الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

معلوماتـي عن شيخ الادباء المرحوم، محمد العربى الكـبادى

Share

اعتقد ان الحفلة الاربعينية التابينية لفقيد الادب والادباء ستعطى الموضوع حقه من الاطناب في مناقب هذا الرجل الفذ وآثاره الخالدة طول حياته العامرة بالادب قديـمه وحديثه ولذلك ساطرق ناحية واحدة قد تـمتاز عـن النواحي   التي طرقها الشعراء والخطباء اعنـي معلوماتـي الخاصة عن هذا الركن المنعدم الذي لا يعوض فـي العصر الحاضر لان شخصيته قد لا يجود الزمان بمثلها وناهيك بـها من شخصية جـمعت ملكات الشعر والادب والحفظ لا شعار المتقدمين والمتأخرين اذ كان الراوية الذي لا يـمارى ولا يـجارى مدة ثلاثة اجيال ماضية وهو عمر طويل قضى معظمه فـي تثقيف النخب التونسية (المرتوية من بحره العميق) المتتلمذة عليه والتي تجتمع به سواء في دروسه العامة او الخاصة عند زيارته فـي محلات جلوسه بالمقاهي اولا ثـم بـمنزله عند كبره وعجزه عن الـخـروج لمقابلة اصدقائه بل تلامذته المرتوين من ينبوع نبوغه الفياض.

(قبل 55 سنة)

كنت ازاول التعليم بجامع الزيتونة الاعظم وشاهدت حلقة درســـــــــــه عامرة بالطلاب وكان وقتئذ مـحرزا على شهادة التطويع والذي لفت نظري وقتئذ كونه من الشيوخ القلائل الذين يعلمون بلغة عربية فصيحة دون النطق بكلمة واحدة من اللغة الدارجة فكنت اعجب شديد العجب من فصاحته التي كاد ان ينفرد بـها لولا بعض الشيوخ المتكلمين بالعربية فـي دروسهم العليا امثال الشيخ محمد الخضر بن الحسين والشيخ محمد النخلي والشيخ محمد الطاهر بن عاشور وعلى كل حال فعددهم قليل جدا ومع ذلك فالشيخ الفقيد كان يلقي دروسا ابتدائية ورغما عن كونـي لـم اكن من تلاميذه حينئذ الا اني كنت اتـمنى ان اقرا عليه واتنعم بلغته ولهجته التي احبها حبا جـما واستعملها في كتاباتي ونشرياتـي مدة تزيد عن نصف قرن اي من ذلك العهد الى الآن.

الفقيد وتوظفه بـجمعية الاوقاف

كان المرحوم محمد البشير صفر رئيس جـمعية الاوقاف يـختار موظفي

ادارته من البارعين فـي اللغة العربية من التلامذة الزيتونيين خصوصا المتخرجين من المدرسة الخلدونية ينبوع العلوم الرياضية (العصرية) فـي ذلك العهد فكان الفقيد فـي طليعة المعينين للقيام بوظيفة عليا فـي جـمية الاوقاف ولا ابـالـغ ان قلت انه كان على راس المنظمين لادارتـها والمسيرين لدواليبها وقد امتاز من بين الموظفين بالحرص على قضاء حوائج من تدعوهم مصالحهم الى القدوم للجمعية ولهذا ازدادت مـحبة الناس فـي شخصه المتشبع بمكارم الاخلاق من مـجاملة ولطف وهذه الشيم تـجمعت في طبعه وتفرقت فى غيره .

دروســه الرسـمية

كانت ادارة العلوم والمعارف عينته مدرسا للاداب العربية بـمدرستها العليا التـي كانت تؤهل تلامذتـها الى الوظائف العليا لا فرق فـي ذلك بين التونسيين والفرنسيين المستشرقين والاجنبيين ولـهذا السبب يعتبر الفقيـــــد الاستاذ الاكبر لاجيال ثلاثة لاتـمثل التونسيين فحسب بل معها اجناس اخرى قد انـخرطت فـي سلك تلاميذه  بين رجال ونساء وكلهم اوجلهم على اصح تعبير كانوا احباء له واصدقاء .

