أريد قبل كل شئ أن أتوجه بأخلص عبارات الشكر والامتنان الى الذين منحونى ثقتهم لما اعتبرونى جديرا بالمشاركة فى هذه الايام الثقافية احتفالا بنصف قرن مر على مولد الناشئة الادبية بمدينة ما انفك نور الثقافة يشع منها منذ أن قضى عبد الله المهدى الفاطمى أن يكون شبه الجزيرة مطية لمهدية تحتضن قصوره ودواوين سلطانه ومراكز الحضارة حتى كانت محركا يبعث القوة والنشاط فى مختلف ميادين الحياة كما سنحاول تبيانه بعد حين .
فمنذ سنين ثلاث خلت يوما بعد يوم كنت تحدثت عن الحضارات التى عاشتها جزيرتنا قبل ان يحل بها عبد الله المهدى الفاطمى ويختارها موطنا لعاصمته : حاولت اذذاك أن أقدم للحاضرين ما خلفه الذين سبقونا على هذه الارض المباركة .
فمن مخلفات الاول ما يعود الى عهد قرطاج البونيقية ومنها ما يعود الى أيام الرومان والثابت أنها مخلفات قديمة من سبك أناس ينتسبون الى عرق نحن اليه ننتسب . فهذه ليست مخلفات فنيقية وليست رومانية محضة بل هى بقايا حضارة افريقية غلبت عليها ألوان الحضارة الفينيقية فى عهد قرطاج وارتدت الشملة الرومانية فى سلطان الرومان . ذلك كان تقريبا محور حديثى فى صائفة سنة 1968 فى التاسع من شهر أوت مثل هذا اليوم
أما فى هذه المناسبة المباركة فأجدنى مطالبا بالحديث عن مظاهر الحضارة فى ايام الفاطميين . انه لموضوع خطير ولا تخفى أهميته على أحد وطالما تجاذبنا أطراف الحديث حوله مع الزملاء الذين يدرسون بالجامعة التونسية والذين يقضون كامل أوقاتهم بحثا ودرسا بين الكتب والمعالم ، بين المكتبات والمتاحف حيث تعرض التحف وتوجد المصادر الادبية والدراسات
اسمحوا لى اخوانى أن أصارحكم بشئ حتى يخف على عبؤه وهو شعورى بالخطيئة : شعور ما انفك يضايقنى منذ أن تعهدت بتقديم هذه المساهمة المتواضعة :
ذلك أننى لست من أهل الاختصاص فى تاريخ بنى عبيد وحضارتهم . فأرجو أن انبيتموا الى اذن بتسامح وسعة صدر .
على أننى سوف لا ادخل ديارا قد أشعر فيها بالغربة . تلك أتركها لأهل الذكر والمعرفة كثيرون فى تونس الجديدة : أذكر منهم على سبيل المثال لا على سبيل الحصر الاستاذ فرحات الدشراوى وهو من أكبر الاخصائيين فى تاريخ الفاطميين وسياسة دولتهم وهو موضوع أطروحة ناقشها حديثا فى باريس . ومن المحيطين أيضا بتاريخ العبيديين تجدر الاشارة إلى الاستاذ مصطفى سليمان زبيس والاستاذ ابراهيم شبوح وكلاهما يمتاز بمعرفته الدقيقة للنصوص : المخطوطة منها والمنشورة ويمتاز كذلك باعتنائه بالآثار الفاطمية .
المصادر والدراسات
لكن قبل الشروع فى تقديم بعض مظاهر الحضارة الفاطمية قلت (( بعض )) لأنه ليس لأحد أن يحيط بمختلف ألوان الحضارة التى تحلت بها بلادنا فى أيام عبد الله المهدى الفاطمى وأحفاده - فقبل الشروع فى تقويمها وتعريفها - تجب الاشارة ولو بسرعة واقتضاب الى المصادر والدراسات التى قد تنير طريق الباحث الدارس وتساعده على استنطاق ما خلفه الفاطميون وسبر أغوار حضارتهم وفهم أشكالها ورموزها ومطامحها .
