الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

معاناة الحزن الضارب

Share

جلس هناك فى مكان قصي وهو يتابع بعينيه الحزينتين بعض الالعاب التى اعجبته وشدت انتباهه وكانت بعض الافكار الحزينة تدور بخاطره فتنهش قلبه الصغير وتثخنة جراحا ، وينعكس ذلك على عينيه الصغيرتين فتلفهما غمامة الحزن المقتية حتى الاطفال الصغار يغزوهم الحزن يا لهذا الزمن الردىء كم من مرة دار فى رأسه السؤال اللغز : لم هو بالذات يصفعه الزمن ويقهره ويذله ويوجع قلبه الصغير ؟ هاهم كل الاطفال بلعبون ويضحكون ، ويركضون عابثين غير عابئين بآلام هذا العالم الموبوء

تعلقت عيناه بغابة الارجل المتزاحمة وهي تضرب الكرة المطاطية بنشوة كبيرة فتقفز هذه الاخيرة هنا وهناك قفزات بهلوانية غير مكترثة بعبث هؤلاء الاطفال وجريهم وراءها حتى يسيل عرقهم وتحمر وجناتهم الصغيرة وآذانهم ورغم ذلك فلا تفتر عزيمتهم ولا يعتريهم الاعياء والملل ، بل يزدادون كلفا بها كأنهم المدمنون على الحشيش ولا يتوقفون الا اذا قفزت الكرة الى سطح احد المنازل ويمتنع صاحبه عن تسليمها لهم محتجا بكثرة صياحهم عندما يتفرقون وقد ظهرت على وجوههم دلائل الخيب والانكسار

فى هذه اللحظة كان هناك طفل - لا يعرف عنه شيئا سوى انه ضيف جاء يزور بعض أقاربه من سكان " الحومة " التى يسكنها هو - يتقدم نحوه ويشير اليه قائلا :

- تعال لتلعب معنا فأحد اصحابنا دعته أمه من النافذة لشأن من شؤونها فانصرف وستعوضه أنت . ورد على الفور أحد الاطفال اللاعبين وهو يتضاحك :

- دعه في مكانه ، انه لا يستطيع اللعب معنا ، انه (وهمس له  بكلمة . (

أحصة مقبتة تسد حلقه وتؤلمه وشعر باللون الاسود يجتاح كل شئ فزاد من مقته الى هذه الحياة العذاب ليت كل الدنيا تعزف لحنا حزينا جنائزيا ليت الطوفان الاسود يغمر ارجاء هذه الدنيا المعذبة . ما قيمة الحياة ؟ ما قيمة العمر ؟ فلينخر سوس الفناء هذا القلب الصغير وليدمره مرة واحدة ما لهذا الزمن يتفنن فى تعذيبه بأقسى الاساليب ما له يقتله شريحة شريحة ، وعرقا بعد عرق ؟ ماذا فعل حتى يحكم عليه بهذا المصير المحزن ؟ .

أمه دائما تحكى له فى الليل قبل النوم عن الطغاة والظالمين الذين عاقبهم الله فى حياتهم وسلط عليهم أنواعا من الآفات والعذاب فرعون طغى فى البلاد وتجبر وعذب الناس وأذاقهم الويلات فأغرقه الله فى النهر وأماته شر ميته . والنمرود الذى اضطهد المؤمنين . فابتلاه الله بحشرة فى منخره تنخر جمجمته ، فلم تتركه حتى قرر فلق رأسه للتخلص منها . و . و : .

ولكن هو لا يعرف بالضبط لماذا ابتلى بهذا البلاء ؟ فهو لم يسئ لاحد ولم يقتل أى حشرة . فكيف يعذب ؟ " دعه فى مكانه انه لا يستطيع اللعب معنا انه احس ان كل ذرة من جسمه الصغير تبكى وتنتحب فى صمت . تبكى الحظ العاثر . تبكى الحرمان تبكى ظلم الطبيعة القاسية

