ان فكرنا المزدوج الغائص فى اعماق عالم اكروباتى هائم لا يمكن له بصفة من الصفات ان يقبل ما هو مزدوج رغم ازدواجيته بروح مسالمة خالية من الاضمار والمناورة . ان فكرنا يغوص فى معالم الجهالة واعنى بالجهالة العالم الذى ليس بعالمنا والفكر الذى ليس بفكرنا ، ومن خلال كل ذلك فانا أعنى ان انسان العالم الثالث الذى هو فى طور صناعة موجهة دقيقة لا يمكن له ان يحمل اوزار كل القضايا المشتتة هنا أو هناك وسط الظلمة وفى الطل الرهيب . ان تعسف التوجيه كما اسماه ( عز الدين المدنى فى محاضرة له بعنوان ( معالجة التراث واستعماله فى الادب الحديث ) القاها فى ملتقى يحيى بن عمر بمدينة سوسة ) "بساطور الرقابة " فهو ساطور حاد وقاس نتائجه تؤدى الى تكثيف وعى لا منفصل عن الذات وعن الشخصانية الممتزجة فى الموجودات والماهويات والتراث - كمفهوم بدائى - وانما ينتج ا يسمى " بالنعرة الفكرية " نعرة يشتم منها الانسان الباحث عن نفسه من خلال اهرامات ينخرها السوس ، رائحة الصلابة والتشرد والجوع والبؤس . . والمجاميع هنا تختلف والعقليات تختلف الاختلاف يختلف . . والحلقة المفزعة المغلقة المكعبة تقحم هذا الانسان فى دن فارغ يفرغ فيه سرائره وشحنة كبته المكثف ، كما كان يفعل الاعمش ( المحدث المعروف ) كما جاء على لسان الجاحظ ، اذا ضاق صدره لجا الى شاة كانت له فيهم يحادثها بكل ما جاش فى كيانه فكان الفقهاء فى ذلك العصر يرددون مثالا معروفا " ليت انى كنت شاة الاعمش " اما انسان العالم الثالث هو شاة الغرب ومزبلته ، فهو انسان تعتمل فيه انفعالات عديدة استئصالية فينتج عنها انسان مشوه الخلقة له عينان ماورائيتان وفم سلفى ممسوخ وجلد مرتق برقع
الفكر كأدعية للوصول الى الحقيقة
ان فكرنا يغوص في التربة ، فى الميلوس الاسود الخاثر ، كما غاص اصبع (( سورين كبركارد )) ليعرف حقيقة وجوده . ووجودنا شعله يطفئها رجل اعمال امبريالي مجحف بيده حقيبة دبلوماسية سوداء واسطوانه مطبوعه فيها اغنية عالمية على وزن السول . ثم يقولون لنا : هذه حضارتكم : هذا تراثكم . عريضة ضخمة من الروبافيكا : مزامير ، منافيخ ، طبول مقعورة ، ملابس بالية متهمجة مشوشة فى رثاثة دائمة .
الغرب يجلب لنا القرق ( المكان المستوى ) من التلولب الذاتى ، وانقسامها الى عدة اقسام لا متكافئة . اى ذاتنا نحن الذين شنقنا عيوننا فى بناية شامخة فدخنا لعلوها ودخنا لهندستها وروعتها المعمارية . ولا يبقى من تراثنا سوى قعال ( ما يتناثر عن نور الشجر ومن كمامته او وعائه ) ، تعبث بها رياح تتعدى على الاصول الاخلاقية فتحمل كل أثر ومأثور ، وتضيع رقعة وجودنا هباء بلا مبالاة .
وأعود الى الازدواجية التراثية كفكر موصل للحقيقة ، فأؤكد انها عقلية العصر الحالي ولكن يغلب عليها عدم التوازن . وهي بالتالي ذات اوجه عديدة مموهة تحمل في اعماقها النميمة وضرب القذال للوعى الخارج عن الدائر المخطوطة فى لا شيئية مخجلة . . فتحطم قوائمه وتضاعف من عقالاته وتضرم فى اهراماته النيران . . فانسان العالم الثالث هو بين تزكية تامة ومطلقة لما حاء به الغرب : الايديولوجية السامية والطريق الخالي من الجسور والمنبسط امام اعين قرمزية قسطلانية . وتزكية تامة لتراث اغلبه ما زال مدفونا وراء اقبية الرقابة والاحتشام والخشية من تعرية فضيحة الماضى بما يحمله من فساد ومن اسباب فى السقوط . ولكن الذين يسلطون اضواءهم الكاشفة على العقول التائقة الى المعرفة ، فيفصلون الطريق بينهم وبين الحقيقة العارية الصميمية , قد تقلب العقول وتقلب الاركان ، وتقلب العالم البغيض على رؤوس من فرضوه بالبغضاء كالمائدة الليلية المستديرة وعليها اوراق لعب مرسوم عليها صؤ جنسية لا محتشمة . .