لقد تحدث المؤرخون القدامى عن دولة بنى عبيد فى كتبهم ورسائلهم وحولياتهم وليس هذا مجال الحديث عنهم جميعا لكن تحسن الاشارة الى بعضهم : منهم ابن عذارى المراكشى وهو من أهل القرن السابع هجريا الموافق للقرن الثالث عشر ميلاديا . تحدث ابن عذراى عن الدولة العبيدية فى كتابه (( البيان المغرب فى أخبار المغرب ))
وأورد ابن الأثير فى الجزء الثامن من (( الكامل فى التاريخ )) فصلا خاصا بالدولة العبيدية قسمه الى ستة أقسام وهى التالية :
1 ) ذكر ابتداء الدولة العلوية بافريقية . 2 ) ذكر ارسال أبى عبد الله الشيعى الى المغرب 3 ) ذكر ملكه مدينة ميلة وانهزامه
4 ) ذكر استيلاء أبى عبد الله على افريقية وهرب زيادة الله أميرها . 5 ) ذكر مسير أبى عبد الله الى سجلماسة وظهور المهدى 6 ) ذكر قتل أبى عبد الله الشيعى وأخيه أبى العباس
فهى صفحات قليلة العدد لكنها دسمة أورد فيها ابن الأثير خلاصة الاحداث التى واكبت تألق نجم عبيد الله المهدى بسماء رقادة والقيروان . فلنستمع اليه يصف دخول أبى عبد الله الداعى الى عاصمة الاغالبة : (( ولما بلغ أبا عبد الله هرب زيادة الله كان بناحية سبيبة ورحل ونزل بوادى النمل وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبى خنزير فى ألف فارس الى رقادة فوجد الناس ينهبون ما بقى من الامتعة والاثاث فأمنوهم ولم يتعرضوا لأحد وتركوا لكل واحد ما حمله فأتى الناس الى القيروان فأخبروه الخبر فطرح أهلها وخرج الفقهاء ووجوه البلد الى لقاء أبى عبد الله فلقوه وسلموا عليه وهنؤوه بالفتح فرد عليهم ردا حسينا وحدثهم وأعطاهم الامان فأعجبهم ذلك وأسرهم وذموا زيادة الله وذكروا مساويه فقال لهم : ما كان الا قويا وله منعة ودولة شامخة وما قصر فى مدافعته ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع فأمسكوا عن الكلام ورجعوا الى القيروان ودخل رقادة يوم السبت مستهل رجب من سنة ست وتسعين ومائتين فنزل ببعض قصورها وفرق دورها على كتامة ولم يكن بقى أحد من أهلها فيها وأمر فنودى بالامان فرجع الناس الى اوطانهم وأخرج العمال الى البلاد وطلب أهل الشر فقتلهم وأمر أن يجمع ما كان لزيادة الله من الاموال والسلاح وغير ذلك فاجتمع كثير منه وفيه كثير من الجوارى لهن مقدار وحظ من الجمال فسأل عمن كان يكفلهن فذكر له امرأة صالحة كانت لزيادة الله فأحضرها وأحسن اليها وأمرها بحفظهن وأمر لهن بما يصلحهن ولم ينظر الى واحدة منهن . ولما حضرت الجمعة أمر الخطباء بالقيروان وان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا . وأمر بضرب السكة ، وأن لا ينقش عليها اسم . ولكنه جعل مكان الاسم من وجه (( بلغت حجة الله )) ومن الآخر (( تفرق أعداء الله )) . ونقش على السلاح (( عدة فى سبيل الله )) ووسم الخيل على أفخاذها (( لله )) وأقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن والقليل من الطعام الغليظ ))
ومما دفعنى الى سرد هذه الفقرة الطويلة من الكامل فى التاريخ شعورى بقيمتها التاريخية سيما فى خصوص أبى عبد الله الداعى اليمنى : فهى تلخيص لسلوكه السياسى وحذقه فى التأثير على النفوس وكسبها ولعل ذلك
هو سر نجاح الدعوة التى قام بها فى الديار المغربية . ونراه يدخل رقادة محفوفا بالحلم والتفهم والتسامح والتقوى متقيا شر الغرور حتى انه لا ينسب انتصاره الى دهاء فى القيادة ولا الى قوة العتاد بل ينسبه الى الله مؤمنا أن فى ذلك ما تهواه نفوس الاعيان والجماهير وترتاح اليه . ويبدو لنا أبو عبد الله الداعى وقد تحلى بجمال البساطة فى العيش اذ كان يزهد فى زينة الحياة ولذاتها .
وتفيدنا هذه الفقرة أيضا بما كان يمتاز به أبو عبد الله الداعى من خبرة وعميق التجربة وحذر ذلك ما نستشفه من وراء ما نقش على السلاح ووسم أفخاذ الخيل : أبى ذكر اسم الخليفة المهدى ما دام سجين مدينة سجلماسة بجنوب المغرب الاقصى
واذ قد يطول بنا الحديث فى تعليقنا على هذه الفقرة من (( الكامل فى التاريخ )) نؤثر الاكتفاء بالاشارة إلى موقف المؤرخ نفسه فابن الأثير من عائلة سنية ومع ذلك تراه يقدم الاحداث دون تشويه ولا تشكيك ، فهو يقدمها وكأنه يقرها .
ومن الذين أرخوا لبنى عبيد تتوجب الاشارة إلى المقريزى والى ابن خلدون : عاش الاول فى القرن الخامس عشر ميلاديا وعاش الثانى من سنة 1332 الى سنة 1406 ميلاديا . تحدث المقريزى عن الدولة العبيدية فى (( الخطط المقريزية )) وفى (( اتعاظ الحنفا )) وخصص عبد الرحمان ابن خلدون لدولة الفواطم فصلا من فصول (( كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر فى أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الاكبر )) .
