الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

مع ابن هانى والقاضى والنعمان، فى موازنة بين التطرف والاعتدال فى تصور الامام

Share

لما طلب مني إخواني - منظمو هذا الملتقى الأدببي العلمي المخصص للقاضى النعمان المغربي ولحضارة الفواطم بإفريقية في إحدى عواصمهم المهدية - أن أساهم فيه بدراسة ، ارتأيت أن يكون موضوعها موازنة بين تطرف ابن هاني شاعر المعز لدين الله الفاطمي واعتدال النعمان قاضى قضاته فى تصور الإمام ، اذ تذكرت تباينا بينهما فى ذلك التصور رغم اعتناقهما نفس العقيدة الاسماعيلية وانتمائهما الى بلاط واحد فى عهد الخليفة الفاطمي الرابع . وما كان ابن هاني والقاض النعمان تابعين عرضيين للمعز إذ حظى الأول عنده برتبة الشاعر المفضل فملأ الدنيا وشغل الناس في المغرب بمعزياته كما فعل المتنبى فى المشرق بسيفياته ولازم الثاني صحبة إمامه فسمى كتابا له جمع فيه شيئا من أخبار المعز " المجالس والمسايرات " .

ومن غريب ما يلاحظ في الموازنة بين الدورين اللذين لعبهما كل من الشاعر والفقيه الرسميين الناطقين باسم البلاط فى نشر الدعوة الفاطمية سواء بالقريض أو المقالة اختلافهما في مسألة عقائدية أساسية أعني الإمامة أو الولاية حسب تسمية أخرى ، في حين أن الامامة نعتبر ركيزة المذهب الإسماعيلي وأولى عقائد الفواطم ، قبل الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والجهاد . فالإمامة هي إذن مدار الخلاف بين الشيعة عموما سواء كانوا أتباع فرقة واحدة أو أشياعا من فرق مختلفة .

ألا ترى فضلا عما علمت من تباين عقائد بين علمين منتميين إلى مذهب شيعى واحد أن الإسماعيلية الذين تسموا باسم أحد أيمتهم اسماعيل ، وانطلقوا في بناء مذهبهم من ظروف اختيارهم اياه اماما سابعا ، قد توافقوا مع فرقة الاثنى عشرية فى تشيعهم المتطرف الى آل البيت ثم في سلسلة الأئمة الى الامام السادس وهم على فالحسن فالحسين فعلى زين العابدين فمحمد الباقر فجعفر الصادق . إلا أنهم افترقوا على قطيعة فصلتهم نهائيا عن رفاقهم الأوائل الإثني عشرية عقب وفاة الإمام إسماعيل فجأة فى حياة والده جعفر الصادق ( 148 ه / 765 م ) . وكان أبوه جعفر قد عينه إماما سابعا ليخلفه . فلما مات إسماعيل نقل الوالد خلافة الإمامة الى ابنه الآخر موسى الكاظم فبايعه فريق من الأشياع واعتبروه إمامهم السابع وانتهوا فى سلسلة  أيمتهم الى الإمام الثاني عشر محمد المهدى بن الإمام الحسن العسكري الذي اختفي فجأة يوم وفاة والده الشاب سنة 260 ه . فهؤلاء هم الشيعة الإثنا عشرية او الإمامية .

أما الاسماعيلية ومنهم الفواطم ونصراؤهم كابن هاني والقاضى النعمان فإنهم انحازوا الى اسماعيل المتوفى فى حياة والده واعتبروه إمامهم السابع ونفوا خبر موته وزعموا انه تستر وأنه " القائم" بمعنى " المهدى المنتظر " الذي يأتي في آخر الزمان ليملأ الدنيا صلاحا وعدلا كما ملئت من قبل فسادا وجورا .

وأقر فريق ثالث بموت إسماعيل إلا أنه لم يعترف بإمامة موسى الكاظم كما أرادها جعفر الصادق ، بل نقل الإمامة السابعة من بعد هذا الإمام الى حفيده محمد بن اسماعيل .

ويعرف اتباع ذلك الفريق بالمباركية واليهم ينتمي القرامطة الذين قاوموا الفاطميين في الشام وحاصروهم في القاهرة .

