يعتبر ابن خلدون فى مقدمته بحق امام المؤرخين ذلك لانه اول مؤرخ فى الدنيا طرق مبادئ علم الاجتماع وجعله اساسا ثابتا لعلم التاريخ.. وقد بسط ابن خلدون فى تضاعيف مقدمته القول سلسبيلا منسجما واضحا فى سائر العلوم ، محللا اياها موضحا صحيحها وزائفها بحسب ما اوصله اياه علمه وتجاربه ، ومقومات تفكيره ، وفى مقدمة ذلك علم التاريخ فقد بسط فيه القول ، واماط اللثام عما فيه من مغالط كبرى وصغرى.
معللا اياها بما فتح الله عليه . . ونادى فى طليعة المنادي بضرورة قيد فن التاريخ بعجلة المنطق السليم . وقد استعرض بعض الشواهد التى ارتكب فيها المؤرخون القدامى اغلاطا فاضحة شوهت جبين علم التاريخ ، وجعلته أسير فى وديان الخرافة ، منه في باب العلوم الموثوق بها . .
وكنت ابان الدراسة قد اقتنيت نسخة قديمة من هذه " المقدمة " امتثالا لتوجيهات شيخنا المبرور العلامة الشيخ محمد الطيب الانصارى رحمه الله . وطالعتها بامعان . على قدر امكانياتى اذ ذاك . وادركت منها اشياء . وغابت عني اشياء . . ثم افتقدت منى النسخة بطريقة الاعارة الممقوته الى غير رجعة . ولم يهيا لى اقتناؤها فيما بعد . لا لشئ موجب .
الا كثرة الشواغل فى اعمال الوظائف التى مارستها طيلة هذه المدة ، ثم عن لى اخيرا ان اكتب بحثا مقارنا حول الوزارات والدواوين والمناصب فى العدد الخاص بمجلس الوزراء السعودى الاول ، من مجلة " المنهل " فتذكرت ان من مراجع البحث مقدمة ابن خلدون وكذلك هرعت الى سوق الوراقين بباب السلام ابحث عن المقدمة ، وقد اقتنيها بعدئذ . وبدأت اعيد مطالعتها فيما يتعلق بالبحث الخاص . . . فلما استوفيت لازمه ، عن لى ان اكمل مطالعتها من جديد ، فلما اكملت المطالعة طرأ لى ان ادون للقراء هذا البحث المتسلسل عن المقدمة تقريظا وتحليلا ونقدا ، لعل في ذلك بعض الذكرى والتوجيه الى دراسة هذا الكنز المذخور .
علم التاريخ والعقل
بعد ان عرف لنا ابن خلدون علم التاريخ تعريفا جامعا مانعا نبهنا إلى ان هذا العلم الواسع الارجاء والمسارب لابد لمن يزاوله من وجود مصادر عدة ولابد له من ان يكون واسع الثقافة حتى يقارن ما يدرس ويتنكب المغالط والزلل ، وليس من العلم فى شىء اعتماد كاتب التاريخ على مجرد النقل بدون تمحيص او نقد او مقارنة ، باحوال البيئة التى يسميها ابن خلدون اصول العادة وقواعد السياسة
وطبيعة العمران والاحوال فى الاجتماع الانساني .
وبذلك قرر ابن خلدون مبادئ فن التاريخ الصحيحة التى تعتمد على الفحص والاستنتاج ، اضافة إلى المنقول ، حتى تجيء النتائج سوية مطابقة للواقع او قريبة من مطابقته على اقل تعبير .
وتدعيما لنظريته القائلة بان مجرد النقل لا يكفى ، فى بحوث التاريخ ساق لنا عدة امثلة من المغالط التى وقع فيها المؤرخون القدماء . . ونقدها نقدا يرتفع آنا إلى الذرى ، وينخفض انا الى الحضيض نتيجة تأثير العاطفة الخاصة نحو بعض تلك الاحداث بفكر مؤرخنا الكبير . .
شواهد المغالط التاريخية
والمغالط التاريخية التى عرضها علينا ابن خلدون ، والتي ينتقد وقوع المؤرخين فى مهاويها بسبب اعتمادهم على مجرد النقل من دون العرض على ميزان المنطق السليم ، هي وافرة وعديدة ومن الممكن تلخيصها للقراء فيما يلى :
أولا - عدد جيوش بني اسرائيل التى كان موسى عليه اسلام على رأسها قالوا انها كانت تربوعلي نصف مليون والصحيح الذي يطابق الواقع ودراسة بيئة الاسرائيليين اذ ذاك تجعل عدد هذه الجيوش لا يتجاوز اثنى عشر ألفا فقط بأية حال . . اعتمادا على دراسة بينتهم ومجتمعهم ومقارنته باصح النقول .