ان احياء التراث كما ينبغى ان يكون ، قذيفة زمنية قد تتفجر فى قلوب المؤمنين القانعين بماء الحياة بذلة .
وحين نسمع من خلال ما يورد الينا من العالم الغربي من تقنيات وتضاعيف جديدة تحمل فى طياتها اركان حضارة وعالم جديد جرئ ملئ بباحات متسعة لعقلية ثرية بما هو بديعي ، وحسبما يبدو مأخوذا عن تراث عميق له
من الاهمية ما يدعو الكثيرين منا الى الدخول فى بوتقة لا ادرية متنافرة الى ابعد حد من حدود الاحتمال العقلي
المسرح والتراث
ان كتاب ( برتون ) (( المسرح فى العالم )) يدعونا الى أن نعيد ذاكرتنا فيما اخذنا وسلمنا به من منقولات تاريخية تراثية حددت لنا ان العرب لم ينتج عقلها مسرحا الا من خلال مسرح القباني والاخوين سليم ومارون نقاش اى ضمنيا انه لم يكن لنا مسرح وما وجد الآن انما هو انتحال ومحاباة ونقل . . ثم من خلال احتكاكنا بالثقافة الغريبة كرعنا من مناهلها كل شئ حتى أصبحنا لا شى سوى صورة مطابقة للاصل المتداخل المنكفىئ على عالم ليس بعالم يومنا و غدنا . .
وكتاب (( المسرح في العالم )) يرى ان نشأة المسرح منبثقة عن الحوار الذى يدور بين الناس سواء على ألسنتهم او على السنة رموز و ( كرا كوزات ) و كل ما جاء من قصص حوارية تمثل شخوصا حركية تسعى الى اثبات جدواها الفعلي والديناميكي من خلال ما يتوفر لديها من امكانات رائعة متفجرة لتنقل الحدث الى عالم قائم بذاته وعلى اسس عميقة من التقنية والتجسيد المتكامل كصانع الفخار الذي يحرك رجليه ويديه فاذا بعجينة خامة تتحول الى بدعه خلقية رائعة .
واذا ما رجعنا ببوصلة تفكيرنا الى ماض سحيق وتصفحنا مخطوطاته والاقوال المنقولة الينا على السنة عربية صميمية ( كأحاديث ابى هريرة والحارث من حلزة وغيرهما ) لما وجدنا ان كل اقوالنا واعمالنا تنم عن حركية حوارية مليئة بما هو ( ممسرح ) وقريب الى حلبة التمثيل والحوار المجدى . فكتاب (( الامتاع و المؤانسة )) لابى حيان التوحيدى الذى نسج على منواله الصحفى الامريكي (( لوسان برايس )) بنقله لـ ( محاورات الفرد نورث وايتهيد ) فى كتاب بهذا العنوان . . هو عبارة عن حوار توفيقى يدور على ركح بلاطى بطلاه الوزير ابو عبد الله العارض والمفكر المسلم ابو حيان التوحيدى وكانت مسامرتهما إلقائية تجمع روحا ممسرحة لم ينفرد بها كتاب (( الامتاع والمؤانسة )) فحسب بل كل أقوال العرب التى تخضع لقاعدة ( القيل والقال ) , كما لا تخلو رواية من الروايات التى اتت على السنة المحدثين والناقلين للحديث ان فلانا قال فقيل له وهكذا دواليك . .
فهذا شكل من الاشكال التى بني عليها فكرنا الحيوى بحبكة ثرية من عدة جوانب توفر لنا مجالا شاسعا لاستمرارنا فى مكافحة خصومنا من المستشرقين
امثال (( دى بوير )) الهولندى الذى وصف فى كتابه (( تاريخ الفلسفه فى الاسلام)) بان الفلسفة الاسلامية ( ظلت على الدوام فلسفة انتخابية عمادها الاقتباس الصرف مما ترجم من كتب الاغريق )
وبذلك فان كل ما ينتج عن العرب انما هو زيف وتدليس ونقل ومحاكاة ومحاباة لما يأتي به الغير ولكن ماذا سنقول عما اتى به ماركس بمقارنته بما اتى به حمدان بن قرمط وغيره من الذين بدأت تلوح احيانا مخطوطاتهم شبه سليمة خالية من التشوبه والاستناد ككتاب ( الحيل ) لرنيه خام الذى صدر حديثا فى باريس ليروى لنا اسطورة الستراتيجيا العربي الاسلامية فى الحروب .
