خطرت ببالى ، وانا معكم في هذه الندوة اللطيفة الطيبة ، بعض التساؤلات التى ربما يتساءلها بعض الشبان من الادباء والطلبة وبعض من ليست لهم سابق معرفة او علاقة بسى البشير خريف . هذه التساؤلات ربما تكون : اولا ماذا يطالع سى البشير ؟ ثانيا : ما هي اهم الكتب التى طالعها ؟ ثالثا : من هم أهم الادباء الذين يحبهم ويميل اليهم ؟ رابعا واخيرا : من هم الكتاب الذين تأثر بهم وظهر ذلك التاثير فى انتاجه الادبى ؟
فهذه التساؤلات ربما وجد لها اصحابها اجوبة وهم يشاهدون سى البشير بيننا (او شاهدوه في المدينة عشية جالسا فى مقهى المغرب او مقهى باريس او مقهى البريد في باب المنارة او فى مطعم من مطاعم العاصمة ليلا ) هكذا كما نشاهده الآن رجلا وسيما بهيا يلبس الجبة والبرنس فى الشتاء ، ويلبس الكلباك واحيانا الشاشية ويلبس الجبة البيضاء والعراقية البيضاء فى الصيف عند شدة الحر فزيه دائما زى تونسى تقليدى ، تراه هاشا ناشا دائما لطيفا ظريفا ، هادىء النبرات حلوها، طريف النكتة خفيفها ، طريف الحديث يتناول غليونه او سبسيه من حين الى حين ، ويهتم بتعميره برهة ثم يشعله باناة ويجعل "يجبد جبدات" بمهل معمرا راسه كما يقول .. ويتحدث مبتسما ، منشرح الاسارير تمر الساعات كانها دقائق وهو يتحدث عن كتاب قرأه او محتوى مجلة طالعها .. نقول اذن ، ان من يشاهد سى البشير هكذا يعتقد انه من احد ادبائنا الكبار الذين يطالعون المعلقات والدواوين القديمة والشعراء المخضرمين والامويين والعباسيين وكتاب الاغاني ، والعقد الفريد .. فهذه الاجابة صحيحة ، فسى البشير طالع ويطالع هذه الكتب كلها ومن من الادباء من لا يطالعها ولا ينظر فيها ولا يهتم بكنوزها الاهتمام كله فهذه الكتب هى تراثنا العربى الذى نعتز
به كل الاعتزاز .. وزد على ذلك فسى البشير يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويستحضره على طرف اللسان كما يقال وهو عندما يريد ان يستشهد بآية فانه يأتي بها بسرعة ولا يدخل آية فى آية ، لا تطغي عليه المتشابهات ولا يتوقف ولا يغير كلمة بكلمة ولا حتى حرفا بحرف .. ومع ذلك فهو ولوع بطوق الحمامة وبالف ليلة وليلة وكتاب الرحالة بن بطوطة.
وسى البشير بلغ الخامسة والستين من عمره كما قال اخونا عبد اللطيف عبيد او انه فى الرابعة والستين ولا يبلغ الخامسة والستين الا فى شهر افريل ما زال (كما قال سى البشير) ومع ذلك وكثرة معرفتى به فانى اجزم جزما قاطعا انه شاب ينبض حيوية له عواطف شباب كلها لم يترك منها شيئا .. يقال ، هذا صحيح ، ان من لا يعرف الحب عنده نهاية ، وان الذى ينبض قلبه حبا دائما يبقى شابا دائما لا يعرف الى الشيخوخة سبيلا .. وهذا حديث يطول .. لكن .. اريد ان ابتعد رغما عنى ، مع معرفتى ويقينى ان الرجل بقوة شخصيته ، يتحمل مسؤولياته كلها ، وانه يعتقد كل الاعتقاد فى كل كلمة يقولها وكل كلمة يكتبها .. ككل رجل بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، وككل كاتب اصيل شجاع صادق ... لكن المقام لا يسمح .. اذن نعود ونتحدث ، ونجيب عن التساؤلات التى اردت طرحها فى اول حديثي هذا عوضا عن اصحابها ، واتابع قائلا ان الادب كالحب ليس له حدود كما يعرف الجميع ، وسى البشير يهتم بادبنا التونسي غاية الاهتمام كما انه يهتم بالاداب الاجنبية اهتماما بالغا فمع تكوينه الخلدوني الذي جعله يحذق اللغة العربية الحذق كله فسى البشير يحسن الفرنسية الى حد بعيد ويتكلمها بسهولة كاملة ولا يتوقف عند الحديث بهذه اللغة الاجنبية لقرار كلمة او العسر فى تعبير .. وله معرفة جيدة بالادب الفرنسي فانه يستطيع ان يحدثك عن (كرناى) و (رسين) كما يستطيع ان يحدثك عن (مليار) كثيرا ولا غرابة فى اعجابه بمليار الاعجاب الكبير كما انه طالع شعر الناقد (بوالو) وتعمق فى قصص (فلتار) الفلسفة وانكب على مؤلفات ( ج . ج . روسو ) طويلا . . ونسرع ونقول ان سى البشير احب ومازال يحب صالونات القرن الثامن عشر واحب ومازال يحب ويعشق بعض السيدات اللواتى اعتنين بصالونات ذلك العصر وتابع آثارهن واقتفى اثرهن مدة من الزمن وعندما يتحدث عنه يتحدث بشغف كبير . قرأها قراءة المتبصر الناقد ووقف عند الامبراطور (فتلوبوبول) واعجب به وقد اجل ما كتب عنه وقرأ له مذكرات ( ستي ملان ) . وبعد تعمقه فى كتب (شتو بريون) انتقل الى (فكتور هفو) واعجب
بقوله ودفق شعره لكن خير عليه (أ. دوماس الاب) ويحفظ كثيرا من شعره وتتبع جيدا حب (ميسا) لـــ (ج . سان) وما لقيه من عذاب . وطالع (بلزاك) كثيرا كما انه طالع بامعان مؤلفات (فــ . فلابار) : (مدام بوفاري) وقرأ كتابه المشهور (Salambo) بامعان وروية لما لهذا الكتاب من علاقة بتاريخ بلادنا .
وسى البشير اهتم بالادب البريطاني وقرأ جل كتب (دانكى دموفيى) وكتب الاختين (إملى برونتي) و (شارلوت برونتتى) كما اهتم بكتاب امريكا الجنوبية ..
وسى البشير يميل كثيرا الى مطالعة يوميات الكتاب يطلع هكذا على حياتهم الادبية واليومية ويجد فى ذلك كثيرا من الفوائد التاريخية ما لا يجده فى كتب اخرى كما يميل الى مطالعة الادب النسائى ويقول لى احيانا " تعرف انا نحب نقرا كتبا كتبتها نساء على خاطر نلقي فيها أفكار ونظرة للحياة وملاحظات دقيقة واحاسيس ما نلقاهاش عند الكتاب الرجال".. فاهتم اذن وطالع كتب الاختين (بنورتي وفلر - فرولت) واهتم كثيرا بــ (سمون دى بوفوار) وهو يفضلها على الادبيات كلها وربما على الادباء كلهم ويطالع كتبها باستمرا وهو مولع بها اشد الولوع الى حد انه يقول لى فى بعض الاحيان " شوف، شوف ، ويرينى كتابا من كتبها ، رانى ديمه نقرا فيها وديمه ما نشبعثى وفي الليل قبل ما نرقد رانى قريب نعرس بيها ويضحك ضحكة من ضحكاته اللطيفة الهادئة.." وسى البشير على خلاف جل الادباء ، والحق يقال ، لا يرغب ابدا في مطالعة آثار كتاب القصة فى الشرق ولا يعرف عنهم الا القليل ويقول لى عندما بدور الحديث حول كاتب ما او رواية ما يقول لى : " نعرف كلهم يقلدوا كلهم يقلدوا كل ما يكتب في الغرب.. وسى البشير يهتم كما قيل بالادب التونسي ويطالع لجل كتاب القصة فى بلادنا ويهتم بانتاجهم.
اعود اذن واتحدث عن التساؤلات التى طرحتها فى اول هذا الحديث وانتقل الى السؤال الاخير وهو : من هم الكتاب الذين تأثر بهم سى البشير ، فائروا فى انتاجه ؟ فكل من يطالع ادب سى البشير يعرف انه رغم التيارات التى وجدت والتي لا تزال قائمة فى الاداب الاجنبية ورغم عمالقة الادب الذين استطاعوا ان يؤثروا في عدد كبير من الكتاب فى الشرق والغرب كافكا مثلا استطاع ان يؤثر في عدد ضخم من الكتاب و (سيلين) اثر فى جل كتاب
القصة في القرن العشرين في فرنسا ، (سارتر) نفسه تائر به ولا يخفى ذلك بل صرح به علانية .. فرغم التيارات الجارفة الطاغية المزلزله لكيان كثير من الكتاب فالبشير خريف بقى البشير خريف كما هو ، صد ولم يمل مهما هبت تلك الرياح العاصفة ، ولا يتزحزح . وقيثارته الخاصة لم تغير اوتارها ولم تعوض باوتار مستوردة لانه كاتب اصيل فنان تونس بقى تونسيا عبر عما يجب التعبير عنه بطرافته المعروفة بكل صدق واخلاص.
لكن ... لكن اسأله من حين لآخر ملاطفا قائلا : " يا سى البشير علاش ما تكتبشى ؟ "
فيجيبنى بقلق بطلت يا محمود ، بطلت ، سئمت ، فديت . الكتابة توه صعبت ومشاكلها ابزايد وكل كتاب عندى عنده مشكلة ، كل قصة عندها مشكلة ، ومحامين ومحاكم تعبت وماعادش نحب هذه المشاكل . ينشروا الكتب متاعي ويعاودوا طبعها من غير ما نعلم ، يقتبسوا منها من غير ما نعلم يمثلوها ويخرجوها فى افلام من غير ما نعلم ها وشوف ويفتح كتاب نصوص للتعليم الثاني شوف يا محمود ها الكتاب هذا الثمن متاعه الدقلة فى عراجينها شوف ويقدم لي كتاب برق الليل فى لغة اخرى فى مظهر جديد غريب لا نعرفه ، شوف هذا برق الليل ترجم للاسبانية وقدموه لى هدية ..
ليثر ثائر اصدقاء سى البشير ويثر سائر كل من يطالع ادبه ويحبه وليصرخوا باعلى اصواتهم ان سي البشير صدم ، صدم في اعز ما عنده فى ادبه حتى يئس اليأس كله وحطم قلمه منذ سنين عديدة وبقى ينظر فى صمت وسخرية ، سخرية يرسلها فى ضحكات عن تجار الادب وعن المتكالبين على المال ..

