الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

معالى الشيخ محمد سرور الصبان، فى شعره

Share

وجه حضرة الاديب الكبير الاستاذ عبدالقدوس الانصارى دعوة الى بعض الكتاب بمناسبة عزم مجلة المنهل الغراء اصدار عدد ممتاز خاص بالشعر والشعراء واثرهم في تقدم المملكة العربية السعودية من الناحيتين الثقافية والاجتماعية ، وقد تفضل الاستاذ الانصارى فأولانى ثقته الغالية بأن جعلني احد المدعوين لهذه الحفلة

الشعرية الماتعة . وطلب الى ان اكتب مقالا بعنوان : ) معالي الشيخ محمد سرور الصبان في شعره ( فظللت اذ ذاك حائرا مبهوتا افكر فيما اكتب عن هذه الشخصية الفذة . أو عن هذا الشاعر العملاق الذي تزعم الحركة الادبية منذ نشأتها ، ومنذ بزوغ

فجر النهضة الادبية في العهد السعودي الزاهر حيث كان احد البناة الذين غذوا تلك الحركة وبعثوا الفن فى نفوس ابناء الجيل حتى أوجد له ولزملائه مكانة مرموقة ممتازة بين ادباء العالم العربي وشعرائه .

ان معالي الشيخ محمد سرور الصبان شاعر رقيق يناجي عروس الشعر بلغة العواطف وبيان الشعور ومنطق الاحساس بتأثير الملكات المتزاحمة والميول المتباينة فى فترات متعاقبة من الزمن . ويعد في الشعر

من ذوى الاقلال دون الاكثار لانه كما اسلفنا ينظم الشعر فى فترات متعاقبة من الزمن ، ولاجل هذا فهو ينظم الشعر للشعر بدافع وجدانى وبشعور صادق لا يتكلف ، ولا يتهافت تهافت الشعراء ، فهو يخاطب بشعره الحواس ويستمد مادته من واقع الحياة .

ويستلهم هزازة الشعر من وحي قلبه فتارة يبسم مع الباسمين فيحلق في اجواء كلها نور وحرية وأمل ، وتارة يسبح في اجواء الخيال حيث يتصور وينقد ويتألم ويعيش حتى يخيل للقارئ انه يسوح في ظواهر الحياة وبواطنها ويستشف مرامي الحالات

والأوضاع والدساتير وكل ما يتعلق بالحياة الادبية والاجتماعية على الاخص فالشاعرية الخصبة او الشعر على الاصح يفيض على جوانب قلبه الحساس فترجع صداه النفوس المضطربة والقلوب المكلومة كالنبض السريع او كالقيثارة عند مساوقة الصوت العذب ، واذا اردنا ان ندلل بشئ مما ذكرناه عن معالي الشاعر فليس لدينا سوى شعره الذي هو اصدق مثال للدلالة والاستنتاج فهو إذا اراد أن يثير الاشجان ويبعث الروعة والدهشة اسمعك قصيدة ) يا ليل ( حيث يقول :

يا ليل صمتك راحة .... للموجعين أسى وكربا

خففت من آلامهم .... فوسعتهم رفقا وحبا

او ما ترى حدث الزمان .... امضهم عسفا وغلبا

إلى أن قال :

يا ليل ما للبدر يمرح .... في السما شرقا وغربا

يبدو فيضحك ساخرا .... منا وطورا قد تخبا

يعلو على متن السحاب .... يسوقها سربا فسربا

اتراه يعبث كالوليد .... فليس يخشى بعد عتبا

والا استفز العواطف والمشاعر بقصيدته الوطنية التى يناجى بها وطنه الغالي ويشيد به ويعتذر اليه وينافح من أجله فيقول :

انا لا أزال شقى حبك هائما في كل واد

زعم العواذل اننى اسلو واجنح للرقاد

كذبوا وحقك لست اقدر ان اعيش بلا

                                     فؤاد

ولسوف اصبر للمصائب والكوارث

                               والبعاد

حتى اراك ممتعا بالعز ما بين البلاد

واذا انتقلنا الى جو العاطفة والاعتداد بالنفس والتوجيه والارشاد والقيام على العادات والتقاليد السخيفة التى استحكمت في الأمة قرأنا له قصيدته الخالدة التى جمعت بين العاطفة والعقل وبين الادب والسياسة والاجتماع وليست هى قصيدة ) عاطفة النفس ( فحسب كما اطلق عليها بنفسه هذا العنوان واليك بعض ما جاء في القصيدة :

