فى الغاب
الاشتراكية اسم لمسمى قديم كان ، فى البدء ، دين الطبيعة الذى عنه لا تحديد قانونا به تشاع الحياة والموت ويقرر الوجود والعدم ، هو حق الاعشاب أن تنشق عنها التربة ، أن تنشق الروح - لوكسوجين - وتتغذى برحيق الطل كذلك الحور والصفصاف والزيتون وأسر النمل والباعوض وما تحوى الغاب من كل طائر وزاحف ، وهو الرابطة بين أفراد النحل يتعاونون على تشييد بيوتهم بوحى الفطرة وتلقائية حب الحياة ، تلك الغريزة التي جعلت الحرب سجالا بين القوي والضعيف ، وهي التي حبكت المأساة بين الذئب والحمل
متى حق الذئب أن يفترس الحمل ، ومن حق الجمل أن يأكل الاعشاب . ومن حق الأعشاب أن تنمو وأن تترعرع تحت قرص الشمس ، كل له قسطه فى العيش وله وسائله ثمة من يعتمد الظفر وهنألك من يحيا على نابه ، الدجاجة للنسر الفأر للقط ، وللدجاجة الحب وللفأر قضمه والرفاه ، كل كائن حى مدفوع بغريزته إلى أن يفترس غيره ممن هم دونه فى مدافعة الاخطار وحتى التراب يأكل الجثث ويحولها من جنسه
ظهور البشر
ليس من همي أن أروى قصة خروج آدم من الجنة ، ولست فى حاجه الى أن أتعرض الى أبحاث ( داروين ) و ( سبنسر ) فى الموضوع ، انما الذى يهمنى هو أن البشر الاول قد قضى طفولته بين أحضان الطبيعة ، فأخذ عنها كل ما يأخذ الطفل عن أمه ، عاش الآف السنين بين الوحوش الضوارى ، يناضل من أجل الابقاء على النوع فى المغاور المنيعة حينا وبين البراثن حينا ، يسوده نفس القانون الذى يسود غيره من الكائنات يقتل ويقتل ، يدافع ويهاجم كل شىء مشاع عنده ، حتى هو مشاع عند بقية الحيوان ولكنه مخلوق متحيل ، استطاع أن يخلق من الاخشاب أسلحة ومن الاحجار ليفترس ويقتنص ليتقى من هو أقوى ، ليجعل من جلود الحيوان ومن لحمه لباسا وطعاما وبدون أن أذكر اسطورة ( بروماثيوس ) فان البشر قد اكتشف النار ، بفعل
الصواعف أو باحتكاك الاخشاب وقدح الصوان ، ومن ذلك الحين أخذ يسيطر على بقية الحيوان بفضل اكتشافه العجيب ، وحول المواقد ولدت الكلمة وكان الحوار .
ملكية الارض
يقول جان جاك روسو فى كتابه " أصل التفاوت " : ان مبدأ الزراعة عرف قبل ان تمارس بزمن طويل ، وليس من الممكن الا يكون الناس ، المنهمكون بلا انقطاع فى تناول طعامهم من الشجر والنبات ، قد عنت لهم ، بسرعة فكرة الطرق التى تتخذها الطبيعة لتكثير النباتات ، ويقول روسو أيضا " أدت زراعة الارض الى تقسيمها " وفى صفحات اخرى من الكتاب يرى أن الانسان لا يضيف غير عمله الى الاشياء التى لم يوجدها فى الاصل ، فعمل الفلاح اذ يمنحه حقا فى غلة الارض التى حرثها ، يمنحه حقا فى الارض ذاتها ، وهكذا تحول التصرف المستمر بين عام وعام الى ملك "
فحق ملكية الارض مرتبط بعمل الفلاح ، ذلك أن الارض الجرداء لا يملكها أحد ، فاذا وقع حرثها وزرعها كان الانتاج هو الصلة الوحدة سنها وبين المتصرف
الاستبداد
وبطول الزمان أصبح ملك الارض مشاعا ، كلما كان فى الغاب مشاعا كل شىء فى المتناول الحصول عليه ، ومن هنا فاقوى الناس شوكة واحماهم ظهرا هو الذي يملك المسافات الشاسعة لا اعتمادا على عمله الذى يعطيه حق الامتلاك بالتصرف ولكنه يعتمد مبدأ الاغارة والحيف
أما الضعفاء من الناس فبحكم الحاجة هم يعملون لفائدة أصحاب الارض المزعومين . لهم أن ينتجوا ولغيرهم أن يستمتع بثمرات جهودهم ، هكذا بدأ استغلال الانسان للانسان
سادة يملكون الارض ومن عليها وعبيد ليس لهم الا شظف العش مقابل مرهق الاعمال ، عاشت الانسانية على ذلك احقابا ، وذاقت من الوان الظلم وصنوف العذاب مما حرك بعض الهمم للتفكير فى ايجاد نظام يحمى الضعفاء من استغلال الاقوياء .
