ان الجاحظ فضلا عن كونه أديبا قبل كل شىء ملاحظ سياسى وناشط معا ، فمتى عدت الى بعض المصادر التاريخية التى تشير الى أبى عثمان ، ومتى نظرت كذلك فى كتب الأدب القديمة رأيت أن الاختلاف فى شان صاحبنا شديد ، وأن أهل الادب ومن أعتنى به من المؤرخين فى أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فئتان : فمن مناصر يراه ذائدا العرب بل جاعلهم فوق الاجناس ، ويراه مدافعا عن السلطة المركزية ، سلطة بنى العباس يومئذ وهم من بنى هاشم ؛ ومن عائب يروم الغض منه كابن قتيبة القائل عنه فى (( تأويل مختلف الحديث )) : (( ويبلغ به الاقتدار الى أن يعمل الشئ ونقيضه ويحتج بفضل السودان على البيضان . . . ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين )) . وهذا المسعودى من زمرة العائبين يقول فى (( مروج الذهب )) عن المعتزلة وعن الجاحظ فى شأن الشعوبية : (( وقد زعم جماعة من المتكلمين منهم ضرار بن عمرو وثمامة بن أشرس وعمرو بن عثمان الجاحظ أن النبط خير من العرب )) .
فأنت ترى ان مشكل الشعوبية عند الجاحظ يبقى غامضا ما لم تعد الى مؤلفات صاحبنا بالدرس والتمحيص اذ ان مؤرخى الادب المعاصرين اما خبطوا فى ذلك خبط عشواء واما لم يستقصوا الدرس العلمى الصحيح للبت فى شأن الشعوبية عند الجاحظ .
أجل قد يذهب بك التسرع الى الجزم بان المسعودى وابن قتيبة قد اصابا عندما رميا الجاحظ بالحط من شأن العرب وبتفضيل غيرهم من الامم عليهم ، وتقول : هذه كتبه ورسائله تدل على ذلك ، وحسبك دليلا على شعوبيته وتعصبه على العرب رسالته (( فضل السودان على البيضان )) (1) وفيها يذكر أبو عثمان مناقب السودان ومفاخرهم على البيضان عامة وعلى العرب خاصة ويكاد لا يذكر للعرب فضلا . وقد تجد مبررا لموقف اديبنا هذا ولموقفك انت منه فيما حملت لنا كتب الأدب من أخبار تشير الى أن الجاحظ مولى كنانة
وأنه زنجى الاصل يجرى فى شرايينه دم السودان وأراك تلح على بالعود الى كتاب (( فخر السودان على البيضان )) وتشير على بامعان النظر فى قول الجاحظ على لسان الزنج : (( وقال النبى صلعم بعثت الى الأحمر والاسود وقد علمت أنه لا يقال للزنج والحبشة والنوبة بيض ولا حمر ، وليس لهم اسمر الا السود ، وقد علمنا ان الله عز وجل بعث بنبيه ( الى بنى آدم ) كافة والى العرب والعجم جميعا ، فاذا قال بعثت الى الاحمر والاسود ولسنا عنده حمرا ولا بيضا وقد بعث الينا فانما عنانا بقوله الاسود ولا يخرج الناس من هذين الاسمين فان كانت العرب من الاحمر فقد دخلت فى عداد الروم والصقالبة وفارس وخراسان ، وان كانت من السود فقد اشتق لها هذا الاسم من اسمنا وانما قيل لهم وهم أدم وسمر وسود حين دخلوا معنا فى جملتنا كما تجعل العرب الاناث من الذكور ذكورا )) (2) . فانظر اليه كيف ارجع جميع الاجناس الى الحمر والسود فطمس بذلك الجنس العربى وادخلهم فى عداد الروم والصقالبة وفارس وخراسان ان كانوا من الحمر ، وفى السود ان كانوا من السود ، وخص الزنج بلقب (( السود )) وافردهم به ، وجمع الاجناس الباقية من عرب وروم وعجم وغيرهم فى لقب واحد (( الحمر )) وكان الجاحظ ، بهذه العملية ينتصر على لسان الزنج للسودان على البيضان عامة وعلى العرب خاصة ، ثم انه ذهب الى ابعد من ذلك حين ادخل العرب فى جملة السودان وشبه الزنج بالذكور والعرب بالاناث ، وللذكر عند العرب شان عظيم ، وقال : (( وانما قيل لهم ( للعرب ) وهم ادم وسمر سود حين دخلوا معنا فى جملتنا كما تجعل العرب الاناث من الذكور ذكورا )) .
