الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مع أبي نواس في جنة المصطنعة

Share

أبو نواس ! ذلك الشاعر الملعون ! كم يضرم حقدي عليه حين اقرأ له بعض القصائد وكم أعجب به حين أطالع البعض الآخر ! أحقد عليه لأنه يأخذ أحياناً في ذم العرب متأثراً بشعوبيته التي تجاوزها التاريخ وأرحل عبر روائع خلقه حين أتخلى عن واجب الرد ، ومع ذلك فإنى سأصفح عن هذا الشاعر المغرور وسأحاول جمع شتات جماليات الشفافة .

جماليات أبي نواس كامنة هنا وهناك في خمرياته . سنتخذ لمحاصرتها مجموعة أشعاره التي جاءت تحت عنوان : " ديوان أبى نواس الحسن بن هانئ " (1) وقد احتوى هذا الديوان على 300 قصيدة وقطعة شعرية في باب الخمريات (2).

1 - الإطار المكاني والزماني :

لا شك أن العنصر الأساسي الذي يفكر فيه أبو نواس لنيل حاجته من الخمرة والرحيل عبر أجوائها اللذيذة الممتعة يتمثل في " المكان" ، وسنجد أبا نواس يحرص على اختياره وتوجيه جلاسه إليه . يأخذ المكان في الخمريات عدة أشكال وأطر ، ولعل ابرزها " الخمارة " فيذكر أبو نواس " بيت الخمار " و "خمارة البلد " و " ظلة خمار" يقول الشاعر:

وليلة دجن قد سريت بفتية

تنازعها نحو المدام قلوب

إلى بيت خمار ، ودون محله

قصور منيفات لنا ودروب

( الديوان ص : 110 )

ويتضح كما يشير البيت الثاني وجود " الخمارة " في أقصى بعض الأحياء الأرستقراطية . ويقول في مقام آخر : " عجت أسأل عن خمارة البلد" : (ص 46) مما يدل على أن هناك حانات عمومية أيضاً . ويشير في موضع آخر إلى توفر الظلال في بعضها فيقول :

الشرب في ظلة خمار

عندي من اللذات يا جاري

( الديوان ص : 54 )

وقد يكون ميدان تذوق الخمرة البساتين والرياض ولعلها الغالبة كما في الديوان ، ويكتفي الشاعر أحياناً بذكر " بستان " ، ويذهب حينا آخر إلى مزيد التفصيل والوصف ، يقول مثلاً متحدثاً عن الخمرة :

ونحن بين بساتين ، فتنفحنا

ريح البنفسج ، لا نشر الخزاماء

(الديوان ص : 701 )

وقد يسمى صاحب البستان فيقول :

يا حبذا مجلس قد كان يجمعنا

بطبرنا باذ في بستان عمار

( الديوان ص : 145 )

ويطالب أبو نواس بإتخاذ البستان مرتعاً للهو والخمرة ، يقول :

وأجعل البستان بيتاً

وأجعل القرية داراً

(الديوان ص : 112 )

ويتخذ أبو نواس البستان أرضية أساسية لجو القصف والمجون فيقول :

أربعة يحابها قلب وروح ، وبدن

الماء والبستان والخمرة ، والوجه الحسن

( الديوان ص :  51 )

وبجانب البساتين يتعلق أبو نواس بالحدائق والرياض ويطنب في مزيد التفاصيل ، يقول مثلاً عن روضة :

واطردت عيناك في روضة

تضحك عن خضر وعن صفر

على خزاماها ، وحوذانها

ومشكل من حلل الزهر

في مسرح ترتع أكنافه

شوادن من بقر زهر

( الديوان ص : 82 )

ويتجلى من خلال هذا الوصف تأكيد أبى نواس على عنصر اللون خاصة . وقد ينساق الشاعر في تعداد محاسن الروضة إلى درجة تخليه أو يكاد عن محنته ، يقول :

ألا فاسقني مسكية العرف ، مزة

على نرجس ، تعطيك أنفاسه الخمر

عيون إذا عاينتها فكأنما

دموع الندى من فوق أجفانها در

مناصبها بيض ، وأجفانها خضر

وأحداقها صفر ، وأنفاسها عطر

بروضة بستان كأن نباتها

تقنع وشياً حين باكرها القطر

(الديوان ص : 145 )

ويزيد أبو نواس تفصيلاً لأنواع الزهور خاصة في إطار الرياض الجميلة فيذكر " الشقائق المونقات " و " النور العميم " و " الأقاحي " ( ص 187 )؛ وقد نبحر مع أبى نواس في إطار مؤنق مع مرور مطر خفيف على الرياض في موسم الربيع وإنغماس الكل في بهرة من النور ، يقول:

