الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "المنهل"

معركة أحد

Share

قريش والرسول بعد المعركة

لم تكن قريش ، تحلم ، فى قرارة ضمائرها . حينما أقدمت على تجريد هذه الحملة - بانها ستنال من جيش الاسلام ما نالت . فقد أقدمت عليها مرغمة مضطرة ، وكان الخوف يحز فى قلوب مفكريها من وخامة عواقبها . وكانت مخالب الذعر تنهش افئدتها وتغمر تفكيرها ، ولكنها ربطت جأشها ، واستجمعت قواها المادية والمعنوية ، ونظمت دعاوة واسعه لاستدرار عطف العرب عليها وانعامهم عليها بالمؤازرة وكان مظهر هذه الدعاوة وروحها ان تفهم قريش العرب فى الجزيرة أنها تقوم بهذه الحملة حماية لدين العرب الموروث وتقاليدهم النالدة ، التى جاء الدين الجديد معولا يقوض بنيانها ، ليقيم على أسسه نظاما جديدا ، يتقيد بالفضائل والاخلاق السامية وينهى عن الطغيان وعبادة الأوثان - بهذا كله قامت دعاوة قريش فى بطون العرب ، إرهاصا لحملتها على المسلمين فى عقر دارهم لاستئصال شأقتهم واراحة البلاد من عقيدتهم ومبادئهم ، وهكذا استطاعت قريش أن تحشد تحت رايتها أكبر جيش وسعها تحشيده من احلافها وشتى القبائل المواليه لمبادئها . وها هى المعركة قد دارت رحاها منذ صبح يوم ١٦ شوال وها هى قد انتهت بكفتين متعادلتين . ولكن المشركين قد هاهم فى الصباح المبكر ما رأوه من ثبات قلوب المسلمين وتكامل قواهم الروحية فى أول نشوب المعركة ، وراعهم سرعة انقضاضهم على جيش قريش اللجب يعملون فيه القتل والسلب والأسر ، أدهشهم كل ذلك وأذهلهم في ياديء الأمر حقا فتمثلوا

" واقعة بدرية " ثانية . فهاهم بين قتل ذريع . وانهزام سريع ، وأسر مريع . وها هم يشاهدون من خلال هذه الصواعق المنقضة عليهم خطة حربية محبوكة نظمتها قيادة عليا مطاعة تضم أبطالا يبيعون أرواحهم رخيصة لتثبيت دعائم دينهم القويم ، والذود عن حياض نبيهم الكريم ، وتفديته بالروح والجسد . كل هذا شاهده مقاتلة قريش أول المعركة التى استعدوا للايقاع بجيش الاسلام فيها ولهذا بدأ الشك الهائل يتسرب إلى أدمغتهم فى استتباب أمرهم ، ونجاح قضيتهم فها هو حصن حملتهم قد ظهر ان اساسه كان على الملح والماء ، إذ سرعان ما تقوض بعد ما تعرض لهذا الجيش العاصف القوي الايمان بالله وبرسوله ودينه العزيز ، ثم كانت مخالفة الرماة فى وسط المعركة وكانت قريش المحتدمة غيظا فى يقظة تامة مفتحة أعين الرقباء لأية ثلمه تظهر فى صفوف المسلمين لتدخلها عليهم فى مكر ودهاء ومالت ريح النصر عن المسلمين ، وارتبكت صفوفهم ، وانتقضت ، وسادهم الذهول ساعة اشاعة قتل الرسول عليه السلام ، فانتهزت قريش هذه الفرصة الغالية ، وأمعنت فى تقتيلهم مكتفية بهذا عن الاسار ، ثم رد الله على المسلمين روح الثبات فقابلوا أعداءهم بقلوب عامرة بالايمان ، وأذهان منتعشة بروح الأقدام ، وانتهت المعركة فى أصيل يوم الأحد نفسه الموافق ١٦ شوال وقد دنت الشمس للغروب ، وقد مس جيش قريش منها داء اللغوب ، هناك قر قرارها : بعد استشارات مختلفة جرت بين قيادتها العليا وأركان حربها - على وجوب الانصراف حالا واخلاء هذه الجبهة المرتجة اخلاءا سريعا تاما ، فقد وصلوا من الأخذ بثارهم من المسلمين إلى الحد الذي به يستطيعون أن يملأوا الجو ضجيجا مكبرا وادعاءا طويلا عريضا ، وبهذا سلمت سمعتهم ، وانجوا كرامتهم من مخالب الانهيار والسقوط التى كانت فى انتظارهم وتراجع جيش قريش بهذه الصفة يدلنا على مبلغ استعظامها أمر الاسلام ، برغم ما نالت من صخرته العالية يومئذ من الفلول والثلم .