ويستمر الزنج فى الافتخار وتقديم السودان على البيضان وعلى العرب خاصة فى المناقب وحتى فى الدعوة الاسلامية ؛ فاسمع اليهم يقولون : (( فان كان اسم السود وقع علينا فنحن السودان الخلص والعرب أشباه الخلص فنحن المقدمون فى الدعوة )) ص 76 .
ويفتخر السودان بتقدمهم فى الدعوة الاسلامية كما يفتخرون بوفرة عددهم ، ويفتخرون بجمالهم وكمالهم على حد قوله : (( ولو رايتموهم ( اى السودان ) نسيتم الجمال والكمال )) كما يفتخرون بشيمهم الفكرية والصناعية . قال - بعد ان اعتبر الهند من السودان - : (( وتعلمون ما فى الهند من الحساب وعلم النجوم واسرار الطب والخرط والنجر والتصاوير والصناعات الكثرة العجيبة )) ص 77
وقال الجاحظ فى موطن آخر على لسان الزنج : (( ولنا بعد معرفة بالتفلسف والنظر ونحن اتقف الناس ولنا فى الاسرار حجة )) . ( ص 81 - 82 )
ومن طريف ملاحظاته اشارته الى حذق اهل السند - وقد اعتبرهم من السودان - الصيرفة ، وتفوقهم على غيرهم من الشعوب فى تلك المهنة ، قال : (( ومن مفاخرهم ان الصيارفة لايولون اكيستهم وبيوت صروفهم الا السند واولاد السندلانهم وجدوهم انفذ فى امور الصرف واحفظ وآمن ولايكاداحدان يجدصاحب كيس صير فى ومفاتيحه ابن رومى ولا ابن خراسانى )) . ص (85 ) ولقد بلغ من تبرك التجار بأهل السند لبراعتهم فى امور الصرف ان (( صيارفة البصرة وبنادرة البربهارات لما رأوا ما كسب (( فرج ابو روح السندى )) لمولاه من المال والارضين ، اشترى كل امرئ منهم غلاما سنديا طمعا فيما كسب ابو روح لمولاه )) . ص 85
ولا نريد ذكر جملة مفاخر السودان ، ففيما ذكرنا شاهد على موقفهم الدفاعى ، ودليل على شعوبيتهم . وكان الجاحظ يرتاح لحججهم اذا لا يحاول دحضها ولا فرع برهان ببرهان ، فهو لا يقابل بين مفاخر الزنج ومفاخر العرب حتى يظهر فى مظهر الواصف المتجرد .