ثانيا - غزو التابعة ملوك اليمن لانحاء العالم ، واحتلالهم للمغرب الاقصى وفارس والهند وافريقية وبلاد الروم . . هذا ما نقله المؤرخون وهو امر لا يتفق ودراسة احوال بيئة التبابعة وشئون مجتمعهم . . انهم ملوك طوائف محصورون فى جنوب شبه جزيرة العرب . . ولا يمكن لهم ان يخترقوا سياج الدول التى تحول بينهم وبين الاراضى المزعوم انهم افتتحوها بدون قتال ولم يسمع انهم دخلوا مع هؤلاء في عراك ، ثم انهم ليس لهم من العدد والمدد والبأس ، والقوة ما يؤهلهم للفتوح المزعومة فى ارجاء الدنيا . .
ثالثا - اسباب نكبة البرامكة . . يروى المؤرخون انها كانت بسبب قصة علاقة جعفر بن يحيى البرمكى بالعباسة اخت هارون الرشيد ، ولا صحة لذلك ، نظرا لان بيئة العباسة تتسامى عن ان تكون لها علاقة من هذا القبيل باحد مواليها . . واذن فالصحيح ان سبب نكبتهم هو استئثارهم بشئون الدولة دون الخليفة حتى خشى على نفسه منهم . . فنكبهم لذلك لا لغيره . .
رابعا - يحيى بن اكتم القاضي المشهور ليس بصحيح ما زعمه رواة التاريخ عن ضعف دينه . . وانه لقوى الدين متين اليقين ، بدليل دراسة احوال بيئته .
خامسا - العبيديون ، نقل المؤرخون انهم ليسوا اشرافا من السلالة النبوية
اعتمادا على دعاية العباسيين خصومهم السياسيين ، وقد نقلوا هذا القول بدون تمحيص . . والتمحيص يكشف عن ثبوت نسبتهم وصحتها الى سلالة الرسول عليه السلام.
سادسا - ادريس الاكبر ، هل هو والد ادريس الاصغر ؟ أم غيره ؟ ان المؤرخين تناقلوا نفى نسبة ادريس الاصغر الى ادريس الاكبر ، ملك المغرب الاقصى ، بدون عرض ذلك على المنطق القويم ذلك ان هذا المنطق يدل على انتساب الولد لابيه بكل الاحوال وما تطرق القول بغير ذلك الى المؤرخين الا نتيجة لدسائس العباسيين خصوم هؤلاء الا دراسة السياسيين.
عود على بدء
فاذا استعرضنا " نقد " ابن خلدون لتلك المغالط ، نجد الاساس صحيحا متينا ، ولكن التطبيق العلمي عراه بعض الخلل ، فان مؤرخنا الكبير . .
فى بعض الحوادث التى انتقدها على المؤرخين كموضوع العباسة ، وموضوع التبابعة ، وموضوع العبيديين ، لم يأت بالقول الفصل ، وان كنا نوافقه على ان اسباب نكبة البرامكة لا تؤول الى قصة العباسة وعلاقتها بجعفر بن يحيى البرمكى ، بقدر ما تعود الى استبداد هؤلاء بشئون الدولة والصولة دون الرشيد الابى الطموح فاحتقنها فى نفسه عليهم حتى نكبهم اما قصة نسبة العبيديين الى البيت النبوى فاننا نرى شيخنا ينجر إلى تقريرها ، محتجنا المقدمات التى قررها ، ولكنها لاتكاد تثبت على محك
الفحص والتنقيب ، انها عاطفية ايضا على ما يبدو اكثر مما هى علمية ودقيقة
فاذا عدنا إلى التبايعة الذين ينتقد استاذنا العلامة فتوحهم للمشرق والموصل والهند وفارس وبلاد الروم وافريقية الشمالية وبلاد المغرب الاقصى محتجا على ذلك باحوال بيئتهم وبمحيطهم المحجوز بين الدول العظمى من فارس والروم وغير فارس والروم وانهم ليس بامكانهم والحالة ما ذكر اختراق الستار الحديدى المضروب حولهم من كل صوب وحدب ، الى الاراضى التى زعم المؤرخون لهم افتتاحها . . اذا عدنا الى ذلك وحللناه على مشرحة البحث وآراء ابن خلدون واقواله فيما بعد ، فاننا ليؤسفنا ان نجد شيخنا قد نسى ما سبق ان قرره عن هذا الموضوع ، فها هو يجارى المؤرخين الذين قالوا بفتح التبابعة لكل تلك الاقطار . . بدون استثناء أو اشتراط . .
يقول ابن خلدون فى مقدمته : " واعتبر ذلك بجوائز ابن ذى يزن ، لوفد قريش ، كيف اعطاهم من ارطال الذهب والفضة والاعبد والوصائف عشرا عشرا ، ومن كرش العنبر واحدة ، واضعف ذلك بعشرة امثاله لعبد المطلب . . وانما ملكه يومئذ قرارة اليمن خاصة ، تحت استبداد فارس وانما حمله على ذلك همة نفسه . بما كان لقومه التبايعة من الملك في الارض والغلب على الامم فى العراقين والهند والمغرب"
( للبحث صلة )

