نشأة الحضارة وتطورها :
ان اجتماع النوع البشرى امر ضرورى ، فليس في مقدور الانسان - اى انسان مهما كان - ان يهئ لنفسه وبنفسه كل وسائل ارتقائه وتحصيل حاجاته ، وما
يتطلبه معاشه الا بمعاونة اخيه الانسان كما انه لا يستطيع ان يدافع عن نفسه الا بالاستعانة باباء جنسه ، وهذا ما قرره العلامة العربي المسلم " ابن خلدون " فى مقدمته ( ١ ) ، وما قال به بعض الحكماء من ان ( الانسان مدني بالطبع ) ، فاذا حصل الاجتماع ، وقام التعاون فيما بينهم ، حصل لهم التغلب على امر المعاش ، والدفاع عن النفس
وقديما قال الشاعر
الناس للناس من بده وحاضرة
بعض لبعض وان لم يشعروا خدم
فاذا ما اطمأن الانسان الى امر معاشه ، والدفاع عن نفسه ، شرع فى الاخذ بالكماليات ، ومن هنا يكون بدؤه بالاخذ باسباب الحضارة والتقدم ، وهكذا تنمو الحضارة وتزدهر ، وتسير فى طريقها حتى تبلغ مداها .
" فالحضارة تبدأ حيث ينتهى الاضطراب والقلق ، لانه اذا ما أمن الانسان من الخوف تحركت في نفسه دوافع التطلع ، وعوامل
الابداع والانشاء ، وحينئذ لا تنفك الحوافز الطبعية تستنهضه للمضى فى طريقه الى فهم الحياة والازدهار " ( ١ ) .
" ومع ان اجتماع النوع الانسانى ضرورى وطبعي فان اجيال الناس مختلفون فى أحوالهم باختلاف نحلهم فى المعاش ، فمنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والابل ، وهم أهل البادية الذين تلجئهم الضرورات الى طلب المسارح ( ٣ ) والمراعي لحيواناتهم التى يعيشون بنتاجها ويكون اجتماعهم وتعاونهم فى حاجاتهم ومعاشهم بالقدر الذى يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك ، وما تزال طرق معايشهم وعاداتهم وطبائعهم كما كانت منذ آلاف السنين
" ومنهم من يستعمل الغراسة والزراعة ، والصناعة والتجارة والفنون وغيرها وهؤلاء هم أهل الحضر .
" واذا اتسعت أحوالهم ، وحصل لهم ، ما فوق الحاجة من الغنى والرفاهية دعاهم ذلك الى السكون والدعة ، وتعاونوا فى الزائد على الضرورى ، واستكثروا من الاقوات والملابس واختطاط المدن والامصار للتحضير .
" وفى المدن والامصار تزيد أحوال الرفاعية والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها فيتخذون القصور ، ويعالون فى صرحها ، ويبالغون فى تنجيدها واستجادة ما يتخذونه لمعاشهم وينتهون فى العمران والعلوم والمعارف ، وما الى ذلك - الى المدى الذى تؤهلهم له احوالهم وظروفهم الخاصة بهم " ( ٤ )
وقد قال العلامة ابن خلدون في مقدمته : والحضارة انما هى تفنن فى الترف واحكام الصنائع المستعملة فى وجوهه ومذاهبه ( ٥)
ويجتمع في المدينة - حقا أو باطلا - ما ينتجه الريف من ثراء ومن نوابغ العقول وكذلك يعمل الاختراع وتعمل الصناعة فى المدينة على مضاعفة وسائل الراحة والترف والفراغ ، وفى المدينة يتلاقى التجار حيث يتبادلون السلع والافكار ، وها هنا حيث تتلاقى طرق التجارة فتتلاقى العقول ، يرهف الذكاء وتستثار فيه قوته على الخلق والابداع ، وكذلك فى المدينة يستغنى عن فئة من الناس فلا يطلب اليهم صناعة الأشياء المادية ، فتراهم يتوفرون على انتاج العلم والفلسفة والادب والفن ، نعم ان المدنية تبدا فى كوخ الفلاح لكنها لا تزدهر الا في المدن ( ٦ ) .
