الحضارة والبيئة :
تاريخ الانسان يحوم حول علاقته بالمجتمع وتفاعله معه ومع الحضارة التى ابدعها . وانه ليستحيل أن نتصور هذه الحقائق منفصلة عن بعضها ، فهى ترتبط وثيقا ولا سبيل الى التفرق بينها . وان الانسان لم يصبح انسانا ولم تتفتح مواهبه الانسانية . ولم تنم معارفه وخبراته الا عن طريق المجتمع .
ولولا هذا الوجود الاجتماعي الذي وجد فيه الانسان ، ما استطاع أن يكون حضارة . لان اجماع البشر واحتكاكهم مع بعض واتصالهم وتفاعلهم مع البيئة ، ذلك هو الاساس الحقيقي في نشأة الحضارة الانسانية ونموها وتطورها والوصول بها إلى ما وصلت اليه اليوم . وكما يقال " الانسان حيوان اجتماعي ، كذلك يقال . الانسان حيوان حضارى ،
وإذا كان عمر الانسان محدودا ، فعمر المجتمع والحضارة مديد . لأن المجتمع والحضارة يستمران ما دام فيهما أفراد
يتكاثرون بالتناسل او بضم عناصر اخرى جديدة اليهم ، ولعل السبب فى تكوين المجتمعات ناشئ عن غريزة التجمع والحفاظ على الحياة الاجتماعية ، لان البشرية منذ وجدت على سطح الكوكب كانت تعيش عيشة اجتماعية . وقد زاد الميل الى تكوين المجتمعات مع الزمن بادخال النظم والقوانين الاجتماعية التى من شأنها بقاء المجتمع واستمراره وتنمية الروابط الاجتماعية بين أفراده .
وتختلف المجتمعات في الزمان والمكان ولكل منها مظاهره الخارجية ، لأن الحيز المكانى يحدد نوع النشاط ، فالمجتمع الصحراوى هو غير المجتمع الريفى أو المدني ، ولكن الحيز الزمني يحدد درجة هذا النشاط . ففي المجتمعات الأولى نجد تأثير المكان واضحا على نشاط الانسان .
وبالرغم من ان الأفراد الذين يكونون مجتمعا من المجتمعات ، هم الذين ينشئون حضارته وينقلونها ، فان اية حضارة من الحضارات لا بد لها من أن تعتمد على مساحة عدد كبير من الأفراد من المجتمعات المختلفة اذ لا يمكن تصور المجتمع منعزلا تماما عن غيره من المجتمعات الاخرى ، كما لا يمكن تصور عدم اتصال بين هذه المجتمعات ، بل ان الشئ المقبول الذى لا سبيل لنكرانه هو ان المجتمعات البشرية كانت في الماضى كما هى فى وقت الحاضر على اتصال دائم . يأخذ بعضها بعضا . وتفيد من تجارب بعضها . لان الحياة الاجتماعية أخذ وعطاء . ومن هذا التفاعل الذى تم بين هذه المجتمعات اتسع نشاط الجماعة البشرية ومجهودها الحضارى . -
واذا ادخلنا عامل الزمن في الحساب كانت النتيجة ازالة الفوارق بين اولئك الذين اشتركوا فى انشاء الحضارة . وعندما ندرس الحضارات ونقارن بينها دون ان نشير الى أفراد معينين اسهموا في خلقها ، نعتبر انها من عملهم جميعا . وفي هذا المعنى يزول الادعاء بالتفوق العنصرى والشروط العرقية للحضارة ، كما تقول فكرة الحضارة الكبرى التى صنعها عنصر معين من البشر وهو العرق الآرى ، وبان هناك عناصر من البشر من شأنها ان تصنع الحضارة وتفيد منها وتحافظ عليها من الضياع ، وهي الجنس الابيض عامة . وان الحفاظ على الحضارة واجب ، وهذا الواجب يفرض تفوق العنصر ، الذي ابدع الحضارة ، على العناصر الأخرى ونعتقد ان لا حاجة بنا الى بيان عقم هذه النظرية وفسادها من حيث الاساس ، لان الحضارة من ابداع الانسانية بأجمعها .
والمتأمل في تاريخ الحضارة يجد انها لم تكن وليدة عرق من العروق ، ولم تظهر فى قارة دون اخرى ، بل انها ظهرت فى عصور مختلفة وفي أماكن متعددة من سطح الكرة . كحضارات وادى النيل وبلاد الرافدين والصين والمكسيك ( ١ ) والهند وغيرها وان الحضارة ، من حيث الاصل . لا وطن لها . وان ارقى الشعوب المتقدمة حضاريا المدينة الى تلك الشعوب البدائية فى
اختراعاتها الاولى ، التى كانت بمثابة نقاط . انطلاق لما أتى بعدها من اختراعات . ومن هنا نجد من واجبنا ان لا نلقي الكلام جزافا . بل ان يكون رائدنا الحذر فى استعمال كلمة " متوحش " او " همجى " عندما نصف بها بعض الجماعات البشرية ، لأن مثل هذه الأوصاف لا تنطبق على الواقع الا قليلا ولأن هذه الجماعات بالرغم مما هى عليه من تأخر وتخلف . تضم كثيرا من العناصر التى تدخل فى ن الحضارة الانسانية ومن الخير ان توصف هذه الشعوب بالنسبة الى الشعوب المتقدمة حضاريا بالشعوب " الابتدائية " او " المتخلفة " . ولا ريب أن كل مجتمع من البشرية يخلق قيما معينة ويحاول ان يلقنها الى أبنانه بالتربية او التوجيه والارشاد ، ليفخروا بمجتمعهم وبما ابدعوا وحققوا من قيم ، وليشعروا بقوة الروابط المعنوية فى سبيل خير المجتمع وبقائه واستمراره . ولكن لا شئ يدعو لان يتخذ مثل هذا التفاخر مبدأ علميا مقررا يطبق على البشرية كلها فى سبيل التفوق العنصرى وسيادة العنصر الابيض وغير ذلك من بقايا فلسفة القرن التاسع عشر ومخلفاتها فى القرن العشرين .
وفي الحقيقة ان الاختلافات العرقية ليس لها أى تأثير على التاريخ البشرى ، لأن القول بنقاوة دم بعض العروق والأجناس وتفوقها على غيرها زعم باطل لا نصيب له
من الصحة ، فضلا عن أن العلم يرفضه ولا يقره . فمنذ عصور ما قبل التاريخ والمجتمعات البشرية في اتصال دائم واختلاط مستمر وعلاقات متشابكة ، وهذه العلاقات اسقطت الاعتبارات العرقية وأخذت تعلق أهمية كبرى على العلاقات البشرية الدائمة أو السلمية أو الحربية التى لها اكبر الاثر فى الحضارة وتفتحها وازدهارها ( ٢ )
التغير الحضاري :
مذ وجدت المجتمعات البشرية وهي فى تغير دائم . وهذا التغير الدائم هو فى سبيل بقانها ونموعا . بيد أن هذا التغير لا يحدث بصورة رياضية بل هو عملية كيماوية نتائجها مركب له خصائصه الجديدة التى يطبع بها المجتمع وحضارته فى كل زمان ومكان .
وهذا التغير الحضارى هو فى الواقع تغير انساني ، لأن موضوع التغير الحضارى هو الانسان نفسه ، ولأن الحضارة حين تتغير ، انما تعمل على تغيير الانسان الذي يستعمل منجزاتها ، ويتفاعل معها ( ٣ )
( يتبع )

