الحرية افق كل أديب اصيل يسعى اليه فى الكتابة وعبر الكتابة لان الادب فى صميمه صراع مع الواقع قصد تحوله الى مزيد من طلاقة الحركة ، حركة حركة الانسان يحب او يفكر او يبنى حركة الانسان يتخيل العالم فى صور مبتكرة ويخترع اشكال الفن واساليب التعبير ، والفن لئن كان خلقا فهو خلق لمزيد من الحرية ، والحرية للانسان او الفرد او الفئة او الطبقة او الشعب او الامة ، الانسان بنصفية آدم وحواء.
ليس هذا التحديد من خارج الادب ، وانما يمليه أدبنا التونسي الحديث على مدى اكثر من نصف قرن فما كان الطاهر الحداد او المسعدى او الدوعاجي الانبرات من الرصانة إلى الغنائية ، من السخرية الى التفجع ولكنها نبرات تتفق فى نغمة الحرية . حاول الطاهر الحداد ان يحرر المرأة بجوهر الاسلام ، وحاول الشابى ان يستشف الصباح الجديد وحاول الدوعاجي ان يرى الطهر حيث التلوث ، والثورة حيث الفقر وعلمنا المسعدى كيف تكفر بالنواميس.
هكذا الادب التونسي نشيد واحد للحرية وبين فاتحة النشيد وامتداداته المعاصرة هناك نغمة فريدة تقوم كالجسر بين الطرفين وتردد علينا اصداء ملحمة الحرية تسرى فى المجتمع التونسي من عصر " برق الليل" فى القرن السادس عشر الى عصر "الدبنجق" فى اواسط العشرينات ، قد تختلف احوال البيئة الا اننا نجد فى ادب "البشير خريف قضية واحدة : التخلص من اشكال العبودية المختلفة التى تكبل الفئات والشعوب " .
العبودية هي رق فى "برق الليل" وليس من المألوف ان يتخذ الكاتب بطلا من العبد ويجعله مثلا فى الانسانية وقد حدثنا البشير خريف عن تطور "برق الليل" من وضع العبد الى وضع الانسان الحر ، ان عتقه قبل ان يصبح
رسميا كان منذ ان رأى وجه الحسناء فانعكست عليه صورة انسانية ، هنا تحرر الرجل عن طريق المرأة وتحرر المرأة عن طريق الرجل وهذا الثنائى (المكي) العطراء والخضراء ثنائي سليم البرجى ولطيفة وفوزية هذا الثنائى دائما موجود .
ويحيط في "برق الليل" بهذه الملحمة الثنائية ملحمة اخرى هى ملحمة الشعب في فترة عويصة من تاريخه .. فترة انخرام السلطان او التحول من دولة الى اخرى (من ابي الحسن الحفصى الى الحكم التركى مع اخطار الغزو الاسباني الذي كان يهدد البلاد).. ففي هذا الظرف العويص اخذت الهيا كل تتقلقل واخذت مفاهيم الحياة تتبدل وليس من الغرابة ان يصبح - والحال تلك - "برق الليل " العبد الاسود بطلا من ابطال المقاومة وبطلا من ابطال الحرية وبطلا من ابطال الانسانية . وتمر العصور ونأتى الى العشرينات ، وهي فترة تبدو محببة الى اخينا البشير خريف ، ففي حدود العشرينات تجرى احداث " الدقلة فى عراجينها " كما تجرى احداث "حبك دربانى" او "افلاس" وقد يفسر لنا البشير خريف نفسه هذه الاثارة لتلك الفترة المعينة من الزمان. لكن حسبنا ان تكون هذه الفترة تاريخيا فترة تحول كذلك ، تحول المجتمع التونسي تحت وطأة الضغط الاستعماري : الاستعمار طبعا بجيوشه وعساكره وهو ايضا استعمار بفنونه وبتكنلوجيته وباستثماره وبمثله وقيمه ومعانيه التى اصبحت تحاصر مجتمعنا وتضغط عليه ، ولا بد لهذا المجتمع ان يرد الفعل .