ولا بد لدارس الدولة الفاطمية أن يعود الى (( رسالة افتتاح الدعوة )) للقاضى النعمان وكان مكلفا بخطة (( قاضى قضاة )) الدولة الفاطمية فى أيام المعز . وقيمة هذه الرسالة لا تخفى على أحد اذ هى تمدنا بوجهة نظر الاوساط الشيعية الرسمية والدولة الفاطمية اذذاك في أوج سلطانها . أضف الى ذاك أن رسالة القاضى النعمان تعد وثيقة معاصرة للاحداث التى تضمنتها ، اذ الفاصل الزمنى بين المؤلف والاحداث التى أوردها لا يتجاوز نصف قرن وأثبتت وداد القاضى محققة الرسالة أن جل المؤرخين اللاحقين من ابن الأثير وابن خلدون والمقريزى وغيرهم نقلوا عما أورده القاضى النعمان فى (( رسالة افتتاح الدعوة )).
تقول وداد القاضى فى هذا الصدد : (( أما الامر الثانى أعنى قرب القاضى النعمان نسبيا من زمان الدعوة فقد جعل ( رسالة ) الافتتاح نفسها مصدرا يأخذ منه المؤرخون سواء أشاروا الى ذلك أو لم يشيروا اليه ، كل بقدر اهتمامه وبحسب غرضه حتى أن كاتبا مبكرا مثل محمد بن محمد اليمانى صاحب (( سيرة الحاجب جعفر )) ( التى كتبت قبل 365 ) أحال على (( افتتاح الدعوة )) عندما أراد أن يتحدث عما سميته (( مرحلة التسلل )) فى دور أبى عبد الله الداعى فى اقامة دعوته . . ))
وتضيف وداد القاضى : (( غير أن افتتاح الدعوة لم تكن مصدرا لكتاب التاريخ الاسماعيليين وحسب بل اتخذها المؤرخون الآخرون مصدرا أساسيا لهم فيما يبدو فمعظم ما جاء فى كتاب (( الكامل )) لابن الأثير عن قصة الدعوة يمكن أن تتبع أصوله فى رسالة (( الافتتاح )) وكثيرا ما نجد العبارة نفسها منقولة فيه كما وردت عند القاضى النعمان فهو يبدو وكأنه تلخيص انتقائى للاحداث من مادة كتاب القاضى النعمان
أما الفصل الخاص بالعبيديين فى (( عبر )) ابن خلدون فانه يمثل تتبعا دقيقا مبنيا على الاختصار لتطور الدعوة كما عرضها القاضى النعمان فى (( الافتتاح )) ٠٠٠ ))
ومما لا يجوز نسيانه عند دراسة مظاهر الحضارة التى عرفتها ديارنا فى ظل بنى عبيد كتابان أولهما (( المغرب فى ذكر بلاد افريقية والمغرب )) وهو كما تعلمون من تأليف عبيد البكرى الاندلسى المتوفى بمدينة قرطبة سنة 1094 ميلاديا . وقد وصف البكرى فى كتابه الآنف الذكر المهدية كما أشار الى المنصورية تلك التى أسسها الخليفة المنصور غداة انتصاره على صاحب الحمار .
أما الكتاب الثانى الذى يستحسن الرجوع اليه عند دراسة ما انجزته الدولة العبيدية فى بلادنا فهو لأبى محمد عبد الله بن محمد بن أحمد التجانى وهو الكتاب المعروف برحلة التجانى ، لقد تعرض التجانى فى رحلته الى المهدية ومؤسسها ومعالمها كما أشار الى صبرة المنصورية
تلك بعض المصادر الادبية التى لا بد من استشارتها اذا أردنا الاحاطة بأخبار الدولة العبيدية والتعرف على سياستها ونظمها وانجازاتها ، على أن هذه المصادر الادبية لا تكفى مؤونة إذا أردنا تجاوز الاحداث السياسية والوقائع الحربية فلا بد لدراسة حضارية من الرجوع الى ما خلفته الدولة
العبيدية فى بلادنا من معالم وتحف مختلفة من زخرفة وآنية وعملة الى غيرها من مظاهر الحضارة وروائع الفن ، لذلك تتوجب الاشارة الى المصادر الأثرية هنا ينبغى الاعتراف بأن الآثار الفاطمية لم تحظ بما تستحقه من العناية وهذا مأتاه ظروف عديدة مختلفة قد يطول عرضها وشرحها ، فمعروف أن سلطات الحماية كانت تهمل قصدا مخلفات الحضارات العربية الاسلامية على أن بعض المستشرقين أبدوا بعض الاهتمام تجاه الفنون الاسلامية ، أذكر من هؤلاء المستشرقين جورج مرسى Gorges Marçais ولويس بوانسو Louis Poinssot وقد ألف هذان كتابا عنوانه : Objets Kairouanais يمكن أن نعربه الى (( أعلاق قيروانية ))
درس المؤلفان ضمن هذا الكتاب فنون التسفير والزجاج والنحاس والبرنز والحلى فى الفترة التى تمتد بين القرن التاسع والقرن الثالث عشر ميلاديا وتعرض جورج مرسى الى بعض المعالم الفاطمية فى كتابه (( الفن الاسلامى بالمغرب )) : I' Art musulmun de I'occident والملاحظ أن كلا من جورج مرسى ولويس بوانسو لم يقوما بحفريات فى المواقع الفاطمية بل اقتصرا على دراسة تحف وجداها بالقيروان أو عند بعض الخاصة أو فى المتاحف
وفيما يتعلق بالحفريات تجدر الاشارة إلى موقعين أساسيين بالنسبة لمظاهر الحضارة فى بلادنا ايام العبيديين وهذان الموقعان هما المهدية وصبرة المنصورية ، ووجد كلا الموقعين عناية كبرى من لدن الاستاذ سليمان مصطفى زبيس وهو من كبار المناضلين فى سبيل تراثنا الأثرى ، لقد أنجز حفريات بالمهدية وأنجز أخرى بعاصمة المنصور
أما حفرياته بالمهدية فلقد تمكن من انجازها منذ سنة 1952 بالمهدية واعتنى بخرائب صبرة فى الخمسينات كذلك وأسفرت أعماله على مكتشفات هامة نذكر منها قصر القائم بالمهدية بل هى أطلال ضئيلة تمكن بفضل خبرته من ازاحة التراب عنها وهى توجد بمكان قريب من القلعة التركية وقد احتلته مقبرة كانت قبورها ظاهرة تزاحم الجدران العتيقة حسب عبارة الاستاذ زبيس . أما الاسبار التى أنجزها بعاصمة المنصور فنتيجتها كانت كشف الغطاء على بعض القاعات دون تحديد البناية التى اليها تنتمى ، على أن الحفرية أعطت كمية وافرة من كسرات الخزف المطلى المزخرف وكسرات الجص المنحوت وكسرات البلور .