لكن لا تظن ان الجاحظ يرتاح لمفاخر السودان على البيضان ويوافقهم فى ثلب العرب عند ما يعرض عن الرد عليهم ودحض حججهم . وتبدو لك الرسالة كانها ناشئة عن رغبة فيها اذ يقول الجاحظ مخاطبا من اهدى اليه كتابه : (( انك قرات كتابى فى محاكمة الصرحاء للهجناء ورد الهجناء وجواب اخوال الهجناء وانى لم اذكر فيه شيئا من مفاخر السودان فقد كتبت لك ما حضرنى من مفاخرهم )) (ص 57) . فهل ان هذه الرسالة حقا من ادب المناسبات كما تبدو فى لهجة تقديمها ، ام هذه طريقة تعودها الكتاب فى تقديم كتبهم ؟ نحن لا نستطيع الجزم بشئ ، ومهما يكن من امر فالعصر كان عصر نواد ادبية سياسية ، فيها يقع الاخذ والرد ويمتزج الجد والهزل وتثار شتى المشاكل التى تشغل الافكار يومئذ ، وكانت هذه النوادى حوضا منه يغترف الادب والسياسة ، ومن المحتمل ان الحديث كان يدور فى تلك المجالس حول السودان والعبيد ، والسودان عددهم كثير ناهيك انهم كانوا فى ذلك العصر مضطهدين يجلبون من افريقيا ويعرضون فى الاسواق للبيع كما تعرض
البضاعة ، وكانوا يوجدون فى كل دار تقريبا ويسخرون للاعمال الشاقة المنهكة فى مزارع العراق وكان ذلك من بين الاسباب الهامة التى أدت الى قيام ثورة الزنج وتخريب البصرة وتقويض اركان الخلافة العباسية ، فمن المرجح أن يتحدث عن طبقة السودان كما يتحدث عن الطبقات الأخرى ، ومن المحتمل أن يكون حقيقة قد طلب من الجاحظ أن يكتب هذه الرسالة ، ومن المتيقن أن المفاخرات بين الاجناس يومئذ كان أمرا متداولا معروفا اذ يؤلف الجاحظ فى مناقب الاتراك كما يؤلف فى فضل هاشم على عبد شمس ويكتب رسالة فى فضل الموالى واخرى فى مفاخر السودان .
ولكن هل كان جادا فى كتابه (( نخر السودان على البيضان )) ام هازلا ؟ انك لا ريب تشعر من خلال النص أن أبا عثمان يسخر من أحاديث السودان أيما سخرية وتحس احساسا فحسب ، لان صاحبنا لا يلجأ الى التصريح بانه يتهكم عليهم امر التهكم ! والتهكم قد اعتدناه من الجاحظ ذلك المفطور على السخرية والضحك .
نعم انك تجد امورا جدية كافتخار السودان (( بلقمان الحكيم )) (( وبمكحول الفقيه )) وبفصاحة لغتهم وخفتها على الالسن على حد قولهم : (( وليس فى الارض لغة أخف على اللسان من لغتهم )) . ص ( 66 )
لكنك الى جانب ذلك تجد حجة من هذا القبيل : (( قالوا : وانتم لا تكادون تعدون ممن ولد له من صلبه مائة ولد . . . والزنج لا تستكثر هذا ولا تستعظمه لكثرته فى بلادهم لان الزنجية تلد نحوا من خمسين بطنا فى نحو من خمسين عاما فى كل بطن اثنان فيكون ذلك اكثر من تسعين بطنا لانه يقال ان النساء لا يلدن اذا بلغن الستين )) . ( ص 78 ) فالحجة من باب الهزل والنكتة لان الافراط فى المدح بوفرة نسل الزنجية باطنه ذم ، وان كان العرب يرون كثرة العدد مجدا . فخبر نى هل رايت امراة تلد تسعين او هل سمعت بذلك . فكانى بالجاحظ يغالطنا وشغف العصر بالمغالطة ، اى بمنطق المغالطة La Sophistique عظيم ، ثم ان السفسطة وليدة الجدل والجدل وليد النوادى ويبدو الولع بالمغالطة فى كل سطر من رسالة (( فخر السودان على البيضان )) . ويكفيك دليلا على ذلك المثل الذى أوردناه والذى يحاول فيه السودان عن طريق منطق المغالطة ارجاع الجنس العربى بل الاجناس كلها الا عددا ضئيلا - الى عنصرهم الزنجى وبذلك يصلون الى نتيجة أنهم هم المقدمون فى الدعوة الاسلامية لا العرب ، وأنهم هم الخلص والعرب أشباه الخلص بل قل الهجناء .
