الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

مظاهر الحضارة الإسلامية

Share

                      ( الفصل الثالث )    ( بقية الحلقة الحادية عشرة المننشورة بالجزء الثانى عشر من المجلد الثلاثين (( عدد شهر ذى الحجة سنة ١٣٨٩ ه )) ) ..

ثالثا : الناحية الاجتماعية والمالية :     لقد ( كان المجتمع الايرانى مؤسسا على اعتبار النسب والحرف ، وكان بين طبقات المجتمع هو واسعة لا يقوم عليها جسر ولا تصل بينها صلة ، وكانت الحكومة تحظر على العامة أن يشتري أحد منهم عقارا لأمير أو كبير ، وكان من قواعد السياسة الساسانية أن تضع كل واحد بمركزه الذى منحه نسبه ، ولا يستشرف لما فوقه ، ولم يكن لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التى خلقه الله لها ، وكان ملوك ايران لا يولون وضيعا وظيفة من وظائفهم ، وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها عن بعض تميزا واضحا ، وكان لكل واحد مركز مركز محدد فى المجتمع (١) . )

وكان أردشير بن بابك ، أول من رتب الناس وجعلهم ( على أقسام أربعة ، وحصر كل طبقة على قسمتها :

( فالاول - الاساورة من أبناء الملوك ،

( والقسم الثانى - النساك وسدنة بيوت النيران ،

والقسم الثالث - الاطباء والكتاب والمنجمون ،

( والقسم الرابع - الزراع وأصحاب المهن وأضرابهم .

( وكان أردشير يقول (( ما شئ أسرع في انتقال الدولة وخراب المملكة من انتقال هذه الطبقة عن مراتبها حتى يرفع الوضيع الى مرتبة الشريف ، ويحط الشريف الى مرتبة الوضيع (٢) . )

وقد ذكر المؤرخون ترتيبا آخر للطبقات التى كان يتكون منها المجتمع الفارسى قبيل الاسلام ، هو : ( طبقة الاشراف الدهاقين ، وطبقة النبلاء المرازبة ، وطبقة رجال الحرب الأصابذة ، والموابذة ، وطبقات فرعية أخرى تتشعب عن تلك الطبقات الاجتماعية الكبرى

( أما الدهاقين فهم الاشراف الذين يملكون ارثا لبعض العقارات والاراضى الواسعة ، وهم الواسطة بين الملك والرعية ، وهم - في التفسير المعجمى - جمع دهقان : زعيم فلاحى العجم ، ورئيس الاقليم ، معرب . وقد أكثرت المصادر التاريخية الاسلامية الأولى من ذكرهم ، ولاسبما في كتب فتوح البلدان (٣) . )

( وأما النبلاء المرازبة فهم حكام الولايات، وقد ورد ذكرهم كثيرا في المصادر الاسلامية، لاسيما في عقود الصلح التى عقدها القادة

العرب لما فتح من الأفاليم .

( والاصابذة من رجال الحرب ، كانوا يؤلفون الطبقة العسكرية التى كانت حتى أيام كسرى الاول تخضع للقائد الأكبر (( ايران أصبهذ )) . وكان الشاهنشاه يختار من رجال هذه الطبقة بعض الفرسان النبلاء ويسميهم الاساورة ، وبعدهم نخبة الجيش وحماته الأولين .

( والموابذة من رجال الدين ، كانوا - بعد أن أعاد لهم أردشير مهابتهم - دولة داخل الدولة - بل كانت كلمتهم فوق الدولة وفوق رجالها الرسميين ، لأن تأثيرهم لم يكن صادرا عن سلطانهم الروحى وحسب ، بل صادرا بالدرجة الاولى عن الاستقلال المادى الذى كانوا يمارسونه بحرية كاملة ، فقد كان لهم من الغرامات الدينية والعشور والهبات ما لا يطمع بمثله كسرى ، فلا عجب اذا ساروا مع نبلاء الأقطاع جنبا الى جنب ، ولا غرابة اذا خولتهم الدولة أكبر السلطان، وأقطعتهم أوسع الديار ، وهذا النفوذ الكبير للموابذة طوع لهم فرض أنظمتهم - أو قل أساطيرهم - على أفراد الرعية جميعا ، وحملهم في مختلف العصور على اضطهاد معتنقى الملل السماوية، ولا سيما المسيحيين، بعد ازدياد القتال عنفا بين دولة بيزنطية ودولة ساسان (٤) . )

ان هذا التفاوت فى الطبقات ما هو في حقيقة أمره الا امتهان للانسانية ، كيف لا والناس سواسية كأسنان المشط ، وتدلنا الحادثة التالية على مبلغ تلك التفرقة التى كانت تعيش فيها الانسانية المحطمة في بلاد فارس . فقد روى الطبرى عن أبى عثمان النهدى قال :

( لما جاء المغيرة الى القنطرة فعبرها الى

أهل فارس حبسوه ، واستأذنوا رستم في أجازته ، ولم يغيروا شيئا من شاراتهم تقوية لتهادنهم ، فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم عليهم التيجان والثياب منسوجة بالذهب ، وبسطهم على علوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشى عليها غلوة ، وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر ، يمشى حتى جلس معه عنى سريره ، ووسادته ، فوثبوا عليه وانزلوه ومغثوه ، فقال : كانت تبلغنا عنكم الأحلام : لا أرى قوما أسفه منكم ، انا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا، الا أن يكون له محاربا ، فظننت انكم تواسون قومكم كما نتواسى ، وكان أحسن من الذى صنعتم أن تخبرونى أن بعضكم أرباب بعض ، وان هذا الامر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه ، ولم آتكم ولكن دعوتمونى ، اليوم علمت ان أمركم مضمحل وأنكم مغلوبون ، وان ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول . فقالت السفلة : صدق والله العربى ، وقالت الدهاقين : والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون اليه ، قاتل الله أولينا ما كان أحمفهم (٥) . )

 يظهر جليا للباحث فى هذه النصوص مدى ما وصلت اليه هذه الامة من امتهان للبشرية، ومن هوانها على بعضهم .

