الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

معركة التحرير, قبل انعقاد مؤتمر قصر هلال

Share

ما من شك أن المدرسة الصادقية والخلدونية مؤسستان تونسيتان لعبتا دورا ذا شأن فى تكوين النخبة التونسية وتوعيتها بما كان يسمى قبل تحرير البلاد بالقضية التونسية ومختلف مظاهرها السياسية والاقتصاد والاجتماعية . لقد أسست المدرسة الصادقية فى أيام خير الدين فى السابع والعشرين من شهر فيفرى سنة 1875 وكان الطاهر صفر من خريجيها الاول ولقد عرف بنضاله فى سبيل تونس وحاول التصدى لسياسة الاستعمار التى كانت تستهدف الشخصية التونسية تريد مسخها باستئصال كل ما قد يجعل التونسى يشعر بأنتمائه الى وطن له مقوماته وأصالته ومجده . فكانت السلطات الفرنسية تلوح بالمغريات المختلفة وبأشدها فاعلية لتبعد قلوب النخبة التونسية عن تونس ، من ذلك امتيازات يتمتع بها من سخروا أنفسهم للفرنسة ، وحتى من اكتفوا بالكفر بالوطن ذى الحدود الضيقة ، فكان البشير صفر واعيا بالخطر الداهم ، وسأهم في فضحه والتنديد بأعمال سلطات الحماية تلك التى كانت تدر على النخبة بأقراص حلوة المطعم لكنها أقراص تضم فى طياتها سما فتاكا .

ومن أعمال البشير صفر مساهمته فى بناء صرح الخلدونية سنة 1896 وكان الهدف منها اتمام التعليم الزيتونى ونشر الثقافة والعلوم العصرية فى الجماهير الطالبية التى كانت تتردد على حلقات جامع الزيتونة . وكانت الخلدونية أيضا ناديا يلتقى فيه الشباب والكهول للحوار حول الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى كانت تمر بها بلادنا اذ ذاك ، وكذلك حول الحالة الراهنة فى البلاد العربية . فسرعان ما تحولت الخلدونية الى موطن معارضة ضد سيطرة الاستعمار ، شأن الخلدونية فى ذلك شأن جمعية قدماء الصادقية التى تم تأسيسها سنة 1905 تحت تأثير على باش حامبة .

وفى حديثنا حول البشير صفر لا بد من الاشارة إلى الخطاب الذى ألقاه فى 24 مارس 1906 بمحضر المقيم العام وفي ذلك الخطاب عرض البشير صفر أهم ما كانت تطالب به الجماهير الشعبية التونسية فى ميادين التعليم والاقتصاد

وفي بداية عام 1907 تظافرت جهود البشير صفر مع جهود على باش حامبة وتأسس حزب تونس الفتاة وكانت له جريدة أسبوعية تعبر عن أهدافه ومطامحه والخطوط العامة لسياسته . والتحق عبد العزيز الثعالبى بجماعة هذه الحزب خلال سنة 1909 .

على أن مطالب تونس الفتاة كانت متواضعة محتشمة إذ كانت لا تستهدف مبدأ الحماية بل كانت تسعى لبعث سياسة تعمل على تحسين وضع التونسيين فى نطاق الحماية نفسها .

وتبين بعد ذلك أن هذه السياسة المتواضعة المحتشمة لم تكن لترضى الجماهير الشعبية التى كانت تتقد حماسا وتتحين فرصة سانحة لتعبر عن سخطها وعن توقها للتخلص من ربقة الاستعمار : وكان الاصطدام عنيفا فى مقبرة الجلاز سنة 1911 وهو يوم من أيام تونس أثبت فيه أبناء تونس أنهم لا يبخلون بدمائهم فى سبيل الوطن . ولم تكتف سلطات الحماية بتقتيل الابرياء بل أمرت بخنق صوت الحرية : أوقفت الجرائد وأغلقت النوادى حتى يتم القضاء على كل حركة مشبوه فيها وفي نهاية المطاف صدر قرار يقضى بايقاف جماعة تونس الفتاة بعد الاحداث التى جدت في الثامن من شهر فيفرى سنة 1912: عبد العزيز الثعالبى ، على باش حامبة ، وحسن القلاتى ثم الحكم عليهم بالابعاد

ثم هب نسيم الحرية على الشعوب الخاضعة للحكم الاستعمارى غداة الحرب العالمية الاولى اثر تصريح الرئيس الامريكى " ولسون " الخاص بحق الشعوب فى تقرير مصيرها مما جعل بعض المناضلين يلتفون خلف البشير صفر وعلى باش حامبة حول راية حزب سموه " الحزب التونسى " وفيه تكونت نواة الحزب الحر الدستورى الذى ظهر للوجود سنة 1920 واليه تنتمى " تونس الشهيدة" وهو كتاب من تأليف الشيخ الثعالبى وجماعته وفيه عرضت أوضاع الدولة التونسية وقتئذ وقدمت حلول لمعالجة تلك الاوضاع على ضوء السياسة التى تبناها الحزب الحر الدستورى التونسى وطبقا لمبادئه . والملاحظ أن المطالب التى تقدم بها أعضاء هذا الحزب لا تستهدف مبدأ الحماية مطلقا . كانت الجماعة تطالب بتزويد البلاد بدستور يضبط الحقوق والواجبات وتتنزل فيه الحياة

السياسية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من مظاهر حياة الامة . وكانوا يطالبون أيضا بالمساواة بين التونسيين والفرنسيين المقيمين بتونس . وكانوا يطالبون بتأسيس برلمان يتساوى فيه التونسيون والفرنسيون من حيث عدد المقاعد . فلم تكن مطالب أساسية تستهدف أركان الاستعمار وتعمل على تحرير البلاد واسترجاع حقوق الوطن وعزته بل كثيرا ما كانوا يتورطون مع سلطات الحماية ، ومنهم من أعرب أنه لا يمكنه تصور سعادة البلاد التونسية بدون فرنسا .

وان لم يتمكن أعضاء هذا الحزب من اثارة المشاعر الوطنية فى الاوساط الشعبية وعجزوا عن نيل عطفها فذلك لانهم كانوا يجهلون تلك الاوساط وغاب عنهم ما كان يكمن فيها من طاقة نضالية . ومن ضعف ذلك الحزب أنه لم يستطع توحيد النخبة التونسية التى كانت فئات مشتتة ، فهذه يسوسها حسن القلاتى وهذه يتقدمها فرحات بن عياد . وتجدر الاشارة إلى نواة أخرى من الغيورين على تونس كانوا ينشطون حول الطاهر الحداد . وكيف نتحدث عن هذه الكتل دون الاشارة الى الحركة النقابية التى أسسها محمد على فى شهر أكتوبر سنة 1924 .

واصطدم الحزب القديم بكل هذه الجماعات وعمل جاهدا للقضاء عليها جميعها لانها كانت تضايقه وتثير فى وجهه المشاكل التى يأبى الاهتمام بها . ومهما يكن من أمر فيبدو من الثابت أن الحزب الذي كان يتزعمه الشيخ عبد العزيز الثعالبى كان عاجزا عن تحليل الاوضاع الاستعمارية وتحليل قضية الشعب التونسى الكبرى وتقديم حلول تقبل المراحل دون اهمال لجوهر القضية ودون نسيان للهدف المقوس وهو تحرير البلاد وتمكينها من استرجاع حقوقها وعزتها كاملة ولعلهم كانوا يشيحون بوجوههم عن الحلول الناجعة والاساليب الموصلة اليها .

ومعلوم أن العاطفة والصداقات الشخصية كانت تسود فى الحزب القديم ولم يكن للعقل فيها من سلطان ، بل كان أصحابه يؤثرون أحيانا التواطؤ مع سلطات الحماية ان كان فى ذلك القضاء على من كان يضايقهم من ذوى الغيرة على تونس وأبى الخضوع لآرائهم السلبية وهيمنتهم وخرج عليهم بأفكاره وأعماله الايجابية . لقد كفروا الطاهر الحداد لانه دعا الى تحرير المرأة استنادا الى ما تلهمه آيات الذكر الحكيم ، فكان من خطبه أن يموت فى برد العزلة والخصاصة وكان مصير محمد على الحامى الابعاد عن أرض الوطن ورحل الى الحجاز حتى

وافاه الاجل وهو يعمل فى الحجاز على متن سيارة أجرة . وما ذنب محمد علي الحامى الا انه حاول جمع شتات العمال التونسيين فى منظمة نقابية قومية واختار الاتصال المباشر والحوار مع الجماهير الشعبية الكادحة على أرصفة الموانى وغيرها من قطاعات الشغل . وتصدت لمحمد على قوات مختلفة منها النقابات الفرنسية والاوساط الاشتراكية الشيوعية وجماعة القلاتى والدستور القديم: جابهوه بأشد ما يكون من العنف حتى كان مصيره الموت بعيدا عن الوطن المقدس

