النسر ضاق بعيشه صدرا فطوى العباب وغادر الوكرا
جهد الهموم أقض مضجعه وأذاقه الأوجاع والضرا
ومصائب الأيام إذ وردت سودا عوابس تنشر الذعرا
وعواصف هوج إذا عصفت لمعت بوارق حقدها جمرا
فترى الجبال تميد جامدة تتوقع المكروه والشرا
وترى الفجاج تضج مفزعة من هولها تستفسر الأمرا
والوكر وكر النسر قد نسفت أركانه فتخاله قبّـــــــرا
يا ويحه شر تخـــــــطفه! فأذابّـــــــه وأذاقه المرا
يا ويحه تبرى السهام له ! وتراش ثم تصيبه غدرا
يا ويحه في عقر مضجعه! يأوى الردى وسهامه تبرى
قد كان هان على كرامته لو نازل الشاهين والصقرا
لكن بغاث الطير تنهشه وتجيل فيه الناب والظفرا
فعلت مراجل صدره ألما وسرت لواعج حزنه جمرا
فهفا وطار يقله غضب لو يستبين لأفزع الدهرا
ولأذهل الأيام فانشغلت عن سيرها فتراجعت دعوا
مل المقام وعاف منزله وجفا الحياة وأهلها طرا
قد عاف حتى ظله وغدت أيامه من ضيقها أسرا
فسما إلى الأجواء منبعثا ينساب فيها مطلقا حرا
فى مطلق لا ينتهى أبدا يأبى الحدود وينكر الحصرا
وبحيث لا ظل ولا عدد يستنزفان حياته جبرا
فكأنه ماء تبجس من جوف الصخور فخالط البحرا
وكأنه نور تبثق من قلب الهشيم فخالط الفجرا
وكأنه فهم تجرد من وهم الظنون فخامر الفكرا
وكأنه سر تخلص من طي الضمير فلم يعد سرا
فى شاسع الأجواء منفسح للنسر كي يحيى بها نسرا
فيدور فى أجوازها فلكا ويشع ضمن بدورها بدرا
ويراقب الأكوان عن كتب ويسامر المريخ والزهرا
ويظل يعرج كالشعاع إذا شق الظلام وولد الفجرا
ويظل يسرى كالخيال إذا رفع الحجاب وراود الفكرا
يتأمل الأكوان معتبرا مستقصيا أغوارها سبرا
فيتيه فيها فكره جذلا وتهيم فيها نفسه سكرى
حتى إذا ضاق الفضاء به من رحبه فبدا له اسرا
ولي يسب المشترى حنا والفرقدين ويلعن الشعرى
أو يلعن الجوزاء فى غضب والثور والميزان والعذرا
فارتد نحو الأرض منفتحا للوكر تطفح نفسه بشرا
وهوى يسابق شوقه طربا ويداعب الأحلام والذكرى
لا يأمن الغر وثبته إن عاد يوما يطلب الوكرا
ليدور فى أكنافه فلكا ويشع فى أحضانه بدرا
في الضيق في الإرهاق في حرج لا يستطيع لنفسه أمرا
فالحر لا ينفك فى رهق يعطي القيود ويمنح الأسرا
والحر ليس تزول ضيقته حتى يكون دماغه قبرا
فليلتمس قبرا يلوذ به أو فليعش فى أسره حرا
مادام معنى الأسر منطبعا في نفسه يحتاجها قسرا