في رياض ربعية ، بكر النوء

عليها بمستهل الغمام

فتوشت بكل نور أنيق

من فرادى نباته ، وتؤام

فترى الشرب كالأهلة فيها

يتحسون خسروي المدام

( الديوان ص : 69 )

وقد تكون هذه الرياض فارسية محضا فيطلق أبو نواس العنان لنزعته الشعوبية فيفضل نبات الفرس على حشائش العرب ، يقول :

أرض تبني بها كسرى دساكره

فما بها من بني الرعناء إنسان

وما بها من هشيم العرب عرفجة

ولا بها من غذاء العرب خطبان

لكن بها جلنار قد تفرعه

آس ، وكله ورد وسوسان

( الديوان ص : 127 )

ويذكر الشاعر أحياناً بعض أنواع الحيوان الراتعة في الرياض والبساتين ، من ذلك قوله :

خلالها شجر فى فيئة نقد

لا يرهب الذئب فيها الكبش والحمل

( الديوان ص : 699 )

ويستعمل أبو نواس كذلك عبارة " مجلس " للدلالة على عصابة المجون والقصف ، يقول :

ومل إلى مجلس على شرف

بالكرخ بين الحديق ، معتمد

ممدهد صفقت نمارقه

في ظل كرم مفرش خضد

( الديوان ص : 172 )

ويتضح من خلال هذه الوحدة تفضيل المجالس بين البساتين وتهيأ لذلك الوسائد والأفرشة الخاصة ، وقد يكتفى أبو نواس بإستعمال عبارة " المجالس" دون تفصيل ( ص 129،54،203،145 ) ويركز أبو نواس أحياناً في وصفه لهذه المجالس على الطيور المتنوعة ، يقول مثلاً :

في مجلس مشرف على شجر

يضحك تفاحه إلى الخير

وطائر واقع على فنن

تسعده ضجة العصافير

( الديوان ص : 146 )

ويتخذ أحياناً المجلس شكل الحلبة ، فكأن الموقف موقف صراع ومشادة : يقول :

أقمنا حلبة اللهو

فأجرينا بها الكاسا

( الديوان ص : 217 )

وبحانب الحانات والبساتين والمجالس تتخذ البيوت كذلك مرتعاً للإنتقام من الزمان ، وقد يخصصها لنساء مسيحيات ، يقول مثلاً :

في بيت كافرة ، بالخمر تاجرة

شمطاء ، شاطرة ، تعتز بالوالي

(الديوان ص : 680 )

وقد يفضل الشاعر بعضها عن البعض الآخر ، يقول في ذلك:

أحسن من منزل بذي قار

منزل خمارة بالأنبار

(الديوان ص : 160 )

ولعل الاستعمال " منزل " قبل " خمارة " يدل على رغبة التستر أو الخروج عن دائرة الرقابة القانونية .

وتوجد " الحوانيت " كذلك ميدان أنس وإبحار في دنيا النشوة العارمة : يقول النواسي مثلاً :

قالت : كذبت على طيفي ! فقلت لها :

إذن فعاديت يا مكنون خماراً

ولا نقلت إلى حانوته قدما

ولا نبذت إليه النقد فاختارا

( الديوان ص : 173 )

ويرسل الزق للحانوت أحياناً قصد ملئه ، ويجور أبو نواس حتى في هذا المقام على غيره أيضاً ، يقول :

وقد يعدو إلى الحانوت زقي

فيأخذ عفوه قبل الزقاق

(الديوان ص :56 )

ونلاحظ أحياناً إتخاذ " المجالس أيام شدة الهاجرة ، يقول أبو نواس

وخيمة ناطور برأس منيفة

تهم يدا من رامها بزليل

إذا عارضتها الشمس فاءت ظلالها

وإن واجهتها آذنت بدخول

حططنا بها الأثقال فل هجيرة

عبورية تذكى بغير فتيل

ويقيم النواسي مآدب رثاء الحياة في أديرة الرهبان ، ويفضل عليها البساتين ، يقول :

دع البساتين من ورد وتفاح

وأعدل - هديت إلى ذات الأكيراح

ويقصد ب " الأكيراح " بيوتاً صغيرة يسكنها القساوسة ، ويشيد أبو نواس بأحد هذه الأديرة قائلاً:

بدير بهراذان لي مجلس

وملعب وسط بساتينه

رحت إليه ومعي فتية

نزوره يوم شعانينه

( الديوان ص : 83 )

وقد تكون شواطئ الأنهار المكان المبجل هروباً من سجن الجدران وفناء في جمال الطبيعة الخالص ، يقول الشاعر:

وأقصد إلى شط الفرات ، وعاطني

قبل الصباح ، وعاص كل مفند

( الديوان ص : 168 )

ويعدد هذه الأمكنة المفضلة وذلك في البيت التالي :

