في بداية حديثي عن قاعدة القصيم أتقدم بشكرى الجزيل اعترافا بالجميل لصاحب الاخلاق السامية والمعاملة الانسانية الفذة سعادة الاستاذ الكبير رئيس بلدية بريدة سليمان الدريبي الذى تفضل وأمدني بجميع هذه المعلومات التى لم يكن لى فيها من فضل الا أن نقلتها من رسالته الخطية التى أرسلها الي كما طلبت من سعادته على الرغم من كثرة مشاغله وعمله الدائب بهذه الاخلاق وهذه الروح استطاع ان يتقلد مهمة شريان الحياة في بلاده بارك الله فيه من أنموذج رائع وعامل نشيط في صمت وتنفيذ ، لين الجانب ، ولا غرو على تلك البلاد أن تنتج من أمثال هذا السيد الشهم وهى التى انتجت شبابا وشيوخا قادوا ركب الحضارة وشقوا الطريق لتسلق قمم المجد .. فاليه أسمى آيات شكرى وثنائي :
رجل رأيت به الفضائل تعتلي
والمجد ينمو والمعالى تكثر
انى لأشكره على أفضاله
والحر للحر المهذب يشكر
وانى لأرجو من أحد أبناء بريدة ان يقوم بمقابلة تلك الشخصية الفذة حتى يتعرف عليها قراء (( المنهل )) عن كثب .
والآن عزيزى القارئ أنقلك معى على
صفحات (( المنهل )) العذب ، الى جداول بريدة الرقراقة ومروجها الغناء وينابيعها الكبريتية وثمارها الشهية .. (( المنهل )) تدعوك على لسانى الى مائدة بريدة المعطاء ، والتى جمعت ما لذ وطاب من جمال الطبيعة وشهامة السكان وحركة النهضة .. بريدة في الحقيقة التى لا يشوبها مبالغة هى جنة الجزيرة ومتنزهها الكبير ، ولعل اجمل وصف وأدق تعبير لهذه الرياض النواضر هو ما قاله شاعر العراق معروف الرصافي :
كأن التفاف الروح والنور بينها
جيوب من الانوار زرت بأزرار
تميل اذا هب النسيم غصونها
فتأتي بظل في الجوانب موار
يلوح بها ثغر الطبيعة باسما
فيقتر منها عن منابت أزهار
مشاهد في تلك الربى ومناظر
تجلت على أطرافها قدرة البارى
الى جانب هذه الطبيعة الخلابة، والجداول المنسابة ، النهضة التى قامت على أكتاف من سهروا لينام شعبهم ونعبوا ليرتاح وبذلوا لتكون بلادهم جنة الطبيعة وجنة التقدم ، ترى فيها المعول الهادم البانى والحركة الدائبة قائمة على قدم وساق ، الشوارع المعبدة الفسيحة ، والبنايات الحديثة ، والمستشفيات المزودة بأحدث وسائل القضاء على الامراض الجسمية ، والمدارس للقضاء على الامراض النفسية ، والحدائق المنسقة مناظر ليست غريبة عن هذه المملكة من أقصاها الى أقصاها منذ نعمت بظلال دوحة آل سعود .
لمحة عن تاريخها : هناك روايات تاريخية عديدة حول بريدة
لعل أصحها ما ذكره البستانى ، والحموى ، من أنها كانت مورد ماء عرف منذ سنة ٩٥٨ ه ثم تطورت بعد ذلك التاريخ لأسباب عدة حتى أصبحت عام ١١٩٠ ه أكبر مدن القصيم، وتمول نجدا، كلها بانتاجها الزراعى وقد اشتهر أهلها بحب الأسفار والمغامرة ، لذا نجد الكثير منهم ما زال في الهند وفي كثير من بلاد آسيا ، وليس غريبا على سكان القصيم أن يتميزوا بهذه الصفة عن غيرهم ، فهذه الصفة - وهى حب الأسفار- لا تكون الا لدى الانسان الطموح والاجتماعى غالبا . . فلماذا يسجن نفسه والدنيا الفسيحة ببحارها وجبالها واختلاف سكانها عن يمينه وشماله ، وما عليه الا أن يركب الأخطار ويستجلي مغانيها عن كثب وما خلقها الله الا له ، وقد جاء في القرآن الكريم حث على الأسفار للاتعاظ ولعبر أخرى : (( أو لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم )) - الآية .
كم في الأسفار من عبر ومواعظ ، وكم فيها فوائد وتجارب .. لا يحب الاسفار الا صاحب همة كما يقول أبو ماضى، شاعر الشباب :
وبكى الأحبة حولكم وجفونكم
تعصى البكا حزن الجبابر أبكم
أبدا تودع موطنا وعشيرة
ومطامح خلف البحار تسلم
ضاقت على أحلامهم تلك القرى
فاخترتم الدنيا الوساع لتحلموا
وغزوتم الآفاق لا زاد لكم
الا الصبا المتوثب المتضرم
وكذا أهل بريدة ترى الصبا المتوثب المتضرم يجرى في عروق شبابهم وكهولهم
فاذا أحببت أن ترى الحيوية المتدفقة فيمم شطرهم ، كتل نابضة بالحياة المتوثبة المتطلعة دائما الى اكتشاف مجاهل الحياة انهم شباب طامحون .
( وبورك في الشباب الطامحينا )
اذا أنا أكبرت شأن الشباب
فان الشباب أبو المعجزات
حصون البلاد وحراسها
اذا نام حراسها والحماة
غد لهم وغد فيهم
فيا أمس فاخر بما هو آت
وشباب بريدة هو أبو المدهشات لأن بلادهم قد أصبحت بطموحهم ، جنة أو بريدة العرب السعيدة .
أرجو المعذرة قارئى العزيز ، فقد خرجت بك عن الموضوع والحديث عن هممهم يطول كما انه شئ لا يخفى على القارىء ، وأنى ليراعى الضعيف أن يفي أهل بريدة وصفهم الحق .
بريدة في الحاضر : بريدة فى الحاضر هى ثانية مدينة في نجد ويتبعها ما يزيد على مائتى مدينة وفرية أهمها عنيزة التى تضارعها وتنافسها ويتنازع معها السيادة ، وتبعد عنها ٣٠ كم ، والبكيرية التى عمرت سنة ١١٨٠ ه والهلالية والخبراء عمرت سنة ١١٤٠ ه ، والبدايع والرس وملحقاته والنبهانية والمذنب والقصيبا والاسياح وعين فهيد والطرفية . .
وتبعد مدينة بريدة عن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ٦٨١ كم ، والطريق
معبد وقليل المنعطفات . . وأهم ما يلفت النظر في هذه القرى القريبة من بريدة : البكيرية - برمالها الدهبية أو الحمراء ، والبدائع بمروجها الخضراء وطبيعتها الساحره .
وعن الشمال أرى مروج مزارع
وعن اليمين حدائقا ونخيلا
هذه هى بريدة وما يحيط بها من مروج ومرازع ونخيل وحدائق ، ولا أكون مبالغة اذا قلت حديقة الجريرة . . مساحتها ٨ كم٢ ويبلغ عدد سكانها حوالى ١٢٠٠٠٠ نسمة تقريبا . . والطابع المميز للقصيم بصفة عامة ولبريدة بصفة خاصة هو الطابع الزراعى ، فكثرة المياه وغزارتها من الاشياء المعروفة للجميع ، وذلك لوقوع بريدة ضمن نطاق ثلاث تكوينات جيولوجية رئيسية هى: تكوين مقبول ويقع على عمق ١٥٠-٢٣٠ متر ، وتكوين تبوك السفلى ، ويقع على عمق ٣٠٠-٤٠٠ متر ، وتكوين ساق ويقع على عمق ٦٠٠-٧٠٠ متر ، فلا شك ان هذه المدينة بموقعها على هذه الينابيع الدفاقة هى الجنة التى يعنيها الشاعر الامير بقوله :
جنة ذات زهور غضة
عبقت طيبا كما لذ جناها
ان هذا البيت الرائع منطبق على هذه المدينة الرائعة وان كان صاحبه لا يعنيها .
ونتدفق الآن مئات الآبار الارتوازية التى تمد مئات المزارع بالمياه العذبة ، حتى أصبحت القصيم تمول كافة مناطق المملكة بانتاجها الزراعى وأهمه : البطيخ ( الحبحب ) والقرع والعنب والرمان والتمور الممتازة والحمضيات، بل وتصدره أيضا الى بعض البلاد المجاورة مثل الكويت
وقطر . . ومن أهمها الحقلية : مثل القمح والشعير الخ . .
هذا من الناحية الزراعية وهى الطابع المميز والهام للمنطقة .
الناحية التجارية والاقتصادية : عرف أهالى القصيم بمهارتهم في التجارة الى جانب اهتمامهم بالزراعة ، فهناك العديد من الورش الصناعية الى جانب الصناعات اليدوية والتقليدية من أهمها : صناعة الأحذية والفرش ودباغة الجلود الخ . .
والمؤسسات الحكومية في بريدة هى كما يلى :
١ - الامارة : وهى السلطة الادارية العليا في المنطقة وترتبط بها جميع امارات القصيم .
