الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

معجم المنازل الوحى, الحجون أيضا

Share

- ٥ -

وقال ابن حجر . الحجون بفتح المهملة بعدها جيم مضمومة وهو الجبل المطل على المسجد باعلى مكة على يمين المصعد وهناك مقبرة اهل مكة ( فتح البارى ج ٣ ص ٣١٨ وقال فى موضع اخر . قال ابو علي القالى الحجون ثنية المدنيين اى من يقدم من المدينة وهى مقبرة مكة عند شعب الجرارين انتهى قال الشاعر

سنبكيك ما ارسى ثبير مكانه              وما دام جارا للحجون المحصب

وقد تقدم ذكر المحصب وحده انه خارج مكة وروى الواقدى عن اشياخه ان قصى بن كلاب لما مات دفن بالحجون فتدافن الناس بعده . والجرارين التى تقدم جمع جرار بجيم وراء ثقيلة ذكرها الرضى الشاطي وكتب على الراء صح صح وذكر الازرقى انه شعب ابى دب رجل من بني عامر " قلت " قد جهل هذا الشعب الآن ، الا أن بين سور مكة وبين الجبل المذكور مكانا يشبه الشعب فلعله هو " كذا ج ٣ ص ٤٨٧ "

وقال الزبيدى : والحجون الكسلان من حجن بالدار اذا أقام وايضا جبل بمعلاة مكة مشرف مما بلى شعب الخرازين فيه اعوجاج عنده مقبرة قال السهبلى على فرسخ وثلثين من مكة قال الاعشى :

فما أنت من الحجون والصفا            ولا لك حق الشرب فى ماء زمزم

و قال عمرو بن مضاض الجرهمى يتأسف على البيت :

كان لم يكن بين الحجون الى الصفا                 أنيس ولم يسمر بمكة سامر

وهو بفتح الحاء قال شيخنا وبعض المتشدقين يقوله بضم الحاء ولا اصل له والحجون علم اخر قال محمد بن عمرو الحجون جبل آخر غير هذا نقله نصر ، ومن المجاز الحجون كل غزوة يظهر غيرها ثم يخالف الى غير ذلك الموضع ويقصد اليها وفى الاساس الغزوة الحجون هي المورى عنها بغيرها (تاج العروس) . قال ابن الاثير . الحجون الجبل المشرف مما يلى الجزارين بمكة وقيل هو موضع بمكة فيه اعوجاج قال والمشهور الاول (ص)

قلت

الحجون : بفتح أوله وهو المتفق عليه عند أهل اللغة . ولكن العامة فى مكة تقوله بضم الحاء . وقد اختلف المؤرخون كما يري القراء فى تعريف الحجون فذكروا روايات ثلاثة للحجون اشتركت أسما واختلفت صقما هى : ١ ) الحجون الاول ، وهو الحجون الجاهلى ٢ ) الحجون الثانى : وهو ثنية كداء ٣ ) الحجون الثالث : وهو ريع الكحل

الحجون الاول

كان تعريف الحجون الذى ذكره الازرقى موضع نقاش بين المؤرخين ، فذهب فريق منهم الى أنه الجبل الذى على يمين الصاعد من مكة الى منى واعتمدوا فى ذلك رواية الازرقى والخزاعى والفاكهى وهؤلاء الرواة أقدم مؤرخي مكة ، وقال فريق اخر انه ثنية كداء أو المدنيين وهى على يسار الصاعد من مكة الى منى ، وحجتهم فى ذلك ان المقبرة المعروفة اليوم فى المعلاة تقع على جنبى ثنية كداء ، ويطلق عليها أهل مكة ( مقبرة الحجون ) . قال الزبيدى : الحجون ، مشتق من حجن ، والتحجن الاعوجاج كما قال

وغزوة حجون كل غزوة يظهر غيرها ثم يخالف الى ذلك الموضع انتهى كلام الزبيدى . والغزو يكون تارة بالسلاح ، طورا بالكلام والمفاخرة ، وهذا الجبل الذى أطلقنا عليه اسم ( الحجون الجاهلى ) بميل الى أنه مشتق من المعنى الاخير لانه يصالى شعب الصفى ، صفى السباب ، وقد سمي صفى السباب لان ناسا فى الجاهلية كانوا إذا فرغوا من مناسكهم وقفوا بفم هذا الشعب وتفاخروا بالآباء والايام كما سنبنية فى موضعه .