ويختلف الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والشيعة السبعية ( الاسماعيلية ) في رجعة الامام ، فترى الفرقة الاولى أن الرجعة لم تحدث مذغيبة

الامام محمد المهدى بن الامام الحسن العسكري سنة 260 ه فى حين ترى الفرقة الثانية الاسماعيلية ان الائمة من اسماعيل الى عبيد الله المهدى رأس الفواطم وهم ثلاثة : عبد الله واحمد والحسين - كانوا مستورين ، فلم يظهروا لضعف شوكتهم - وليس الستر عند الاسماعيلية بمعنى الغيبة عند الاثني عشرية . فلما اتسع نطاق الدعوة الفاطمية في المغرب بقدوم أبى عبد الله الشيعي " سنة 280 ه / 893 م ، وتكاثر عدد المنضوين تحت لوائه خصوصا من قبيلة كتامة ، واستقر أمره برقادة بعد أن قضى على ملك بني الأغلب سنة 296 ه / 909 م ظهر عبيد الله المهدى وتسلم مقاليد الحكم بالقيروان وكان فيها أول خليفة فاطمي .

وللاسماعيلية غايتان احداهما ظاهرة وهي التوفيق بين الدين والفلسفة كما قالوا في رسائل اخوان الصفاء :

" ان الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل الى غسلها وتطهيرها الا بالفلسفة " وغايتهم الثانية باطنة يشير اليها اخوان الصفاء برموز توحى اليك بأنهم كانوا يطمحون الى إقامة نظام سياسي جديد كما يبينه قولهم : " تناهت قوة أهل الشر وكثرت أفعالهم في العالم في هذا الزمان وليس بعد التناهي في الزيادة الا الانحطاط والنقصان .

واعلم أن الملك والدولة ينتقلان في كل دهر وزمان ودور وقران من امة الى امة ومن أهل بيت الى اهل بيت ومن اهل بلد الى اهل بلد " .

وترتبط أولى عقائد الاسماعيلية أعني الامامة بتمييزهم بين " الظاهر " و" الباطن "  ويتجه تفكيرهم الى انتظار تجل تام لباطن معاني التنزيل لا الى شريعة جديدة . ولا يحصل ذلك التجلي في نظرهم الا بظهور الآيمة المعصومين وبخروجهم من دور الستر وهو عندهم الاختفاء الوقائي بدافع التقية لأنهم أخذوا بالسيف . ولما تساءلوا : هل تنحصر حدود الدين فى ظاهر الأحكام الشرعية أم يعتبر ظاهرها غلافا لحقيقة مستورة ؟ أجابوا بأن لكل تنزيل تأويلا وزعموا أن

الشريعة ليس لها معني الا بإدراك حقيقتها الروحية وهى عندهم مرادف باطن معاني التنزيل وزعموا أيضا أن الأشياء لا يستطيعون بلوغها الا بواسطة الإمام المعتبر عندهم " قيما للقرآن " " معلما" يبلغ الى أشياءه المعاني الباطنية .

ومتى عدت الى ديوان ابن هاني تبينت فيه كثرة المفردات الدالة على الكتمان . فهي إشارات الى علم الباطن " كالسريرة " و" الحجاب " و " علم الغيوب " و " المبهم " و " الصحيف المختم " و " سر الله " و " سر الوحى " و " المصون " .

وفي عديد من القصائد يتغنى ابن هاني في غلو كبير بنور الامام المعز لدين الله الفاطمي الذي يعتبره الشاعر كاشفا عن علم الباطن للأشياع  كما فى قوله :

" وعلمت من مكنون علم الله ما     لم يؤت جبريلا وميكائيلا "

" لله فيك سريرة  لو أعلنت    أحيا بذكرك قاتل مقتولا "

" لو كان أعطى الخلق ما أوتيته    لم يخلق التشبيه والتمثيلا "

" لولا حجاب دون علمك حاجز    وجدوا الى علم الغيوب سبيلا "

وعلى غرار الاسماعيلية يميز ابن هاني بين " علم الظاهر " وهو ما يعلمه عامة الناس و " علم الباطن " وهو للامام وخاصة الأشياع فاسمعه يقول عن الإمام المترجم والوسيط فى مدح المعز :

" لكم جامع النطق المفرق فى الهوى     فمن بين مشروح وأخر مبهم "

" وفى الناس علم لا يظنون غيره     وذلك عنوان الصحيف المختم "

