اتفق الباحثون على نعت ابن خلدون بصفه العبقرية فى علمين مبتكرين عنده هما فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع ، وقالوا فيهما وأطالوا . وما انتبه الى طرافة مذهبه التربوى الا قليل . ومنذ سنى الدراسة العليا كنت حريصا على اقتفاء أثر النصوص التربوية القديمة فى تراثنا العربى الاسلامى أستمد منها العزم على مواصلة السير فى طلب العلم ثم قوى عزمي على جمعها وفحصها آنذاك اشتغالى باعداد دراسة جامعية حول " الرسالة المفصلة لاحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين " لأبى الحسن القابسي القيروانى المتوفى سنة 403 ه . - 1012 م .
وحفزنى أيضا الى مزيد الاشتغال بهذا النوع من النصوص دروس فى المناهج التربوية كنت أتلقاها وزملائى حديثى العهد بالتدريس فى نطاق التربص النظرى عندما أحدث لأول مرة فى التعليم الثانوى . وكانت الغاية تلقين الاساتذة المبتدئين مبادئ تربوية استنادا الى مذاهب أعلام المربين الأجانب منذ القرن السادس عشر حتى عصرنا الحاضر . غير أنى لم أتبين أصالتى فى مناهجهم على ما فيها من طرافة وإنسانية ومعاصرة لانها متصلة بلغة غير لغتنا وبأجواء ثقافية واجتماعية غير اجوائنا . وأذكر أني حدثت مرة استاذنا الفرنسي عن وجود مؤلفات تربوية اسلامية قيمة مثل " رسالة اداب المعلمين " لمحمد بن سحنون وفصول فى التربية من " أيها الولد للغزالى ومن رسائل إخوان الصفاء ومن مقدمة ابن خلدون . واذ كان اسم هذا العلامة يجد صدى فى نفس الاستاذ الفرنسي فانه طلب مني عرض الآراء التربوية الواردة فى المقدمة فأنجزت بحثا بعنوان " صفة العبقرية فى منهج ابن خلدون التربوى " وألقيته فى نصه الفرنسى على زملائى ثم ظهر فى " النشرة التربوية " ) عدد - مارس 1963 ( . وها أني أسترجع نفس الموضوع بالعربية دون أن يكون نقلا للمقال الأول
- ما هو الدافع لاشتغال ابن خلدون بالمسائل التربوية ؟
يكتشف الباحث في مقدمة ابن خلدون فصولا طريفة متضمنة آراءه في
التربية والتعليم ويجدها فى القسم الرابع من الكتاب أعني قسم العلوم فينكشف للدارس أن اشتغال ابن خلدون بالمناهج التربوية داخل ضمن اشتغال بعلمه المبتكر المسمى عمرانا بشريا أو علم الاجتماع فى الاصطلاح العصرى . وهو عند ابن خلدون علم يبحث فى شؤون البشر من حيث الملك والكسب والصنائع والعلوم
يعتقد ابن خلدون أن دوام العمران وازدهاره متوقفان على امتداد السند الصحيح فى سياسة الدولة وفي اقتصاد البلاد . وعليهما يقيس حالة التعليم فيراه مفتقرا هو أيضا الى السند وبمعنى أوضح فان التعليم لا يستقيم فى القطر الا اذا استند الى سنة تربوية أصيلة سالمة من كل هجنة . ولقائل أو يقول : كيف أضاءت شعلة ذكاء ابن خلدون فجأة فى ديجور عصر انحدار ثقافى ثم اختفت ولم تخلف مدرسة " الخلدونية " التى أرسى قواعدها فى زمانه ؟ فالجواب : أن سر ظهوره زمنئذ عبقريته وما العبقرية الا شذوذ عن المألوف وطرافة تميز الموجود . ولم يفت ابن خلدون الانتباه الى وشك انقطاع سند تعليم العلم فى افريقية والمغرب باختلال العمران وتناقض الدول بعد أن كان للعلوم أسواق نافقة وبحور زاخرة فى القيروان فى عصرها الذهبى . أما فى المشرق فلم ينقطع سند التعليم آنذاك حسب رأيه لان الامصار العظيمة التى أصابها الدمار مثل بغداد والبصرة قد عوضت بأخرى مثل القاهرة بعد أن انتقل اليها الخلفاء الفاطميون من افريقية ولذا توهم بعض الناس فى زماننا بناء على دوام السند التعليمي بالمشرق أن عقول المشارقة أكمل وأنشط من عقول المغاربة ، فأبطل العلامة التونسي ذلك الادعاء وأشار الى وجود بقايا أثر التعليم الحسن فى افريقية والمغرب واستطرف بالخصوص مذهبا تربويا عرضه أبو بكر بن العربي الاندلسي فى " رحلته " وكان رائجا فى القرن السادس الهجرى فى شبه الجزيرة الاسبانية