مظاهر الحضارة وعوامل تكوينها :
الحضارة صورة الحياة الانسانية الراقية على لوح الزمن ، كما أنها قصة المحاولات البشرية المختلفة المتباينة ، التى تطلع الانسان بها الى تحقيق حياة أفضل من التى يعيش فيها ، وأكثر رفاهية .
والحضارة تتجلى في مظاهر اجمع اكثر
دارسيها على انها تنحصر فيما يلى :
١ - المظهر السياسي : ويشمل دراسة نوع الحكم ، ونوع الادارة الحكومية ، ومؤسساتها المركزية أو المحلية .
٢ - المظهر الاجتماعي : ويشتمل على تكوين المجتمع ونظمه ومؤسساته ونظام الاسرة ، ومقام المرأة ، والآداب والاخلاق الاجتماعية ، ومختلف العوامل التى تؤثر فيها أو تنتج عنها .
٣ - المظهر الفكرى : وهذه الناحية تشمل دراسة النواحي الفكرية فى الحضارة ، وجميع ما يتصل بالتفكير والانتاج العقلي والمعتقدات الدينية والآداب والعلوم والفنون والعمارة ، وتخطيط المدن وتمصير الامصار .
؛ ٤-المظهر الاقتصادى : ويشمل دراسة الأنظمة الاقتصادية ، كأنظمة الزراعة والصناعة والتجارة ، والنظم المالية وما يتبعها من انظمة وتشريعات .
ولسوف يتضح لنا بعد ان تتكامل هذه الدراسة - ان شاء الله - لمظاهر الحضارة الاسلامية ، ان هذه الحضارة - واعنى بها الحضارة الاسلامية - قد استوعبت هذه المظاهر ، وعنيت بها ، وبرزت فيها ، وتفوقت على غيرها .
عوامل تكوين الحضارة (٧ )
تقوم عدة عوامل بتكوين الحضارة ، ولعل أهم هذه العوامل :
١ - العوامل الجيولوجية ، ٢ - العوامل الجغرافية ، ٣ - العوامل الاقتصادية ، ٤ - العوامل الدينية ، ٥ - العوامل الثقافية ، ٦ - العوامل الخلقية ، ٧ -
العوامل النفسية ، ٨ - العوامل التربوية .
وسنتكلم عن كل عامل من هذه العوامل لنعرف اثره فى الحضارة ، وكيف يعمل على امدادها بالحياة ، إذا كان موجودا ، أو كيف يفقدها الحياة واكسيرها اذا انعدم وجوده منها .
١ - العوامل الجيولوجية :
لاأحد ينكر ما للعوامل الجيولوجية من اثر يعتد به فى الحضارة ، فتيار جديد من الجليد يعود مرة اخرى الى الارض فى اى وقت فيغمرها من جديد ، يطمس منشأت الانسان بركام من ثلوج واحجار ، ويحصر الحياة فى نطاق ضيق من سطح الارض ، وقد يكون الانسان فى نشاطه وعنفوان عمله ، اذا بزلزال عنيف ، يتحرك فيبلع ما بناه الانسان فى مئات السنين ، يبلعه فى ظرف ثوان معدودات ، واذا به يودعها جوف الارض : فيقضى بذلك على جميع أو معظم ما أنجزه الانسان ليترفه به أو ليتمتع بما ابتدعته يداه .
٢ - والعوامل الاقتصادية :
أهم من ذلك ، فقد يكون لشعب مؤسسات اجتماعية منظمة ، وتشريع خلقي رفيع ، بل قد تزدهر فيه صغريات الفنون ، كما هى الحال مع الهنود الامريكيين ، ومع ذلك فانه ان ظل فى مرحلة الصيد البدائية ، واعتمد فى وجوده على ما عسى ان يصادفه من قنائص ، فانه يستحيل ان يتحول من الهمجية الى المدنية تحولا تاما ، او قد تكون قبيلة البدو - كبدو بلاد العرب - على درجة نادرة من الفتوة والذكاء ، وقد تبدى من ألوان الخلق اسماها كالشجاعة والكرم والشمم ، لكن ذكاءها بغير الحد الادنى من
الثقافة الذي لا بد منه ، وبغير اطراد موارد القوت ، ستنفقه فى مخاطر الصيد ومقتضيات التجارة ، بحيث لا يبقى لها منه شئ لوشي المدنية وهدابها ولطائفها وملحقاتها وفنونها وترفها ، وأول صورة تبدت فيها الثقافة هى الزراعة ، اذ الانسان لا يجد لتمدنه فراغا ومبررا الا اذا استقر فى مكان يفلح تربته ويخزن فيه الزاد ليوم قد لا يجد فيه موردا لطعامه ، فى هذه الدائرة الضيقة من الطمأنينة - وأعنى بها موردا محققا من ماء وطعام - ترى الانسان يبنى لنفسه الدور والمعابد والمدارس ، ويخترع الآلات التى تعينه على الانتاج ثم يسيطر على نفسه آخر الامر ، فيتعلم كيف يعمل فى نظام واطراد ، ويحتفظ بحياته امدا اطول ويزداد قدرة على نقل تراث الانسانية من علم وأخلاق نقلا أمينا .
٣ - العوامل الجغرافية :
ان المياه والامطار وما تحمله من خيرات أو اضطرابات ، من اهم العوامل المكونة للحضارة ، فالماء وسيلة الحياة : " وجعلنا من الماء كل شئ حى ، بل قد يكون أهم للحياة من ضوء الشمس ، ولما كانت حالة الجو متقلبة فى اكثر الاحيان ، فقد تقضى على أراض ومناطق بالجفاف الدائم ، مما يؤدى بالتالى الى ضياع مدنيات ازدهرت فى تلك الاصقاع ، مثلما حدث لبابل و نينوى ، وقد تعطى بعض المناطق فائضا من المياه قد يؤدى ايضا الى ضياع جهود ابناء تلك المناطق فى ظرف دقائق معدودة
ولا ينكر ما للحرارة من أثر سئ على الاماكن التى تجتاحها ، فالاقطار الاستوائية وما يوجد فيها من طفيليات لا تقع تحت الحصر ، لا تهئ للمدنية وازدهارها إسبابها ،
ما يسود تلك البيئات من خمول وكسل وأمراض ، يصرف الانسان عن الاخذ باسباب الحضارة والتقدم ، كما انها لا تذر للانسان شيئا من الجهد ينفقه في ميدان الفنون والعلوم وجمال التفكير
كذلك فان الاقليم الذي تجود ارضه بالمعادن وبالطعام ، وانهاره تهئ له طريقا للاتصال بغيره من الامم ، وشواطؤه مليئة بالمواضع التى تصلح ان تكون مرافئ طبعية لسفنه التجارية ، ويقع على طريق رئيسية للتجارة العالمية ، مثل هذا الاقليم تبتسم الحضارة له وتزدهر فيه .
٤ - العوامل الثقافية :
لها شأن اى شأن فى نشأة الحضارة ، فالوحدة اللغوية مثلا لا بد منها الى حد كبير لتكون وسيلة بين الناس لتبادل الافكار والمعلومات الامر الذى يجعل الحضارة تسير بخطى واسعة نحو الكمال
٥ العوامل الدينية :
لا بد ان يكون بين الناس فى مجتمعهم كل الاتفاق فى العقائد الرئيسية أوبعضه ، وجانب من الايمان بما وراء الطبيعة ، لان ذلك يرفع الاخلاق من مرحلة نفع العمل وضرره الى مرحلة الاخلاص للعمل ذاته ، ويجعل حياتنا اشرف واكثر احتمالا واطمئنانا لنوائب الزمن
٦ - العوامل الخلقية :
ثم لا مندوحة عن قانون خلقي يسود الجماعة ويربط بينهم ، حتى تكون هناك قواعد عامة يرعاها الجميع ويعترف بها حتى الخارجون عليها ، وهذه القيم توجد اما عن طريق المسجد أو الاسرة أو المدرسة أو غير ذلك
٧ - العوامل النفسية :
ولا بد ان تتوافر عوامل نفسية دقيقة لتنشأ الحضارة ، فمثلا لا بد ان يشعر الناس بأنه يسودهم نظام سياسي مهما يبلغ ذلك النظام حدا يدنو به من الفوضى .