مـجالسوه فـي مقهى باب منارة

كان غالبا يجلس  فـي مقهى باب منارة عقب العشية واول الليل طلبا للراحة من عمله اليومي بالنهار ولكن ابناءه واحباءه يغتنمون هذه الفرصة او الفرص لملاقاته والارتواء من منهله العذب الذي امتاز بالبساطة اذ كان لا يتكلف فـي تعابيره فما يخالـج قلبه ينطق به لسانه كانه يناجي نفسه اذ  يعتبر جلاسه من المحبين والمولعين بعباراته ولو كانت انـــتقاديــة ولاذعة فـي بعض الاحيان والمــؤثرة على سامعيه من الحاضرين . وكانت تلك المـجالس جامعة لا للأدب وحده بل للفكاهة والمداعبة كما كانت حافلة بالكثير من تلامذتــــه الموظفين الساميين الذين من عادتـهم ان لا يجلسوا بالمقاهي ولكن يأتون الى مقهاه للانتفاع بـمواهبه الفطرية والكسبية واعجب من ذلك ان مـحبيــــــه ياتون اليه قادمين من اقصى الجهات التونسية ومغتنمين فرصة حلولـهم بالحاضرة كي يشاركوا فـي مجالسته بالمقهى ولا يقتصر هذا على ان القادمين من تلامذته بل حتى من اصدقائهم واقربائهم من النبهاء والادباء .

مجالسه بـجنينة منزله

عندما اعياه الكبر والعجز الجسدي صار لا يـخرج من بيته الا لـجنينة داره وذلك عشية وليلا خصوصا فـي فصل الصيف وعندئذ يأتيه الزائرون من ابنائه

جماعات ووحدانا عوضا عن مـجالسته بالمقهى فكانت مـجالس انس   يندر ان ياتـي الزمان بـمثلها بين نسيم الاشجار وضوء الاقمار وكان لا يتخلف عن الخروج من غرفته كل يوم فـي الوقت المعتاد الا لمرض او لعذر شرعـي واستمر على هذا المنوال ما يقرب من عامين .

مـجالسه بغرفته

لما ازداد عجــزه البدنـي استفحالا واستحال معه الـخروج حتى من غرفته بل حتى النـــزول من فراشه فلازمــه ليلا نـهارا نائما او متيقظا بل ان صلاته كانت بالتيمم والايـماء سواء كان قائما او راكعا او سجدا بيد انــه لايترك الصلاة ولا يـخلفها عن اوقاتـها واستمر على ملازمــة فراشــه نـحو العامين ايضا .

ءاخر ملاقاتى به

كنت اجتمع به فـي كثير من الاحيان لا سيما بالمقهى والجنينة والغرفة التي صادفتني هيئة الاذاعة فيها لتسجيل مسامراته الاذاعيــة وهو فـي فراشه ومرة شاركت فـي محادثاته وكان ءاخرها  عن حياة الشاعر الشهير ( المتنبي ) وءاخر ملاقاتـي به كانت قبل اسبوعين من وفاته اي فـي شهر شعبان الذي مات فيه .

حـــافظته وذاكــرتـه

لاريب ان نبوغ الفقيد خارق للعادة اما شهرته فكانت طبيعية لان الـرجل عمر الى ان تـجاوز الثمانين سنة ولان محفوظاته من دواوين الشعراء ووقائع الادباء مع الملوك والامـراء والسلاطين والعظماء ما زالت عالقة بذهنه ومـحفوظة فـي قلبه وهو يتلوها فـي مناسباتـها ويستشهد بابياتـها وعباراتـها حرفيا دون خلل بالفاظها ومعانيها بل بتوارخها المدققة مع العصور التي قيلت فيها سواء كان موضوعها الولاء او الـهجاء ويعطيك فـي المـجالس القصيرة معلومات كثيرة  دونـها التاريخ كما استحضرتـها ذاكرتـــه وحيويتــــه التـي يحملها قلبه ولا يحملها جسده الآخذ فـي الانـحلال من جراء الشيخوخة وهذه الخصال نعم من النعم التي يعطيها الله لـمن يشاء من عباده للانتفاع بـها ومن فضل الله ان كان عدد المنتفعين من بـحره الزاخر ليس بالقليل بل يشمل ادباء وعباقرة ولدوا فـي القرن الرابع عشر وساعدوا مساعدة تامـة على النهوض بالشعب التونسي فـي عصره الحاضر بعد الماضي وفـي عهدي الاحتلال والاستقلال. فعزاء لـهذا الشعب فـي مصابه العظيم بوفاة هذا الاديب الكبير بل شيخ الادباء بلا منازع عليه رحمة الله ورضوانـــه .

اشترك في نشرتنا البريدية