فما هو ملخص ذلك المذهب ولماذا استجاده ابن خلدون وعدله وأثراه باختيارات تربوية شخصية ؟
- بماذا نبدأ فى التعليم ؟
من البديهى أن يلاحظ ابن خلدون المتميز بدقة الملاحظة واقع التعليم فى بيئته المغربية الاسلامية فيتبين جنوح المغاربة الى جعل القرأن أصلا فى تعليم الصبيان لأنه منبع الدين . ومما يثير الدهشة أنه يشذ برأيه فى هذا الموضوع عن معاصريه بالرغم من انتسابه الى القضاء وتفقهه فى الدين ويرى
وجوب تقديم تعليم مبادئ اللغة على تعليم القرآن وسائر العلوم فيجانس رأيه فى هذا الموضوع رأى أبى بكر بن العربى وهو لسان حال أهل الأندلس
وقد تتساءل عن سر مخالفة ابن خلدون أهل المغرب فى تقديمهم تعليم القرآن على اللغة ، وانك لتجد الجواب المقنع فى قوله : " ان القرآن لا ينشأ عنه فى الغالب ملكة ) لغوية ( لما أن البشر مصروفون عن الاتيان بمثله ، فهم مصروفون لذلك عن احتذاء أساليبه . فلا يحصل لصاحبه ملكة فى اللسان العربى وحظه الجمود فى العبارات وقلة التصرف فى الكلام " . وفيما تقدم من كلام ابن خلدون جرأة لا يقدر عليها آنذاك الا هو فلا عجب أن يتألب عليه رجال الدين بزعامة ابن عرفة امام المالكية فى تونس وان يوغروا عليه صدر السلطان الحفصى ويجبروه على مغادرة افريقية بدون رجعة . ولئن تعلل ابن خلدون باعجاز القرأن وصعوبة محاكاته فى تقديم تعليم العربية على تعليم القرآن للصبيان ، فان السبب الأصلى فى جنوحه الى نظام الأولوية فى مواد التدريس هو حرصه على تكوين العقل قبل حشر الدماغ بالحفظ . ألا ترى أنه يعتبر من رداءة التعليم ذهاب أعمار فئة من الناس فى العناية بالحفظ فعنهم يقول : " وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة . فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف فى العلم والتعليم . ثم بعد تحصيل من يرى منهم انه قد حصل تجد ملكته قاصرة فى علمه ان فاوض أو ناظر أو علم . وما أتاهم القصور الا من قبل التعليم وانقطاع سنده والا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية ، وليس كذلك "
أما الكتابة التى يفضل أن يبتدئ الصبى بتعلمها قبل حفظ القرآن فهي على حد قوله : " أكثر إفادة لزيادة العقل وتقوية ملكات الادراك والانتقال " وتفهم من كلامه انه فكر طويلا فى تصنيف مواد التعليم حسب الأولوية في مذهبه التربوى انطلاقا من اختيار أساسى جعله غاية التكوين وهو صنع عقول مضيئة دربة على الصواب سريعة الفهم والوعى متصرفة فى العلم وعلل ابتداء تعليم الصبيان ) وهو الاول فى مصطلحه ايضا ( بالكتابة بأنها تشمل العلوم والانظار بخلاف الصنائع . وبيانه : " أن الكتابة انتقال من الحروف الخطية الى الكلمات اللفظية فى الخيال ، ومن الكلمات اللفظية فى الخيال الى المعانى التى فى النفس ، ذلك دائما . فيحصل لها ملكة الانتقال من الادلة الى المدلولات وهو معنى النظر العقلى الذي يكسب العلوم المجهولة ، فيكسب بذلك ملكة من التعقل تكون زيادة عقل ويحصل به قوة قطنة وكيس فى الامور لما
- رأى ابن خلدون فى الازدواجية اللغوية