حيرة القيم
فكر ( حامرابو ) فى وضع قانون للشغل ، وكذلك ( صولون ) الشاعر
الاغريقى . وعرفت السنة السبعون قبل المسيح حربا ضروسا من أجل كرامة الانسان . وجاء في التوراة والانجيل والفرقان من الايات الحاثة على احترام الذات المشربة ما لا يحصى ، غير أن رجال الدين كانوا يفسرون كلمات الله ، بوحى من مصالحهم وبأوامر من سادتهم الملوك والخلفاء . ثم ان الكتب السماوية كان فيها الناسخ والمنسوخ ! فتضاربت فيها الاقوال وانقسم المتدينون إلى شيع واحزاب ، واحتدم الجدال حول التباين بين آيات الجزاء وآيات العقاب ، والأمر والنهى ، وملك اليمين والعتق . هذا التباين هو الذى أعطى الفرصة للمصالح الشخصية ومكن اصحابها من تأويل الايات فحرموا الحلال وحللوا الحرام وميزوا بين الناس فى الرزق واغتصبوا الاراضى بعنوان الكنيسة أو المسجد واعطوا شخصية دينية للاقطاع يكفى القارىء أن ينظر في تاريخ روما وفرنسا أو فى خلافة عثمان ليتأكد من ذلك .
اتهام
فغريزة حب البقاء التى حملت الذئب على أن يخادع والثعلب على أن يراوغ هى نفسها التى عاشت فى رأس الراهب وهو يساوم " أختون " بل هى " رع يلقى بأشعته على النيل . .
كان من الممكن ظهور فكرة العدالة الاجتماعية فى أثينا قبل ظهور فلسفات الحب والجمال والفن ذلك أن المجتمع الاغريقى كان فى حاجه الى تطبيق العدالة الاجتماعية أكثر من حاجته الى المناقشات فى الحق المطلق والمبادىء التى لا تلامس باجنحتها الارض ، فهل لم يخطر ببال أفلاطون ان يكتب عن بؤس العبيد العمال الذين كانوا مضطهدين على مرآى ومسمع منه .
في احدى المحاورات ما فحواه : رجع أحد القضاة الى ضيعته فأعلمه أبوه أنه قبض على سارق فكتف يديه والقى به فى خندق حتى يأتى اليوم الموالى لتقديمه الى المحكمة . فذهب القاضى الى الخندق فوجد الرجل ميتا . . مثل التهاون بحياة البشر رجع الى المدينة وأدان أباه متهما اياه بالتسبب فى قتل انسان
هذا مثل رائع للعدالة ، ولكن أفلاطون نفسه يقر فى جمهوريته مبدأ السادة والعبيد فى نظام يقتل الاجنة ويجعل الدولة فوق الانسان
نظامان
يقول ارسطو فى كتابه السياسة " يجب أن نعد طبيعيا ما نظم وفق الطبيعة من أمور ، لا ما فسد منها "
فكل نظام يراعى الطبيعة البشرية ويجعل موضوعه الانسان فهو العدل وهو الخير ، وما خالف الطبيعة البشرية السليمة فهو فاسد يجب أن نهدمه من أساسه .
فما هى الطبيعة البشرية ؟ وما هى الطبيعة غير البشرية ؟
سؤالان يصعب الجواب عليهما فى كلمات قلائل ، ولكنى أحاول أن أعطى فكرة شخصية عنهما فأقول : ان كل سجية مصدرها الفطرة السليمة هى طبيعة بشرية ، فتحمل المسؤولية ورغبة التعاون مع الشخص الآخر ، والقيام بالواجب ، والوقوف عند حدود الحق ، والاخذ بأيدى الضعفاء ، والتسامح والتضحية ، كل هذه الصفات أعتبرها طبيعة بشرية
وأما الطبيعة غير البشرية فتتمثل فى غرائز الاثرة والعداوة والكذب والغدر وتحمل الظلم والغرور والتسلط وغيرها من الطبائع المقامة عليها حياة الحيوان فى الغاب وفي الجو والبحر فالنظام الذى يجعل قاعدته الطبيعة البشرية هو النظام الصالح ، وما خالف ذلك فهو فاسد .
عظات
عرف العصر الحديث أنظمة مختلفة برهنت الاحداث على فساد بعضها منها النظم الاستعمارية المنهارة ، ومنها النازية الهتليرية المنتحرة ، وكذلك ألوان الحكم الاستبداد الذى عشش فى أمريكا اللاتينية وفى الشرق الاوسط وفى بعض البلاد الافريقية والاسياوية ، فقد أخذت فى الزوال بتساقط التيجان من على العروش نتيجة للثورات الحمراء والبيضاء من أجل تمكين الطبيعة البشرية من النفوذ بتحطيم ما يصالدها من الغرائز الحيوانية المتفمصة للرجال المتوحشين
ثار الشعب الروسى على النظام القيصرى فأطاح به فى " لنين قراد " فاذا بالاشتراكية تسود كامل آسيا الوسطى والصين واوروبا الشرقية ازدهرت الشعوب السكاندنافية بسبب النظام التعاضدى المحكم
ولا بد لاوروبا الغربية وامريكا من أن تضطر فى يوم من الايام الى تغيير نظمها المقامة على مبدأ استغلال الانسان للانسان ، وتوفير الارباح بأى طريق كان ، ولها فى الشعوب الاخرى عظات وعظات
ان مئات الملايين من الجباع والمحرومين يرفضون الرأسمالية المقامة على بركان ، ان عشرات الملايين من المواليد كل سنة سوف تلعننا اذا لم تجد فى بيوتنا خبزا .