فكل هذه المكتشفات قدم الاستاذ زبيس حولها دراسة نشرتها المجلة
الآسيوية ( J. Ataiquies ) فى عددها الصادر سنة 1956 ، وعاد اليها بالدرس فى عرض آخر نشرته المجلة الأثرية ( Bulletin Archéologique ) فى عددها الصادر سنة 1957 وكلا المجلتين فرنسية وكانت الفرنسية لغة المقالين .
والمؤمل أن الآثار الفاطمية عندنا ستحظى فى مستقبل قريب بحظ أوفر وعناية أكبر حيث يوليها الاستاذ ابراهيم شبوح ما تستحقه من الاهمية وما انفك يشير الى خطورة التنقيب فى هذا الميدان فلقد أنجز هو نفسه سلسلة من النصوص والدراسات المتعلقة بأيام الفاطميين فى افريقية ثم نراه يتأهب للقيام بعمل فى صبرة بالاشتراك مع فريق من الآثاريين الفرنسيين ، ولا شك أن هذا العمل المشترك سوف لا يقتصر على آثار صبرة بل لا بد أن يشمل أم القرى الفاطمية فى تونس أعنى المهدية
والمتوقع أن تبدأ الاشغال فى صبرة فى الخريف ويكون ذلك فى بداية شهر سبتمبر المقبل . ونأمل أن تسفر هذه الحفريات على نتائج هامة تسد الثغرات وتعزز أو تصوب بعض النظريات .
وما من شك أن المصادر الأثرية تشمل التحف المعروضة فى قاعات المتاحف فى تونس العاصمة وغيرها من المدن كسوسة والمنستير ولعل يوما يأتى تأوى فيه المهدية متحفا يكون مخصصا للآثار الفاطمية يؤمه الدارسون والهواة .
تلك اشارة عابرة الى المصادر الأثرية التى لا مناص من العودة اليها واستشارتها كلما أردنا دراسة حول العبيديين وحضارتهم فى تونس وحضارتهم حضارتنا . أما الدراسات فى الغرض فقد لا تحصى ولا أرى فائدة فى سردها وقد يتولد عن السرد الضجر والسآمة . فلنكتف بذكر القليل منها : كنت ذكرت دراسات الاستاذ سليمان مصطفى زبيس وذكرت اسم جورج مرسى ( G. Marçais ) وتجدر الاشارة إلى اسكندر ليزين وكان قد اعتنى عناية كبرى بمدينة المهدية فهو الذى أشرف على ترميم الجامع الكبير وألف كتابا عنوانه : (( المهدية : بحوث حول الآثار الاسلامية )) صدر فى باريس سنة 1966 ومن الذين كتبوا عن المهدية والفاطميين عامة باللغة العربية نخص بالذكر حسن حسنى عبد الوهاب وقد تعرض لعاصمة عبيد الله فى الجزء الثانى من الورقات . وعرف سليمان مصطفى زبيس بالمعالم الفاطمية فى كتابه : (( بين الآثار الاسلامية فى تونس )) صدر بتونس سنة 1963 . ويفيد الدارس كذلك بالرجوع الى كتاب ألفه الدكتور حسن ابراهيم حسن وعنوان الكتاب : (( تاريخ الدولة الفاطمية فى المغرب ومصر وسوريا وبلاد العرب )) طبعته الثالثة ظهرت سنة 1964
فعلى ضوء هذه المصادر الثرية والدراسات العلمية السخية نود أن نتعرف معكم على بعض ما خلفه الفاطميون فى بلادنا أو قل نتعرف على بعض مظاهر الحضارة التى أينعت فى بلادنا وقد سخرت لارساء سلطانها طاقات افريقية قد يطول الحديث فى هذا الشأن ولا بد من عديد الدراسات والكتب لاستيعاب مظاهر الحضارة الفاطمية فى بلادنا ، ونرجو أن تبرز الكتب والدراسات غزيرة حول هذا القطاع من تاريخنا وحضارتنا .