التوجيه الحضارى والتراث
الرد على الفكر المطروح حاليا ، ما هو تراثنا بالضبط ، هل هو فى هذه الرقعة الصغيرة فحسب أو انه يتمثل فى تخمة فكرية مشوشة فى فوضوية مجهولة . فبعض المستشرقين امثال ( ارنست رينان وكريستيان لانس وكوتيه ) يرون العرب جنس مبنى على التجزؤ واللا ارتباط :
( فالعرب جنس سامي فطروا على غريزة التوحيد والبساطة ومن ثم فالعقل العربي لا طاقة له الا على ادراك الجزئيات والمفردات منفصلا بعضها عن بعض , أو مجتمعة فى غير ما تناسب ولا انسجام ولا تناسق ولا ارتباط فهو عقل مباعدة وتفريق . . )
فعلاقتنا اللاتحاضنية مع العلم واتصافنا بالانفصالية لدليل قاطع على ما يعمل لاجله رجل اعمال الفكر الغربى الامبريالى فهو رجل متغطرس بيده بلطه يهوى بها علي الجذوع ليستأصلها من الجذور . . ولذلك وصفت عقليتنا بالاسطورية البدائية ، فالرجل البدائى كما يحدده الانتربولوجيون خال من المعطيات ، تائه فى عالم بلا أب ولا ام ولا اله ، فهو يبحث عن اصله وفصله وعن السب الذي أوجده وبعث فيه أصول الحيرة والقلق والارتياب : وعليه ان يعتمد على خياله ليصنع العقد وحلولها . ويعين فكره على اختزال العالم وقضاياه بشكل لا يربطه بمنطق تراثى ولا بوعى ناتج عن تجربة ليخط رمز الطفرة وخلق البديع والمبدع والمجدى فى آن معا . ان دعوة الانحطاط ( هيجلية - نسبة الى هيجل - ) فى اصلها تعمل على انشاء عالم مغلق يتنفس بصعوبة وبقوة زائفة وضعها الغرب على اكتافنا وظهورنا ورسنوا اعناقنا بحضارة مزيفة منحنية فزع منها ( اسوالد اشبلنغر ) فى اعماله الضخمة (( تدهور الحضارة الغربية )) وكولن ولسن فى مجموعته ( اللامنتمية ) والهيبيون
على رأسهم ( الدوس هكسلي ) بمحاولة خلقه جبرية زمنية ( لكى يقف الزمن .. ) وافيونا يقوى مدارك الوعى الى اقصى مجال الوعى . وقد نجد نفسنا في باحة فسيحة تفرض علينا جهمية مظلمة كجهمية ( جهم بن صفوان ) الانقيادية فترخي سدولها على عالم كم هو فى حاجة الى بصيص من النور وهو على حالة برازية لا رائحة لها . فوعينا يزداد شكا فى تراثه ، اذ التراث المعروف الان ليس هو غير ما عرفناه بطريقة آلية نقلت الينا صورا فوتغرافية مشوهة سيئة التحميض والتوليف ..
ان كل ما يصدر من حين لآخر عن علماء الغرب وأساطينه يذهلنا حين نجد فيه ما لم يكن موجودا ظاهريا ولكن كثيرا ما يتيقن لنا ان ذلك البديع كان مجرد خدعة وعلى باحثينا ان يساهموا فى التنقيب عن آثارهم وحفرياتهم ومخطوطاتهم ليكشفوا لنا سر هذه البدعة ويحطموا أسطورة ( الحضارة العملاقة ) التى لم تعرف السقوط . .
فشكنا اليوم اصبح اكثر فتوة وكهولة من اى يوم مضى ، فوازعنا الترائى يدعونا الى المزيد من التنقيب فيما اختطف ايضا بطريقة شرعية او لا شرعية ، و علينا ان نتأمل حاضرنا بعين مجردة من التركيبات الصناعية بوعى مطلق يخضع الى رؤية اكثر وضوحا وتعملقا لصناعة فكر حضارى تراثى جديد غير ما وصفنا به اليوم
ونعمل بقول الجاحظ ( لا نقبل ما ينقل الينا الا بعد البحث والرويه ) فأسلوبية الشك وسماتها البارزة تدعم الارضية التى ستنطلق منها لبناء حضارة تراثية جديدة بطريقة معاصرة وبمنطق جديد ، وجرأتنا تتمثل فى شقنا عصا الطاعة فى وجوه الذين لوثوا تراثنا بمادتهم الدسمة والعفنه من جراء ما خلفته الحضارة الغربية فى اوج اندحارها ، وهذا الخط الذي يتجه فى منحنى نزولى سلبى يذكرنا بان لا نواصل الطريق المرسوم بالالوان الصناعية وتحذيرنا لهذا بدعمه تراثنا الذي مازال مدفونا وراء اقبية السدود التى تخشى ان تمس حرمتها او ان يكشف عما تخفيه اساريرها : انفض التراث صرخة صاخبة فى وجه التوجيهية الفكرية والحضارية التى تتصدر القوات المتقدمة نحو هجوم دائم على العالم الثالث الذي ما زال يحمل فى طياته مادة خامة قادرة على تكفف نفسها بنفسها حسب قواعد جديدة وقوالب جديدة لم تدخل بعد مصانع التلوث والقذارة . .