تسمية الازدواجية اللغوية مصطلح عصرى يسميه ابن خلدون " مخالطة العجمة " كما يسميه " ملكة ممتزجة من الملكة الاول " . والرأى عنده أن خطر الازدواجية اللغوية كبير على اللسان الاصلى لانها تبعد المتعلم عنه . وكأنه بذلك يدعو المربين الى التقيد بلغة واحدة أصلية فى تعليم الصبيان حتى تقوى ملكتهم الاولى " لان البعد عن اللسان الاصلى انما هو بمخالطة العجمة فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الاصلى أبعد لان الملكة انما تحصل بالتعليم كما قلناه وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الاولى التى كانت للعرب ومن الملكة الثانية التى للعجم
فعلى مقدار ما يسمعونه من العجم ويربون عليه يبعدون عن الملكة الاولى "
وفى مذهبه التربوى ينقل ابن خلدون الصبى من تعلم القراءة والكتابة الى تعلم الحساب لسبب تربوى هام هو أن الحساب يصقل العقل ويهيئه لتقبل سائر العلوم الاخرى لانه - على حد قوله - : " معارف متضحة وبراهين منتظمة فينشأ عنها فى الغالب عقل مضئ درب على الصواب " أى بعبارة أخرى يتعلم الصبى بالحساب ما يسميه الغزالى فى " المنقذ من الضلال " ثم لفيلسوف الفرنسى " ديكارت " فى " خطاب المنهج " الجليات والبديهات ( Les evidences ) مثل : 1+1=2 وان خطين متوازيين لا يلتقيان
وتجد أيضا لأولوية الحساب على سائر العلوم الاخرى فى منهجه التربوى سببا أخلاقيا لأن الصبى ينشأ على الصدق بتعلم الحساب أولا بعد القراءة والكتابة . فاقرأ لمزيد تيقن من رأيه - قوله : " من أخذ نفسه بتعلم الحساب أول أمره انه يغلب عليه الصدق لما فى الحساب من صحة المبانى ومناقشة النفس فيصير ذلك خلقا ويتعود الصدق ويلازمه مذهبا " .
ولم يكن ابن خلدون خالق تلك الآراء وانما له فيها فضل التأليف والادماج فى هيكل تربوى محكم البناء . فله فى الحساب تقييم طريف شبيه بما سمعه عنه من شيوخه . فاقرأ هذا التقريظ للحساب من كتاب المقدمة اعلم أن الهندسة تفيد صاحبها اضاءة واستقامة فى فكره لان براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب . . فيبعد الفكر بممارستها عن الخطا . . وقد زعموا انه كان مكتوبا على باب أفلاطون من لم يكن مهندسا فلا يدخلن منزلنا .
وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون : " ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذى يغسل منه الأقذار وينقيه من الأوضار والآدران "
وتفهم من سياق كلامه أن غايته فى منهجه التربوى انما هى صقل العقول وتدريبها على الصواب لا حشوها بالمعلومات . فاقرأ لمزيد الاقتناع برأيه في تكوين الناشئة قوله المقصود من الملكة العلمية هو الفهم وليس الحفظ "
وذلك هو سر انتقال المتعلم الى طلب القرآن بعد تعلمه للغة والحساب فى المذهب التربوي الذي نجد عناصره في المقدمة . ويجهر ابن خلدون بأسفه لتعليم الصيان القرآن أولا فى البيئة المغربية آنذاك بقوله : " يا غفلة أهل بلادنا فى أن يؤخذ الصبى بكتاب الله فى أوامره يقرأ ما لا يفهم "
وبعد تعلم القرآن ينتقل المتعلم في مذهب أبى بكر بن العربى المناسب لمذهب ابن خلدون الى أصول الدين وأصول الفقه ثم الى الجدل فالحديث
- ترتيب العلوم :
وبقدر ما كان ابن خلدون معجبا بالمذهب التربوى الذي عرضه أبو بكر بن العربى فى رحتله بقدر ما كان محترزا من نقصه اذ لاحظ خلوه من العلوم العقلية ما عدا الحساب فتدارك النقص فى ترتيب طريف للعلوم حسب الأولوية فى المقدمة . نعم ان العلوم عنده على ثلاثة أصناف : صنف طبيعي يهتدى اليه الانسان بفكره ومداركه العقلية وهى العلوم الحكمية الفلسفية من منطق وعلم طبيعي وعلم إلاهى وعلم المقادير وهندسة وأرتماطيقى وموسيقى وهيئة ) أى علم أشكال الأفلاك ( .