فواضح أن المجال فسيح ويعسر علينا الاحاطة بالموضوع من كل جوانبه ، فلا بد من الاختيار وفي الاختيار كما تعلمون حرمان . فاخترنا أن لا نعود الى الاحداث السياسية والوقائع الحربية ولا الى الخصومات المذهبية مع العلم أن الدراسات حول هذه المواضيع تمتاز بالغزارة والعمق وجديرة أن تحظى بفائق العناية . لكن عرضا كالذى أقدم لا يستوعب كل ما نود دراسته ومعرفته ؛ من ذلك الاختيار واخترنا أن يقتصر كلامنا على تقديم المدينتين العبيديتين : المهدية وصبرة وعلى بعض ما كشف عنه الغطاء أثناء الحفريات والأسبار ، وقد نشير ايضا الى مكتشفات أخرى حديثة ما زالت تحت الدرس فى مكاتب الاخصائيين
المهدية
جاء ذكر المهدية فى نصوص عديدة منها نصوص عديدة منها رسالة الافتتاح للقاضى النعمان ، لكن البكرى يعد من أقدم الجغرافيين الذين وصفوا المهدية ووصفوا ميناءها وسورها وأبوابها . يبدأ البكرى حديثه عن المهدية بضبط موقعها انطلاقا من القيروان : (( مدينة المهدية منسوبة الى عبيد الله المهدى الذى بناها على ما ذكر فى التاريخ وبينها وبين القيروان ستون ميلا تخرج من القيروان فتنزل منزل كامل ثم تخرج منها فتأتى المهدية ))
ثم يذكر البكرى صلة المدينة بالبحر يحيط بها من ثلاث جهات - يقع مدخل المدينة من الجانب الغربى - ويضيف البكرى أن لها (( ربض كبير يعرف بزويلة فيه الحمام ومساكن أهلها )) ثم يتطرق الجغرافى القرطبى الى وصف بابى المدينة وهما من حديد (( لا خشب فيهما )) يزن كلاهما ألف قنطار وطول كليهما ثلاثون شبرا وبالبابين مسامير الواحد منها وزنه ستة أرطال ويضيف الكاتب أن (( فى البابين صور الحيوان )) . ان فى هذه الاشارة العابرة الى زخرفة البابين تعبيرا عما كان يمتاز به الفن الفاطمى من حيث اقباله على تصوير الاحياء من حيوان وانسان فضلا عن صور النبات ، فالمذهب الشيعى لا يتحرج من تطعيم الفن بصورة الاحياء رسما ونحتا على الحجارة والمعدن
والخشب كما سنتعرض اليه بعد حين . ثم يتحدث البكرى عن تزويد المدينة بالمياه الصالحة فيذكر مواجلها العظام وكان عددها ثلاث مائة وستين زيادة عن الماء الجارى فى قناة أمر عبيد الله المهدى ببنائها . فالماء المجلوب من قرية منانش يصب (( فى صهريج داخل المهدية عند جامعها ويرفع من الصهريج الى القصر بالدواليب ))
وأورد البكرى وصفا لميناء المهدية يقول : (( وهى مرفأ لسفن الاسكندرية والشام وصقلية والاندلس وغيرها . مرساها منقور فى حجر صلد يسع ثلاثين مركبا ، على طرفى المرسى برجان بينهما سلسلة من حديد فاذا أريد ادخال سفينة فيه أرسل حراس البرجين أحد طرفى السلسلة حتى تدخل السفينة ثم مدوها كما كانت بعد ذلك لئلا يطرقها مراكب الروم ))
وفيما يتعلق بمعالم المدينة يكتفى البكرى بذكر السور وأبراجه وبذكر القصور والمنازل والجامع ويثبت أن الجامع شيد على أرض أفتكها عبيد الله المهدى من امواج البحر وقد عمد الى ردم البحر توسيعا لرقعة شبه الجزيرة فلقد تم ارساء الجامع على الردم وكذا دار المحاسبات . ويذكر البكرى أيضا دار الصناعة وكانت على حد قوله بشرقى قصر الخليفة عبيد الله (( تسع أكثر من مائتى مركب وفيها قبوان كبيران طويلان لآلات المراكب وعددها لئلا ينالها شمس ولا مطر )) . تلك بعض المعلومات حول مدينة المهدية أوردها البكرى فى المغرب
ومن الذين تحدثوا عن المهدية التجانى فى رحلته التى يعود تاريخها الى بوابة القرن الثامن هجريا الموافق لبداية القرن الرابع عشر ميلاديا . ونالت المهدية حظها فى رحلة التجانى حيث خصها بصفحات عديدة أورد فيها ظروف تأسيسها ووصف موقعها وسورها وذكر العديد من معالمها كالقصور والميناء ودار الصناعة والجامع والصهاريج والقنوات . لكنها اشارات مقتضبة لا نشفي الغليل وكذلك الامر بالنسبة لياقوت الحموى مؤلف (( معجم البلدان )) الذى عاش من سنة 1179 الى سنة 1229 ميلاديا
ومن ذلك يتبين أن كتب المؤرخين والجغرافيين القدامى لا تكفى من أراد التعرف على عاصمة عبيد الله المهدى ولا بد له من الرجوع الى الوثائق الأثرية ، فهل تمكن علماء الآثار من كشف الغطاء على بعض المعالم الفاطمية بالمهدية وهل أفلحوا في دراستها ؟ لقد أشرنا منذ حين الى حفريات وأسبار أشرف عليها فى الخمسينات الاستاذ مصطفى زبيس فضلا عن الدراسات التى
قام بها جورج مرسى (G. Marçais) واسكندر ليزين ( Alexandre Lezine ) وذكر نا هؤلاء على سبيل المثال دون حصر
فمن بين المعالم الفاطمية التى صمدت لصروف الدهر فى المهدية تجدر الاشارة إلى الجامع وباب زويلة المعروف الآن بالسقيفة الكحلاء على أنهما لم ينجوا من تغيير أدخل عليهما عبر القرون وبتعاقب الدول . ومن آثار العبيديين بالمهدية بقايا السور ومنها المرفأ ومنها خرائب قيل انها ما بقى من قصر القائم وقيل انها أطلال قصر الخليفة عبيد الله .