أما تعريفه بالاماكن المشرف عليها فقد قال الازرقى ( الحجون الجبل المشرف حذاء مسجد البيعة الذى يقال له مسجد الحرس ، وفيه ثنية تسلك من حايط عوف من عند الماجلين اللذين فوق دار الله الى شعب الجزارين ( ١ ) وباصله فى شعب الجزارين كانت المقبرة فى الجاهلية ) انتهى كلام الازرقى

والمسجد المذكور واقع على يسار الصاعد من مكة ، بين مقبرة المعلاة وحارة الرشيدى وبين هذه الحارة وبين المسجد طريق المعلاة العام

أما الثنية التى تسلك من حايط عوف فهى الثنية التى تسمى ( ثنية ابى مرحب ) قال عنها الازرقى : هى الثنية المشرفة على شعب ابى زياد و حق ابن عامر التى يهبط منها على حايط عوف يختصر من شعب ابن عامر الى المعلاة والى منى

( ص ٤٨٠ ) ، وذكر الازرقي هذه الثنية أيضا فى تعريف جبل الخندمة فقال الخندمة الجبل الذى ما بين حرف السويداء الى الثنية التى عندها بير ابن ابى السمير فى شعب عمر ومشرفة على اجياد الصغير وعلى شعب ابن عامر وعلى دار محمد بن سليمان فى طريق منى إذا جاوزت المقبرة على يمين الذاهب الى منى ( ص ٤٧٩ وحايط عوف الذى تسلك منه ثنية ابى مرحب هو ( من زقاق خشبة دار مبارك التركى ودار جعفر بن سليمان ودار مال الله وموضع الماجلين ماجلى أمير المؤمنين هارون الذي باصل الحجون فهذا كله موضع حايط عوف الى الجبل ) ص ٤٤٣ ، وذكر الازرقى هذا الحايط فى موضع آخر فقال .

( ولعبدالله بن عامر بن كريز داره التى فى الشعب والشعب كله من ربعه من دارفيس بن مخرمة الى ثنية ابى مرحب الى موضع نادر من الجبل كالمنحوت ؛ يقال ان كان ذلك علما بين معاوية وبين عبد الله بن عامر فما وراء ذلك الى الشعب هو لعبد الله بن عامر وما كان وجهه مما يلى حايط عوف بن مالك فذلك لمعاوية ( ص ٤٥٥ )

وأشار الازرقى الى دار الله وهي ( دار الحدادين التى بسوق الليل مقابل سوق الفاكهة والرطب ودار الحدادين هذه كانت فى مامضى يقال لها دار مال الله كان يكون فيها المرضى وطعام أهل الله وهى من رباع بنى عامر بن لوى فاتباعها منهم معاوية ) ص ٤٥١ .

وموضع حايط عوف ودار مال الله والماجلين لا تعرف اليوم وقد اندثرت وحل مكانها البيوت والدور . أما شعب بنى عامر فهو لا يزال معروفا وهو واقع على يمين الصاعد من مكة والعوام تحرفه فنقول شعب عامر ، وكان يقال له ( المطابخ (١)) ايضا

وقد اتينا على هذه المعلومات لنضع امام القارئ صورة واضحة عن هذه المنازل ولتساعدنا على ايضاح المقبرة فى الجاهلية .