٢ - البلدية : وقد أسست في ١٣-١-١٣٨١ ه ، وقد ساهم هذا الشريان الهام في تطوير المدينة واظهارها بالمظهر اللائق قدر الامكان ، وفي السنوات الاربع الماضية تم تعميم الانارة في الشوارع الرئيسية وأغلب الشوارع الفرعية ، وقد تم فتح سبعة شوارع بعد نزع ملكيتها والشوارع الرئيسية فى بريدة هى : شارع الملك فيصل ، شارع الخبيب ، وشارع الصناعة ، وقد تمت المراحل الاولى من سفلتة معظم الشوارع الرئيسية في المدينة وعملت الأرصفة والساحات اللازمة ، ويوجد أربع حدائق عامة كبيرة ، وفي نية البلدية تشجير الشوارع الرئيسية بعد الانتهاء من السفلتة ( التعبيد ) ، وتشرف البلدية على مشروع الصرف في بريدة . . الخ .
هذه بعض أعمال البلدية في هذه البلاد الفتية ، ولعل ما قامت به بلدية عروس
القصيم . هو أصدق برهان على قولى عن حيوية شبابها وكهولها الدين تسلموا عجلة التقدم وجروا بها سريعا لتصبح جنتهم سابحة فى بحور المعالى . . فتحية لرئيس بيسية بريدة وحياه به من قائد لمسيرة بعده ومجدف لقاربها في يم النور والتقدمية .
والشمس منجم عسجد متكشف
لذوى الطموح وأنتم أنتم هم
عرضت محاسنها الحياة عليكم
فأخذتم بأحبها والأليق
٣ - ادارة الشؤون الصحية : للقضاء على الأمراض . . فالعقل السليم في الجسم السليم . . حكومتنا تأخذ دائما ، كما قال أبو ماضى : (( بالأحب النافع الأليق )) .
٤ - ادارة الشؤون الزراعية : لكي تقوم الزراعة على أسس علمية مدروسة ، وبذلك يكثر الانتاج ويتشجع الفلاح وتكثر ثروة البلاد وتستغني عن الكثير من توريداتها من الخارج ، فقد خص الله هذه المملكة الى جانب ثرواتها المعدنية بثروات زراعية متطورة متمثلة في القصيم وغيرها من قرى ومدن نجد والحجاز .. الخ .
٥ - ادارة التعليم بالقصيم : وعدد المدارس الابتدائية في بريدة(٢٥) مدرسة نهارية وليلية و (٥) مدارس للبنات تضم (٩٩٢) طالبة ، ومعهد اعداد المعلمات ويضم (٤١ ) طالبة ، وثلاث مدارس متوسطة للبنين ، ومدرسة ثانوية نهارية وأخرى ليلية ، ومعهد اعداد المعلمين، ومعهد علمي تابع للرئاسة العامة للمعاهد والكليات ، ومعهد للنور .. ويبلغ مجموع
الطلبة والطالبات في بريده ( ٨٥٥٨ ) . .
انها نهضة تعليمية جباره نادى بها بن عبد العزيز ، فعمت جميع أنحاء هذه المملكة السائرة . هو لائق ومفيد وجميل .. نهضة شاملة نسب من جاء لقنا على دياجبر الامية وظنيات الجهل . . به موكب من نور قاد مسيرته شبل الجزيرة وابنها البار ، وان البلاد لترجو خيرا يجيء على يديه البانيتين وتحت ظلاله الوارفة وشمسه الساطعة ، نهضة قادها ونادى بها فتجاوبت لها أصداء جبال الحجاز وروابى نجد واشرأبت لسماعها واستجابت فخرجت من قمقمها وخاضت خضم الحياة مسحه بأنوار المعارف وسلاح الثقافة حتى ازدهرت هذه البلاد . .
كفى بالعلم في الظلمات نورا
يبين في الحياة لنا الأمورا
تزيد به العقول هدى ورشدا
وتشتعل النفوس به شعورا
اذا ارتوت البلاد بفيض علم
فعاجز أهلها يمسي قديرا
ويقوى من يعيش بها ضعيفا
وبفني من يعيش بها فقيرا
أأبناء المدارس ان نفسى
نؤمل فيكم الأمل الكبيرا
نعم . ان الآمال جميعها معقودة على رؤوس أبناء وبنات المدارس رجال الغد وأمهات الغد ، وها هى طلائعهم بدأت تعطي ثمارها بعد أن نضجت بماء العلم وسارت خلف بنوده الخفاقة . .
واليك بقية المؤسسات الحكومة الموجودة في بريدة :
٦ - ادارة الجوازات
٧ - الشرطة ٨ - الضمان الاجتماعى ٩ - محاكم القصيم ١٠ - أوقاف القصيم ١١ - الزكاة والدخل ١٢ - الدفاع المدنى ١٣ - فرع وزارة المواصلات ١٤- مؤسسة النقد ١٥ - ادارة العمل والشؤون الاجتماعية ١٦ - ادارة فرع رعاية الشباب ١٧ - ادارة البنك الزراعى ١٨ - مركز التدريب المهني ١٩ - مرتز تنمية ٢٠ - ادارة برق وبريد وهاتف ٢١ - ادارة مالية بريدة ٢٢ - فرع مكتب الخطوط الجوية ٢٣ - ادارة مكتب العدل .