فعلى ضوء هذه الوثائق الأثرية يتضح أن الفن المعمارى بعاصمة عبيد الله يمتاز بالقوة والجمال مع البساطة أحيانا سيما فى الجامع الكسر . لقد كان الأغالبة يستخدمون الطوب فى بناياتهم أما عبيد الله المهدى فكان يؤثر الحجر الصلد . كان يريدها بنايات قوية تليق بسلطان الخليفة وعزته ، بل يبدو أن شعور الخليفة بالعزة العميق وايمانه بتفوقه على غيره من بنى البشر باعتبار انتسابه الى سلالة على وفاطمة ذلك الشعور وذلك الايمان يتجلى تأثيرهما فى مختلف البنايات الرسمية من ذلك أن مدخل الجامع صيغ وكأنه قوس نصر له ثلاثة أبواب : باب فخم عريض شاهق يحتذيه يمينا وشمالا بابان صغيران ويرى بعضهم أن الباب الكبير مخصص للخليفة وحاشيته والبابان الصغيران لعامة الناس . ومن العناصر الجديدة فى جامع المهدية اذذاك رواق يتقدم بيت الصلاة ومعلوم أن بيوت الصلاة فى عهد الاغالبة تفتح على الصحن مباشرة وما قد يبدو رواقا فى جامع القيروان يمثل فى الحقيقة اضافة لبيت الصلاة
وتثبيت المكتشفات أثناء الحفريات أن المعالم كانت لا تخلو من روائع الزخرفة ، فأطلال القصر الذى كشف عنه الغطاء مصطفى زبيس تثبت أن جدران البناية كانت من حجارة مستوية السطوح وتجدر الاشارة كذلك الى وجود كسوة تغطى الجدران من الداخل وهي من ملاط صلب دقيق عله كان بحمل بعض الرسوم . على أن الاستاذ مصطفى زبيس لم يعثر على ما قد يشير الى طلاء أو رسوم
ومن روائع هذه الحفرية لوحة من الفسيفساء كانت مفروشة فى احدى قاعات القصر وتمسح اللوحة ما ينيف عن 60 مترا مربعا ومنها قطعة نقلت الى متحف باردو . ولا يخفى ما ترتديه هذه اللقية من قيمة تاريخية ، ففضلا عما تشير اليه من رقة ذوق العبيديين وميلهم الى الجمال والبذخ وتشجيعهم للفن وأصحاب الصناعات ، تراها تثبت أن فن الفسيفساء لم ينقرض من بلادنا
بدخول العرب اليها والمرجح أن أولى الامر والأثرياء كانوا يقبلون عليه ويشغلون من يحذقه ؛ ويستنتج مصطفى زبيس انه يتوجب على دارسى الفسيفساء بتونس ألا ينسوا امكانية وجود ألواح تعود الى أيام الأغالبة أوالى أيام الفواطم مثلا .
قد يجمل الحديث حول المعالم الفاطمية بالمهدية لكن وقتنا ضيق ونود زيارة خاطفة نقوم بها معكم الى عاصمة فاطمية أخرى تحولت اليها الدولة العبيدية غداة انتصارها على أبى يزيد مخلد بن كيداد المعروف بصاحب الحمار ، ولا شك أنكم أيقنتم أننى أريد الذهاب معكم الى صبرة المنصورية
صبرة
لقد اشار بعض المؤرخين والجغرافيين الى صبرة المنصورية لكنهم لم يدروا علينا بسخائهم كما فعلوا عند حديثهم حول المهدية . فاكتفى البكرى بقوله : (( ومدينة صبرة متصلة بالقيروان بناها اسماعيل سنة 337 واستوطنها وسماها المنصورية وهى منزل الولاة الى حين خرابها ونقل اليها معز بن اسماعيل أسواق القيروان كلها وجميع الصناعات ولها خمسة أبواب : الباب القبلى والباب الشرقى وباب زويلة وباب كتامة وهو جوفى وباب الفتوح ومنه كان يخرج بالجيوش ويذكر انه كان يدخل واحد أبوابها كل يوم ستة وعشرون ألف درهم )).