كما انه لا بد لهم من ان يشعروا بأنهم مطمئنون على حياتهم وارواحهم ، فلا يتوقعون الموت والهلاك عند كل منعطف فى حياتهم ، و لا فان مجتمعا لا تتوافر لديه مثل هذه العوامل لا يستطيع ان يأخذ باسباب الحضارة وهو فى مثل هذه الحالة النفسية من القلق والاضطراب والخوف وعدم الاطمئنان
٨ - العوامل التربوية :
ونقصد بالتربية هنا الوسيلة التى تنقل بها المدنية من جيل إلى جيل مهما كانت هذه الوسيلة بدائية ، اذ لا بد ان نورث الناشئة تراث القبيلة او الامة ، وروحها وقد يكون هذا التوريث عن طريق التقليد أو التعليم ، او التلقين ، وسواء اكان الحربى والملقن لهم هو آب أم الام أم المعلم أم المرشد أم الواعظ ، لان هذا التراث يجب أن يعرفه الاطفال والنشء الجديد ذلك لانه الاداة الاساسية والرئيسية التى تحول هؤلاء الناشئين من مرحلة اللاواعين واللافاهمين الى طور الانسان الواعي الفاهم .
وقد يرد ذكر السؤال التالي على خاطر احد القراء ، وهو : ماذا لو انعدم احد هذه لعوامل ؟ ٠٠
فالجواب انه لو انعدم احد هذه العوامل لجاز أن يتقوض اساس المدنية والحضارة ، فانقلاب جيولوجى خطير ، او انحلال عقلي أو خلقي ينشأ عن الحياة فى الحواضر الصاخبة بما فيها من منهكات ومثيرات واتصالات ، أو زوال الخصوبة من الارض ، أو فساد الزراعة ، أو استنفاد لموارد الطبعية ، أو تحول فى طرق التجارة تحولا يبعد أمة من الامم عن الطريق الرئيسية لها ، أو تخلخل فى الثروة ينتهى بالناس الى حرب الطبقات ، أو ثورات هدامة أو ما شاكل ذلك ، قد يؤدى الى فناء المدنية ، اذ انها - اى المدنية والحضارة - ليست شيئا مجبولا فى فطرة الانسان ، كلا ، ولا هي شئ يستعصى على الفناء ، فاذا حدث اضطراب خطير فى عواملها الاقتصادية ، أو فى طريق انتقالها من جيل إلى جيل ، فقد يكون ذلك عاملا على فنائها واضمحلالها . فالانسان يختلف - كما هو معروف - عن الحيوان فى شىء واحد مهم هو التربية
"والمدنيات المختلفة هي بمثابة الاجيال للنفس الانسانية ، فكما ترتبط الاجيال المتعاقبة بعضها ببعض بفضل قيم الاسرة بتربية ابنائها ، ثم بفضل الكتابة التى تنقل تراث الآباء للابناء فكذلك الطباعة والتجارة وغيرهما من الوف الوسائل التى تربط الصلات بين الناس قد تعمل على ربط الاواصر بين المدنيات ، وبذلك نصون للثقافات المقبلة كل ما له قيمة من عناصر مدنيتنا ، اذن فلنجمع تراثنا قبل ان يلحق الموت بنا لنسلمه الى ابنائنا ( ٨ ) . "