وفى الصنف الثاني يضع العلوم النقلية وهى الشرعيات من الكتاب والسنة ثم يختم ترتيبه بعلوم اللسان العربى من لغة ونحو وبيان وأدب
ولعلك أدركت أن وجه الطرافة فى هذا الترتيب انما هو فى تقديم العلوم العقلية على العلوم النقلية فى عصر طغيان النقل على العقل . والعجب كل العجب أن يصدر هذا الترتيب للمعارف فى نسقه القائم على الأولوية عن قاض فقيه ختم حياته بالتصوف ولكن العقلانية أغلب على تفكير ابن خلدون العالم ولذا يبدأ بتصنيف نظري للمعارف فيقدم العلوم العقلية على النقلية ثم يعكس الترتيب بحكم الواقع وموجب خضوع العلم الاجتماعى له اذ لم يغب عن ابن
خلدون أن الأولوية فى تصنيف المعارف زمنئذ فى بيئته كانت للعلوم النقلية فوجب العدول عن الترتيب المجمل الاول بمناسبة استعراض العلوم الواقعة فى المغرب والمشرق بصفة مفصلة والابتداء بالعلوم النقلية ثم العلوم العقلية فى المرتبة الثانية وبعدها علوم اللسان العربى
- علوم مقاصد وعلوم وسائط :
واذا أمعنت النظر في قسم العلوم بالمقدمة تبينت تصنيفا ثانيا لها الى " علوم هى مقاصد بالذات " فلا يرى ابن خلدون حرجا فى التوسع فيها و " علوم هى آلة لغيرها " أو وسائط مثل اللغة والمنطق ، فلا ينبغي أن ينظر فيها الا من حيث هى آلة ، فلا يوسع فيها الكلام لان ذلك يكون عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات وتضييعا للعمر . ويعجبك تبرم ابن خلدون من المتأخرين الذين أطالوا في تفريع النحو والفقه بحيث أخرجوا ذينك العلمين عن كونهما آلة مثل المنطق للفلسفة ، فكان ذلك منهم لغوا وعبث ومضيعة للأوقات الثمينة . ويعلق ابن خلدون على اتجاههم المنحرف في تمطيط العلوم الوسائط بقوله : " إذا قطعوا العمر فى تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم أن لا يستبحروا في شأنها " .
- صنع العقول المضيئة :
أدركت الآن أن المذهب التربوى الذي عرض ابن خلدون عناصره فى مقدمته يهدف الى تكوين العقول المضيئة الدربة على الصواب لا الأدمغة المحشوة بالمعارف . وان هذا الاختيار التربوى هو عينه الذى اهتز له المربون فى الغرب المسيحي بعد ابن خلدون بعدة قرون أعني في القرن الثامن عشر خاصة مع " روسو " واعتبر كشفا عظيما وتحولا فى تاريخ التربية
ويتصل بهذا الاختيار رفض ابن خلدون المطولات فى العلوم الوسائط والمختصرات في العلوم المقاصد لأن ألفاظها المختصرة يجدها المتعلم مغلقة
- كيف يكون التبليغ ؟
عاين ابن خلدون انقطاع سند التعليم في تونس زمن الحفصين وأدرك انه علة جهل المعلمين طرق التبليغ فهم - على حد قوله يحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه باحضار ذهنه فى حلها
ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه " فأحس ابن خلدون بضرورة تقديم نصائح تربوية للمعلمين يقومون بها علي التبليغ لأنه عمل صعب المراس ، فينصحهم بالتدرج في تلقين العلوم شيئا فشيئا لأن الاستعداد للفهم ينشأ تدريجيا ، وباجتناب التطويل على المتعلم فى الفن الواحد لأن الملكات تحصل بالدربة ولا تكون الدربة الا بتتابع الفعل . ولعمري انها نصائح تربوية صالحة لكل مكان وزمان دالة على عبقرية صاحبها فكأنه بها حي يعاصرنا .
- العقوبة عند ابن خلدون :
هذا الموضوع قد شغل بال المربين المسلمين مثل محمد بن سحنون القيرواني في كتابه " آداب المعلمين " وأبى الحسن القابسي فى " الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين " وغيرهما كثيرين وان رأى ابن خلدون فى العقوبة مجانس للاتجاه التربوى الاسلامى الا انه أكثر تصلبا من غيره فى تسليط العقاب المادي على الريض . وله تعليل طريف لضرر الشدة على المتعلمين اذ يعتقد أن العسف والقهر إذا سلطا على المتعلم ضيقا على نفسه فانكمش وخمل وجنح الى الكسل والكذب والخبث والنفاق " خوفا من انبساط الأيدى بالقهر عليه . . وفسدت معاني الانسانية التى له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره فى ذلك ، بل و كسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل ، فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها فارتكس وعاد فى أسفل السافلين "
ويزيدك اقتناعا بضرر الشدة ايراده مثالا حيا من تاريخ الشعوب التى فقدت الثقة بالنفس فى زمانه وقبله عندما سلط عليها القهر وأخذت بالعسف . فاقرأ قوله وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره فى كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به ، وتجد ذلك فيهم استقراء وانظره فى اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى أنهم يوصفون فى كل أفق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه .
فينبغي للمعلم فى متعلمه والوالد فى ولده أن لا يستبد عليهم فى التأديب ، وقد قال محمد بن ابي زيد فى كتابه الذي ألفه فى حكم المعلمين والمتعلمين : " لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم اذا احتاجوا اليه على ثلاثة أسواط شيئا " . ومن كلام عمر رضي الله عنه : " من لم يؤدبه الشرع لا !
أدبه الله حرصا على صون النفوس من مذلة التأديب وعلما بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فانه أعلم بمصلحته " .
وأحسن مذاهب التربية نجده ملخصا حسب ابن خلدون فى نصيحة الخليفة الرشيد لخلف الأحمر معلم محمد الأمين وهى قوله يا أحمر ان امير المؤمنين قد دفع اليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين . . وامنعه من الضحك الا في أوقاته . . . ولا تمرن بك ساعة الا وأنت مغتنم فائدة تفيده اياها من غير ان تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن فى مسامحته فيستحلى الفراغ ويألفه . وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فان أباهما فعليك بالشدة والغلظة " .
وهاهنا حث على سلوك سياسة الترغيب والترهيب فى التربية وبهما يستقيم الريض الناشىء ويتم التبليغ الا أن الترهيب ليس بمعنى العنف والشدة عند ابن خلدون . فهذا المربى قد مارس التعليم بشغف كبير فى حلقات الدرس وبالكتابة وفي الحقيقة لم يكن اشتغاله بعلم العمران البشرى وحده قد قاده الى خواطره القيمة فى التربية بل قبل كل شئ تعلقه بصناعة التعليم وحصيلة تجاربه الثرية فيها واكتمال عقله بالتعليم بعد التعلم واقتناعه بأن : " كل صناعة مرتبة يرجع منها الى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا تستعد به لقبول صناعة أخرى ويتهيأ بها العقل بسرعة الادراك للمعارف " .
وفى تغنى ابن خلدون بالتعليم ما ينعش المربين ويحبب اليهم شدة الصبر على إفهام الريضين ويجعلهم يتقاوون على ما قد يصيبهم من إعياء تخلفه صناعة صعبة المراس فيتغنون معه بقوله : " وحسن الملكات فى التعليم والصنائع وسائر الاحوال العادية يزيد الانسان ذكاء فى عقله واضاءة فى فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس اذ قدمنا أن النفس انما تنشأ بالادراكات وما يرجع اليها من الملكات فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع الى النفس من الآثار العلمية " .
فخبرني هل تعرف كلاما أبلغ وأنفذ الى نفس المعلم المقبل على معاناة البحث عن أنجع سبل التبليغ من تلك الحقيقة التى تغنى بها ابن خلدون التى وضعت تحت لوائه جامعتنا التونسية فعساها تبعث الخلدونية من جديد وينجم فى رحابها ألف خلدون