ذاك أهم ما أورد البكرى حول مدينة صبرة المنصورية ولا تجد أكثر دقة عند غيره فى هذا الشأن . فلنتجه الى المصادر الأثرية اذن ! لكن هى الاخرى تمتاز الى يومنا بعدم سخائها ويعود ذلك الى خرابها وما أصيبت به من نهب الاعراب بعد أن هجرتها صنهاجة
وكانت الطامة الكبرى لما عمد الحفصيون إلى اعادة مجد القيروان وحرصوا على إحيائها وتنشيطها فأبوا الا أن يجددوا سورها وبعض معالمها ويقيموا بعض الزوايا والمساجد كزاوية عبيد الغريانى ؛ ولانجاز هذه المشاريع المعمارية تحولت خرائب صبرة الى محجر يأخذون منه الاساطين والاحجار المفصلة والرخام والآجر واستخدمت مواد فى معالم القيروان . ويقول الاستاذ ابراهيم شبوح فى هذا الصدد : (( ولكن الفترة الحسينية كانت أشد وطأة على آثار صبرة اذ نقب عن دورها لاستخراج الآجر والصخور وبقية الاساطين لتجديد سور القيروان سنة 1706 وهو السور الباقى الى اليوم والذى تحصن به حسين باى أثناء الفتنة بينه وبين ابن أخيه على باشا .
ولعل من أهم ما حفظه لنا هذا العمل استخدام قطع رخامية كعضائد على باب تونس الحالى وتشتمل على نص تأسيسه بخط كوفى جميل . كانت هذه القطع تتوج أحد أبواب مدينة صبرة وتحتوى على تاريخ 437 ه . وهو تاريخ بناء السور . ونص : هذه مدينة عز الاسلام ))
على أن صبرة ظلت محجرا يؤمه الناس لجمع الحجارة والآجر طيلة العهد الحسينى ولم تعتن سلطات الحماية بحمايتها . وأول من أحاط خرائب صبرة بعنايته وألح على أهميتها هو الاستاذ مصطفى زبيس ولقد قام بأول حفرية هناك سنة 1951 ، ونشر حول ذلك فصلين كليهما بالفرنسية . نشر الاول فى الجريدة الآسبوية سنة 1956 ، ونشر الثانى بالمجلة الأثرية سنة 1957 وقد كنا اشرنا اليهما أثناء هذا الحديث . على أن البناية التى كشف عنها الغطاء تحت اشراف الاستاذ زبيس جدرانها من الآجر المجفف تحت أشعة الشمس ، ولئن وجدت بعض الوحدات من الآجر المشوى فلقد كانت مبعثرة تساقطت أثناء تحطيم الجدران من لدن من كان يسعى وراء احراز الحجارة والآجر المشوى وكانت الجدران تحمل كسوة من الجص المنحوت أو المحفور تارة وتكون الكسوة نارة اخرى مربعات خزفية مختلفة الشكل والزينة
وفيما يتعلق بتبليط الغرف والقاعات فكانوا يستخدمون مربعات من الطين المشوى ضلع المربع منها 30 صنتمترا وكانوا يستخدمون الآجر وأحيانا يكتفون بملاط مصقول يتركب من رماد وكسرات الخزف وتوجد فى خرائب المدينة مواد أخرى استخدمت للتبليط كعجين الزجاج وصفائح من صلصال كالفخار كانوا يعطونها أشكالا هندسية مختلفة
أما الاسبار التى أنجزها الاستاذ ابراهيم شبوح بعد تحديد المنطقة التى يمكن العمل فيها فلقد أعطت نماذج من الزخارف الجصية تذكر بطراز سامراء بعضها مطلى بلون أزرق
وفي أحد الاسبار اكتشف جزء من رأس تمثال آدمى وهذا يجرنا الى حديث عن بعض مميزات النظرة الفنية عند العبيديين
فاذا تأملنا قطع الجص المنحوت أو المحفور وتأملنا فى زخرفة الخزف أو الخشب واعتبرنا كذلك النحت على الحجارة والرخام تيسرت لنا الاحاطة بهذا العالم الفنى الذى لا يطابق ما عهدناه فى دنيا بنى الأغلب .
