فى العدد الثالث من مجلتى ( القلم الجديد ) الصادر فى شهر تشرين الثانى عام 1952 ، كان للشاعر الدكتور احمد زكى أبو شادى ، مؤسس جماعة أبولو المصرية ومجلتها ، وصديق ابى القاسم الشابى ، مقال عن الشابى استغرق من المجلة صفحتين ، وأشاد فيه ابو شادى بشاعرية الشابى وفنه الشعرى ، وروحه الشعرية اللطيفة وكان المقال نفسه حديثا اذاعه أبو شادى أولا من محطة ( صوت أمريكا ) قبل ان يبعث به إلى لأنشره فى المجلة .
من ذلك المقال استوقفنى بشكل خاص عبارة لابى شادى فى التعليق على آيات للشابى ، من قصيدته " الى طغاة العالم " يقول فيها :
الا ايها الظالم المستبد حبيب الفناء ، عدو الحياه
سخرت بانات شعب ضعيف وكفك مخضوبة من دماه
وعشت تدنس سحر الوجود وتبذر شوك الاسى فى رباه
يعلق ابو شادي على هذه القصيدة فيقول انه قد وجد لها مذاقا ، فى جو الحرية الامريكية ، يفوق في أثره ما أحسه يوم قرأ القصيدة لاول مرة ، قبل ان ينشرها فى ابولو ، فى عدد مايو عام 1934 .
وهذا الكلام غريب من أبى شادى ، لان الجو المصرى فى الزمن الذى نشرت فيه القصيدة ، قبل خمسين عاما ، كان اقرب الى جوة الحرية الامبركى ، فى حين كان الشابى يعيش فى تونس في جو من الضغط والكبت الفرنسى لم تعرف مصر مثله تحت الحكم البريطانى ، وكانت الصحافة المصرية تسرح وتمرح في أجواء من الحرية والانفتاح لم تكن تعرف مثلها الصحافة التونسية . ولعل الشابى ما لجأ - اذ لجأ - الى مصر والى مجلة
أبولو لنشر قصائده الثائرة ، الا لان الصحافة التونسية ما كانت اذ ذاك تملك الحرية الكافية لنشر مثل هذه القصائد ، المتطلعة مع الشعب التونسى الى الحرية ، والمناضلة معه بصمت آنذاك لاجل الاستقلال .
ومع ذلك فان لعبارة ابى شادى معناها وقيمتها ، لان الجو الذي يوحى بمعنى الحرية لا تعرفه الاجواء المخنوقة بالاستعمار والاحتلال الاجنبى . وهل استطاع أدباء المهجر وشعراؤه التعبير عن أفكارهم وخطرات قلوبهم بكل الحرية التى كتبوا بها ادبهم وشعرهم ، لولا وجودهم في جو حر ، واسع الحرية ، يسمح بالتعبير المنطلق ، المتحرر من القيود ؟ وهل كان فى وسعهم أن يخلقوا ما خلقوه من ادب وشعر جديدين لو أنهم ظلوا فى سجون الاحتلال التركى ثم الفرنسى فى سوريا ولبنان ؟ .
لقد هاجروا من سوريا ولبنان - وكانا حينذاك بلدا واحدا - لان الجو فيهما لم يكن يسمح بالتعبير الحر ، ولا بالعمل الحر ، ولا بالتنفس الحر . وفي اميركا عرفوا معنى الابداع ، والثورة فى الفكر ، والتنفيس عن صدورها بالتعبير غير المقيد . وفي هذا الجو خلقوا مدرسة لم يعرف مثلها الشرق العربى من قبل اشراقا ، وجدة ، وجمالا ، وحيوية روح وفكر وابداع .