فى هذه الفترة بالذات نلاحظ مع البشير خريف ومن خلال قصصه كيف شاخت هياكل فاصبحت عقيمة ، وكيف بذرت في صميم البيئة (بيئة الجريد) حيث زرعت بذرة الجديد ، الجديد في السلوك ، الجديد فى التفكير ، الجديد فى التصور للعالم الموجود حول البلاد .
"الدقلة فى عراجينها " هي صورة لمسالك هذه الحرية حرية المرأة ، ولها وجوه متعددة عراجين كاملة من هذه النخلة (ديجة العطراء) صورة المرأة التونسية وهي تعيش مغبونة فى بيئة ضيقة الافق بيئة جعلت العلاقه بين الرجل والمرأة تقوم لا على التوازن ولا على التكامل بل تقوم على نوع من الظلم من ناحية ومن رد الظلم بالحيلة من ناحية اخرى فالمراة فى صورة العطراء هي ضحية رحل اسمه حفه ، ولكنها فى الحقيقة ضحية هياكل كاملة شاخت وتجاوزها الزمان ، ويصبح الصراع صراعا صامتا لا جلبة فيه لمقارنة هذه الهياكل ولفتح سبل للتنفس ولاكتمال الذات ، حتى اتيحت لها فى ليلة كانت من فلتات الزمان دبرتها لها الاقدار ان عرفت السعادة مع غير زوجها ، واصبحت
حياة المرأة بعد ذلك حياة ذكرى تتجدد من تلك الليلة التى غيرت علاقتها بزوجها الذي كان مسيطرا وطاغيا عليها بكل رجولته ، فجعلته يشك فى نفسه ويشك حتى في رجولته واخذت العلاقة تنقلب الى فائدة المرأة بعدما كانت لفائدة الرجل .
صورة العطراء هي صورة المرأة التونسية تعالج وضعها بما اتيح لها من الوسائل وتتلمس طريقها نحو حياة زوجية يكون فيها الحب اساسا متينا بين المرأة وبين زوجها ولا يستغرب المرء ان يجد فى ما كتب البشير خريف وفي ما كتب على الدوعاجي قبل ذلك من صدى لافكار الطاهر الحداد وكل الذين عاشروا الحداد ودعوا إلى تحرير المرأة . وفى نفس الوقت الذى تجرى فيه هذه الملحمة النسائية ملحمة المراه تصارع هذا الهيكل الخانق ، هيكل الاسرة التقليدية ، هيكل الحياة الزوجية القديمة هناك ملحمة أخرى اجتماعية تجرى فى المتلوي ملحمة العمال التونسيين عمال المناجم وهي ملحمة تتجسم فى صورة رسمية صورة "الدينحق" فى لحيته الطويلة كانه نبى يبشر العمال بمصير آخر غير الذي رسمته لهم وفرضته عليهم " كبانية الفسفاط" يزرع فيهم هو الاخر وعيا جديدا ، وعيا عماليا ويدعوهم الى لم الشمل ، الى التكتل ، الى الشعور بالظلم الذي يلحقهم ، وما كانوا يشعرون به من كل مظاهر الظلم وبدا بتعليمهم وحرم عليهم الخمر وقد كانوا مولعين بالخمر ، بل جعل سجنا يسجن فيه من يسكر حتى انقلبت عليه الدائرة يوما فسكر هو من الضيق ووضع نفسه هذا السجن عقايا له لانه خرق القانون الذي سنه للجماعة ، على كل هناك محاولة للتوعية ودعوة الى التخلص . دعوة مزدوجة باسم النبى محمد وباسم النقب محمد على ، باسم الاشتراكية وباسم الاسلام لعل جمهور العمال يتحرك ويخرج من التفرقة ، وقد كان يشمل الطرابلسية والسوافة والقبالية والقوابسية وكانوا مللا ونحلا فآلف بينهم وكان الاضراب وكانت الخطوة الاولى نحو التقدم ونحو تحقيق المطالب المادية ووراء ذلك الكرامة والشعور بالشخصية وبالحرية ، وهكذا الامور عند البشير خريف دائما مؤتلفة . المسارات الفردية نندمج في حركة جماعية هي حركة المجتمع التونسي يتجدد من خلال خلايا معينة والحركة واحدة.