اما المقبرة فى الجاهلية فقد قال عنها الازرقى : وفى شعب الجزارين كانت المقبرة فى الجاهلية . وفيه يقول كثير :

كم بذاك الحجون من حى صدق                    وكهول اعفة وشباب ( ص ٤٨٢ )

وقال فى بحث مقبرة مكة : كان أهل الجاهلية وفى صدر الاسلام يدفنون موتاهم فى شعب ابى دب ومن الحجون الى شعب الصفى وفى الشعب اللاصق بثنية المدنيين ( ص ٤٣٢ ) وقال : شعب ابى دب هو  الشعب الذى فيه الجزارون وابو دب رجل من بنى سواة بن عامر ، وعلى فم الشعب سقيفة لابى موسى الأشعرى وله يقول كثير بن كثير السهمي :

سكنوا الجزع جزع بيت ابى موسي                        الى النخل من صفى السباب ( ص ٤٨١ )

وقال : شعب ابى دب الذى يعمل فيه الجزارون بمكة بالمعلاة ( ص ٤٣٣ ) وشعب ابى دب يقال له ( شعب العفاريت ) الفاسى ص ٨١

وفى مكة اليوم شعب يسمى ( شعبة الجن ) او ( دخلة الجن ) وحده شرقا جبل الخندمة وغربا الوادى وشاما ويمنا جبلان يتصلان بجبل الخندمة .

ونرجح ان شعبة الجن هذه هى شعب العفاريت كما يسميها الفاسى و ( شعب ابى دب ) على مقتضى كلام الازرقى لان تحديدها مطابق لما ذكره الارزقى فى ذكر هذا الشعب ، وفى بحث المنازل الاخرى المارة الذكر وثمة دليل آخر ذكره الارزقى يؤيد ذلك وهو انه ذكر مسجد الحرس في تعريفه للحجون وقال انه يقال المسجد الحرس الذى فى هذا الموضع مسجد الجن ، لأنه فيما يقال موضع الخط الذي خط رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود ليلة استمع عليه الجن ( ص ٤٢٤ ) ويحتمل ان هذا الشعب اطلق عليه اسم ( شعبة الجنن ) فحرفه العوام فقالوا شعبة

الجن . والجنن محركة القبر سمي بذلك لستره الميت كما ذكر فى تاج العروس والجمهرة . وفى هذا الشعب كانت مقبرة الجاهلية كما مر فى تعريفها .

واخيرا ذكر الازرقى شعب الجزارين الذي باصله المقبرة ، وقال عنه انه فى شعب ابي دب

وفى شعبة الجن كانت مجزرة مكة وبقيت المجزرة في هذا الموضع الى عام ١٢٨٣ ثم نقلت الى الموضع التى فيه اليوم خلف ثنية كداء فى وادى ذى طوى وهذا صريح في رواية الحضرارى فى كتابه ( تاج تواريخ البشر ) وهذا نص روايته وفى سنة ١٢٨٣ نقلوا سوق الجزارة والخضرة من المسعى الى بيرابودية الصغير وكذا جزارة سوق الليل وجزارة القشاشية وبحوها الى سوق المعلا عند قهاوى الشريف وعند زاوية الرفاعى ، وكذا جزارة السوق الصغير والخضرة نحو مسجد سيدنا حمزه باسفل مكة عند قهوة حبشى وكذلك المجازر محل الجزر من شعبة الجن إلى بر الحجون ( ١ ) ومن المسفلة الى جهة بركة الماجن ) انتهى

وجماع الرأى ان هذه الادلة كلها لا تدع مجالا للشك فى ان الحجون الأول هو الجبل الواقع على يمين الصاعد من مكة

الحجون الثانى

قلنا فى بحث ثنية كداء انها تسمى الحجون ايضا وهذا ما اتفق عليه اهل مكة اليوم : وقد وهم فريق من المؤلفين فعده لذلك الحجوز الأول وذهب فى تعليله مذاهب شتى ، وانكر فريق آخر هذه التسمية : ولكن عبارة القطبى لا تدع مجالا للوهم فى ان هذا الحجون هو ليس من الحجون الاول فى شيء وانما هو يصاليه فقد ذكر في ذكره ردم المدعى ( ٢ ) المراد بهذا الردم الموضع الذى يقال له المدعي وهو

مكان كان يرى منه البيت الشريف اول ما يرى ، وكان الناس خصوصا حين يرد الحج من ثنية كداء وهى الحجون اذا وصلوا ذلك المحل شاهدوا منه البيت الشريف ص ٧٦ ، وقال فى ذكر وفاة ابى جعفر المنصور الخليفة العباسي ( ركب ابو جعفر من بير ميمون فلما كان بين الحجونين سقط من فرسه فاندقت عنقه فمات لوقته ) ص ٩٦ . وكلام القطبى هذا صريح فى ان الطريق التى بين الحجون الجاهلى وبين ثنية كداء المعروفة بالحجون يطلق عليها ( بين الحجونين )