" اذا كانت الألباب يقصر شأوها    فظلم لسر الله ان لم يكتم "

" اذا كان تفريق اللغات لعلة   فلا بد فيه من وسيط مترجم "

ويصل به الغلو في القول بالباطن الى حد اعتبار الباطن علم غيب يعلمه الامام كما فى هذه الابيات التى تهجم فيها على أعداء الفواطم ومدح  بها المعز لدين الله :

" ماذا تريد من الكتاب نواصب    وله ظهور دونها وبطون "

" هى بغية أظللتموها فارجعوا    في أل ياسين ثوت ياسين "

"ردوا عليهم حكمهم فعليهم    نزل البيان وفيهم التبيين "

" البيت بيت الله وهو معظم     والنور نور الله وهو مبين "

"والستر ستر الغيب وهو معظم   والسر سر الوحى وهو مصون "

" والنور أنت وكل نور ظلمة    والفوق انت وكل فوق دون "

" لو كان رأيك شايعا فى أمة    علمت بما سيكون قبل يكون "

ومن عادة ابن هاني في " معزياته " أن يردد الغلو العقائدى الدال على صحة ما نسبه اليه أهل السنة من ادعاء الصفات الإلهية للامام كالقدرة على المعجزات وعلم الغيب ، ثم عمم هؤلاء على خصومهم الفواطم ما نسبوه الى ابن هاني . بيد ان القاضى النعمان المغربي - رغم إعظامه الإمام وقوله بالباطن - ما رضي بغلواء ابن هاني وآمثاله المتطرفين ، فقد رفضه وبرأ منه المذهب الإسماعيلي الرسمى فى العديد من المناسبات في كتابه " المجالس والمسايرات " ( صورة المخطوط بجامعة القاهرة ( وفي كتاب له آخر بعنوان " الهمة فى آداب اتباع الائمة " ( ط . دار الفكر العربي بالقاهرة بلا تاريخ - تحقيق محمد كامل حسين ) .

فلعل تطرف ابن هاني في ادعائه الصفات الإلهية للامام وفي نسبة علم الغيب اليه قد جرى مجرى التجاوز والمبالغة الشعريين . و سندى فى هذا الافتراض أجده فى رفض القاضى النعمان ما اعتبره غلوا وبدعا منسوبة خطأ أو عن قصد الى الاسماعيلية كعلم الغيب .

والقاضي الفقيه النعمان هو - دون شك - أدرى من ابن هاني الشاعر بالعقيدة الرسمية اذ كان فيها صاحب القول الفصل طوال حكم اربعة خلفاء فاطميين بإفريقية حتى وفاته بمصر فى سنة 363 ه  974 م بعيد انتقبال المعز لدين الله اليها . فقد بدأ النعمان خطة القضاء مع عبيد الله المهدى (297ه -322ه )، ثم واصل مهمته القضائية

مع القائم ( 322-334 ه )  . ومن بعد ذلك الخليفة عينه المنصور ( 334-341 ه ) قاضى قضاته وكتب له عهدا " بالقضاء بمدن المنصورية والمهدية والقيروان وسائر مدن افريقية " حسب شهادة النعمان في كتابه " المجالس والمسايرات " ( ج 2 ص 203 ) وظل يضطلع بتلك الخطة القضائية العليا الى عهد المعز لدين الله ( 341-365 ه ) فكان يلازم صحبته ويستجيب لرغباته المتكررة فى تأليف الكتب المذهبية ويعد الفتيا ويلقي الدروس على الناس في علم اهل البيت ويخطب بالمساجد الجامعة في عواصم الفاطميين بافريقية ويعين نوابه فى الأمصار ويسدى لهم النصائح ويمدهم بالمصنفات فى الفقه الإسماعيلى ليستعينوا بها علي القيام بمهامهم فحق للمؤرخين والدارسين اعتباره رائدا فى تدوين الفقه الفاطمي وحجة وبرهانا فى العلم بالمذهب الاسماعيل وصاحب عقل وإنصاف وفضل واستقامة .

وبناء على ما تقدم من مناقب القاضي النعمان - فضلا عن درايته الواسعة بالعقيدة الاسماعيلية وفقه الفواطم - فإني أرجح أن الصورة المعتدلة التى أبرزها عن الامام في مؤلفاته أشد لصوقا بالمعتقد الاسماعيلى الرسمى فى مستوى الدولة الفأطمية بإفريقية وأدل عليه وأثبت من تلك الصورة المتطرفة التى رسمها ابن هاني في معزياته فعرفنا فيها بالإمام كما يراه .

فرغم توافق القاضى النعمان وغيره من الأشياع الفواطم فى  اعتبار الامامة قوام العقيدة إذ لا دين في نظرهم لمن لا يعتقد إمامة الأئمة المنصوص عليهم من أهل البيت ، فانه ما استسهل غلواء ابن هاني وأشباهه من الأشياع الذين نسبوا الى الائمة الفاطميين صفات لا يقرها أهل السنة الا للبارى تعالى كعلم الغيب ، فكانت الصورة التى قدمها القاضي النعمان عن مرتبة الامامة معتدلة بالنسبة الى ما ادعاه الغلاة ، ففرق بين مرتبة النبوة ومرتبة الامامة ، واعتبر الاولى أفضل من الثانية كما فى العينة التالية من كتابه " الهمة في آداب  أتباع الائمة " - وهو كتاب فى العقيدة الاسماعيلية وفي آداب السلوك

مع الملوك - : " ان كانت درجة النبوة اعلى واجل وفوق درجة الامامة وفضل الانبياء أعظم من فضل الائمة فان الطاعة موصولة قد قرنها الله تعالى بطاعته وهو أعلى وآجل من جميع خلقه ولا يقاس بشئ من عباده "  (ص 39 )  .

واذ كان السجود للامام عادة عند الاشياع اذا رأوه فإن القاضي النعمان اعتبر السجود فى كتاب " الهمة "  احتراما وإعظاما للامام عن تقبيل اليد بتقبيل الأرض لا سجود ا من دون الله ( ص 105 ) .

ومثل ذلك التصور المعتدل لدرجة الإمامة تجده عند الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين الله .

فرغم اعتباره منصب الإمامة فرضا إلاهيا وواجبا وحقا على غرار ما اعتقده سائر الأشياء فإنه - على عظمته وسعة ملكه - ما ارتاح لما قيل فيه من الغلو كنسبة علم الغيب إليه فنهى عن التطرف العقائدى كما بينه قاضى قضاته النعمان فى خبر من كتابه " المجالس والمسايرات " أسوقه على سبيل المثال لا الحصر : قال المعز : " ينتهى إلينا أخبار عن بعض من يزعم أنه يتولانا وبعض من يدعي أنه يدعو إلينا من الغلو فينا ونحن نبرأ إلى الله من كذبهم علينا وتقولهم فينا ونحن عباد من عباد الله مخلوقون مربوبون لا علم لنا إلا ما علمنا وصار الينا عن نبيه جدنا محمد صلى الله عليه وسلم مما أودعه الله إياه وآورثنا ممن بعده وأود عناه لا نحيط من علمه إلا بما شاء ولا من غيبه الا ما أطلع عليه منا من ارتضاه كيف احب وشاء .

لا ندعي النبوة والرسالة بل نحن المستحفظون على الإمامة . حلالنا من كتاب الله وحرامنا منه وطاعتنا مفروضة على عباده بحكمته  من عرفنا فقد عرف الله ومن جهلنا فقد جهله . نحن الدالون بحكمه عليه والقائمون بأمره على عباده . نحن دون ما يقول الغالون وفوق ما يظن الجاهلون ، إنما أراد من نحلتنا علم الغيب ونسب

إلينا تنزل الوحى ممن يدعو بزعمه إلينا أن يجعل ذلك مقدمة لنفاقه علينا . فإذا اراد ذلك قال لمن دعاه : لم أدعكم إلا لمن وصفت لكم فيه ما وصفت فيصدهم بذلك عنا لعن الله الصادين عنا فإنهم عن الله يصدون "

وتفهم من تلك العينة للقاضى النعمان ان المعز لدين الله الفاطمي اعتبر الغلو فى إعظام الإمام من قبل الأتباع والحاشية وربما من قبل خصوم الفواطم تملقا ونفاقا مضرين بالسلطان . لكن صريح اعتدال المعز فى الخبر السابق وفي عديد من الأخبار الأخرى لم يصرف بعض المؤرخين السنيين عن نسبة رصد الكواكب إليه لمعرفة الغيب كما أخبر به ابن تغرى بردى في كتابه " النجوم الزاهرة " ( ط . القاهرة ج 4 ) .

وما من شك في ان اولئك المؤرخين أطلقوا أحكاما قاسية على خصومهم فى المعتقد إذ تبطل كتب الدعوة الفاطمية الرسمية للقاضى النعمان - وهو من أدرى الاشياع بالمذهب الاسماعيلي الرسمى - كثيرا مما زعموا . ودونك - لمزيد التيقن من اعتداله - عينة أخرى من كتابه " الهمة  في آداب أتباع الأئمة " يدحض بها ما ينسبه الغلاة الى أيمة الفواطم من علم الغيب : " لا نقول ما قاله الغلاة الضالون المبطلون الصادون عن أولياء الله الدافعون امامتهم الزاعمون انهم يعلمون غيب الله وما تخفى صدور عباده ، تعالى الذي تفرد بعلم ذلك دون خلقه ولم يطلع على ما شاء منه إلا من ارتضى من رسله . . . وانما أراد هؤلاء الفسقة بها نسبوه الى الأئمة صلوات الله عليهم من ذلك دفع إمامتهم "  ( ص 53 ) .

والعجب كل العجب ان يجيز المعز بعد تبرئه ممن ينسب اليه علم الغيب ما يقوله فيه شاعره الرسمي ابن هاني من الغلو مجاراة للغلاة الاخرين الذين دانوا بتلاشى الأرواح وبحلول الله في الإمام كما زعم شاعر إفريقي مدح عبيد الله المهدى حينما دخل حاضرة الأغالبة بهذين البيتين :

" حل برقادة المسيح   حل بها أدم ونوح "

" حل بها الله ذو المعالي   وكل شيء سواه ريح "

وحاكاه ابن هاني في نفس المعنى عندما مدح المعز بهذا المطلع :

" ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار "

ومثل ذلك التطرف العقائدى مما لا يحصى كثرة فى ديوان ابن هاني . فمنه قوله فى المعز :

" هو علة الدنيا ومن خلقت له    ولعلة ما ، كانت الأشياء "

" ولك الجوارى المنشأت مواخرا     تجرى بأمرك والرياح رخاء "

" فعنت لك الأبصار وانقادت لك ألا   قدار واستحيت لك الأنواء "

" لا تسألن عن الزمان فإنه     فى راحتك يدور حيث تشاء "

وقوله :

فقد شهدت له بالمعجزات كما       شهدت لله بالتوحيد والأزل "

ومن مخلفات غلو الفئة المتطرفة فى فرقة الاسماعيلية ما جهر به حمزة بن على مؤسس المذهب الدرزي من تآليه لسادس خلفاء الفواطم الحا كم  (386- 411 ه  996 - 1021م ) .

بيد ان الدعوة الفاطمية الرسمية قاومت البدعة الدرزية التى جوزها الحاكم فطاردت حمزة بن على خصوصا بعد موت الخليفة الفاطمي السادس وضايقته حتى فر من القاهرة الى جبال الشام حيث اعتصم مع أشياعه .

وليس بخاف عن الباحث ان الخلاف المذهبى داخل صفوف الاسماعيلية فى عهد الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين الله وفى حياة القاضي النعمان كان من البوادر الاولى لانشطار فرقة الاسماعيلية وانقسام اشياعها الى غلاة كابن هاني ومعتدلين كالقاضى النعمان .

وقد حدثت القطيعة النهائية بين الجماعتين بعيد وفاة الخليفة الفاطمي الثامن المستنصر بالله ( وفاته كانت في سنة 487 ه / 1094 م ) فساندت الجماعة الاولى - وهي من الفرس - إمامة نزار بن المستنصر وشهرت قديما باسم الحشيشية . وقد اعتصم هؤلاء بقلعة ألموت في الجبال الواقعة جنوب غربى بحر القزوين وغالوا في اعتبار الامامة أعلى درجة من النبوة وزعموا ان الامام آدمى إلا هى بناسوته ولاهوته - وادعوا ان جسمه غلاف ريحي مثل الكافور فى صفائه وخفته وانه ليس من لحم ودم . وأحفاد هؤلاء اليوم في الهند هم الخوجات المعترفون بزعامة آغا خان .

أما الجماعة الثانية المعتدلة فهي تمثل شق المغاربة الذين استقروا فى مصر واليمن وتمسكوا بالعقيدة الاسماعيلية الرسمية واعترفوا بعد المستنصر بامامة ابنه الثاني المستعلي . وسلالة هؤلاء اليوم في الهند هم البوهرة : (BOHRAS)

أدركت الآن من العرض التاريخي الموجز لنشأة الاسماعيلية وتطور مذهبها وانقسام أشياعها الى معتدلين وغلاة - إذا قسنا معتقدهم جميعا بمقياس نسبى ولم نسلط عليهم معيار الحكم السني مع الفارق المذهبي - ان الشق المعتدل فى الفرقة الاسماعيلية مغربي افريقي .

وعلة اعتدال اولئك المغاربة تأثرهم اللآشعورى بمخلفات مذهب آبائهم وأجدادهم أعني السنة المالكية مهما بعدوا عنهم فى الزمن والمعتقد .

والرأى عندى ان البيئة المغربية هى التى فرضت على المعز لدين الله وأشياعه اعتدالهم في عقيدة الإمامة كما أثرت النشأة الأولى المالكية للقاضى النعمان فى تصوره مرتبة الامامة فجعلته اسماعيليا معتدلا .

وقد أفادنا المؤرخون واصحاب التراجم كابن خلكان في " وفيات الاعيان "  ( ط . مصر 1949 ج 5 ص 48 )  ان النعمان " كان

مالكي المذهب ثم انتقل الى مذهب الامامية " . وما قصدوا باشارتهم الى تحوله المذهبى سوء ظن به واتهاما له بالملق فقد أفاضوا فى تعداد خصاله العلمية والأخلاقية فمجدوا في شخصه العالم المنصف والفقيه الورع .

بيد أنا اذا اخذنا بعين الاعتبار ما يحيط بالفرقة الاسماعيلية السرية من الكتمان والغموض رغم ظهور العديد من كتبها المذهبية فى عصرنا الحاضر فمن حقنا ان لا تستبعد تعليل امتناع المعز وممثلى الدعوة الفاطمية الرسمية عن الجهر بمبادئ عقائدية متطرفة برغبتهم فى اجتناب إغضاب الرعايا المغاربة المتمسكين كل التمسك بالسنة وعقيدة السلف الصالح ليضمنوا ولاءهم لدولة الفواطم اذ يعلم الأشياع خطورة بدعة علم الغيب وهي بدعة ينسبها إليهم أعداؤهم لمقاومتهم فى بيئة سنية ترفض البدع وتعتبرها زيغا عن الدين كما يفهم من الخبرين المنتخبين من كتاب " المجالس  والمسايرات " ومن كتابة " الهمة  في آداب أتباع الأئمة " للقاضى النعمان . فلم يكن المعز وممثلو الدعوة الاسماعيلية الرسمية أغرآرا ليظهروا بتلك البدعة ويشهروها بين الجماهير المالكية التى كانت تنتظر الفرصة لتواثبهم وتطيح بملكهم في إفريقية فلما سنحت لها فى عهد الأمير الزيرى المعز ابن باديس سنة 407 ه / 1016 م أقامت المجازر لأشياع الفواطم في القيروان والمنصورية والمهدية وسوسة وتونس وفي سائر مدن إفريقية ، فصنع ابن زنجي الكاتب فى تلك المناسبة قصيدته المشهورة ومنها قوله :

" سقى الغيظ فى طى الضمير المكتم    دماء كلاب حللت فى المحرم "

" غزونا أعادى الدين لا الرمح ينثني     نبوا ولا حد الحسام المصمم "

" فلا نفق فى الأرض أخفى مكانكم    ولا شاهق يرقى اليه بسلم "

" لقد رفضتكم كل أرض وبقعة   وقد صرخت منكم بقاع جهنم "

وأفل نجم الاسماعيلية بالمغرب بعد تلك المجازر فلا معتدل فى عقدته ولا متطرف جهر بما عنده وسط الجماهير فتشرد الأشياع

في أقاص البلاد ثم انقطع أثرهم من افريقية مع الايام وغيظ الفواطم المقيمون بمصر من تطاول بنى زيري ورعاياهم المغاربة عليهم اذ أبطلوا الدعاء لهم بالمساجد فثارت ثائرة الخليفة المستنصر ( 427-487 ه ، 1094-1035 م ( ووزيره الحسن اليازورى فأطلقا جحافل أعراب الصعيد المصرى من قبائل زغبة ورياح على إفريقية بعد ان أغرياهم بغنائمها ووعداهم بالمدد والعدد فعاثوا فيها فسادا وخربوا حاضرتها القيروان فبكاها مرا شعراؤها كابن رشيق - (390 - 463 ه ) وابن شرف معاصره وعلي الحصري ( 420-488 ه ) .