مسارحها الغربي من نهر صرصر

فقطربل ، فالصالحية ، فالعقر

( الديوان ص : 102 )

ومع كل هذه الأمكنة المتعددة يظل " حي الكرخ " ببغداد بحاناته وملاهيه ذوات الأصناف المتنوعة دنيا النواسي المتلهف للإنعتاق من دورة الحياة المغلقة . وهكذا يتبين أن الشاعر يحرص على اختيار منطقة الإنعتاق ، ولا يبقى المكان معلقاً دون زمان معين ، فالزمان له قيمته أيضاً بجانب المكان وقد انعكست هذه الظاهرة في الخمريات في بروز زمن " الليل " حين تتدرج الأشياء نحو الهدوء ، وحين يرخى الظلام سدوله على الكون فلا رقيب و حاسد ولا جاسوس على الشاعر.

يبدو " الليل" إذن ، زمن النواسي المفضل ، فهو يلغي تواجد العوالم المشوشة من حوله ويحصر بقعة معينة هى حلبة القصف واللذة . وقد يختار أبو نواس جزءاً من غطاء الليل الكثيف ليلتف به ، من ذلك فترة إشتداد الظلمة ، ويستعير الشاعر لذلك عدة إستعمالات لغوية مثل: " الليل داج " ( ص 58 ) و " الليل معتكر " ( ص 154،102 ) و " والدجون" : ( ص 197 ) و " غلس الدجنة " ( ص 697 ) وكذلك " الليل مسود " ( ص 77 ) و " الليل ملق سدوله ( ص 25 ) و " أفق من الليل مظلم" ( ص 45 ) أو " جون الليل مثل الطيلسان " ( ص 888 ) . . ولكن رحلة النواسي مع الزمن على بساط المكان تبدأ حقا آخر الليل أو في مرحلة إحتضار الليل وإطلالات الصباح الباكر ، ونجد النواسي يستعمل عبارات عديدة مثل: ( لاح من ثوب الظلام غيوب . . " ( ص 111) أو " مضي . . ظلام الدجى . ."

(ص 703)" الليل يجلوه الصباح " ( ص 174 ) " سحراً . . " ( ص 48 ) " غلس الدجنة " ( ص 697 ) " هذا قناع الليل محشور " ( ص 14 ) . .  ونلاحظ إستعمالاً طريفاً لأبي نواس فى قوله : " توفي الليل جنحاً من الدجي . ." (ص 16 ) فصاغ أبو نواس نهاية الليل بنهاية عمر إنسان ؛ ونجد كذلك صوراً معبرة عن إحتضار الليل مثل قوله : " هم قميص الليل أن  يتمزقا " ( ص 93 ) أو قوله : " مضي ليل وأخلفت النجوم . . " (ص 158 ) . . ويبحر أبو نواس كذلك في النهار وبذلك يضع حداً لحدودية الزمان فيتساوى الليل والنهار عنده ويثبت هكذا عكوفه على الموت البطئ ؛ ونلاحظ في هذا السياق إستعمالات لغوية عديدة مثل : " هم وجه الصبح أن يضحك الدجي " ( ص 93 ) ويصيح أبو نواس في مقام آخر : " يا أخوتي ذا الصباح ! فأصطبحوا ! " ( ص 44 ) . . ويعجب أبو نواس بلحظة نهايات الفجر فيقول : " الصبح قد أسفر في أوجه . . "  ( ص 266 ) و"لاح  إشراق الصباح " ( ص 685 ( . . وتستوقفنا هذه اللوحة الجميلة : " رأيت الصبح من خلل الديار " ( ص 77 ) أو " على الصبح من الليل إزار "  (ص 156) أو قوله : " هجم الصباح علي . . " ( ص 93 ) " لاح ضوء الشمس . (ص 704 ) . . ويتجلى من خلال هذه التعابير إهتمام أبى نواس بعنصر " النور " ؛ فالنور عنده إلتقاء في الجودة والروعة مع الخمرة ؛ ولعل النواسي يخشى الظلمة لذلك يقابلها دوماً بضرب من الضياء الإصطناعى أو الطبيعى ؛ وهو إنفلات أيضاً من التحنيط المكاني والزماني. وقد يتحدى أبو نواس قساوة الطبيعة وحصار الزمن اللعين فيعلن عكوفه على الخمرة زمن إشتداد " الهاجرة " ، وهو زمن عهدناه عند شعراء الفتوة في الجاهلية خاصة ، يقول عن الخمرة :

توضعني درها ، وتلحفني

بظلها ، والهجير يلتهب

(الديوان ص : 4 )

ويقول أيضاً :

حططننا بها الأثقال فل هجيرة

عبورية تذكى بغير فتيل

(الديوان ص : 16 )

ويظل هذا الزمن مع ذلك نادر الإختيار عند أبى نواس

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية