أمة ديلمون القديمة ( DELMONITE )
بعد أبحاث طويلة استغرقت سنوات في حل الكتابات القديمة ودراسة الألواح التي وجدت في حفريات الآشوريين والبابليين ، وبعد قضاء شهور في عمليات التنقيب والحفر في هذه الجهات استطعت أن أدرك أن سكان هذه الأراضي في العهد البرنزي والذين دفنوا موتاهم في تلك الآكام الترابية أو القبور المخروطية الأشكال كان يقال لهم ( الديلمون ) وأن منطقة الأحساء والبحرين بقيتا تحت حكمهم ما يقارب ألفي ٢٠٠٠ سنة أي من (٢٥٠٠-٥٩٠ ) قبل الميلاد ، وإن أرض (ديلمون ) كانت أرضًا مقدسة عند السومريين . ووجد في لوح أثري أن أرض ديلمون كانت وطنًا أصليًا للسومرين المعروفين بالذكاء ، وأنهم أقاموا بهذه الأراضي قبل نزوحهم إلى أراضي دجلة والفرات . . واتصال ( الديلمون ) بالآشوريين والسومرين كان يأتي إما عن طريق الحرب والقتال إذا كان العداء بينهم مستحكمًا ، أو عن طريق التجارة والمقايضة إذا كانوا على وفاق وكانوا في حالة أمن عام وسلام مشترك . وكان أمراء لجاش ( LAGASH ) يرسلون للديلمون من الشمال بعض مواد خامة والحبوب كالحنطة وخشب الأرز والأقط والشعير المقشر على سبيل المقايضة بالنحاس والذهب ، و كان البحارة الديلمون المغامرون يجلبونه من البلاد المجاورة كما أن التمر كان من أهم صادرات الديلمون واستطاع في وقت من الأوقات ( سرجون الأكاد ) الفاتح السامي الذي كوّن دولة عظيمة في بابل - إخضاع (الديلمون ) وسلب جميع مراكبهم البحرية كغنيمة .
وقد حاول الآشوريون كذلك وبذلوا مجهودات كبيرة إبان ازدهارهم لضم ( الديلمون ) ضمن إمبراطوريتهم . وفي سنة ٥٨٩ قبل الميلاد أرسل الملك
سنخاريب - بعد ما خرب مدينة بابل حفنة من تراب كهدية إلى " الديلمون " فكان لهذه الهدية التهديدية تأثير سيئ في نفوس الديلمون وأدخلت في قلوبهم الروع والفزع ، وقد جاء في بعض الكتابات الآشورية ما نصه : [ إن الديلمون نظروا إلى هذا التراب بعيون ملؤها الخوف والذعر من هجوم الآشوريين عليهم ولذلك جمعوا ما في خزائنهم من الأموال وأرسلوا معها عددًا من أمهر الصناع في مملكتهم وعربة نحاسية والآت من نحاس ]
وفي عصر حفيد سخاريب (أشور بانيبال) وكان رجلاً مثقفًا وفي الوقت نفسه داعرًا كبيرًا - ذ ُكر الديلمون ضمن أقاليم الآشوريين ، وفي هذا دليل واضح على أن الديلمون استسلموا في النهاية للآشوريين أو صاروا حلفاء لهم .