النظم المالية في بلاد فارس :     لم تكن الحياة المالية ونظمها في بلاد فارس بأحسن حالا من النظم الاجتماعية والسياسية بها ، فقد اعترتها الفوضى كما اعترت غيرها من جوانب الحياة فى تلك البلاد التى سادتها الاضطرابات ، فهى مضطربة غير مستقلة شأنها فى ذلك شأن بقية شؤون الحياة ، فقد كانت حائرة فى

أغلب الاحوال ، تابعة لأخلاق الجباة وأهوائهم ، ووفق ارادتهم .

فقد ( كان الجباة لا يتحرزون من الخيانة واغتصاب الاموال في تقدير الضرائب وجباية الأموال ، ولما كانت الضرائب تختلف كل سنة ، وتزيد وتنقص ، لم يكن دخل الدولة وخرجها مقدرين مضبوطين ، وقد كانت الحرب تنشب في بعض الاحيان وليست عند الدولة أموال تنفقها على الحرب ، فكان يلجئها ذلك الى ضرائب جديدة ، وكانت المقاطعات الغربية - وخاصة بابل - هدف هذه الضرائب دائما (٦) . )

وعندما ( اعتلى كسرى الاول عرش فارس سنة ٥٣١ م ألفى بلاده تئن من الظلم والبغي والجبروت ، وألفى الفلاحين في ضيق فادح وبؤس شديد، فقد كان الملوك قبله يقاسمون هؤلاء الفلاحين غلال أرضهم ويأخذون في خراج بعضها الثلث تارة والربع تارة أخرى، وربما أخذوا من طائفة منها الخمس أو السدس على قدر شربها وعمارتها ، فكان أول اصلاح عالج به كسرى تلك المفاسد ان ألغى نظام المقاسمة وأقر نظام المساحة ، وسن للضرائب حدودا وقوانين (٧) . )

ولقد آتت هذه الاصلاحات التى قام بها كسرى أكلها ، فقد ( قوى الناس في معاشهم (٨) . )

( ولم يكن بد - وقد دعا كسرى الى هذا الاصلاح الزراعى - من أن يعيد النظر في الخراج بوجه خاص ، وفي أنواع الضرائب

بوجه عام ، فاذا هو يأمر بتصنيف الغللات ، وضبط الأشجار المثمرة ، واحصاء السكان ، واذا هو يضع في ضوء هذه المعلومات الدقيقة - ضرائب معينة على الارض تارة ، وعلى الرؤوس تارة ، وعلاجا لحالات استثنائية طارئة طورا آخر ، وأمكن - في عهده وفيما بعد جريا عليه - تحديد مقادير هاتيك الضرائب ، ونجومها وأقساطها وشروطها ، وعرفت هذه التحديدات الواضحة في مصادر التاريخ الاسلامى بوضائع كسرى .

( وتناولت ضريبة الخراج - في هذه الوضائع - الحنطة والشعير والأرز والكرم والرطاب والنخل والزيتون مما يعصم الناس والأنعام . فكان على كل جريب (٩) أرض من مزارع الحنطة والشعير درهم وقفيز ، وعلى كل جريب أرز نصف وثلث ، وعلى كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم .

وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم ، وعلى كل أربع نخلات فارسية درهم ، وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك ، وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك . وأمر كسرى بتدوين وضائعه هذه في نسخ ، واحتفظ في ديوانه بنسخة منها ، وحذر عماله من زيادة الضرائب على ما في نسخة الديوان ، واذن بجباية الخراج على ثلاثة أقساط في العام (١٠) . )

( أما ضرائب الأشخاص أو الرؤوس فقد أعاد كسرى النظر في مقاديرها وشروطها ، فأمست ضريبة الرأس واجبة على كل رجل من سن العشرين الى الخمسين ، وصنفت على طبقات : اثنى عشر درهما ، وثمانية ،

وستة ، وأربعة ، على قدر اكثار الرجل واقلاله ، وكان في هذا التصنيف سعة للناس ، الا ان بعض الطبقات أعفيت من هذه الضريبة اعفاء تاما ، كالأشراف ورجال الدين وكبار الموظفين ، ولم يكن هذا الاجراء مستغربا فى دولة يقوم أمرها - أول ما يقوم - على نظام الطبقات (١١). )

( ومن معاهدة الصلح التى عقدت بين كسرى الاول وجستنيان سنة ٥٦٢ م نستنتج ان الفرس فرضوا على البضائع التى تمر بالحدود ضرائب مالية شبيهة بالرسوم الجمركية في عصرنا الحديث .

( وكثيرا ما اضطرت الدولة - في أعقاب بعض الحروب - الى فرض بعض الضرائب الاستثنائية ، ولاسيما على الأقاليم الغربية الغنية ، الا ان مقادير هذا النوع من الضرائب لم تكن دائما قابلة للتحديد والتعيين ، فتأثرها بما يطرأ من الاحوال والظروف ، فلم يعرف على وجه الضبط في وثائق التاريخ (١٢) . )

على أن ما قام به كسرى لم يكن في صالح الرعية بقدر ما كان في صالح دولته ذاتها بصفة أكثر (١٣) .

اشترك في نشرتنا البريدية