كل الاطفال سعداء يضحكون بملء قلوبهم يتغنون بأناشيد الحياة المرحة حتى ولو كانت بطونهم خاوية ، حتى ولو كانوا بدون لعب . حتى الحيوانات سعيدة تتقدم ببطء نحو المرعى الخصيب ترتع وتقفز هنا وهناك الا هو . فقد كان له موعد مع العذاب والحزن بعد ولادته بعدة اشهر

أخذ بعض الاطفال يلعبون " الغميضة " وبعضهم فضل أن يلعب بالكرة التى أخذت بمجامع القلوب وأصبح لها أنصار يعدون من اكثر انصار اى لعبة أخرى وتحلق بعضهم يجسمون لعبة " النعجة والذيب النعجة والذئب . الا يشبه النعجة بعض الشبه ؟ أين سلاحه ؟ انه لا يملك حتى

اسنانا طويلة ولا أظافر حادة لينشبها فى وجه عدوه اللدود . احس نفسه فى لحظة امل انه نعجة جرداء بلا قرنين تدافع بهما عن نفسها أمام شراسة وضراوة عدوها الذئب . وعدوه هو الزمن ، بماذا يدافع عن نفسه ؟ لا شئ ، لا شئ . . انه أضعف من بعوضة مهيضة الجناح

أحس بالضيق وهو مزروع فى موضعه حاول أن يتلهى ببعض الاشياء التى بين يديه ، كالكجات والدوامة ، لكنه لم يستطع ابعاد ذلك الشعور بالضيق والحزن عن قلبه الصغير . التفت يمنة ويسرة فرأى على بعد أمتار طفلا يتابع اللعب من بعيد ، فناداه بصوت يفيض رقة

- تعال نلعب بالكجات أو الدوامة يا - لا أنا سألعب معهم بالكرة أنا كبرت عن اللعب بهذه الاشياء

اللعنة على هذه الكرة ماذا أصاب الاطفال حتى يتعلقوا بها هذا التعلق الشديد ؟ ما لهم عافوا جميع الالعاب الاخرى . ؟ ولكن ما داموا هكذا فيجب ان أجاريهم يجب أن يلعب الكرة

الكرة لعبة شيقة وممتعة ولا شك ، وما اقبال جميع الاطفال عليها الا لانها كذلك . وان لم العب معهم فسأبقى وحدى مادا ينقصنى ؟ اننى استطيع اللعب مثلهم وربما أحسن منهم فقد قضيت وقتا طويلا وأنا أشاهد المباريات التى تجرى بين أولاد " حومتنا " وبين أولاد الاحياء الاخرى ، وتعلمت فنون الكرة بكثرة المشاهدة اننى اتذكر جيدا تلك المباراة التى دارت بين فريقنا وفريق " بنى على " فقد كانت مباراة جيدة لا يمكن ان تمحى من الذاكرة بسهولة فقد كان أولاد حومتنا أبطال الميدان بحق وقد يكون وجودهم فوق أرض حومتهم هو العامل الكبير الذى جعلهم يسحقون خصومهم بخمسة أهداف مقابل صفر .

نهض من مكانه وقد استعاد ثقة النفس وامتلأ قلبه الصغير حماسا ، فنسى همومه واحزانه وانزاح الستار الاسود الذى كان يحجب عنه بهج الحياة وحلاوتها ، فأنطلق كالسجين الذي تأكدت براءته بعد ان قضى بين القضبان أياما وليال ذاق خلالها مرارة الاسر وعذاب المقام ما أحلى هذه الحياة ! اين كنت يا الاهى ؟ . انني خلقت من جديد . تعجب من نفسه

وتساءل : لماذا غابت عنى السعادة طوال هذا الوقت ؟ ها انى ابتسم بملء فمي كم من مرة . نصحونى ان أطرد الاحزان وابتسم رغم الجراحات

تعالى يا أمى الحبيبة وشاهدينى لقد أطردت الحزن وطلقته وابتسمت الى الحياة فابتسمت لى ، لا تحزنى منذ اليوم ولا يشغلك حزنى .