وباشتداد بغض أهل البلاد للفواطم انقرض الاسماعيلية فلم تبق الا بعض آثارهم الأدبية والعمرانية الدالة على إقامتهم القديمة بافريقية فى ديوان ابن هاني وفي مؤلفات القاضى النعمان وفي سيرة الاستاذ جؤذر وفي غيرها من الاثار المكتوبة وكذلك فى تحفهم المعروضة فى معهد الفنون الاثرية بدار حسين فى العاصمة وفي المتحف القومى بباردو وفي متحف رباط المنستير ومتحف القيروان وفى ما تبقى من بنيانهم بالمهدية (*) .

أهم المراجع

(1) ديوان ابن هاني بعنوان " تببين المعانى فى شرح ديوان ابن هاني " تحقيق وشرح وتقديم دكتور زاهد على ط . القاهرة 1933 ( 2 ) القاضى النعمان " كتاب افتتاح الدعوة " تحقيق وتعليق فرحات الدشراوى - ط الشركة التونسية للتوزيع 1969 .

- نفس الكتاب بعنوان " رسالة افتتاح الدعوة " تحقيق وداد القاضي - بيروت : دار الثقافة 1970 ( 3 ) القاضي النعمان " كتاب الهمة فى آداب اتباع الائمة " ط . دار الفكر العربى . مصر بلا تاريخ - تحقيق محمد كامل حسين . ( 4 ) القاضي النعمان " المجالس والمسايرات " 3 أجزاء , صورة من المخطوط بجامعة القاهرة . (5) " سيرة الاستاذ جوذر " تحقيق محمد كامل حسين ومحمد عبد الهادى شعيرة - ط دار الفكر العربي بالقاهرة ( 6 ) ابن خلكان " وفيات الاعيان " تحقيق الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد . ط القاهرة 1948 . (7) المقريزى ( تقى الدين احمد بن على )  " اتعاظ الحنفاء باخبار الائمة الفاطميين الخلفاء " تحقيق الدكتور جمال الدين النيال . ط القاهرة 1948 . ( 8 ) ابن الاثير " الكامل فى التاريخ " ط . دار صادر ببيروت 1965 . ( 9 )  ابن خلدون " العبر وديوان المبتدأ والخبر " ( الاجزاء 3-4-6 ) ط . بولاق 1284 ه

(10) ابن خلدون " المقدمة " . ط . دار إحياء التراث العربي - بيروت ابن تغرى بردى " النجم الزاهرة " ط القاهرة ج 4 ( 11 )  " رسائل اخوان الصفاء " . (12 ) المعرى " رسالة الغفران " تحقيق عائشة بنت الشاطئ ط . القاهرة 1963 . (13)  حسن ابراهيم حسن وطه احمد شرف " المعز لدين الله " ط . القاهرة  1964 . ( 14 ) محمد كامل حسين " تاريخ الدولة الفاطمية " ط . القاهرة 1958 . (15) حسن حسنى عبد الوهاب " ورقات عن الحضارة العربية بافريقية  التونسية " ج 1 . ط مكتبة المنار تونس 1965 (16) محمد عبد العزيز مرزوق " الفنون الزخرفية الاسلامية فى المغرب والاندلس ط . دار الثقافة بيروت بلا تاريخ .

Encyclopedie de I' Islam ( nouvelle edition ) article : isma' iliyya(17 par W . Madelung. .  Vie de I' Ustadh Jaudhar ecrite par Monsour le secretaire 18) traduite de l' arobe par Marius canard . Alger , 1958. .  19)Henry Corbin < Histoire de la philosophie islamique des origines jusqu' a la mort d' Averroes ( 1198 ) T .l Ed . Gallimard , 1964 Etc...

اشترك في نشرتنا البريدية