أما تاريخ تسمية ثنية كداء بالحجون وتعليلها فلم يذكره المؤرخون وعندنا أن الرأى الصحيح هو أنه لما جاء الاسلام وحول المكيون قبورهم الى الشعب الذى باصل ثنية المدنيين المعروفة بثنية كداء ايضا اطلقوا على هذه الثنية أسم ( الحجون ) واصبح معروفا عندهم لان من معانى الحجون ( المقبرة ) ومقبرة مكة فى الوقت الحاضر متصلة بالثنية المذكورة

أن هذا المعني - اى المقبرة - ومعاني أخرى للحجون لم ترد فى معاجم اللغة العربية ولكننا نجد ذلك مبسوطا فى معاجم اللغة اليونانية التى انتقلت اليها لفظة ( الحجون ) العربية وفى مجلة ( لغة العرب ) التى كانت تصدر في بغداد مقالة ضافية عن الحجون ومعانيها فى اللغة اليونانية فليرجع اليه من شاء ص ٤٢ م ٦ والحجون الاول فى شق معلاة مكة اليماني ، والحجون الثانى فى شقها الشامى

الحجون الثالث

ويقال للثنية الخضراء التى تعرف اليوم بريع الكحل ، الحجون ايضا كما هو مقتضى كلام ابن ظهيرة حيث قال ( المشهور عند أهل مكة ان الحجون هو الجبل الذي فيه الثنية التى يدخل منها الحاج الهابطة على المقبرة وعرفها الازرقى بثنية المدنيين ويسمونها الحجون الاول بالنسبة الى الخارج منها الى جهة ذي طوى والزاهر ويقولون لما بينها وبين الثنية الأخرى الهابطة على المختلع وطريق الوادى وتسمي الخضراء بين الحجونين ) ص ٣٥٨

وبين الحجونين هذا هو وادى طوى كما مر فى تعريفه وتقع الثنية الخضراء فى منتهاه يهبط منها على قبور المهاجرين دون فتح وقد ذكر الازرقي فى مقبرة المهاجرين فقال

لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وكان جندع بن ضمرة بن ابى العاص رجلا مسلما فاشتكي بمكة فلما خاف على نفسه قال أخرجوبي من مكة فان حرها شديد قالوا فاين تريد ، فاشار بيده نحو المدينة وانما يريد الهجرة فادركه الموت باضاة بنى غفار (١) فانزل الله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله ) فيقال أنه دفن فى مقبرة المهاجرين بطرف الحصحاص (٢)  وبه سميت المقبرة مقبرة المهاجرين ( ص ٤٣٦ ) وهذه المقبرة تقع بين جبل الحصحاص و وادى فتح المعروف بالزاهر أو الشهداء ، والثنية الخضراء ، وقد تركت هذه المقبرة الآن ولكن أثار القبو لا تزال مائلة

وكان أمير الحاج الشامى ينزل فى هذا الموضع ، وقد جرت العادة أن يحمل معه عند قدومه في كل عام خلعة - أى كسوة - يرسلها السلطان من استانبول الى أمير مكة فيجرى الاحتفال بتسليم هذه الكوة في هذا الموضع ، فسمي بالمختلع . وهو الاسم المعروف عند أهل مكة لهذا الموضع

أما الثنية الخضراء فقد سميت بالحجون لاتصالها بمقبرة المهاجرين ، ومن معاني الحجون التى لم يذكرها اللغويون المقبرة كما مر آنفا ، وقد اندرس اسم الحجون باندراس المقبرة ، فتعرف اليوم هذه الثنية بريع الكحل

الختام

وخلاصة القول أن فى مكة ثلاثة أماكن عرفت كل منها بالحجون ، ولا عبرة فى اختلاف الرواة والمؤلفين بعد الذى ادلينا به من الحجج والبراهين والله أعلم .                                                   الرياض

اشترك في نشرتنا البريدية