هناك ، فى الجو نفسه الذي عاشت فيه الرابطة القلمية - مدرسة الادب المهجرى الاولى - فهم أبو شادى قصيدة الشابى الثائرة على الظلم ، أحسن وافضل مما فهمها من قبل ، حين كان يعيش فى مصر ؛ فلم يكن مفهوم الحرية فى مصر أنئذ مثله فى اميركا اليوم ، التى خرج اليها أبو شادى مهاجرا . الحرية افضل مما يفهمها القيد والكبت . فالانسان المقيد المكبوت يطمح اليها بكل قوته لانه لا يعرفها ، ولا يستطيع ان يمارسها . ولهذا تظل لديه لهفة روح ، وأمنية قلب ، وتطلع خيال .
ويمضى أبو شادى فى مقاله فيروى أبياتا من قصائد متعددة للشابى ، يصف فيها فنه الشعرى الجميل : الهادر فى ثورته ، والرقيق في عاطفته الذائبة ، والناعم المجنح فى خياله الوصفى . وينتهى الى قصيدة الشابى الشهيرة :
إذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
ولابد لليل ان ينجلى ولا بد للقيد ان ينكسر
ويختم أبو شادى مقاله بقوله : " ولم تزل قصائده - قصائد الشابى يعنى - الموجهة الى الشعب ترانيم سماوية خالدة ، وان سكن جثمانه القبر " .
فما الذي يجعل قصائد الشابى " ترانيم سماوية خالدة " وهو شاعر من شعراء عرب كثيرين كانوا يعيشون ، وينظمون الشعر ، فى تلك الفترة من عمر الزمن ؟ .
حقيقة يجب ان نعترف بها قبل الدخول الى هيكل الشعر عند ابى القاسم وهي ان ابا القاسم الشابى كان يعيش فى جيله التقليدى بروح تحررت من التقليد : كان شعره غير شعر جيله ، وكانت اللفظة الشعرية عنده غيرها عند جيله ، وكان أسلوبه غير اسلوب جيله ، وكانت عبارته الشعرية غير عبارة جيله . كان جيله جيل التقليد والعبودية للماضى : أحمد شوقى نفسه ، أمير الشعراء يومئذ ، والرئيس الاول لجماعة ابولو ، كان يلبس حينا ثياب المتنبى ، وحينا ثياب البحترى ، وحينا آخر ثياب ابن زيدون ، ومن مجموعة هذه الثياب والازياء تكون ثوبه وزيه . ومثله كان خليل مطران - الرئيس الثانى لجماعة ابلو - ومثلهما كان شعراء ذلك الجيل من شيوخ الشعر ، اما شعراء الشباب من جماعة ابولو ، من امثال ابراهيم ناجى ، وعلى محمود طه ، وخليل شيبوب ، وصديق شيبوب ، وحسن كامل الصيرفى ، وغيرهم ممن لطفت عباراتهم الشعرية ، ورهف خيالهم ، وساغت رومنتيتهم العاطفية ، فقد كانت عبارتهم هم ايضا غير عبارة الشابى ، وكانت روحهم غير روحه .
لقد كان الشابى ارقهم شعرا ، واعذبهم عبارة ، واشعرهم لفظة . كانت كآبته الشعرية غير كابتهم ، وكان تعبيره عن الحب غير تعبيرهم ، وكانت اللفظة الشعرية ، والعبارة الشعرية عنده غيرها عندهم .
أكان ذلك لاختلاف البيئة ، واختلاف الطبيعة بين تونس ومصر ؟ .
أم هل كان ذلك لاختلاف مفهوم التجديد عند المصريين وعند غيرهم ، كاختلاف مفهوم التجديد عند مدرسة الديوان ، ومدرسة ابولو - فى مصر - وعند مدرسة المهجر ، فى أميركا ؛ وهو اختلاف لا تقارب فيه على الاطلاق الا فى دعوة التجديد وحدها ، وهي دعوة لم تطبقها المدرستان المصريتان ولا عرفتا كيف تطبقانها وطبقتها مدرسة المهجر وحدها بكل قوة ، وبها وحدها تأثر أبو القاسم الشابى .