فى "محفظة السمار" نجد صورة المناضل السياسي "الصادق" الطالب الزيتوني الشاب المتحمس كالشباب اذذاك الى القضية الوطنية ، ولاول مرة نجد هذا فى قصة تونسية فقد كان الشاب يطبع المناشير ويوزعها ويحرض على الاضرابات ويجوب الازقة والانهج ويموت " الصادق " مع من مات شهيدا فى
واقعة 9 افريل . هناك في ادب البشير خريف كالاتجاه الواحد ابطاله كلهم وجوه من نور تخترق عتمة مجتمع يعاني نوعا من المخاض التاريخي الذي يدعوه تحت ضغط وغزو الاحتلال الاجنبى الى تجديد هياكله ومثله ورؤياته لواقعه او للحياة عموما . واخترت امثلة ثلاثة للابطال بالمعنى المألوف ، ابطال من المقاومة القومية او المقاومة الاجتماعية ولكن كل ابطال البشير خريف لو تأملنا فيهم نجدهم صورا لنفس المعنى ، " خليفة الاقرع " مثلا انسان يعتبر منقوص الرجولة لانه مصاب بداء الفرطسة وبما انه يعتبر هكذا فقد كان مباح له فى ذلك العصر ان يدخل المنازل وان يتصل بالنساء وسيجد هذا الشخص المقهور الغريب اليتيم الذى لا اهل له ، هذا الشخص الذي يعد حقير المنزلة والذي لا يبلغ ان يعتبر " بنادم كامل " سيكتسب انسانيته شيئا فشيئا مرة اخرى من خلال علاقته مع النساء ، فهن اللائي يشعرنه فى كل مرة انه رجل بالمعنى التام انه انسان لاسيما قصته مع "الهجالة صلوحة " هذه التى توفى عنها زوجها واصبحت كما يدل على ذلك اسمها "صالحة" اى متزمة آلت ان لا تتزوج بعد زوجها وان لا تلتفت للرجال ابدا وثمة غبن للطبيعة تخلصت منه بفضل خليفة الاقرع ، كما ان خليفة الاقرع تخلص هو الآخر من وضعياته المنقوصة بفضل صلوحة وغيرها . هذه الأمثلة العديدة تدل اذن على وحدة رؤى على وحدة غاية ، على وحدة هدف هذا الهدف هو هدف التطور ، وهدف الانعتاق من اشكال متعددة من العبوديات ، عبوديات خارجية فرضها علينا التاريخ ، وهناك اشكال اخرى داخلية للاضطهاد وللكبت وللمنع وجل الابطال دائما فى جدلية مزدوجة يقاومون الاضطهاد الخارجي ، كما يقاومون الاضطهاد الداخلى والاضطهاد الداخلى قد يكون امورا تبدو كالمقدسة اخلاقا راسخة فيما يتعلق بالمراة خاصة ، والبشير خريف ثائر هادىء كاتب يثور بنوع من الهدوء لا جلبة ولا شعارات ولا "عياط ولا زياط" فى الكتابة يقلب المفاهيم ويخرق ما هو مقدس بنوع من الابتسامة الساخرة ، فالمرأة تقترف ما يعد فى العرف الزنا وحد الزانية ان ترجم ولكن تزنى البطلة ويكون حكم القارىء ان في فعلتها شرفا وتحررا وتخلصا من العبودية او من الظلم هكذا بعمل البشير خريف على قلب المفاهيم بمثل هذه السخرية ولا أرى اشبه بمثل هذه السخرية الا سخرية على الدوعاجي واظن ان النسب بين الرجلين كبير والعلاقة بينهما متينة.
