الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مظاهر الوطنية فى أغانى الحياة :

Share

لقد حاول بعض الباحثين دراسة علاقة الشابى بالشعب (37) وقد اعتمدت الانطلاق من الواقع الاجتماعى ومن سيرة الشاعر كما اعتمدت ديوانه . ونحن نسعى فى هذا القسم الى التركيز ، على الشعر بوصفه مادة تسوعب بداهة تجربة صاحبها ، ولا تثريب فى نظرنا ان نقر بان اغانى الحياة تصور باطن الشابى وافكاره وعلاقاته . والرجوع الى يومياته او رسائله او خياله الشعرى بسهم بقسط وافر فى دعم هذا الرأى كما ان كتابات معاصريه عامة واصدقائه خاصة توفر سندا خطيرا . ولا نزعم فى هذا الصدد ان الركون الى الاحداث اليومية فى عصره او الى المحيط الموضوعى على وجه العموم طريقة عقيمة فى البحث بل على نقيض ذلك سنتوخى هذا المنهج فى قسم لاحق من العمل لنستشف تبريرا لموقفنا .

ينقسم موقف الشابى من الشعب فى الديوان الى اقسام ثلاثة

اما القسم الاول فقد ورد عاما يدخل فى اطار التعبير عن القضايا البشرية الاساسية وهو فى غالب الاحيان قطع تنطق على اختصارها عن تامل عميق ربط فى ثناياه ابو القاسم موقفه من الحياة بصورة الشعب المكابد او الخامل . ولئن بررت نزعة الاطلاق فى مثل هذه الابيات فانها لا تعدم الا حالة على الوضع التونسى بل اننا ندرك ان حالة الشعب التونسى هى المنطلق الذى دعا الشاعر الى الشمول فى التحليل . ولا تخفى فى هذا الموقف موجة الاعتقاد فى القوة والغلو فى السعى الى الاخذ بها فى الحياة العملية .

كل قلب حمل الخسف ، وما     مل من ذل الحياة الارذل

كل شعب قد طغت فيه الدما   دون ان يثأر للحق الجلى

خله للموت يطويه ... فما      حظه غير الفناء الانكل

تلك دعوة الشعب الى الموت اذا رام الاستكانة والانفساخ وليس منطق الشابى حطيا او ساذجا اندفاعيا ، بل فيه جدلية تنم عن حرص واع لتحليل القضية الواحدة من جوانب متعددة او من خلال قطبين متقابلين يؤلف بينهما الشمول

والتقصى . فان دل الموقف الاول عن يأس ظاهرى فهو فى حقيقته حفز على التمرد وعلى الايمان بالشوكة الدافعة الى الحياة لا الى الموت . وقد رجع الشابى الى القضية نفسها وجسم دعوته الى الحياة بشعر فيه صرامة ووضوح واسلوب حكمي يؤكد ان تجربة الشاعر لم تخضع للفعل وللممارسة فحسب بل الى ذلك للتامل وللزاد الثقافى .

لا ينهض الشعب الا حين يدفعه    عزم الحياة ، إذا ما استيقظت فيه

والحب يخترق الغبراء ، مندفعا       الى السماء ، إذا هبت تناديه

والقيد يألفه الاموات ، ما لبثوا     اماماتوا صداحه ونواحه

ويخرج الشاعر عن القيم العامة والمبادئ السامية ليعكف على قضية جوهرية شغلت الناس في عصره فتلوح الدعوة الى النضال فى درجة اولى حقيقة تستفز كل الشعوب ، والتنافر بين عقلية المجموعة الخاملة وايمان الافراد المصلحين .

كلما قام في البلاد خطيب        موقظ شعبه يريد صلاحه

البسوا روحه قميص اضطهاد     فاتك شائك يرد جماحه

اخمدوا صوته الالهى بالعسف ،   اماتو صداحه ونواحه

ان لهجة الشاعر صادقة نابضة ، والمعاني التى طرق شائعة نافذة ، بيد ان قضية تستتوقفنا في هذا المجال : هل ان موضوع هذه الابيات حركة الشاعر الشخصية ام يريد الاطلاق فى القصد فيشمل كل دعاة الاصلاح ؟

لقد اراد الشابى الشعر " نفاثة صدر " (38) " قصة عن حياته " و " صورة من وجوده " (39) وهو المطية الى استكناه المعانى فى جوهرها والى استطلاع حقيقة الوجود .

وقد ارتفع بمهمة الاديب الشاعر الى سماوة الفن والى اعماق الحياة فهو " جد صارم يتصل باعمق اعماق الحياة " . فهى وظيفة نبيلة لا شبيه لها الا وظيفة النبى فللشاعر صوت الهى و " ما كان الشابى الشاعر هذا الاجلال كله لولا ايمانه الشديد بأن له رسالة فى الناس يؤديها هى رسالة الشعر والفن والجمال التى تقتضى الشاعر أن يغوص فى اغوار القلب البشرى يصوغ من صادق عواطفه أناشيد وان يجوس مدى الوجود المديد يفجر فى صميمه ينابيع الفن والجمال وان يرود فضاء الكون الرحيب يستنطقه بالسحر والروعة

او بعبارة اوجز فرسالة الشاعر ليست اقل من ان يستوعب فى نشيده روح الحياة فى لانهاية ابعادها الانسانية ولانهاية ابعادها الكونية (40) .

فلا شعر فى نظره الا اذا ارتسخ فى التجربة الاصيلة وعبر عن الحقائق السرمدية وروى قصة الوجود السامى . ولا ادب حينئذ الا اذا تجرد عن الاعراض والزيف واستوى فى الجوهر والحق . واذا امن بحقيقة الشعر على هذا النحو فهو يومئ الى الاحداث الجارية ولا يصرح بها وهو يعتمد الهمس ولا يسلك طريق العبارة المباشرة . فليست مهمة الشاعر ان يسجل الواقع الذى يعيش تسجيلا وثائقيا بل يوحى به ويسعى الى استدراج مخاطبه الى القيم الجوهرية . وليس الشابي فى هذا الصدد شاعرا مصلحا اجتماعيا بقدر ما هو شاعر صاحب مبدأ فكرى أراد أن يتغنى به (41) .

لذلك سرعان ما انتقل الشاعر من الخطاب العام الى الخطاب وحرص على تحريك سواكن نفسه باستفزاز مشاعر شعبه . وما تغنيه بتونس الجميلة الا انشودة عزف الحانها على قيثارة العشق الصادق ورد بها معاني الامل الطافح والسعادة المقبلة واذا الشعب يضاف اليه نحويا ، ويصبح امل غده الباسم . ونحن نلمس فى هذا القسم من القصيدة فوران وجدان الشابي حتى عادت علاقته بتونس شرعة وهوى اضيفا اليه فى المستوى العاطفى .

انا يا تونس الجميلة فى لج     الهوى قد سبحت اى سباحه

شرعتى حبك العميق وانى    قد تذوقت مره وقراحه

ولعلنا لا نجد فى الشعر التونسى المعاصر تغنيا بتونس على هذا النحو من الشاعرية الموحية اذ يمتزج شعره بروح القارئ ويحس انه بنشيد هو الآخر الانشودة نفسها فيصبح ضمير الشعب الناطق .

اما القسم الثانى فنضالى خالص مزدوج الاتجاه - نضال فى صلب حياة الشعب اليومية واخر يدعوه الى المقاومة .

فالشاعر ناقم على اوضاع الشعب المتدهورة وعلى مستواه الفكرى المتدنى ويشكو رضاه بالقرار والجهل .

يا قوم مالى اراكم    قطنتم الجهل دارا

اضعتم مجد قوم     شادوا الحياة فخارا

ان السبب الرئيسى لانهيار الاوضاع فى نظر الشاعر الشلل الفكرى ، وواضح بهذا التركيز انه يهدف الى رفع خطابه الشعرى الى المستوى الدهنى بوصفه محور التحرر او الانحسار ، ومدار الوعى او الغباوة . وهو يفسر فى مقاطع متعددة من ديوانه سر القطيعة بينه وبين الشعب بالتباين الفكرى .

ولا خفاء ان الحفاء بين الشاعر والشعب كان حقيقة قاسية وقد اتضحت واحتدت عندما خط الرحال بمدينة تونس ولم يجد فى جامع الزيتونه (42) ،

ما يغذى فكره الوثاب فطفق يناقش الشيوخ ويبرز تمردا على طرق التدريس المعمول بها وكذلك شانه مع التقليديين فى ثقافتهم وقد عجت بهم ساحة الثقافة فى عصره ولم يجد من نصير سوى ثلة قليلة من الخلان كالحليوى والبشروس والسنوسى او ابى شادى . وبديهى ان يتبرم ابو القاسم بنمط من الحياة رتيب وتشبث بالقديم عنيد ولا غرو ان يشير فى قسم من شعره الى رفضه هذا الواقع وسعيه الى هدمه واستبداله . ولعل صورة المجتمع باعتباره مؤسسة ومفهوم الحياة الاجتماعية بوصفها سلوكا وموقفا فى الحياة قد طغتا على فكره فلم يتوسع فى الدعوة الى التعبير الاجتماعى الآنى .

وفى الديوان شكل آخر للتعبير عن النضال تمثل فى وصف الاستبداد السياسى او الاستعمارى وما ينجر عنه من استلاب ولم يخف الشابى فى هذا الغرض ايضا نزوعه الى التجريد والى القيم الاصيلة فاذا الاعتساف وليد الرذيلة واذا الثورة رماد يشتعل بتؤدة ولكنه لا ريب ملتهب ففائر .