فكان الحزب يهدد كل من يتجاسر من بين التونسيين الاحرار على الوقوف فى وجهه ويحاول الخروج بالقضية التونسية من الخندق الذي ما انفكت تغوص فيه . وكانت الفئة المسيرة لا تتردد فى استعمال ألقاب مريعة كالخيانة والمروق والكفر تستعملها ازاء الذين يريدون الخروج عنها والعمل بطرق جديدة حية تناهض الطرق السلبية التى اختارها الحزب القديم ، وتمكنوا بالفعل من غرس الرعب فى قلوب الناس حتى لا يتجاسر أحد على محاسبتهم ولا على معارضتهم أما زعماء هذا الحزب القديم وهم من المثقفين " وأصحاب المهن الحرة والتجار وكبار الفلاحين فكان يروق لهم الاجتماع فى حلقات ضيقة بأسواق المدينة أو بعض المنازل الفخمة بالضواحى الشمالية ليغوصوا فى مناقشات بزنطية حول الحماية ويضيعوا وقتا ثمينا فى الحديث عن المبادىء السرمدية المطلقة التى لا تدفع الى عمل ايجابى مجد

وكان لهم داخل البلاد أعوان مخلصون يمثلونهم ويعملون على جمع لاشتراكات والاعانات والهبات ولعل منهم من كان يحتفظ بتلك الاموال دون أن تسلط عليه أى رقابة ، بل كان فى اللجنة من يجمع الاموال دون أن يكون لديه تكليف يؤهله للقيام بذلك العمل . ان الايدى فى الحزب القديم لم تكن دائما نظيفة ، ذلك ما نلمسه فى الرسالة التى وجهها المجاهد الأكبر الى اللجنة التنفيذية اعلانا عن استقالته فى السابع من شهر سبتمبر 1933 . وكان عمل ذلك الحزب القديم يقتصر على نشر مقالات تتضمن عبارات التألم والبكاء والمعاتبة دون جدوى ومن عمله ايضا تقديم العرائض للاحتجاج على أن وصول تلك العرائض الممضاة الى سلطات الحماية أمر مشكوك فيه . وبالمقالة والعريضة كان زعماء الحزب القديم يقنعون ضمائرهم ويعودون الى منازلهم ليناموا نوم الاطفال .

وكان لسلطات الحماية من الوسائل ما يساعدها على تحليل كيان هذا الحزب ، وأيقنت بالفعل أنه عاجز عن العمل المجدى ، ومن النجاعة أن تغض الطرف

أحيانا عن صحفه وعرائضه وكانت سنة 1930 تلك التى التأم فيها المؤتمر الأفخارستى بقرطاج وفي سنة 1931 احتفلت سلطات الاستعمار بمرور نصف قرن على انتصاب الحماية الفرنسية على تونس . واحتفالها بذلك العيد دليل قاطع على أن سلطات الاستعمار كانت تؤمن وقتئذ ايمانا راسخا باستمرار الحماية ودوامها على مر الزمن ، كما كانت تؤمن وقتئذ بأنه لا وجود فى تونس لقوة وطنية ناجعة تستطيع مناهضة فرنسة البلاد التونسية ومسخ شخصيتها

ففي سنة 1931 كانت سلطات الاستعمار راضية مطمئنة لانها كانت لا تخاف حزبا ولد وهو مصاب بالشيخوخة والهرم ، كفر بالعقل وأعرض عن كل عمل منطقى ينبثق من الواقع .

اما اذا نظرنا الى الجماهير الشعبية فنجد أن الرعب قد تسلط على القلوب حتى كأن الخضوع تأصل فيها ، سيما وان الفقر قد ضرب أطنابه فى البلاد وداست سلطات الحماية حرمة الشعب وانتزعت منه عزته ووخزته فى شرفه ودينه . كل ذلك جعل الاوساط الشعبية الجائعة الجاهلة تستسلم الى القنوط وأصبحت معرضة الى المسخ

ولئن تسلط القنوط على القلوب فذلك أن الشعب التونسى مع فقره وعجزه عن التفكير والنفاذ الى الواقع وتحليله كان مع ذلك كله يشعر شعورا خفيا بأن لا خير يرجى من الحزب الحر الدستورى التونسى وقد بان شيخا هرما لا يستطيع القيام بأي عمل يحمى الوطن من مخالب الاستعمار ويتقدم بالقضية التونسية نحو ساعة الخلاص