والحق يقال ان قريشا شعرت بتضعضع معنوية جيشها - وإن كان عرمرما _

بالنسبة لقوة معنوية المسلمين . ولهذا ما كادت شمس يوم المعركة تختفى وراء هذه الهضاب الدكن من جبل أحد حتى رأينا القائد المحنك أبا سفيان يسير فى طليعة جيشه موليا الأدبار ، ومخليا اخلاءا تاما جبهة أحد القرشيه ، قافلا بمن معه إلى مكة ، مذعورا من أن تستجمع هذه الليوث الضارية قواها من جديد فى جنح الليل المقمر البهيج الصافى ، قتداهم جيشه المنحل المترهل وتفتك به فتكا ذريعا . يطير خبره فى آفاق الجزيرة ، فتسوء سمعة قريش وتتقلص من حيث ينتشر عز  الاسلام ويبسط سلطانه على العموم . . وهذا كان اخشى ما تخشاه قريش ، وأهم ما تسعى لاجتناب حصوله ، مهما كلفها الأمر اقداما أو انهزاما .

ويدلك ، دلالة واضحة على مبلغ تضعضع القوي الروحية فى جيش المشركين يومئذ انهم قد رضوا بهذا التراجع وعدتهم ( ٢٩٧٧ ) مقاتلا ، رضوا به ورجالهم سالمون كلهم اللهم ما عدا الثلاثة والعشرين مقاتلا الذين صرعهم المسلمون فى مبدأ النضال . ولكن ابا سفيان على ما خالجه من ذعر لم يعدم الحنكة والدهاء ، فقد خشي أن يفهم المسلمون من انسحابه هذا المفاجيء سقوطا معنويا فظيعا يحملهم على التنديد به ، وتعقيبه وتلويمه ، ومن أجل هذا دارى الموقف فصاح بأعلى صوته حين قفوله منذرا المسلمين بقوله : " ان موعدكم بدر للعام القابل "

وكان أبو سفيان يظن ان هذا الانذار يحمل قنابل التاثير المفزع إلى قلوب المسلمين فيقابلونه بالألم الممض والصمت الفاتك . ولكن ظنه سرعان ما خاب إذ ، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه أن : " قل نعم هو بيننا وبينك موعد " وبهذا عاد سهم هذا الانذار مسموما إلى قلب مرسله ابى سفيان . وفشلت حيلته وخاب دهاؤه . وتحطمت آماله على صخرة الايمان الثابت اليقظ . فأمعن فى السير وقلبه وأجف ، وجيشه خائف . وقد وفى الرسول بوعيده فى العام القابل ، وأخلف ابو سفيان .

على ان الرسول عليه السلام . وهو القائد اليقظ ، والبطل الصنديد ، ما كان يغفل حركات العدو وسكناته ، ومناوراته فى اقدامه وراجعه ، خصوصا وان حركة قريش فى هذه اللحظة الأخيره هى أخطر حركة اتجهت الى المكر

والخداع . باضرام نار الحرب من جديد . بعدما ايقن المسلمون ان الحرب انتهت حركاتها . ومن أجل هذه النظرية النبوية النيرة ازمع عليه السلام ان يسير غور حركة قريش الاخيرة ، أهى حركة تراجع وقفول الى ديارهم بحق ؟ أم حركة تطويق والتفاف ، ومناورة سفيانية جديدة يقصد منها الاستيلاء على المدينة واقتحامها بعد ان خلت من أسودها ، وتباعدت عنها حماتها ؟ . فان كانت هذه الحركة - كما تبدو - حركة تتجه الى مكة ، فان النبى عازم على اللحوق بهم ومناجزتهم ، زيادة فى ابراز قوة الاسلام ، وزيادة فى انكاء جروح قريش . وقصمالدعاويها الجوفاء المنتظرة بما ستزعمه للعرب من انتصارها المؤزر علي الاسلام . وان كانت حركة خداعية تقصد المدينة فان الرسول مستعد لمناجزتهم فيها مناجزة حاسمة قاضية . وهكذا انتدب الرسول ابن عمه على بن ابى طالب وأودع اليه امر تعقيب قرش فى حركتها الأخيرة وقال له . " اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون ؟ وماذا يريدون ؟ فان كانوا قد جنبوا الخيل وامتطو الابل فانهم يريدون مكة . وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فانهم يريدون المدينة . والذي نفسى بيده ، لئن ارادوها لأسيرن اليهم فيها ثم لأناجزتهم . ونهض علي فى اهاب الشاب البطل المتحمس اليقظ ، ليقوم مهمته الحربية الاستكشافية فى نشاط واقدام . فتجلى له ان القوم قد امتطوا الابل وجنبوا الخيل ، ومن التعليمات التى زوده بها الرسول فى هذا الشأن ادرك ان القوم عائدون الى مكة فرجع وأخبر الرسول بحقيقة الحال .

وبعد فهل رأيت يا سيدى القارئ بطولة كهذه البطولة الرائعة المتجسمة فى هذه الكلمة المدهشة التى تمثل خطبة حربية رائعة ، وتكشف لنا عن حنكة حربية واسعة ، ويقظة منقطعة النظير ، وجلدا يناطح الجوزاء ؛ واقداما يقوض الجبال وعزما يفل حد السيف الجراز !

اللهم ان رسولك محمدا صلى الله عليه وسلم قد أدى الامانة وبلغ الرسالة ، وجاهد فيك أحق جهاده ، فآته اللهم الوسيلة والدرجة الرفيعة ، ومقاما محمودا الذى وعدته انك لا تخلف الميعاد . ( للبحث صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية