الظاهرة التاريخية عامل من العوامل الفعالة فى تغيير حياة الشعوب الاجتماعية وتبديل الاوضاع السياسية ذلك ان الظاهرة التاريخية عبارة عن البؤرة التى تتجه اليها الجهود وتتركز حولها الافكار من أجل استبدال وضع غير مرغوب فيه بوضع تنشده الارادة الكلية للشعوب
ان من اعظم الظواهر التاريخية التى نحياها اليوم ظاهرة الاستقلال والتحرر من الاستعمار ، فبعد معاناة ٧٥ سنة من العبودية وبعد انحلال الاداة التونسية للحكم استرجع الشعب التونسي سلطاته وتمكن من السيطرة على مسؤولياته الداخلية والخارجية ولكن امام هذه المسؤليات الضخمة لم يجد بدا من ان يعيد النظر فى اهمها ألا وهي : المسألة التى تتعلق بالشكل الحكومي او السلطة . ان الشعب التونسي اليوم يريد ان يسوس نفسه بنفسه لا ان يحكمه افراد يستبدون بالحكم ويستأثرون به لانفسهم كما كان ذلك فى عهد الاستعمار ، انه يريد ان يكون له الحق فى ممارسة حقوقه ضمن مواطنين لهم كامل الحقوق وعليهم كل الواجبات حتى تكون السلطة فى النهاية الارادة الكلية التى تتحد فيها الرغبات والاتجاهات
وسنحاول فى هذه الصفحات بيان معنى الحق الطبيعى وكيف يصبح التمهيد الاساسى لتركيز نوع من السلطان دون غيره معتمدين في ذلك على المنهج التاريخي والوقائع الاجتماعية ،.
ان فكرة الحق الطبيعى من الافكار الاولى التى لعبت دورا كبيرا في التفكير اليوناني ويقصد بها الحق الممنوح للفرد بحكم وجوده وبحكم طبيعته الانسانية وكانت العناية بها متجهة الى معرفة الاشكال والنظم المناسبة لحكم الافراد بعضهم البعض ، فقد حدد ارسطو الطبيعة الفردية للانسان فى القول المشهور بان " الانسان حيوان اجتماعي "ومعنى ذلك اذا اردنا ان نضع هذه الجملة فى لغة عصرية قريبة الى الفهم العام نقول . ان الحياة الاجتماعية شيء طبيعى فى الافراد وان الدافع اليها فطرى . لكن هذا الدافع فى ذاته يختلف من وقت الى آخر ومن فرد الى
آخر فهو فى الاسرة اقوى منه فى الدولة وفى الذات اقوى منه فيهما . ولهذا كانت احسن طريقة للحكم فى نظر ارسطو هى التى تعبر عن التنويع ، معنى ذلك ان المجتمع باعتباره جملة من الدوافع المختلفة لا يمكن ان يتمثل فيه الشكل الحقيقي للحكم الا فى هذه النزعات الجزئية والدوافع المتنوعة او المختلفة ولهذا كانت الديموقراطية هى احسن انواع الحكم لانها تعبر عن التنويع .
اما افلاطون فانه يرى ان الفرد لا يمكن ان يكتفى بذاته بل يحتاج الى الآخرين فكان لابد ان تعتمد نظرية السلطة او الحكم على اساس نفعى لان الانسان اذا كان لا يستطيع ان يكتفى بذاته ، كان الباعث على الحياة الاجتماعية هو ارتباط مصالح الافراد بوجود مجتمع يعمل على تحقيق المصالح وبالتالي يكون الشكل السياسي الذي يتمشى مع وجهة النظر هذه الحكم المتجانس أعني حكم العقلاء وصفوة العقلاء .
على هذا الاساس نرى انه لا يمكننا ان نفهم الاتجاه السياسى او شكل الحكم لكل من ارسطو وافلاطون إلا على ضوء ما نشاهد من رايهما فى طبيعة الفرد نفسه ، ومع سلامة هذين الاتجاهين من حيث طبيعة التفكير السليم في الوصول الى النتائج الواضحة يلاحظ ان التفكير على هذا النحو لم يتعد المعطيات العقلية معنى ذلك ان السلطة لم تحدد تحديدا عمليا .
- اما فى العصور الوسطى فقد أخذ مفهوم الحق الطبيعى يصطبغ عند رجال الدين بنزعة اخلاقية واصبحت القاعدة العامة له : عامل الناس بما تحب ان يعاملوك به .
- اما في عصر النهضة فان مفهوم الحق الطبيعي اخذ يتبلور او يتمثل في النظم المستقرة بحكم القانون والعادات حتى اصبح لا وجود له الا في العلاقات التى يرتبط بها الافراد والتى يرى العقل فى وجودها ضرورة ملحة ولو كانت منافية للذوق الفطرى . ولهذا يلزم ان ننتظر القرنين ١٨ و ١٩ لنرى الحق الطبيعى قد استرجع المفهوم القديم لارسطو وافلاطون فى النظريات السياسية والاجتماعية وقد تركز حول مبدأين اساسيين هما :
اولا : الحق الطبيعى معطى عقلي ضروري لايجاد مجتمع يقوم على اساس عقود اجتماعية .
ثانيا : الحق الطبيعى اساس كل حرية فردية وكل سلطة شعبية . معنى ذلك ان الشكل السياسى لم يتعد الحدود التى رسمها الفكر اليونانى فى كونها اسسا نظرية فقط .
- وقد كان هذان المظهران الاساس لنظرية روسو فى العقد الاجتماعى وفى الدولة عندما اعلن ان مصدر السلطات هو الشعب خلافا لما كان يزعمه اللاهوت من ان الله هو مصدر السلطة .
ان النظريات الدينية التى تتصل بهذا الموضوع هى ايضا يتشعب فيها التفكير الديني الى اتجاهين : اتجاه يزعم ان السلطة مصدرها الله وتتدخل فيها العناية الالهية بصفة غير مباشرة وهو ما يساير الروح الكاتوليكية التى يمثلها القديس توماس الاكويني والذى يرى ان السلطة تنبع من الله ، اما مباشرتها بكل صورها العرضية فمن حق الافراد وهم الذين ينظمونها حسب غايات يرسمونها . كما ذهبت الكنيسة في القرن - ١٩- مذهبا مؤيدا لهذا الاتجاه لكن بكل حذر فهي حينا تعترف بان الله هو المصدر غير المباشر وتسكت عن السلطة المباشرة واحيانا اخرى تعترف بان الانسان هو المصدر المباشر لها كما فى رسالة لايون الثالث عشر وتعلل ذلك بانه اذا كان الله مصدر السلطة فانه لا يلزم ان يتبع ذلك انه يؤثر فيها بطريقة مباشرة فى نقل السلطة من شخص الى آخر او فى الاشكال العرضية التى تطرأ عليها لان التغير فى هذه الاحوال الكثيرة يدل بصورة واضحة على الصفة الانسانية فى مصدر السلطة .
اما الاتجاه الثاني فهو الذي ينسب الى الله مباشرة السلطة وانه يقوم بتوزيعها حسب ارادته وانها تجرى وفقا للعناية الالهية التى تؤثر فى كل المظاهر والارادات الجزئية للاشخاص .
- ومهما يكن فالسلطة سواء أكان مصدرها الله بطريقة مباشرة او بطريقة غير مباشرة هى ما تسمى بالسلطة الروحانيه فى مقابل السلطة اللائكية او العلمانية التى تجد جذورها في المعطيات العقلية التى لها ما يبررها فى طبيعة الفرد او فى الطبيعة الانسانية فحينما يعلن هوبز Hobbes ان الانسان للانسان ذئب فمعنى ذلك ان النظام السياسى الذى يكفل فى نظره قيام مجتمع انسانى سليم هو النظام الدكتاتورى .
والواقع ان كل مظهر من مظاهر السلطة العلمانية التى تبدو طبيعية مثل الدكتاتورية والديموقراطية هى فى الحقيقة معقدة تمام التعقيد ولذلك اذا اردنا ان
نفهم جيدا الاصل الذى تتبع منه يجب ان نبتعد عن كل شبح من انواع الحكم تبدو فى الظاهر طبيعية لان ذلك لا يؤدى الى نتيجة طالما جهلنا اصل السلطات وعلى اي نحو ظهرت الى الوجود . اننا نعرف ان المجتمع عبارة عن جماعات من الافراد يعيشون جنبا الى جنب ويشتركون فى عادات واحدة وغايات واحدة فكان لابد من تركيز السلطة فى إطار خاص حتى تتمكن من تحقيق هذه الغايات ومن المحافظة على التقاليد ، وكأن السلطة بالتالى بهذا المظهر الاخير ظاهرة نفسية اكثر من اى شىء آخر . لكن متى فقدت السلطة هذه الوظيفة التى تتمثل فى المحافظة على التقاليد وتحقيق الرغبات كان ذلك داعيا ان يفكر كل فرد فى استبدالها بنوع آخر من الحكم او من السلطان يتكفل بتطبيق ما يرونه مساير لاتجاههم العقلي والمادى وبالتالى يخول لهم ممارسة حقوقهم الطبيعية والسياسية وهذا بالضبط ما فكر فيه الفلاسفة امثال هوبز وهيقل (Hegal ) وروسو ، وتعد نظرية هذا الاخير من اهم النظريات التى لعبت دورا كبيرا فى التفكير العالمى . فقد كانت نقطة البدء عنده هي الاتجاه الفردى . أعني ان الجماعة فى نظر روسو لا وجود لها وكل ما هنالك افراد مستقلون تمام الاستقلال فى نزعاتهم ورغباتهم كما ان المجتمع فى نظره ليس الا تركيبا صناعيا لاناس اجتمعوا فى مكان معين وزمان معين واقاموا فيما بينهم واحدا منهم يحكم بينهم بالتساوى وفي مقابل ذلك يتنازل كل فرد عن جزء من حريته اى انهم فيما بينهم يكونون نظاما اجتماعيا يتخذونه طبق رغبتهم تشرف عليهم سلطة واحدة تحد قليلا من حريتهم . وهكذا يرى روسو ان اولى العمليات التى كانت السبب في نشأة الشعوب والسلطات هى ما يسمى بالعقد الاجتماعى .
- الى هنا لم يطرأ شيء جديد لاننا ما نزال فى حدود المعطيات العقلية وإنا لنتساءل عن اصل حقيقي واقعي فى نشأة السلطة . لقد تكفل علماء الاجتماع بالاجابة عن هذا السؤال تبعا لمنهجهم فى دراسة الوقائع الاجتماعية من ابسط مظهر فى المجتمع البشرى الى اعقده ، يعتبر جورج دافي العالم الاجتماعى الفرنسى ان ابسط مجتمع كان عبارة عن وحدة اسرية سياسية دينية فى نفس الوقت وكان العنصر الديني اكبر عامل على التجمع البشرى والفناء فى وحدة توتـمية إذ ان التوتـمية مظهر دينى أصلى تركزت عليه فيما بعد مختلف النظم الاجتماعية ذلك ان اساس
التجمع كان صوفيا بحتا وان الذى يجعل الوحدة تتكون من افراد تختلف عن الوحدات الاخرى ليس هو دافع الحياة جنبا الى جنب في مكان معين من الارض وانما العامل الاساسي انتسابهم الى توتم (١) واحد اى انهم يحملون اسما واحدا ورمزا واحدا وان لهم اصلا واحدا هو التوتم الذى يعتقدون انهم ينتسبون اليه لحما ودما وروحا
وعلى ذلك فالوحدة السياسية كما يرى جورج دافي لا يمكن ان تتعين الا بجانب الوحدة التوتمية ويفهم ذلك جيدا من تحريم الزواج بالاقارب فى العشيرة وجعل الزواج من الخارج اي أن الرجل لا يتزوج من اقاربه او من قبيلته وانما يتزوج من قبيلة اخرى . وهذا الزواج فى حقيقته يخضع لقواعد وقوانين والتزامات معينة تتعقد شيئا فشيئا وتتخصص عند التطبيق . ومن الطبيعى ان ينشا عن ذلك نظام خاص بالزواج يحدد فيه ما هو جائز وما هو ممنوع وهذا يبين لنا ان المجتمعات التوتمية ليست أقل خضوعا الى جملة من المبادىء والعادات الصارمة التى تعتبر مصدرا لسلطة غير واضحة منشؤها الدين او الحياة الجماعية ، ذلك ان الحياة الجماعية تفرض نظاما خاصا يشتمل على قواعد وقوانين يتبعها احساس جماعى وهى تمثل نظاما مثاليا وأى خرق لها يترتب عنه عقاب لكل من تحدثه نفسه بهذا الخرق . ومعنى ذلك ان السلطة فى العشرة اصبحت لها الصفة الجماعية او الصفة المشتركة لا الصفة التى كانت تنسب الى التوتم ويصبح التوتم حينئذ مبدأ جماعية وقوة كامنة فى العشيرة لا كما كان يعتبر من قبل انه الجد الاعلى للعشيرة او الجماعة .