ربما كان فى الامر شئ من هذا ، ولكن تميز الشابى عن رفاق عصره من المقدين والمجددين على السواء كان حتما لسبب آخر ، مصدره الشخص الشاعر نفسه : روحه ، وطبيعته ، وشاعريته ، ومفهومه للشعر وللتجديد .
زملاؤه الذين ذكرناهم ، وغيرهم ممن لم نذكر ، كان لديهم شعر عاطفى ووصفى وخيالى جميل اشتهروا به ؛ واشتهر هو كذلك بشعر عاطفى ووصفى وخيالى ووطنى جميل ، ولكن عبارته وحسه كانا مختلفين : كانا من أخص خصوصياته المميزة . وعلى الرغم من انه توفى فى عمر الورود ، ولما يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره ، ولم يخلف غير ديوان واحد من الشعر ، فانه استطاع ان يبدع أروع الابداع ، ويغنى للحياة والشباب والحب بحنجرة أصفى من الفجر ، وأرحم من غناء البلابل فى الرياض الخضراء .
كانت الموهبة المبدعة أساس شاعرية الشابى ، ثم جاء المرض المتلاحق ليزيد من رهافة مشاعره . وكان لجمال الطبيعة من حوله أثر فى اغناء خياله بمعانى الجمال والشاعرية المترفة . وأضيف الى ذلك احساس الشاعر بالظلم المحيق بشعبه وبلده ، وتوقه الى ان يرى الحرية تتحقق لوطنه وقومه ؛ فجاء شعره اغاريد يمتلىء بها سمع الزمان ، وتتغنى بها الاجيال . جاء - كما يقول أبو شادى بحق - " ترانيم سماوية خالدة " .
لماذا يعيش شاعر ، ويخلد شعره على الزمن ، ويموت شعراء آخرون كثيرون ، اكثر منه نظما ، وأطول منه عمرا ، واكثر ثقافة ؟ .
لقد عاش مع الشابى شعراء آخرون في بلده تونس : نظموا شعرا كثيرا ولكنهم لم يسمع لهم صوت ، ولا عاش لهم ذكر . ومات الشابى طفلا فى عمره الزمنى ، فلم يمت معه شعره ، ولا استطاع الزمن ان يخمل ذكره ، أو يقلل من روعة قصائده وتوقد احساسه فيها .
لم يكن الشابى يعرف لغة اجنبية فنقول انه تأثر بشعراء الرومانتية فى فرنسا او فى بريطانيا . ومع ذلك فهو يشترك معهم في أمور كثيرة : فى ذوب العاطفة ، وفي رقة الشعر ، وفي الكآبة التى تسيطر على قصائد كثيرة من شعره . ولقد بينت في كلمتى في مهرجان الشابى عام 1966 ، اللقاءات الكثيرة بين الشابى والشاعر الرومنتى البريطانى وليم ووردزوورث ، فى حس الطفولة والامومة ، وفي شعر الطبيعة .
عير ان اكثر من يشبهه من شعراء الرومانتية الانكليز هو الشاعر جون كيتس ، لقد عاش مريضا مثله ، ومات صغير السن مثله ، وكان رقيق الشعر مفرط الحساسية ؛ تغلب على شعره الكآبة ، والتوق الى الاستمتاع بلذة الحب . وقد بينت في كتابى ( أدباء من الشرق والغرب ) وجوه شبه كثيرة بين الشاعرين ، فليرجع اليه من شاء فى طبعتيه : الاولى عام 1966 والثانية عام 1977 ؛ وكلتاهما فى منشورات عويدات فى بيروت .
ولكن الشابى ، اذا كان يجهل لغات الغرب ، فانه ، دون الكثيرين غيره من الشعراء العرب ، تأثر تأثرا مباشرا بشعراء المهجر الشمالى فى الرابطة القلمية : شعر جبران ، وميخائيل نعيمة ، وايليا أبى ماضى ، ونسيب عريضه خاصة . وكان هذا الشعر يهب نديا ، رقيقا ، عذبا ، وجديدا فى معانيه وفى عبارته واسلوبه . لقد جاء هذا الشعر المهجرى - والشابى نفسه يعترف بتأثره به - يتناسب مع طموح الشابى الى التجديد فى الشعر ، ومع ميله الى الرقة ، والعذوبة ، والصدق ، والصفاء في القصيد .
حب الشابى للطبيعة الى حد الاندماج فيها ، هو حب رومنتتى ، ولكنه كذلك حب شعراء الرابطة القلمية المندمج في الطبيعة ، وفي حياة الغاب ، البعيدة عن ضوضاء الحياة ، وعن مأسيها ، حيث ...
فى الصباح الجميل يشدو مع الطي ـــر ، ويمشى فى نشوة المتحسي
نافخا نايه ، حواليه تهتــــــ ــــــــــز ورود الربيع من كل قنس
وليس من شك في أن الشاعر المهجرى الذى ترك أثره اكثر من سواه فى شعر أبى القاسم ، كان جبران خليل جبران . ولكنه لم يكن تأثر تقليد واحتذاء ، فقد كان الشابى مبدعا من تلقاء ذاته ، ولكنه كان بحاجة الى من يدله على الطريق ؛ وقد دله عليه جبران بأصابعه ، فسار على الدرب بملء حريته واختياره ، فكان مبدعا مثل المهجريين ، ورفيق درب لهم : لم تستعبده اللغة كما استعبدت سواه من شعراء الشرق العربى ، والمغرب العربى ، ولا قيدته اساليب القدماء كما قيدتهم ، بل شق طريقه بقوة واندفاع ، لابسا ثوبه الخاص به لا ثياب سواه . فأنت تقرأ شعره فتحس بأنفاسه الحارة ، ولا يقع ملمسك منه على أثر أموى أو عباسى . لقد ترك الشابى الماضى للماضى ، لكى يعيش هو روح زمانه وعصره ، ويتنفس هواء يومه ، ويشارك فى خلق الادب الجديد والشعر الجديد ، والروح الجديدة فى أمته .
ومن أهم عناصر التجديد في شعر الشابى الروح التأملية ، التى تأثر فيها بشعر المهجر الشمالى . ولعل هذه الروح التأملية فى الشعر المهجرى كانت عنصرا جديدا مهما ادخله المهجريون في الشعر العربى الحديث . والتامل وحديث الطبيعة متقارنان فى شعر الشابى ، مثل تقارنهما فى شعر المهجر الشمالى . وكثيرا ما تكون النجوى واسطة العقد فى هذا الشعر التأملى فى الطبيعة والحياة . وها هو الشابي يناجى زنبقة السفح ، فى قصيدته ( الزنبقة الذابلة ) ، فيقول في شعر تاملى جميل كثيب :
ازنيبقة السفح ، ما لي اراك تساورك اللوعة القاسية ؟
افى قلبك الغض صوت اللهيب يرتل انشودة الهاوية ؟
الى ، فقد وحدت بيننا قساوة هذا الزمان الظلوم
فقد فجرت في هذي الكلوم كما فجرت فيك هذي الكلوم
وفي تأمله فى الحياة ، يقول فى قصيدته " فى ظل وادى الموت " :
نحن نمشى ، وحولنا هذه الاكوان تمشى ، لكن لأية غاية ؟
نحن نشدو مع العصافير للشمــــ ـــس ، وهذا الربيع ينفسخ نايه
نحن نتلو رواية الكون للمـــــ ـــــوت ، ولكن ماذا ختام الروايه ؟
هكذا قلت للرياح ، فقالت : سل ضمير الوجود كيف البداية ؛
ثم ماذا ؟ هذا انا صرت فى الدنيا بعيدا عن لهوها وغناها
فى ظلام الفناء ادفن ايامى ولا استطيع حتى بكاها
وزهور الحياة تهوى بصمت محزن مضجر على قدميا
جف سحر الحياة يا قلبي الدمى فهيا نجرب الموت ، هيا !
ليس من شك في أن داء القلب الذى رافق الاعوام الاخيرة من حياة الشابى ، وأرهقه بالالم والعذاب ، كان من أهم العوامل فى شاعرية الشابى . فلقد انضجها الالم واغناها ، ففاضت باجمل المعانى المجنحة . حياة الشباب كان يجب ان تمضى فى الحب واللهو والمرح ؟ ولكنها كانت لدى الشابى حرمانا من كل اولئك معا .
قلت في دراسة لى نشرتها فى القدس مجلة ( القافلة ) عام 1947 م :
" لقد كان الشابى عميق الشعور بالحياة ، ولكن الظروف القاسية المؤلمة التى أحاطت به قبل اكتمال النضج ، لونت ذلك الشعور العميق بريشة غمستها فى قلب الليل ، فأخرجتها تقطر بالكآبة الدامية . . . الالآم المبرحة التى كان يعانيها ، لونت احاسيسه بلون الكآبة ، فأرته الوجود شقاء فى شقاء ، وأرته نفسه غريبا عن الدنيا ، لان الناس لا يفهمون معانى روحه الكبيرة ؛ فنفث خلاصة ألمه فى زفرات من الشعر العبقرى الملتهب :
يا صميم الحياة كم انا فى الدنـيـــــ ـــــا يا غريب اشقى بغربة نفسى
بين قوم لا يفهمون اناشيد فؤادى ، ولا معانى بؤسى
فى وجود مكبل بقيود تائه فى ظلام شك ونحس
فاحتضني وضمني لك بالمـــــــ ـــاضى ، فهذا الوجود علة يأسى
(من قصيدة " الاشواق التائهة " )
فى هذه الفترة الاخيرة من حياته ، وفى فترة النضج العارم من آلامه ومن شاعريته - وقد نضجا وبلغا فورتهما معا - عرف أبو القاسم الشابى طريقه الى مجلة ( أبولو ) فى مصر . كان ذلك عام 1933 وعام 1934 ، وهما آخر أعوام حياته مثلما هما العامان الوحيدان فى حياة أبولو . وعن طريق أبولو برز الشابى شاعرا جميل الشعر ، جديد الصياغة ، ساحر النغم ، على الرغم من سيطرة الكآبة والتشاؤم على شعره . وعن طريق ابولو عرف المشرق العربى ، وعرف العالم العربى كله شاعر تونس الاعظم ، وعرف شعره النابض بكل معانى الجدة والحيوية ، وبالصدق والجمال ، وفورة العاطفة ، وانطلاق الخيال ، وصفاء العبارة . وعلى الرغم من صغر سنه ، فقد وقف فى مجال الشعر عظيما بين عظمائه المبدعين . وقليلون جدا هم الشعراء الذين بلغوا منتهى النضوج الشعرى فى ميعة الصبا .
لقد كان الشابى يعيش الالآلام الجسدية والنفسية في شعره ، ويعيش معها حياة شعبه الخاضع لنير الغريب ، والطامح الى الحرية ؛ فكان شاعر الشعب ، مثلما كان شاعر الالم والحب .
وليست أشير الى قصيدته التى اصبحت نشيدا وطنيا ، والتى يقول فيها :
إذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
فقد أصبحت هذه الفصيدة من اوسع قصائد الشعر العربى الحديث انتشارا في المغرب والمشرق على السواء . ولكن الشابى كان مع الشعب فعلا في الكثير من شعره ، وكان عونا له على الظلم والظالمين ، وعلى الطغيان والطغاة . ولكنه فى الوقت نفسه كان يريد من الشعب ان يتحرك فعلا ، وان يرمى عنه التخاذل والضعف . كان يريده شعبا طموحا الى الحرية والى الحياة ، والى العزة . وفي بعض الاحيان يثور الشابى اذ يرى نفسه ينفخ في رماد ، فيقول فى قصيدته " النبى المجهول " .
ايها الشعب ! ليتني كنت حطـــــ ـــــابا فأهوى على الجذوع بفاسى
ليتني كنت كالسيول ، إذا ســــ ــــالت تهد القبور رمسا برمس
ليت لى قوة العواصف يا شعـــــــ ـــــبي ، فالقى اليك قوة نفسى
ليت لى قوة الاعاصير ، لكن انت حى تقضى الحياة برمس ؟
ثم يعبر عن يأسه من أن ينهض الشعب ويطلب الحياة بنفسه بقوة واباء ، فيحاول ان يعبر عن يأسه هذا بالانصراف الى الغاب ، ليعيش بعيدا وحيدا ، لا يسمع آلام الشعب ، ولا يحس بهوانه :
اننى ذاهب الى الغاب يا شعـــ ـــــبي ، لأقضى الحياة وحدى بيأس
سوف اتلو على الطيور اناشيـــــــ ــــــدى ، وافضى لها بأشواق نفسى
فهي تدرى معنى الحياة ، وتدرى ان مجد النفوس يقظة حس :
ولكن الشاعر ، ابن الوطن ، مهما ثار على هوان شعبه ووطنه ، فهو له أولا وآخرا . وهكذا يقول الشابى فى قصيدته " تونس الجميلة " :
انا يا تونس الجميلة فى لج الهوى قد سبحت أي سباحه
شرعتى حبك العميق ، وانى قد تذوقت مره وقراحه
لا أبالى وان اريقت دمائي ، فدماء العشاق دوما مباحه
ضيع الدهر مجد شعبى ، ولكن سترد الحياة يوما وشاحه
انه يعرف أن سبب شقاء الشعب وهوانه هو الغريب الجاثم على صدره ، ولهذا يخاطب الطغاة في قصيدته " الى الطاغية " فيقول :
لك الويل يا صرح المظالم في غد اذا نهض المستضعفون وصمموا
إذا حطم المستعبدون قيودهم وصبوا حميم السخط ايان تعلم
اغرك ان الشعب مغض على قذى وان الفضاء الرحب وسنان مظلم ؟
هو الحق يغفى ثم ينهض ساخطا فيهدم ما شاد الظلام ويحطم !
هذه القصيدة هي من بواكير شعر الشابى ، الشعر الذي قاله فى أعوام العشرينات من هذا القرن ، والشابى بعد يتلمس طريقه الجديدة ، ولما يبلغ الثامنه عشرة من عمره ، ولهذا نلاحظ ان عباراته لا تزال تقليدية ، ولا امر للروح الجديدة فيها . ولكننا نلمس الشعر الجديد ، والروح الجديدة لدى الشابى فى أوائل الثلاثينات من هذا القرن ، وقد تخطى الشاعر العشرين من عمره ، او على الاصح فى الاعوام الثلاثة الاخيرة من عمره ، وهي أعوام المرض والالآلام المتتابعة . هناك فقط نضج شعره على جمر الالم ، وظهرت روح التجديد العارمة لديه . وقصيدة " النبى المجهول " هي من أوائل قصائد هذه الفترة التجديدية ، فقد كانت مما نظمه عام 1930 ، ولذلك تظهر فيها بواكير الشعر الجديد عنده .
فى هذه الفترة الجديدة فترة النضج الشعرى الجديد ، نقرأ قصائده التالية : ( نشيد الجبار - السعادة - الاشواق التائهة - الى طغاة العالم - الجنة الضائعة - الابد الصغير - فى ظل وادى الموت - الصباح الجديد- الحانى السكرى - صوت من السماء - ارادة الحياة ) وغيرها من الروائع .
هذه القصائد الروائع قرأناها أول ما قرأناها فى مجلة أبولو ، في عامى 1933 ، و 1934 ، وان كانت تواريخ بعضها فى ديوان الشابى ( أغانى الحياة ) ، الذي صدر عن الدار التونسية للنشر عام 1966 ، متقدمة قليلا . وانا أود يرجع الراغبون الى التواريخ التى دونها احمد زكى أبوشادى فى مقاله فى مجلة ( القلم الجديد ) ، فلقد دون لكل قصيدة منها تاريخ نشرها فى أبولو ، والعدد الذي ظهرت فيه .
وبعد ،
فان شعر الشابى فيه مشابه غريبة جدا لاشياء أخرى ، من المؤكد ان ابا القاسم لم يطلع عليها ، ولا علم له بها . فعدا التشابه الكثير بين بعض قصائده والكثير من قصائد شعراء الرومنتية الغربيين ، من امثال ووردزوورث وكيتس الانكليزيين ، والفريد دى موسييه الفرنسى ، تحدثت فى دراستى القديمة المنشورة في مجلة ( القافلة ) المقدسية عام 1947 ، عن لقاء غريب بين سينية الشابى " النبى المجهول " ، وترنيمة دينية مسيحية ، يخاطب فيها السيد المسيح شعبه متألما ومعاتبا ، كما يخاطب الشابى شعبه متألما ومعاتبا .
الشابي يحاول ، فى عتابه هذا ، ان يرفع الشعب الى عوالم النور والحرية والمجد ، ولكن الشعب يقابل حبه وتضحيته بغير ما يستحقان . والمسيح ، فى الترنيمة الدينية ، يعاتب شعبه لانه تخلى عنه ، رغم الحب الذي بذله له المسيح ، ولم يقابل حبه بحب مثله .
يقول الشابى :
فى صباح الحياة ضمخت اكــــ ـــوابى ، واترعتها بخمرة حسى
ثم قدمتها اليك ، فاهرقــــــ ـــــت رحيقى ودست يا شعب كأسى
فتألمت ، ثم أسكت آلامـــــ ـــــى وكفكفت من شعورى وحسى
ثم نضدت من ازاهير قلبى باقة لم يمسها اى انس
ثم قدمتها اليك ، فمزقـــــــــــــت ورودى ، ودسستها اى دوس
ثم البستنى من الحزن ثوبا وبشوك الصخور توجت رأسى
وبمثل هذا العتاب الحزين نفسه يخاطب السيد المسيح شعبه فى الترنيمة ، فيقول :
" يا شعبى : ماذا صنعت بك ؟ وبم احزنتك ؟ اجبنى .. !
انا غرستك لي انضر كرمة ، وانت تحولت لى اشد مرارة ،
فسقيتني خلا ، وفتحت جنب مخلصك بالحرية !
انا قنك بالمن فى البرية ، وانت أشعبتنى لطما وجلدا !
أنا انلتك الصولحان والملك ، وانت كللت رأسى باكليل من الشوك" !
اننى على ملء الثقة من ان الشابى لم يعرف قط هذه الترنيمة الدينية التى يرتلها المسيحيون في اسبوع الالآم ، الذي يسبق عيد الفصح ، ولا حدثه احد عنها . ولكن ليس من الممكن ان يمر المرء بابيات الشابى التى اوردتها ، ولا يجد فيها تواردا عجيبا في صيغة القصيدة والترنيمه ، وفى العتاب الحزين المؤثر الذي يخاطب به المسيح والشاعر شعبيهما .
وقديما قال المتنبى : " قد يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر " . وخواطر الانسان تتشابه دون ان يكون اصحابها قريبين فى المكان او فى الزمان .
وبعد ،
فلعل اصدق ما تصور به شاعرنا الشابى ، هو قوله عن نفسه :
انى انا الناى الذى لا تنتهى نغماته ما دام في الاحياء
وحقا لم تنته نغمات الشابى حتى نثر الموت حبات عمره القصير . حتى بعد ان انتهى ، وانتهت حياته على الارض ، ظل صدى انغامه الكئيبات العذاب يتردد في سمع الزمن ، ويرن رنينا حلوا في كل قلب . فلقد كانت انغامه غنية بالشاعرية الملهمة .