تحرك بعزم فى اتجاه ميدان اللعب وهو يسبح فى أحلامه البريئة ويصبغ على واقعه الوانا حالة من فيض خياله . وكان على مقربة منه بعض الاطفال ينظرون اليه وهو . فتملكتهم الحيرة وتعجبوا من طفل لم يعرف الابتسام فى حياته يبتسم فى هذه الآونة بملء فمه ، وقد حاولوا معرفة السبب بدون جدوى لانه ليس هناك سبب واحد يدعو الى الابتسام وما زال يتقدم ببطء تحت تأثير أحلام اليقظة حتى أحس بالاعياء وبعضلاته لا تقدر على حمله عندها عادت تلك الجملة تقتحم حجب ذاكرته وتطفو على سطحها : " دعه فى مكانه انه لا يستطيع اللعب معنا انه

يا للهول كيف نسيت اننى

تراجع ببطء الى مكانه ، وأغرورقت عيناه بالدموع وسالت على وجنتيه تحكى للزمن الردىء حكاية صغيرة حزينة ، وعادت الى عينيه غمامة الحزن المقيته لقد عرف منذ أن صار يعى ان الحزن قدر من اقداره وظل يتبعه اين حل واين ارتحل فلا مفر وليدع البسمة الى السعداء يعلقونها على شفاهم فقد طلقها الى الابد

كان القطار المتجه الى بلدة منجمية يطوى المسافات طيا كأنه على موعد خطير مع الزمن ، صرير عجلاته الحديدية يعلو ، والدخان يندفع من مدخنة الدماع كثيفا وهو يتلوى فى الفضاء الرمادى . والسماء كانت مغشاة بسحب كثيفة ، وكان الطقس باردا يوحى بنزول المطر . انها امسية من امسيات الشتاء الباردة .

فى احدى تلك العربات الصفراء القديمة وحذو الشباك ، كان هناك شخصان رجل وامرأة يظهر أنها تحمل وليدها الصغير الملفوف فى قطع

من القماش ، وقد الصفته بصدرها ، كان هناك أحد يتربص بها ليختطفه منها . . وكانت قسمات وجهها تنم عن الشعور بالالم ويظهر انها مريضة ، اما الرجل الذى بجانبها فهو ساكن وفي بعض الاحيان يلتفت اليها فتلحظ فى عينيه قلقا كبيرا وشعورا بالضيق وفى فترات متقاربة تخرج من فمه زفرات حارة ينفس بها عن صدره المثقل بالهموم والاحزان

- هل ما زلت تذكر أين يقيم قريبك ؟

- انه لم يبرح حى " الجريدية " ولن يبرحه الا الى القبر وساد السحون وبدأ الظلام ينشر جناحيه على الدنيا ولم يعد يسمع الا صرير العجلات المخدرة للاعصاب ، فثقلت الجفون وتمايلت الرؤوس لتتكىء على أقرب مسند يعترضها . كانت هذه السنة رديئة مشؤومة كل أتعابه ذهبت ادراج الرياح . ماذا جنى ؟ سوى كمشة من التمر وقد حرقتها قطرات المطر الجمرية كان يعرف ان صابة هذا الموسم ستكون رديئة ، ولكن لم يفقد الامل وبقى ينتظر جنى التمور بفارغ الصبر كان يلاحظ دائما القلق فى عيون " الملاكة " وفى عيون " الخماسة " فتتحطم الآمال وتذوى الشموع ولكن صبرهم أقوى من تلك السنديانة التى تصارع الرياح فى عظمه واباء وجاء اليوم الموعود ورأى بأم عينه تلك البقع السوداء على التمر فادرك ان آماله تبخرت وان عليه ان يبحث عن مورد رزق آخر مضمون . وكان اللقاء مع " مبروك السالمى " احد اقربائه

. . - ولكن يا وليد عمى " كيف أترك الواحة أين ولدت ونشات وعملت سنين عديدة ؟

وسال عرقى وأنا افلح الارض وسال عرقى وأنا أسقى احواض الفلفل والطماطم وسال عرقى وأنا اجنى التمور

- وسال عرقك وسال عرقك ، وفي الاخير وجدت يديك : واحدة فارغة والاخرى ليس فيها شيئا انفض يديك من هذه العواطف وتعال معى الى المنجم حيث الرزق المضمون وفكر كثيرا وابعد العواطف جانبا