حدثتكم عن مضمون اقاصيصه ولكن معنى الحرية يتجاوز الدلالات الى الاشكال وخاصة الى العبارة ، فالبشير خريف قاوم الكبت الاسلوبى اكثر مما عاناه غيره من الادباء . يقال انه بعد قصته الاولى " ليلة الوطنية " قد صودم بنقد مر لانه استعمل فيها العامية وكانت هذه الصدمة تفت فى عزمه لو عاد الى
الكتابة . فكما انه يدعو بمضمون قصصه الى التخلص والى الانعتاق والى التحرر كذلك فى لغته يدعو الى التخلص من "الكليشيات" والى الابتكار ، عبارة تتزاوج فيها الفصحى بل يتزاوج فيها اقصى الفصيح وادنى العامى حتى اصبح اسلوب البشير خريف اسلوبا متميزا تميزا خاصا بهذه الازدواجية . والانسان تختلف عليه سجلات الكلام وينتقل بين الفصيح والعامي ويجد فى ذلك لذة ولا يجد نبوا او تنافرا وحسبنا ان يقول : " وقعت الدلاعة فتفرشخت " وكان فى امكانه ان يقول " فتشدخت فتكسرت ، فتحطمت.." ولكن آثر ان يقول " فتفرشخت " لان فى " تفرشخت " من التعبيرية اكثر مما يجد . وفى قصة " محفظة السمار " التى نشرها بعد ندوة وقعت فى نادى ابو القاسم الشابى وكنت من المشاركين فيها وهي بعنوان " الادب وسلامة اللغة " وعييت في تلك الندوة لرد قوم اقاموها مناحة على سلامة اللغة وليس ثمة داعى الى المناحة، وكانوا يعيرون الكاتب بانهم يرتكبون الاخطاء فى اللغة او يعبثون بها لانهم يمزجون احيانا بين الفصحى والعامية حتى رد عليهم البشير خريف ردا ساخرا فى "محفظة السمار" اذ حور الحوار من العامية الى الفصحى او احيانا ابقاه عاميا ثم فى الهامش اورد مرادفه بالفصحى وكان هذا على سبيل السخرية ، سخرية لطيفة فيها من اللذاعة اكثر مما لو كانت اللهجة عنيفة ، يكفى انه انطق العصافير ببيت من الشعر وكتب فى الهامش ان العصافير هكذا تتكلم الفصحى فى الطبيعة ، وتعاليق اخرى تدل على موقف له ليس موقف استرخاص كما يظن بعض الناس خطا باللغة وانما موقف من يحاول ان يصوغ كلاما جديدا تمتزج فيه عبارات من اقصى الفصيح بعبارات منتقات من لغتنا العامية يستعمله الكاتب استعمالا فنيا لا للاسفاف وانما للابتكار فى العبارة ، وكما قال فى بعض الندوات " كيف اعمل اذا مرت الحسناء امام البطل وكان للبطل ان يقول لها : "اللطف عليك" فباى عبارة فصيحة يمكنني ان اعوض هذا ، لا اجد فى ذلك ما فى عبارة "اللطف عليك" وهذا كله دليل على ذوق لغوى اصيل عند البشير خريف يتقن الفصيح وقد قلت : إن فى لغته من الفصيح ما يعود بنا الى اقدم القديم وثمة بجانب الفصيح ما هو مانوس ومألوف يختاره لسبب التعبيرية ولخلق لغة تمكنه من التعبير عن ذاته او من التعبير عن مجتمعه .
هذه هي " جرائم " البشير خريف التى اقترفها ضد الاخلاق وضد اللغة والتي تعد مكاسب فى الاخلاق ومكاسب فى العبارة الفنية . تحية الى الاخ البشير خريف انسانا حرا يأبى القيود وفنانا طليقا يخرق الموانع والحدود . تحية وتقديرا .