أما من أين منشأ هؤلاء (الديلمون) فذلك سر ما زال غامضًا ، إلا أن هناك بعض القرائن يمكن الاستدلال بها على أن هؤلاء قدِموا إلى هذه البقاع من جنوب غربي الجزيرة ، وأنهم بعد مكثهم بهذه الأراضي الشرقية من الجزيرة أخذوا يتعاطون التجارة والقرصنة لأن المراكب التجارية كثيرًا ما كانت تمر في تلك الأزمنة بهذه السواحل في طريقها إلى العراق أو إلى الأراضي الجنوبية كالهند وعمان وجنوب الجزيرة وإلى محلات أُخرى لا تعرف الآن . . ناقلة معها سلعًا مختلفة كالغنم ، والنحاس الأصفر من عمان ، والكندر ، والمرمن جنوب الجزيرة ، ومن الهند خشب الساج والكتان والعاج والأحجار الكريمة والقردة والطواويس
والملاحة في بداءة أمرها كان من قواعدها الأساسية السير بمحاذاة السواحل وعدم التوغل إلى عرض البحار . والسواحل الشرقية (الإيرانية ) في الخليج الفارسي غير ملائمة للملاحة لاسيما إذا قورنت بالسواحل الغربية العربية . وإلى وقتنا هذا تفضل المرا كب الحديثة في الخليج الفارسي المخور مع السواحل العربية أكثر من أن تقترب من السواحل الشرقية .
أسواق اللؤلؤ القديمة:
في الجهة الشرقية من المناطق الوسطى في الإحساء حيث توجد الآكام الترابية بالقرب من ساحل البحر وجدنا في شكل تلال صغيرة كميات عظيمة من المحارات والأصداف تمتد إلى مسافات يقدر طولها بأكثر من مائة ياردة ، وتدل هيئة
المحارات والأصداف على أنه بالقرب من هذه المحلات كانت تقام أسواق لبيع اللؤلؤ . وقد ذكر جغرافيو القرون الوسطى أن سكان ساحل الأحساء يعتبرون " الغوص فى البحر " من أهم الصناعات وما زالوا كذلك إلى يومنا هذا .
أما تعيين التاريخ الحقيقي لهذه المحارات والأصداف وإثبات عمرها فذلك ما لا نستطيع الجزم به ، إلا أن في وسعنا نقول : إن تاريخها على أقل تقدير يرجع إلى أيام الإسكندر الأعظم (٥٦-٣٢٣ ) ق. م . وفى مدينة (أور ) الأثرية اكتشف لوح يشير إلى أن : (صرة من عيون السمك جُلبت من أراضي الديلمون) فإذا كان المقصود من عيون السمك هي اللآلئ عندئذ تكون هذه الأصداف والمحارات التي وجدناها من أقدم الأشياء التاريخية وتكون لآلؤها التي أرسلت ربما استعملت في تجميل بشرة السومريين الداكنة
المريقبات ( Muraikibat)
وفى شمال منطقة الاكوام المحارية وجنوب " الدمام " وعلى بعد ميلين عن البحر انتهت بي رحلات الكشف والتنقيب إلى أكمة متحجرة تسمى " المريقيات " حيث وجدت ما يشبه شجرة متحجرة ملقاة على الأرض وقد احتفظت بشكلها المحنط من العصر البلايوسينى ) أي العصر الجليدى قبل مليون سنه ونصف مليون ( عندما كانت أوربا ترزح تحت طبقات الجليد العظيمة . وهذه الأكمة المتحجرة هي وإن كانت أهميتها الآن لا تزيد على كونها شيئًا طريفًا إلا أن الجيولوجيين وطلاب التاريخ القديم للجزيرة في وسعهم أن يستخرجوا منها ومن دراستها معلومات تاريخية قيمة إذ هى تعتبر نقطة تحويل مجرى الرياح الشمالية الجارفة معها كثبان الرمال نحو الجنوب . فالرياح قبل تحجر هذه الأكمة كانت تهب من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي . أما بعد تححجرها ووقوفها في مجرى الرياح الشمالية فقد تغير مهب الرياح عن الجنوب الغربى إلى الجنوب الشرقي
ويستخلص من هذا كله أن الحالة الجوية كثيرة التقلب في جميع أجزاء الجزيرة العربية . وفي منحدرات الجهة الجنوبية الغربية من هذه الأكمة عثرتُ
على أكثر من عشرين حفرة غريبة الشكل يقدر وسعها بثلاثة أقدام ، وعمقها بتماني بوصات ، وبعضها يشبه تابوتًا صغيرًا للموتى .
وتدل هذه الحفر على أن المريقبات كانت فى يوم من الأيام مقبرة أو (مئذنة الصمت) لأولئك الإيرانيين الزرادشتبين الذين كان يقطن عدد كبير منهم في العصور الغابرة حول هذه الأراضي ، وأن هؤلاء الزرادشتيين كانوا يستعملون هذه الحفر كتوابيت لموتاهم حسب عادتهم لتكون تلك الجثث طعامًا للطيور الجوارح أو الكلاب الوحشية ، ولم تزل هذه العادة باقية في الهند لدى الطائفة البارسية .. .
مدينة الدّمام :
وعند رجوعي إلى ناحية الساحل على مسافة ميلين شمال المريقبات زرت مدينة الدمام الصغيرة حيث يوجد حصن صخري مشيد على شِعب من الشعوب المرجانية والمعروف عنه أنه من بنايات البرتغال الذين حكموا بلدان الخليج الفارسي في القرن السادس عشر ، وكانوا يفكرون - بعد أن استلبوا من المسلمين سيطرتهم على الطرق البحرية التجارية وعلى مصالحها العظيمة - في تأسيس إمبراطورية أوربية في آسيا وما أقاموه من حصون مختلفة في أما كن شتى من الخليج تدل على عظم قوتهم البحرية إلا انها مع مرور الزمن لم تلبث أن تضعضعت تلك القوة أمام ثورات العرب والعجم المتواصلة .
وأخيرًا قضى عليها اتحاد القوتين البحريتين البريطانية والهولندية في الشرق قضاءً مُبرمًا ، وفي عَرَصَة من عرصات هذا الحصن شاهدنا عدة مدافع طويلة مهجورة قد أكل عليها الدهر وشرب ، وعلاها الصدأ من كل جانب .
منطقة القطيف :
وقد ثبت بتحريات علمية غير قليلة أن الأرض الواقعة بين الدمام والقطيف كانت من بعد العصر البرنزي منطقة عامرة بل مزدحمة بالسكان على امتداد الساحل .
ويحدثنا مؤرخو القرن العاشر الميلادي بأنه كثيرًا ما شُوهدت في مياه الخليج الفارسي مرا كب صينية كبيرة كانت ترد للمبادلة بصادرات بلادهم النائية مع مستخرجات بلدان الخليج كاللؤلؤ والتمر والعطور وبضائع أخرى . ويذكر التاريخ كذلك أنه في عصر من العصور كانت النقود الصينية النحاسية يتداول بها في موانئ الخليج الفارسي . وقد عثرنا على عدد من النقود الصينية في حفريات الأحساء يرجع تاريخها إلى عهد الإمبراطور شتيصانج (١٠٨٥-١١٠٠) م والإمبراطور ( تستيصانج )(١٢٢٤-١٣١٤) م ، ووجدنا في بعض القرى جول مدينة القطيف قطعة من النحاس داخله شيء من النيكل يسمونها الطويلة يتعامل بها ، وهي تشبه في شكلها رقم ( ٧ ) أحد طرفيها مستقيم و الآخر مموج ، والظاهر أن تاريخها يرجع إلى عهد القرامطة . ٣ - ر -
الأبراج العالية وأصل منشئها :
وفي الناحية الغربية عن نخيل القطيف وجدنا عددًا من الآبار على خط مستقيم ممتدة في بقعة رملية ثبت أن مياهها الدافئة (درجة ١٦ ف ) يجري نحو الشرق في مجرى بحث الأرض ، وما يشاهده الإنسان من أبراج هائلة ومرتفعة ارتفاعًا عاليًا جدًا على مسافات متباعدة هي فوهات تلك الآبار .
ولم تكن هذه الأبراج العالية في وقت من الأوقات غير فتحات عادية لهذه الآبار التي كانت وسط مروج خضر ، وفي غابة من غابات النخيل ، إلا أن البحر السافي من الرمال المتنقلة من الشمال أخذ يزداد يومًا فيومًا في هذه المنطقة ، وكان الأهالي : أي أهل هذه الجهات يضطرون إلى رفع رقاب الآبار كلما ازدادت كميات الرمل ، حفظًا على موارد مياههم حتى غدت آبارًا ذات عمق طويل لطول رقابها المدفونة في الرمال .
وبعد أن تغير مجرى الرياح أخذت الرياح تجرف الرمال عن هذه الأراضي إلى جهه أخرى باستمرار ، وأخذ مستوى الرمال الغزيرة يتناقص ويهبط وكلما تناقص الرمل من المنطقة ظهر جزء من رقاب هذه الآبار المدفونة حتى صارت في شكل
أبراج عظيمة أو كأنها مداخن واسعة مرتفعة عن سطح الأرض .
المياه في الأحساء :
ويبلغ عمق بعض آبار القطيف ١٦٠ مترًا ، وأمثال هذه الآبار العميقة كانت محل دهشة واستغراب من المهندسين الأمريكيين لأنهم عجزوا عن تصور كيفية حفرها ووصول الأولين إلى هذا العمق الطويل بآلاتهم الساذجة وأدواتهم المحلية . . أما العرب سكان البلاد فهم يعللون عمق هذه الآبار بكل سهولة قائلين : " إنها مضارب نجوم أو أنها خُلقت هكذا " .
وعلى العموم فآبار الأحساء غزيرة المياه ، وكثير منها يقدر ما يستخرج منها يوميًا بعدة آلاف من البراميل .
وأغرب من هذا كله ينابيع المياه العذبة النقية التي توجد في البحر تحت سطح الماء الأُجاج ، ويكثر وجود أمثال هذه الينابيع عند السواحل ، وكثير من سكان البلاد الساحلية في الأحساء يشربون من هذه الينابيع .
وقد استرعت منذ أقدم العصور غزارة المياه العذبة النقية في الأحساء أنظار الكتاب الأقدمين واهتمام المؤرّخين الأولين فاعتبروها ( نعمة كبرى وإنعامًا من الله خص به أهل هذه الجهات دون غيرهم من أهل الجزيرة ) .
أما المنبع الأصلي لهذه المياه العظيمة فكان لغزًا من الألغاز ، ويحل بعض العرب هذا اللغز بقولهم : "إن أراض الأحساء متصلة بأراضي العراق من تحت الأرض وإن هذه المياه تتسرب إلى هذه الأراضي من مياه العراق "
أما نحن فرأينا أن من منابع هذه المياه ترجع ألى أصول سلسلة جبل " طويق " الواصلة داخل الأرض إلى نقطة تبعد عن مدينة القطيف بــــ (٢٥٠ ) ميلاً تقريبًا ومن منحدرات هذه السلسلة تتبع هذه المياه العظيمة وتنحدر إلى الأحساء .
بلدة " بلبانه " :
ذكر بطليموس مدينة بالقرب من مدينة القطيف سماها " بلبانه " . . ونرجح أن يكون محلها وموقعها بين الأطلال الأثرية التي شاهدناها في أطراف القطيف .
قبيلتا " جولوب " و " كاتني "
وذكر بُليني المؤرخ أنه في خليج القطيف الذي سماه (كاب) (Capeus) أو )كابس ( تقطن قبيلتان مشهورتان إحداهما جولوب ( Gaulopes ) والأخرى كاتني ( Chatteni ) ويظهر أن الاسم ( القطيف ) مشتق أو محرف عن اسم القبيلة الثانية .
وربما كانت هاتان القبيلتان ممن ابتدأت على أيديهم (القرصنة) في هذه الجهات من البحر بصورة غير منظمة وعلى غير معرفة ، وقد كانت طرق التجارة في الشرق كثيرًا ما تهدد بأمثال هؤلاء القرصان الأغرار ، وكان التجار وأهل المراكب يُضطرون إلى حمل فرق من الرماة على أسطحة المراكب ، خوفًا على أنفسهم ومرا كبهم من هؤلاء اللصوص البحريين .
رحمة بن جابر :
وفي بدء القرن التاسع عشر اشتهر رجلة بن جابر " بكونه أقدر رجل في القرصنة والمغامرات البحرية ، وكان يتخذ الدمام مأوى له يخرج منها إلى غاراته ثم يعود بغنائمه ومنهوباته إليها وكان يملك خمسة أو ستة مرا كب كبيرة يحمل في كل مركب مائتين فأكثر من الأشرار واللصوص للاستعانة بهم في السطو على المراكب الواردة من الكويت والبصرة أو من مسقط أو موانئ أخرى ، ونهب مافيها من الأموال ، وقد رأى رجل أوروبي ، هذا المغامر الشهير ، فوصفه بالوصف الآتي : " كان رجلاً ضعيف الجسم ذا يدين ورجلين نحيفتين مقطوعتي الأصابع قد نخرتهما الأورام والجروح على أثر تحمله لضربات السيوف والرماح والرصاص وفي آخر معركة له بالقرب من الدمام لاحظ على بعض رفاقه خيانة وتمردًا وتوجس الشر من قِبلهم ، فما وسعه إلا أن نسف مركبه بيده وأهلك نفسه ومن معه في الفلك . ***
لوح أثري وتمثال حجري قديم :
وفي أثناء ارتيادنا منطقة القطيف سمينا بإشاعات مختلفة لوجود لوح أثري وتمثال حجري مدفونين في بستان من بساتين النخل ، وبناء على تلك الإشاعات أستاذنا
الأمير في البحث عنها ، فسمح لنا ورافقنا أيضًا ليرشدنا إلى المحل الذي يظن فيه وجود هذه الآثار .
وبعد أن وصلنا المحل المطلوب وكان وسط أشجار النخل اختبر الأمير نقاطًا مختلفة من الأرض بين الأشجار ولكنه لم يتوصل إلى نقطة معينة يعتقد فيها وجود تلك الآثار فالتفت إليّ وقال : (توكل على الله) أي أقوم بتحرياتي وبحثي في أرض حددها الأمير لأحصر بحثي ضمن حدودها ، وأمرت العمال الذين معي ليبحثوا الأرض بإدخال أعمدة المساحة المعدنية داخلها واشتركت معهم في سبر الأرض بالعمود الذي معي وقد دخل في بقعة من الأرض إلى مسافة قدمين ثم وقف لاعتراض حجر في طريقه وبمجرد ما درى العمال بوقوف عمودي على حجر باطن الأرض صاحوا بأعلى أصواتهم : ماشاء الله ! ماشاء الله ! أي إننا وجدنا ما نحن في بحث عنه . . وأسرع العمال إلى حفر تلك البقعة حتى وصلوا إلى الحجر الذي وقف عليه عمود المساحة المعدني وكان هو التمثال واللوح المكتوب فأخرجناهما . وكان اللوح شاخص قبر مكتوب باللغة السبئية وفيها ما معناه : [ شاخص قبر (إيليا ) بن (يس) بن شاسر آل ( س م م ) من أسرة دل من بني ( شوضاب ) ]
وأما التمثال الذي وجد مع الشاخص فطوله ثلاثة أقدام ، وكان مبتور الرأس والكتفين وهو يمثل كاهنًا وثنيًا مع ولد صغير واقفا لإنجاز عملية الفداء والقربان ويرجع تاريخ هذا التمثال إلى مائتي ٢٠٠ سنة بعد الميلاد . وقال الأمير : إن هذا التمثال عُثر عليه في جزيرة (تاروت) في خليج القطيف مع تماثيل أخرى وكمية من النقود الذهبية .
جزيرة تاروت :
بناءً على ما ذكر الأمير من أن العثور على اللوح والتمثال كان في جزيرة تاروت عزمت على زيارة هذه الجزيرة ، وقد ذكرها بطليموس الجغرافي اليوناني المصري في خريطته باسم (تارو) (THARO ) . أبحرت إليها من ميناء (الْخُبْر ) في زورق شراعي بلدي مُستصحبًا معي عددًا من الجيلوحيين ونفرًا من العرب وكان اتجاهنا نحو الشمال وكانت الرياح الشمالية تهب بشدة زائدة بلغت سرعتها فى النهاية ستين ميلاً
في الساعة واغبرت السماء بذرات رمال الدهناء والنفود . وهذه الرياح الشمالية بالرغم من شدتها أخف ضررًا من الرياح الجنوبية الوبيلة التي بعقبها دومًا مطر شديد وإعصار هائل.
وبعد وصولنا إلى الجزيرة شاهدنا أسوار مدينة (دارين) التي تشغل معظم الجزء الجنوبي من الجزيرة ، وكأنها مدينة قائمة على البحر . ولم نجد بالجزيرة أي أثر لمعبد قديم أو لأطلال دارسة ، والراجح أن المباني الحاضرة بُنيت على آثار الأولين وفي شمال الجزيرة وجدنا بقعة ، يمكن اعتبارها مهمة في نظر علماء الآثار يكثر فيها وجود الربى الترابية في غير نظام أو ترتيب ، ويقول الأهالى : إنها مقبرة قديمة وتحتاج هذه الأراضي إلى عمليات الحفر والتنقيب بنطاق واسع إذا أريد دراسة آثارها أو البحث عنها ؛ وعلى العموم فالجزيرة يسودها جو خيالي فيه نوع من الغموض والأوهام التى تعكس لنا صورًا من مغامرات السندباد البحري.
الجهات الشمالية فى الاحساء : " مدينة جبلية "
بعد عودني من جزيرة (تاروت ) توجهت إلى الجهات الشمالية من الأحساء وكنا نمر في طريقنا بقوافل البدو معهم الجمال المحمّلة وهي تسير سيًرا وئيدًا في بحار من الرمال الصفر ، إلى واحات مختلفة في الشمال وكانت الأراضي التي تمر بها سياراتنا كلها رمالاً جرداء صفراء قاحلة لا أثر للنبات فيها كما ليس بها شيء يستلفت النظر أو يسترعي الانتباه .
وعلى مسافة سبعة أميال جنوب الجبيل - وهي مدينة صغيرة ساحلية - وجدنا فوق قمة (الجبل البحري) آثار مدينه غريبة ، والأطلال الباقية تدل على أن البيوت كانت مشيدة بالحجارة على أشكال مستطيلة تتخللها شوارع مستقيمة ، ولكن موضع الغرابة فيها أننا لم نجد أي أثر للماء حول هذه الخرائب ، ولا عند سفح الجبل ، ولا عثرنا على محلات يمكن اغتبارها كخزان للماء.
أما موقع المدينة فجِدّ حصين ، وبعيد عن وصول أي غارة أرضية أو هجوم بري. ووجدنا بين الأطلال قِطعًا من الخزف الملون ؛ مما يبرهن على أن هذه البلدة المجهول اسمها الآن يرجع تاريخها إلى القرون الوسطى.
حصون جبلية
كنا نسمع - ونحن فى هذه الجهات الشمالية - من وقت لآخر أقاويل مختلفة عن حصون حجرية قديمة غرْب بلدة الجبيل على مسافة تقدر بـــــ ٨٥ ميلاً وانتهزنا فرصة وجودنا بالقرب من هذه البقعة فخرجنا في سيارتين من السيارات الضخمة للبحث عن هذه الحصون وبعد أن قطعنا مسافة كبيرة في أرض وعرة ذات مرتفعات ومنخفضات وقفنا فى قرية (الحناث) لتزويد السيارات بوقودها.
والحناث قرية صغيرة في منطقة منعزلة في الصحراء ، وقد عثر السائح الأوربي شيكسبير سنة ١٩١١ م في هذه القرية وفي خرائب بلدة (تاج) الواقعة على خمسة أميال جنوب غربي الحنات على ثلاثة ألواح مكتوبة باللغة السبائية ، وكانت تلك الألواح مهمة جدًّا من الناحية التاريخية الأثرية.
واستمر سيرنا غرب قرية (الحنات) حتى دخلنا حدود نجد الداخلية أو قلب الجزيرة . والأراضي هناك عبارة عن سهول غبراء رملية ممتدة على امتداد البصر تتخللها هضبات تكسب الأرض لونًا من جمال المناظر الخلوية ذكّرتنا بمنطقة أباتش (APACHE) في جنوب غرب أمريكا.
وبعد اجتيازنا سلسلة من الأراضي المنخفضة من (وادي المياه) وصلنا إلى منحدرات ومرتفعات صخرية تتجه نحو الشرق حيث وجدنا أول حصن جبلي يقع على رأس صخرة بارزة مُشيدًا بحجارة متماسكة بملاط من طين ، والبناء قوي جدًّا لاسيما من ناحية الانحدار وذلك لجعله حصينًا مأمونا ضد الهجمات ، وفي أحد أطرافه رأينا ممرًّا يمتد إلى خارج الحصن وفي وسطه فتحة مدورة كفوّهة البئر يستطيع الإنسان النزول فيها بوساطة الحبال، ووجدنا بئرًا أخرى داخل الحصن
وهي فيما أظن أعمق بئر محفورة في هذه الجهات . ومن الممكن اعتبار هذا الحصن أثرًا من آنار عهد الفوضى في القرن التاسع التي أحدثها القرامطة في شرقي الجزيرة وفي غربها باحتلالهم (مكة) ونقلهم منها الحجر الأسود إلى مركزهم بالأحساء وإبقائه عندهم ما يقارب عشرين سنة .
وبعد انتهائنا من زيارة هذه الآثار توجهنا إلى (القرية السفلى) حيث نصبنا سرادقنا على بعد أربعة وعشرين ميلا شرق هذه القرية . وبينا نحن - ذات ليلة - ندرس في خيامنا على ضوء مصباح عادي ، طبوغرافية الجهات الشمالية الشرقية في الأحساء دخل علينا بدوي كبير السن قيل لنا عنه إن له خبرة تامّة بأراضي هذه الجهات لاسيما الواقعة بين الربع الخالي جنوبًا ووادي السرحان شمالاً . فسألناه هل يعرف في هذه النواحي كهفًا أو أطلالاً مندرسة تلفت النظر فكان جوابه أن أكّدَ لنا أن كل ما يوجد في هذه الجهات هي الحصون الجبلية.
وبعد أيام قمنا بعدة جولات كشفية اكتشفنا فيها حصنين آخرين كالذي شاهدناه ورأينا حولهما بقايا سهام حجرية وقطعًا مختلفة من الخزف.
وبعد انتهائي من عمليات البحث والتنقيب هذه عُدْتُ إلى مقرّ الرئاسة في الظهران حيث مكثت أسابيع ثم رجعت في زورق بخاري إلى البحرين لإتمام مهمة التنقيب عن الآثار القديمة هناك قبل حلول فصل الصيف الذي يجعل الخليج كأتون متقد.
وقد غادَرْتُ أراضي الأحساء آسفًا علي فراقها وفراق معالمها التاريخية الأثرية وأملي أن أودعها بقولي : " إلى الملتقى " لا بقولي : " وداعًا " أو أقول بالتعبير العربي : والله أعلم.
"المجد الجغرافية الأمريكية"