هذه هى المؤسسات الحكومية الموجودة في المدينة . .
وبعد ، عزيزى القارىء : هذه هى كوكب القصيم وحديقة الجزيرة الكبرى بجناتها الوارفة ومياهها المتدفقة وطبيعتها الساحرة ومناظرها الخلابة نقلتك اليها من خلال هذه السطور لتتعرف على جزء من بلادك الجامعة بين الحضارة في أوجها وجمال الطبيعة في أوجه . وأحاطت به نفسها في اطار صيغ من أنوار العلوم وسهر المسؤولين والحقيقة اننى لم أوف البلد وصفها الحق ، ولعل بعض ما أوردت فيه بعض التحريف فما أنا الا تلميذة صغيرة قاصرة الثقافة وأنا عند حسن ظنك بى قارئى العزيز ، فاذا رأيت في حديثى خطأ فما عليك الا أن توجهنى الى براهين الحقيقة ، واذا شئت أن تقف بنفسك على ما قلت ، فما عليك الا
أن تتوجه الى تلك الربوع العامرة فنرى بنفسك مناظر يعجز أرباب الأقلام السيالة عن وصفها ، ويقصر بيانهم عن ايفائها حقها، صور لا يستطيع أى فنان أن يصورها مهما أوتى من الخيال الواسع .. انها بسط سندسية مفروشة فى كل بقعة مياه متدفقة ، رمال ذهبية أو وردية ان صح التعبير .. ثمار شهية . . غصون ملتفة . . أطيار صادحة . .
ماذا أقول بروضة عن وصفها
يعيا البيان ويعجز التعبير
مثلت بها الأغصان وهى منابر
وتلت بها الخطباء وهى طيور
متعطر فيها النسيم كأنما
جيب النسيم على الشذى مزرور
هذه هى كوكب القصيم وروضة الجزيرة اذا شئت أن تحيا وترى جنة الجزيرة فشد الرحال ، وتغن بمحاسنها وانزل ضيفا على أهلها لترى وتسمع ، وأول ما يقابلك هو فندق القصيم فاتحا أبوابه يرحب بكل قادم ، على شارع عام ، وهو محط بسور وبنايته تتألف من طابقين وعلى أحدث طراز ، وهذا ما لفت نظرى في بريدة : مبانيها الحديثة لا تعلو أكثر من طابقين ، ولعل السبب هو التربة الرملية التى لا تتحمل البنايات الشاهقة ذات الطبقات العديدة ، فتربة القصيم هشة لينة ليست حجرية صلدة ، ولعل بها مبان تعلو أكثر غير ان هذا ما شهدت وأنا لم أتجول بها كلها . . كما لفت نظرى في تلك الربوع وفي تلك المدينة بالذات شوارعها الفسيحة وتوزيع الاضاءة فيها حسب أحدث طريقة وأجملها ..
أما بلدية هذه المدينة فتقع على ثغر شارع رئيسى ببناية راامة يحوطها سور يجمع شجيرات منسقة أضفت على البناية طابعا سحريا رائعا . .
السكان ، كما ذكرت . كتل من الحركة الدائبة ، ميزتهم الفارقة هى اجتماعيتهم وكثيرا ما سمعت عن هذه الصفة مع اني مع الأسف بقيت هناك خمسة عشر يوما ولم أر سيدة أو آنسة واحدة أتت لزيارتنا ولا حتى طفل . . وكنت اذا دعوت بعض الاطفال للدخول قليلا نفر بخوف ونظرات استغراب . . وكنا اذا ذهبنا لأحد المزارع نجد فيها أحدى الفلاحات . وكم كان بودى لو أحدثها وأتمتع بأحاديثها الريفية الساذجة عن الحقل والساقية .. ولكن ما تكاد السيارة تقف الا ويذهب ويبتعد حتى الاطفال ..
أما البساتين فهى مفتوحة للجميع لا ترد قادما ولا تأخذ على جلوسه فيها مقابلا .
وبعد هذه الجولة القصيرة رجعنا قافلين ولسان حالى يردد مع أبو ماضى قوله :
خلع الشباب على بريدة مطرفا
هو كالربيع على رب ووهاد
ما زال يقحم في الجهالة نوره
حتى تقاصر ليلها المتمادى
ينبوع معرفة وهيكل حكمة
ووعاء آداب وكنز رشاد
وما قاله أبو ماضى في الكنانة ينطبق تمام الانطباق على بريدة ، ولو انه زارها لخلدها في أكثر أشعاره .
(المدينة المنورة)