- ويجب ان ننتظر قرونا من الزمن حتى يلاحظ تغيير اكبر في مفهوم التوتم فنجد ان بعض رؤساء العشائر قد احتكروا العشيرة التوتمية لصالحهم وجعلوها للذكر خاصة ثم ربطوها بالارض فكانت القبيلة ثم القرية يتمتع فيها رئيس القبيلة او القرية بلقب شيخ او ملك . ومن الاسباب الرئيسية التى جعلت العشيرة التوتمية تأخذ اشكالا متعددة فى التغير لصالح السلطة هو البقاء فى مكان معين من الارض من احل حياة تعتمد على الزراعة والصناعة بعد تلك الحياة المتنقلة التى تعتمد على الصيد ،
- ومن الطبيعى ان هذه الحياة تتطلب نظاما خاصا من الشيوخ تنحصر مهمتهم في حفظ التقاليد وحماية الثغور .
- والان وقد تتبعنا العشيرة في مراحلها التكوينية وخصوصا ظاهرة تمركز السلطة فانه لا يمكننا بعد ذلك ان نضيف اليها خاصية ميتافيزيقية او معطى عقليا اذ ان لها وجودا خارجيا متطورا ككل كائن حي . فهى فى اشكالها المتعددة تمثل مرحلة من المراحل الضرورية بالنسبة للمجتمعات لا يمكن الا ان توجد . ان السلطة روح الحياة الاجتماعية موجودة فى كل عضو من اعضاء المجتمع وان ظروف الحياة الاجتماعية هي التى تجعل من السلطة ان توجد هنا وهناك وبكيفيات مختلفة
ان التقدم والتطور الحضاري هو الذي يجعل من الافراد أو الاشخاص اشياء او اعضاء فى الحياة الاجتماعية وان الضمير والشعور بالحرية هما اللذان يجعلان منا مصدرا لسلطة تسير دائما فى توافق وانسجام . ان المجتمع غاية كل فرد على شرط ان يحقق هذا المجتمع كل ما نحتاج اليه من امن وغيره وهذا ما تقوم السلطة به وبذلك يتحقق التعاون بين الافراد لصالح المجموع واذن فالسلطة ليست عبارة عن استغلال يحتكره شخص او عدة أشخاص وإنما هى انماط من الحياة لا يمكن ان تكون الا منظمة متناسقة وهى أيضا ليست مجرد عامل مادى نفعى بل هى قبل كل شىء نظام مثالى لجماعات من الافراد تنشد التناسق وبذلك نكون غير بعيدين عن المفهوم العام للنظام الاخلاقي عند برتراند راسل الذي جعل المبدأ الاساسى للاخلاق القاعدة الآتية :
" اعمل العمل الذى ينشأ عنه الانسجام بين رغبات افراد المجتمع " وبما أن هذا المبدأ قابل للتطبيق فى كل زمان ومكان فإنه يمكننا من وضع النظم السياسية والاجتماعية ما يكفل الانسجام فى الرغبات والاتجاهات .