جل الأسى وتتابعت زفراتي .... ودنا المشيب فقلت حان مماتى

وطفقت التمس الخلاص بحيلة .... اين المفر من القضاء الآتي ؟

يا ايها القدر الموافى انني .... بادى الضنا هلا ترى نظراتي

امنن على بساعة اقضى بها .... حق البلاد وخذ ربيع حياتي

ان كان في الاجل المقرر فسحة .... اولا . فانك نافذ الطعنات

مالي اليك وسيلة ارجو بها .... نيل المرام فجدت بالعبرات

ويحي ايعترض القنوط عزيمتي .... والحزم من طبعي ومن عاداتي

والدهر طوعي والزمان مصادقي .... والصبر درعى والثبات قناتي

ولقد اكر على الخطوب فتثنى .... جزعا امام مهندى وثباتي

الى أن قال :

لكنني فرد ولست بأمة .... من لى بمن يصغى لحر شكاتي

من لى بشعب نابه متيقظ .... ثبت الجنان وصادق العزمات

من لى بشعب عالم متنور .... يسعى لهدم رذائل العادات

من لى بشعب باسل متحمس .... حتى نقوم بأعظم النهضات

من لى بشعب لا يكل ولا يني .... يسعى الى العليا بكل ثبات

ان البلاد بأهلها ، فبجهلهم .... تشقي وتلقى اعظم النكبات

واذا توحدت الجهود لخيرها .... سعدت ونالت ارفع الدرجات

ففي هذه القصيدة عبر وعظات وآلام وآمال ازدحمت في جو نفس الشاعر فصاغها شعرا ينقع الغلة ، ويفيض على الامة الوانا من الشعور والايمان فى جو مفعم بالحب والرجاء حتى حقق الله للشاعر القومى بعض

تلك الآمال التى كانت الشغل الشاغل لشاعرنا الوطني الكبير الذي كان يقول قبل ثلث قرن تقريبا ) وليس للآمال عندي مجال ولا مطمع ( وليس المجال هناك او هنا مجال نقد او تعقيب على هذا التصريح الصادر من معالي الشاعر الصبان الذى حققت له الايام ما كان مخبوءا فى صفحات الاقدار بفضل جهوده الجبارة وايمانه الصادق واخلاصه لحكومته ووطنه .

ثم بعد سياحة طويلة للشاعر في ظواهر الحياة وبواطنها كما اسلفنا نراه يطرق موضوع القصة الشعرية

وهو موضوع يندر من يطرق بابه من شعرائنا اللهم الا النزر ممن استطاع ان يصوغ القصة شعرا ، ولقد كانت قصة شاعرنا الكبير تهدف إلى غاية من اسمى الغايات وانبلها حيث صاغها فى اسلوب خطابى موجه

الى ابناء الغد أبان لهم فيها غدر ابناء الزمان وانحى باللائمة على من يحسن اليهم فيسيئون ثم استرسل فى الحديث عن بطل قصته النبيل الاهداف ويجدر بنا والحالة هذه ان نذكر بعض ما جاء فى هذه القصيدة قال :

أيها الابناء سمعا انني .... سوف اتلو لكم ذكر السنين

كان لى مال وجاه وندى .... وسماح فوق وصف الواصفين

لجمع المال لكى انفقه .... فى موساة العباد البائسين

فكأنى حاتم في قومه .... اصرف الأموال فى وجه قمين

يلهج الناس بشكرى دائما .... ويعيشون بفعلى آمنين

غير ان الدهر عادانى ولم .... ادر ماذا يبتغى مني الخؤون

ورمانى بصروف قوضت .... وامادت ذلك الركن الركين

اخذت مالى وهدت قوتى .... وحنت ظهرى تباريح السنين

ثم لما علم القوم بما .... كان من امرى تولوا معرضين

وانبرى البعض فاضحى قائلا .... انما هذا جزاء المسرفين

لا يبالون إذا ما انفقوا .... اجزافا ام لمدح المادحين

أم تراثا ورثوه فجأة .... ام كنوزا ويح من لا يستبين

ليس همي في الذي قالوا فما .... أبعد الشك على اهل اليقين

انما قد ساءني انهم .... اسقطوني من عداد العاملين

ورموني بظنون تركت .... بفؤادي غصة الحزن الكمين

كل ذا اليوم لانى معسر .... بعد ان كنت زعيم الموسرين

الى أن قال :

يا بني اصبر ولا تيأس إذا .... مسك الهم وجافاك الخدين

ان في الصبر سلاحا واقيا .... من شرور الناس والداء الدفين

في زمان اصبح المال به .... سلم الخزي لبعض الفاسقين

وغدا الدينار طوعا للالي .... بددوه في تعاطي ما يشين

وأخيرا هذا ما عن لى كتابته عن معالي الشاعر العملاق الذي تشف افكاره واساليبه من خلال مقطوعاته الشعرية ومراميه السامية التى ينشدها ويهدف إليها ، ولو كان ثمة مسع من الوقت او في الصحيفة نطاق واسع لاستوعبت الكثير من شعر شاعرنا الكبير ولكنى اكتفيت بهذا القدر للتدليل والاشادة ، وللذكرى والتاريخ . .

اشترك في نشرتنا البريدية