استجواب ((الفكر))
س : فى غمرة الاحتفالات بالعيد الثلاثين لمجلة ((الفكر )) ما هو شعوركم ؟
ج : هو هذا الشعور الذى يمتلك نفس الوالد تجاه ولده . يشهد مولده ثم يتتبع خطاه سنة بعد سنة وهو يراه يكبر ويشتد عوده .
هو هذا الشعور الذى يجعل الوالد يحمد الله الذى هداه الى أقوم مسالك تربيته ليتخطى ولده هذه السنوات الثلاثين فاذا هو فى ريعان شبابه أصلب عودا أمام الاحداث وأقوى ما يكون على مواجهة المستقبل .
هو شعور من لم تثنه الغوائل التى ثنت عزائم الكثيرين ممن غامروا وبعثوا مجلات ثم اضطروا الى التأثر بمقتضيات التقطع فى الصدور أو الى الاضطرار الى ايقافها تسليما بالامر الواقع والانحناء أمام ضغوط الواقع وواقعية ضعاف النفوس .
وهو شعور من نجح فى ان يمكن أجيالا من الادباء التونسيين من التعريف بانتاجهم وحثهم على اثبات وجودهم فى الكتابة بالصمود أمام تنكر المتنكرين وسخرية الساخرين ونقمة وحسد الحاسدين . وهو شعور من ساهم فى اخراج الادب التونسى من الطوق الذى أحكم حوله وجعله لا يتخطى حدود تونس فأصبح بفضل ( الفكر ) معروفا لدى الاوساط الادبيه العربية والاجنبية .
وهو شعور من كرس جهوده لخدمه قضايا تمس بكياننا العربى الاسلامى وتتعلق باحلال الحوار بيننا وبين سائر الثقافات والحضارات .
وهو شعور من يعتقد رغم كل هذا المجهود المسترسل طيلة ثلاثين سنة أنه لم يقطع الا شوطا قصيرا فى هذه الملحمة التى يخوضها التونسى باعتباره منتسبا الى الحضارة العربية ليثبت ذاته فى هذا العالم الزاخر بالمتناقضات والغارق فى خضم من الصراعات .
هو اذن شعور بالعطف والحدب وشعور بالنخوة والاعتزاز انه شعور أيضا براحة الضمير قياما بالواجب وخدمة للمبادئ وهو الى ذلك شعور بالتواضع أمام جسامة العبء وما تنتظره الاجيال القادمة من متواصل الخدمات والجهود فى سبيل خدمة الثقافة والادب بهذه الديار .
س : بعد صدور مجلة (( الفكر )) مدة ثلث قرن هل حققت أهدافها ؟ واذا كانت لها غايات تطمح اليها فما هى ؟
ج : اذا كان من أهداف صاحب مجلة (( الفكر )) أن تصمد مجلة ثقافية ثلاثين سنة دون انقطاع حسب توقيت مضبوط ( أول كل شهر ) وتضرب رقما قياسيا فى الاستمرارية ولم يصبها ما أصاب كل المجلات الثقافية من الانقطاع أو التقطع فى الصدور فهذا هدف من الاهداف حققته .
واذا كان من أهداف هذه المجلة أن تجمع حولها ثلة من الادباء من مختلف المشارب الادبية والفكرية فى اطار التسامح والتقدير المتبادل وان تفتح مع ذلك لاجيال الشباب المتعاقبة فرص الكتابة على صفحاتها فتبرز بذلك صورة أمينة وحية للادب والفكر فى تونس فقد حققت هدفا من أهدافها .
وإذا كان من أهداف المجلة أيضا أن تمكن الادب التونسى من تكسير الطوق الذي ضرب حوله وتنشره بين الناس فى الوطن العربى ويكون مرجعا للباحثين والدارسين فى العالم فقد حققت المجلة هدفا آخر من أهدافها .
واذا كان من أهداف مجلة (( الفكر )) أن تستقطب الاذهان وتلفت الانظار الى مشاكل تونس المستقلة : مشاكل اثبات الذات العربية الاسلامية ، مشاكل التطور والنمو ، مشاكل الحوار مع الثقافات الاخرى . من خلال الاهتمام بميادين عديدة تخص التربية والثقافة والعلوم من حيث هى أساس استكمال المناعة والقوة فان المجلة قد حققت هدفا من أهدافها .
ولعل الحديث يطول عما حققته هذه المجلة من أهداف رسمتها لنفسها بانتظام افتتاحياتها الا أنه يمكن القول أن الطريق ما زالت طويلة وأن ما وصلت اليه انما هو انطلاق محمود فى سبيل غايات أخرى وأهمها الزيادة فى رواج المجلة فى الوطن العربى احكاما لمد الجسور بين الاقطار العربية وضمان التلاقح المجدى بين النخب العربية حتى تتكامل وتصل الى انتاج ما من شأنه أن يلفت انظار العالم بخصائصنا وابداعنا ويجعلنا نساهم فى الثقافة الانسانية برصيد مرموق يعترف به القاصى والدانى .
كما أنه من الغايات التى نطمح اليها هو أن نجعل من الثقافة - اذ الادب والفكر ليس الا وجها مشرقا منها - المحرك الاساسى لنهضة البلاد العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا . ذلك أن الخلاقين المثقفين فى صورتى الاخذ والعطاء اذا حزموا أمرهم وأشاعوا فكرهم فى بيئات تتقلص منها الامية شيئا فشيئا قادرون على تغيير الاوضاع وترقية الاذهان والرفع من شأن الانسان .
س : برغم الظروف الصعبة والأوضاع المتناقضة التى يحياها العالم العربى كيف ترون للثقافة والفكر دورا أساسيا فى تقريب الشقة والقضاء على الحواجز التى ما تزال قائمة بين أبناء الضاد فى المغرب والمشرق ؟
ج : صحيح أن الحواجز ما تزال قائمة بين أبناء الضاد والاسباب عديدة وتتمثل خاصة فى التفاوت الحاصل بين تطور هذا البلد أو ذاك ودرجة نهضة هذا القطر أو ذلك وهو أمر يرجع إلى أسباب تاريخية متصله بعصور الانحطاط وعهود الاستعمار .
ثم ان اختلاف الانظمة السياسية العربية قد عمق هذه الحواجز فبدت صعبة التذليل ويجب ألا نغفل عن التأثيرات الاجنبية سواء السياسية منها أو الايديلوجية التى حققت بعض أغراضها فى بث الفرقة وتعميق العزلة بين
الاشقاء وليس من سبيل الى الخروج من هذا المأزق الا بعمل سياسى مشهود يتمثل فى عقد قمة بين الرؤساء والملوك للاتفاق حول خطة ثقافية ترتكز أولا على توحيد المناهج التربوية وتوازيها فى الآن نفسه سياسة ثقافية موحدة تتجاوز المشاكل السياسية .
ويبدو هذا اليوم كأنه ضرب من الخيال ولكن لا بد من أن نقدم على ذلك لانه لو تأخرنا فى تحقيق هذه الامنية فاننا سنزيد العراقيل والحواجز صلابة وستجعل من تقوقع الاقطار العربية على نفسها حقيقة لا ريب فيها وهو أمر لا يخدم لا الثقافة ولا الفكر بل يكون سببا فى احلال العقلية النحلية محل التحرر الفكرى وفى تفشى التعصب والدغمائية محل التسامح وسعة الرؤية وكل هذا يولد العنف والدمار ويؤول الى انحسار النهضة وتقهقرها والى تعميق الهوة الفاصلة بينها وبين الامم المتقدمة .
وليس من خيار لنا الا أن نصدع بالواقع ونرجع الى القيم الخالدة كما فعل الكثيرون من الفلاسفة والعلماء الاجانب بالنسبة الى أصولهم الحضارية ونتعظ بالماضى ونسلم بأن الثقافة الحق لا تينع وتزدهر وتبدع وتبتكر الا فى مناخ من الحرية والانعتاق .
