على مسلك قسطنطين بما كان يعتزمه الامبراطور من نقل عاصمته الى القسطنطينية وهو الامر الذى تم فعلا سنة ٣٣٠ ، مما استلزم استرضاء أهالى الجزء الشرقى من الامبراطورية . ويؤكد هذه الخطوة من جانب قسطنطين الرأى . لقائل بأنه كان على استعداد تام لتغيير ميوله المذهبية - بل الدينية - وفق ما تتطلبه مصالحه السياسية . ذلك انه ظل يؤيد المذهب الاثناسيوسى ما دامت عاصمته فى الغرب وما دام معتمدا على الغرب فى قوته ، ولكنه عندما شرع فى نقل عاصمته الى الشرق واحس بالحاجة الى استرضاء سكان القسم الشرقى من الامبراطورية لم يجد غضاضة فى تغيير عقيدته أو ميوله المذهبية نحو المذهب الاريوسى (٨) .
( و لقد ثارت حول الديانة وفى صميمها مجادلات كلامية ، وسفسطة من الجدل العقيم شغلت فكر الامة ، واستهلكت ذكاءها . وابتلعت قدرتها العملية ، وتحولت فى كثير من الاحيان الى حروب دامية ، والى قتل وتدمير وتعذيب ، واغارة وانتهاب واغتيال وحولت المدارس والكنائس والبيوت الى معسكرات دينية متنافسة واقحمت البلاد فى حرب أهلية ، وكان اشد مظاهر هذا الخلاف الدينى ما كان بين نصارى الشام والدولة الرومية . وبين نصارى مصر ، أو بين ( الملكانية ) و ( المنوفيسية ) بلفظ أصح . . يكون شعار الملكانية عقيدة ازدواج طبعه لصبح . وكان المنوفيسيون يعتقدون
ان للمسيح عليه السلام طبيعة واحدة ، وهى الالهية التى تلاش فيها طبيعة المسيح البشرية ، كقطرة من الخل تقع فى بحر عميق لا قرار له . وقد اشتد هذا الخلاف بين الحزبين فى القرنين السادس والسابع ، حتى صار كأنه حرب عوان بين دينين متنافسين ، أو كأنه خلاف بين اليهود والنصارى ، كل طائفة تقول للاخرى : انها ليست على شىىء (٩) .
( فان ذينيك القرنين كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين ، نضال يذكيه اختلاف فى الجنس واختلاف فى الدين وكان اختلاف الدين أشد من اختلاف الجنس، اذ كانت علة العلل فى ذلك الوقت تلك العداوة بين الملكانية والمنوفيسية ، وكانت الطائفة الاولى - كما يدل عليها اسمها - حزب مذهب الدولة الامبراطورية وحزب الملك والبلاد ، وكانت تعتقد العقيدة الموروثة لديها وهى ازدواج طبيعة المسيح، على حين ان الطائفة الاخرى وهى حزب القبط المنوفيسيين - أهل مصر - كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها . وتحاربها حربا عنيفة فى حماسة شديدة يصعب علينا ان نتصورها او نعرف كنهها فى قوم يعقلون ، بله يؤمنون بالانجيل (١٠) .
ولقد ( حاول الامبراطور هرقل ( ٦١٠ - ٦٤١ م ) بعد انتصاره على الفرس سنة ٦٣٨ م جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها ، وأراد التوفيق ، وتقررت صورة
التوفيق بأن يمتنع الناس عن الخوض فى الكلام عن كنه طبيعة السبب للمسيح ، وعما اذا كانت له صفة واحدة ، أم صفتان ، ولكن عليهم بأن يشهدوا بأن الله له ارادة واحدة أو قضاء واحد ، وفى صدر عام ٦٣١ حصل وفاق على ذلك وصار المذهب المنوثيلى مذهبا رسميا للدولة ، ومن تضمهم من اتباع الكنيسة المسيحية ، وصمم هرقل على اظهار المذهب الجديد على ما عداه من المذاهب المختلفة له متوسلا الى ذلك بكل الوسائل ولكن القبط نابذوه العداء وتبرأوا من هذه البدعة والتحريف ، وصمدوا له واستماتوا فى سبيل عقيدتهم القديمة ، وحاول الامبراطور مرة أخرى توحيد المذاهب وحسم الخلاف ، فاقتنع بأن يقر الناس بأن الله له ارادة واحدة ، وأما المسألة الاخرى ، وهى نفاذ تلك الارادة بالفعل ، فارجأ القول فيه، ومنع الناس ان يخوضوا فى مناظراتها ، وجعل ذلك رسالة رسمية ، وبعث بها الى جميع جهات العالم الشرقى ، ولكن الرسالة لم تهدىء العاصفة فى مصر ووقع اضطهاد فظيع على يد قيرس فى مصر استمر عشر سنين ، وقع خلالها ما تقشعر منه الجلود ، فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون اغراقا ، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الاشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين الى الارض ، ويوضع السجين فى كيس مملوء من الرمل ويرمى به فى البحر ، الى غير ذلك من الفظائع (١١) .
( على انه لم يقتصر النزاع بين النصارى على العقيدة فى الله ، بل اختلفوا فى مسائل
أخرى كثيرة : هل ينزل المسيح قبل يوم القيامة او لا ينزل ؟ وهل الحشر يكون للارواح والابدان او للارواح فقط ؟ وهل صفات الله زائدة عن ذات الله، او هى هى؟ ومن النسطورية من كان يقول بالقدر خيره وشره ، الى غير ذلك من أقوال تسرب منها الى المسلمين كثير وأثار بينهم الجدل ، مما أيد لعلا قول النبى - صلى الله عليه وسلم - ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ) ، وسترى ذلك واضحا فى الفرق الاسلامية (١٢) .
وقد ( كانت الاسكندرية هى المركز الجغرافى لمزج الدين بالفلسفة ، فبعد ان كانت مدينة المتحف والمكتبة ، والمدينة المعروف عن أهلها النقد وسعة الاطلاع ، أصبحت مجمع المذاهب الفلسفية والطوائف الدينية ، فسهل الاتصال والامتزاج ، والتقى على ضفاف النيل رجال مختلفة آراؤهم ، متباينة مذاهبهم ، تبادلوا فيها الآراء كما كانت تتبادل فيها السلع ، فاتسعت دائرة الفكر وقورن بين الآراء المختلفة ، وكان من نتيجة ذلك ظهور روح جديد اسس على مبدأين متنافضين ممتزجين أحدهما الشك والنقد ، والثانى سرعة التصديق بالاشياء على علاتها . تقابلت فى الاسكندرية آراء الشرقيين والغربيين ( اليونان ) ، فامتزجت روح اليونان بروح المشارقة ، فانتجتا عقائد ونظما دينية متأثرة بتأمل الاولين والهالم الآخرين ، بما لليونان من علم وما للمشارقة من أساطير . جاءت الروح اليونانية بما لها من ذكاء ودقة وقدرة على الشرح المبين فأصابتها شرارة من الشرق أشعلتها وأحيتها - كذلك أخرجت الروح الشرقية - التى من خصائصها الطموح الى ما وراء عالم الشهادة
- نظاما ملتئما ونظريات مرتبة لم تكن لتخرجها لولا مساعدة العلم اليونانى لها . فانه رتب مأثور الشرقيين وحل من عقدة لسانهم ، فاستخرجوا العقائد الدينية والنظم الفلسفية التى بلغت الذروة فى مذاهب الغنوسطية والافلاطونية الحديثة ويهودية (( فيلون )) ومذهب الاشراك الذى وضعه (( يولبان الصابى )) . ان الشرقى بما له من ميل الى الغيب وخوارق العادات وما فى طبيعته من تصوف وتدين ، واليونانى بما له من فحص دقيق وبحث عميق ، وان شئت فقل ان ما للاول من شعور وما للثانى من تحليل منطقى امتزجا ونتج منهما فكر خاص انتشر فى الاسكندرية فى القرون الاولى للميلاد ، وقد صبغ ذلك الفكر بصبغتين مختلفتين : صبغة الكماليين والصوفيين ، وصبغة أهل البحث العلمى ، ولذا امتاز هذا العصر بميل الفلسفة الى الدين وميل الدين الى الفلسفة . قال بلدوين فى كتابه (( معجم الفلسفة )) عند كلامه على مادتى (فن) و ( مدرسة الاسكندرية ) : ((ان
الشرق والغرب اختلطا فى الاسكندرية وامتزجت آراء رومة واليونان والشام فى المدنية والعلوم والدين وآراء الشرق فى ذلك ، فنشأت قضية جديدة عمل على ايجادها بحث الغرب والهام الشرق ، واتصل - يجب العرب والام الصرف ، وأصل الدين بالفلسفة اتصالا وثيقا كان من نتائجه ظهور عقائد لا هى من الفلسفة المحضة ولا من الدين الخالص بل أخذت بطرف من كل (١٣) .
من كل ما تقدم يظهر لنا ان بلاد الروم - أو الدولة الرومانية - لم تهنأ بالديانة المسيحية ، كذلك فان هذه الديانة - نظرا لما أصابها من التحريف والتشويه اضحت لا تقدم للانسان العادى طمأنينة نفسية ، يرتاح لها ويشعر بخلوده اليها .