فافنان الفاطمى يستلهم الاشكال الهندسية ويستوحى الطبيعة وجمال نباتها لكنه لا يتحرج من تصوير الحيوان والانسان ، فهذه قطعة من الخزف عثر عليها فى خرائب صبرة تمثل قواسا يتأهب لرمى نبله ، وأخرى تمثل تصارع بطلين تحيط بهما نسور ، وقطعة ثالثة نشاهد عليها رأس رجل له لحية مذببة وشعره ملقى على عاتقه ضفائر . أما صور الحيوانات على الخزف والجص والحجر والخشب والبرنز والزجاج فعديدة مختلفة ، تجد الحصان والاسد والطيور كالببغاء والنعامة والسمكة . ويطيب لنا أن نشير فى هذا الصدد الى لوحة من رخام أبيض عثر عليها بالمهدية طولها 53 صنتمترا وعرضها 36 صنتمترا ونشاهد على هذا اللوح الرخامى لقطة من حياة الخليفة الفاطمى فى قصره فهى نحوت نصف بارزة تمثل شخصين جالسين ، فلنستمع الى المؤرخ الفقيد حسن حسنى عبد الوهاب يصف لنا الصورة حيث يقول فى الجزء الاول من ورقاته : (( صورة نصف بارزة تمثل شخصين جالسين الاولى ( جهة اليمن ) أمير عربى متربع وعليه حلة حربية على زنديها توشيح طراز جميل وعلى رأسه تاج مرصع بالاحجار الثمينة ويتفرع التاج من أعلاه الى ثلاثة أفراع مثلثة الشكل على نمط التيجان الكسروية عند الفرس وفي وسط الامير نطاق محلى ايضا بالجواهر وبيده اليمنى كأس أو جام من البلور وبجانب الامير ( الجهة اليسرى ) صورة مغنية متربعة أيضا وبيدها مزمار طويل تنفخ فيه
والظن الغالب أن الامير الممثل هنا هو رابع الفاطميين ( الملقب بالمعز لدين الله ) وكان مشهورا بوضع التاج على رأسه كما وصفه شعراء عصره على بن الايادى التونسى ومحمد بن هانن وغيرهما ))
ان هذا اللوح الرخامى من الخطورة بمكان فهو على صغر حجمه يعد من نفائس الفن العبيدى فى تونس سيما إذا اعتبرنا قيمته فى تاريخ الفن الاسلامى ونظرة العبيديين تجاه الحياة . فبفضل هذا اللوح ندخل قصر الخليفة ونشاركه فى حياته الخاصة وكأن اللوح تجسيم فى الرخام لما قد يصوره الشاعر لفظا . ولا شك أنه يثير بعض التساؤلات : فاذا كان الامير الممثل هو رابع الفاطميين أى المعز لدين الله فما هو سر وجود اللوح فى المهدية ونحن نعلم أن المعز كان يقيم بصبرة قبل ارتحاله الى القاهرة ؟ ترى هل وقع نقله يوم ترك بنوزيرى صبرة وتحصنوا بالمهدية ؟ قد يكون ! على أننى شخصيا أرى من العسير البت فى هذا الامر ولا أرى ما قد يعزز أو يفند ما افترضه حسن حسنى عبد الوهاب فيما يتعلق بتعريف الخليفة المصور على ذلك اللوح الرخامى
وفى الحديث عن الفن الفاطمى بتونس لا بد من الاشارة الى تحفة يتباهى بها المتحف الاسبانى بمدينة مدريد وتتمثل التحفة فى صندوق مزخرف ومرصع بالحجارة الثمينة وعليه كتابة سطرت حروفها على العاج ، وتفيد الكتابة أن الصندوق من صنع مدينة صبرة أيام المعز لدين الله . فلامراء ! ان هذا الصندوق من أروع ما نعرفه عن الفن العبيدى قبل ارتحال الدولة الفاطمية الى مصر . فرجائى أن يتبنى أحد الاخصائيين مشروع جمع كل هذه الروائع الفاطمية ويقدمها للقراء وهواة الفن فى طبعة بالالوان أنيقة فبمثل هذه الانجازات ينمو الذوق ويصقل ويتغذى شعور الفرد والمجموعة بتأصلهم وانتمائهم الى أرض مقدسة سخية العطاء تعطيهم كلما احسنوا لها ولأنفسهم
تلك بعض النماذج مما نعرفه حتى الآن عن مظاهر الفن الفاطمى فى بلادنا ولا شك أن حفريات المستقبل فى المهدية وصبرة وغيرهما من المدن التونسية ستثرى معلوماتنا حول الحضارة فى أيام بنى عبيد . على كل فالفن الفاطمى لم يترقب انتقال المعز الى القاهرة ليبلغ أشده وليكون فيضه ؛ لقد غادر الفاطميون بلادنا وخلفوا حضارة مزدهرة وعمل بنو زيرى على مواصلة العمل واثرائه فعلى الباحثين أن يتآزروا لدراسة هذه الحقبة من تاريخ بلادنا وحضارتها .
ومعروف أن مشاريع الدولة العبيدية لم تقتصر على المهدية وصبرة وجلوله حيث بنى المنصور قصرا ما زالت جدرانه قائمة ، بل انفقوا على بعض المعالم فى مدينة تونس منها ترميم وتوسيع جامع الزيتونة تحت اشراف ابن البرجينى وهو الذى بنى حماما فاطميا تم اكتشافه صدفة فى الاشهر الاخيرة وهو الكائن بسوق الڤرانة بتونس العاصمة ، وتثبت النقيشة وقد قرأها الاستاذ ابراهيم شبوح أن الحمام يعود الى سنة 379 ه . أمر ببنائه قاضى القضاة وجعله حبسا على الفقراء والمساكين ( * ).