على أن قوى وطنية خفية كانت تعمل العمل الجدى دون أن تعيها سلطات الحماية وعيا كاملا ، لقد أشار المجاهد الاكبر فى خطاب ألقاه بمدينة بنزرت أمام نصب الشهداء في 15 أكتوبر 1969 الى الذين كانوا يناضلون فى سبيل القضية التونسية ، ولا يخفى على أحد أن المجاهد الاكبر كان فى تلك السنوات يقوم بعمل جبار فى سبيل القضية الوطنية مبينا فى أقواله وكتاباته أن سقوط تونس بين مخالب الاستعمار ليس من باب القضاء والقدر بل كان نتيجة أوضاع تاريخية بما يتضمن ذلك من أوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية يمكن للانسان تحويلها ، وذلك أمر ليس بعجيب اذ الانسان هو صانع التاريخ من ذلك سياسة المجاهد الاكبر القاضية بالرجوع الى معاهدة باردو والمطالبة باحترام نصها وفحواها

وهي نظرة جديدة تجاه القضية التونسية تستوجب العمل على توعية التونسين وتبصيرهم حتى يصبحوا قادرين على تحليل الوضع والقيام عمليا بمساهمة ايجابية في المعركة ضد قوى المسخ والعبودية وبرزت تلك السياسة النضالية الحديدة فيما كان يحرره المجاهد الاكبر فى الصحف وأخص بالذكر منها " العمل التونسي " L' Action Tunisienne" وسرعان ما أصبحت  هذه الصحيفة اداة عمل ونضال ، كما تجلى ذلك فى معركة التجنيس . وسجلت  إذ ذاك تونس انتصارا باهرا حيث تراجع المقيم العام منسرون "Manceron " ولم يبق لاموات المتجسين الا ان يدفنوا فى ركن يخصص لهم فى مقبرة المسلمين .

وقيل بورقبية الحل الوسط لان الغاية بالنسبة للقضية التونسية فى ذلك الوقت هى أن يبتعد التونسيون عن التجنيس وينفروا منه ويعرضوا عن قوى الترغيب ويصمدوا فى وجه سلطان الاغراء . وفى قبول المجاهد الاكبر لذلك الحل الذي قد يبدو منقوصا فى نظر من قد يتعصب للمبادئ المطلقة فى قبوله لذلك الحل تجسيم لطريقة عمل جديدة تؤمن بالواقع ، وتنطلق من الواقع لبلوغ الهدف .

ولم يشح اذ ذاك الحبيب بورقيبة بوجهه عن الذين كانوا يعملون فى بوتقة الحزب القديم بل قبل مبدأ التعاون معهم لانه كان يؤمن وما زال يؤمن بتحسين البشر بالتوعية والاقناع ، بالحوار والعمل المشترك . ولكن سرعان ما تبين عمق الشقة التى تفصل بينه وبين جماعة الحزب القديم

وبديهى أن يأبى الحبيب بورقيبة البقاء مع فئة تنظر الى الواقع ولا تراه أو تتجاهله ، فئة تأبي العمل ولا تؤمن بالنصر ، فخروجه من صفوفه كان محتوما ولم يكن في رأينا نتيجة التوبيخ الذي وجهته له اللجنة التنفيذية غداة اتصاله بوفد مدينة المنستير . ولعله ينبغي التذكير بهذه القضية : أقبل وفد من مدينة المنستير على تونس ليحتج لدى الباى من تعسف المراقب المدني لما تظاهرت الجماهير الشعبية بالمدينة لتحول دون دفن أحد المتجنسين فى مقبرة المسلمين تصدت قوات الاستعمار للمتظاهرين وقابلتهم بوابل من قذائفها النارية فاستشهد المرحوم شعبان البحورى

لقد اتصل المجاهد الاكبر اذن بوفد المنستير ورافقهم الى قصر الباى دون اعلام أعضاء اللجنة التنفيذية ، فوجهت اليه توبيخا كما أشرنا اليه منذ حين فكان ذلك التوبيخ مما عجل بالقطيعة بين فئة عاجزة على العمل عديمة الايمان

بالقضية التونسية وبين رجل امن بتونس وسخر عقله لتحليل الواقع وتحويله .

فكانت قطيعة لكنها تختلف عن التى سبقتها لانها قطيعة حبلى بوحدة الشعب التونسى وتعبئته فى سبيل التخلص من ربقة الاستعمار وهو ما لم تقف عليه سلطات الحماية في بادئ الامر وقد رأت فى خروج الحبيب بورقيبة عن زمرة الحزب القديم بشرى التفرقة ، وكانت تعتقد أن المناضلين سوف ينهمكون فى خصام داخلى يوهن القوى ويحول دون النضال فى سبيل الوطن . لكن القطيعة كانت " انشقاقا مباركا " .

تلك هى الاوضاع السياسية التى عاشتها تونس قبل انعقاد مؤتمر قصر هلال ، ومن القطيعة تولد مؤتمر النصر فى ظروف مرضية عاشها عمداء المناضلين وعلى رأسهم المجاهد الاكبر %

اشترك في نشرتنا البريدية