فوحد أن عمره يمضى على وتيرة واحدة شقاء وفقرا والرزق على كف وله عائلة تطلب الخبز فى كل يوم ، وتفتح أفواهها فى كل آونة ماذا سيفعل ؟ هل يذهب الى المنجم لينبش كالفأر فى دواميسه ليضمن رزقه أو يبقى فى الواحة حيث الفقر المدقع والبؤس يخيم على كل شئ وكان قراره حاسما اذ وافق قريبه " مبروك السالمى " ، لينطلق من هناك إلى الحياة التى يحلم بها دوما ستتغير ظروف معيشته . لن ينشغل منذ لان على رغيف عائلته ، فالرزق سيتوفر اذ فى نيته أن يعمل ساعات اضافية لبحقق كل ما يصبو اليه فى ظرف وجيز وستتحسن صحة أولاده وزوجته فتحمر وجناتهم وسينعم باللباس الوفير والفراش الوثير وستبدل الدنيا ليصبح له شأن عند رجوعه الى مسقط رأسه فى العطل . لن يتذلل منذ الآن الى الملاك ليستلف منه نقودا . لن ينسى ابدا تلك الكلمات القاسية التى قالها له ذات يوم : " انتم الخماسة تمتصون دماءنا لا يكفيكم خمسكم من الصابة ولا تقنعون بمبيعات الخضر والغلال

- أفق يا رجل وقل : أين وصلنا ؟

مسح عينيه بحركة سريعة واطل من النافذة فلفحت وجهه نسيمات باردة ارتعدت لها فرائصه

- لقد وصلنا الى " الثالجة "

وضعت وليدها على ركبتيها وأخذت تفتح القماط لتغيره وعلى ضوء القطار الشاحب لاحظت بمزيد الدهشة . لاحظت آثارا زرقاء على ساقى ولديها فاصابها الذعر واحست بأن خطرا ما يهدده فالتفت الى زوجها المتناعس وارته ساقى ابنهما فطمأنها وعلل ذلك باشتداد البرد هذه الايام وستزول هذه البقع الزرقاء بمجرد ان يحس الصغير بالدفء

ويعود الصمت من جديد . . ويمضى القطار يشق ظلمات الليل غير عابىء بزفرات المسافرين وهم يتبادلون النظرات يعربون بطريقة صامتة عن ملهم وتعبهم ، وتعود العيون لتنغلق من جديد بعد ان فتحت قصرا من ارتجاج العربات فى الاماكن الناتئة

ولكنها هى لم يغمض لها جفن ففي بعض الاحيان تفتح القماط من جديد لتشاهد انتفاخا فى رجل وليدها ينذر بالخطر

افق يا رجل . انظر ، لقد استفحل الامر وهذا الورم الخبيث بدأ ينتشر ولم يرد عليها ، بل شاهدت في عينيه قلقا كبيرا يحاول اخفاء وألما كالعاصفة يجتاحه فلا يستطيع له صدا هي كانت تعرف أن هذه السفرة لن تجنى لهم الا المصائب فمنذ يومين وعينها ترف فعرفت ببداهتها أن أمرا سيئا سيحصل ولكن هذا الرجل لا يعتقد فى هذه الأشياء فماذا تفعل ؟ لم تكن راضية بل كانت مقتنعة أن البقاء فى بلدتها احسن بكثير من الذهاب الى مكان آخر يجلب لهم المشاغل والمصائب

- يا خالتى " عيشوشة " هذا ابنى يتلوى من الالم بين يديك . أنقذيه بجاه " سيدى بوعلى " سلطان الجريد .

- لا تخافى يا ابنتى سوف يشفى ابنك الصغير من هذا الورم الذى أصاب ساقيه اذا استعملت الحشائش والزيوت التى سأصفها لك .

* * - انقذ ابنى " دكتور " لقد طال به المرض ولم يستطع الوقوف على رجليه ، ، بينما انداده يركضون فى الشوارع . . وكان الدكتور ساكنا

ولكن نظراته كانت تقول بصمت قاتل : لقد فات الاوان .

اشترك في نشرتنا البريدية