يقولون : صوت المستذلين خافت        وسمع طغاة الارض اطرش اصخم

وفى صيحة الشعب المسخر زعزع         تخر لها شم العروش، وتهدم

.. اغرك ان الشعب مغض على قذى    وان الفضاء الرحب وسنان ، مظلم ؟

الا ان احلام البلاد دفينة                 تجمجم فى اعماقها ما تجمجم

ولكن سياتى بعد لاى نشورها            وينبثق اليوم الذى يترنم

الشعر السياسى الوطني الذى كان يستهدف ايقاظ الهمم وبعث الحماس فى النفوس لمقاومة المحتلين . وهو فن بلغ القمة مع شعراء الشرق الذين ابلوا البلاء الحسن فى مقارعة الاستعمار البريطانى او الفرنسى واذا استثنينا شعر الشابى فان سائر الشعراء التونسيين لم يكونوا فى مستوى شعراء الشرق فى ذلك المجال امثال الريحانى والزهاوى فى العراق (43) .. لئن كان هذا الحكم واضحا فى شأن الشعراء التونسيين الذين ذكرنا انفا فان منزلة الشابي لم تتضح على الوجه الذى يناسب مكانته بينهم . فهل المراد مقارنة فى مستوى الشعر السياسى ام فى مستوى الشاعرية المحضة ؟ اذا ارتبطنا بهذه الفقرة فلا شك ان المجال هو الشعر السياسى واذا رجعنا الى المقال كله تنتابنا الحيرة اذ لم يتعرض الحليوى الى الشابى وقد عدد الشعراء الاخرين امثال الشاذلى خزندار او مازيغ او المدنى .. ونرجح فى هذا الصدد ان المقارنة مقصورة على الشاعرية وبها ارتفع الشابى الى صف الفحول شرقا وغربا . فلا بد ان زلة فى التعبير جعلت الحليوى يوهم ان الشابى من هؤلاء الشعراء السياسيين الوطنيين ، وهو ادرى بان شعره متميز عنهم وان وطنيته ذات جوهر منفرد لا يكشف عنها فى جانب اساسى الا درك لب علاقته بالشعب .

يعتبر القسم الثالث المفصح عن موقف الشابى من الشعب اساسيا فى تحديد مفهوم الوطنية عنده وفى ضبط تداخلها الدلالى مع الرومنتيكية . وقد آثرنا ان نجمل هذا القسم فى جدول يمهد لفهم اعماق القضية .

موقف الشابى من الشعب الشعب جذوع ، خانق الزهور . الشعب . حى ميت ، حى يعيش عيش الجهاد هو الموت والصمت والاسى والظلام ، وهو

موقف الشعب من الشابى - داس كاس الشاعر مزق وروده وداسها البسه ثوب الحزن . - اشاح عنه وغضب - يعتبره

موقف الشابى ازاء نفسه ازاهر القلب - فى نفسه ثورة دعوة للحياة - له خمرة نفس رحيق الحياة - حساس - شاعر - فيلسوف

موقف الشابي من الطبيعة - حياة الغاب : الانفراد النشوة - سلوكه فيه : يدفن البؤس يتفاعل مع عناصر الطبيعة الحية والجامدة

القبور وهو كافر بالحياة والنور والشعب طفل صغير وقوة قاصرة وغبى وهو شيخ عاجز وكاهن الظلام وشعب عجوز وهو روح غبية تكره النور ولا يدرك الحقائق وهو كائن ليس يفهم ومن معدن السخافة والافك والهراء وهو قطيع ضائع .

- مجنونا - كافرا - ساحرا - خبيثا - روحا شريرة - اضاع الرشاد

- نبى - يهرق فنه هدرا

- ينشد حياة القدس - توفر له الطبيعة اطار التامل - يطلب فى الغاب الموت والفناء

غلب على موقف الشابى من الشعب تكديس النعوت المتباينة تباينا يسهم فى بناء رؤية تستند الى اثبات الصفات باختيار العناصر الاسمية بما تحمله من معانى الإطلاق والتقرير فيتآزر التركيب النحوى مع المعانى المختارة ويفصحان عن جزم هو صورة لنفسية الشاعر الصارمة ازاء شعبه . وقد ركز على صفتين اساسيتين ، الاولى ذهنية تستنكر السخافة والغباوة والثانية عامة شاملة تقر ان الشعب الى الموت اقرب . ونحن ندرك من هذين القطبين الرئيسيين تسلط فكرة الشاعر الرسول وقد وسمت جل الادباء فى ذلك العصر . ولا شك ان الشابي تاثر بغرب نعيمة (44) فاقتنع بمهمة الاديب الموجه ، هو وحده يدرك المعاني فر جوهرها ، ويقدر على تجاوز العرض ، وهو وحده يعلم ان نضاله لا يرسب في مستوى الحياة العادية بل يرتفع الى القيم السرمدية ويدعو الى استكشاف الحقيقة الخالدة (45) . ولا يتسنى فى هذ المجال ان نتهم الشابى بالركون الى البرج العاجى ، فقد اقنع بان له تجربة اصيلة وانه عرف الحياة الاجتماعية فى جل خصائصها . فموقفه متولد عن ممارسة كافية وان خضع ، بداهة ، للذاتية

اشترك في نشرتنا البريدية