وأقرأ لمزيد تيقن من أن الجاحظ يحب النكتة وينشط لها قول السودان (( والذى يدل على أن السواد فى وجه آخر مقرون بالشدة والصرامة والهيج والحركة انتشار الحيات والعقارب وشدة سمومها بالليل ، وهيج السباع واستكلابها بالليل وتحرك الاوجاع وظهور الغيلان هذه كلها بالليل ، قالوا وأشبهنا الليل من هذا الوجه )) . (ص 73) والعجب كل العجب من قوم يشبهون انفسهم بالمسك والعنبر وهما اسودان كيف يرضون ان ينعتوا بالسباع فى هيجانها واستكلابها وبالحيات والعقارب السامة التى تشمئز النفس منها وعنها بفر الناس
هنا يبدو عبث الجاحظ لان الزنج يظهرون بمظهر الوحوش لا بمظهر البشر ، بل هم (( غيلان )) ! فكيف يحق لهم الفخر على الاجناس البشرية الأخرى لقد الح الجاحظ عن قصد فى تشبيه السودان بالسباع وشبههم خاصة بالكلاب ، فانظر الى قوله : (( أطيب الأفواه نكهة وأشدها عذوبة وأكثرها ريقا افواه الزنج ، والكلاب من بين السباع اطيب أفواه منها . )) (ص 79) فهل سمعت امر من هذا التهكم واقذع . ما اظن ان الجاحظ فى رسالته ينصف السودان وما أظنه يورد لنا بكل تجرد أقوالهم وحججهم ، فلقد كان الجاحظ يمقتهم ولا يرحمهم ، وأى شىء أدل على ذلك من قوله فى (( كتاب الحيوان )) : (( ويكون مثله ( أى مثل الغراب الحالك السواد ) من الناس الزنج فانهم شرار الناس وأردأ الخلق تركيبا ومزاجا ، كمن بردت بلاده فلم تطبخه الأرحام أو سخنت فأحرقته الارحام . )) ( 3 ) فهم شرار خلق الله وكأن سيماء هذا الشر فى وجوههم ، فهم أردأ الخلق تركيبا ومزاجا ، وأقرأ لتزداد تيقنا من بغضه للسودان ، ما جاء فى الجزء الثالث من (( الحيوان )) ايضا ايضا : (( ومثل ( سود الحمام) من الناس الزنج فان ارحامهم جاوزت حد الانضاج الى الاحراق وشيطت الشمس شعورهم فتقبضت )) . ( ص 245 ) ولئن كان الجاحظ يريد العلم والاستنباط وبحث العلل والمسببات ، فان ملاحظاته فى شأن السودان لا تخلو من بغض وتهكم مر . ففى قوله : طبختهم الارحام و (( جاوزت حد الانضاج الى الاحراق )) تمثيل لعمل مزاجى physiologique بحادث عادى وهو طبخ الاكل فى القدر وانضاجه على النار ، وفى هذا الاسلوب المجازى استهجان ظاهر . هو حانق فيعبر عن حنقه باحتقار ، وكأنه يستحلى سواد الزنج فى قوله : طبختهم ارحامهم (( وجاوزت حد الانضاج الى الاحراق . )) لقد كان الجاحظ
يمقت الزنج وان قيل عنه ان فى شرايينه شيئا من دمهم ، ولعله كان يمقتهم لشعوبيتهم ، ولشىء فى نفسه .
وكثرت الشعوبية فى عصر الجاحظ فحوت كتب صاحبنا ورسائله فخر هم على العرب وفخر العرب عليهم . فهذه رسالة فى (( مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة )) (4) تزخر بالاأمثلة الدالة على نشاط الشعوبية يومئذ . لقد شعر الجنس الأجنبى بذاته وأراد أن يفرض نفسه وأن يزاحم العرب فى الحكم ، و بقطع النظر عن نوايا الجاحظ السياسية فى رسالة الاتراك فأنت تسمع حجج الشعوبية على لسان البنوى والتركى والخراسانى والمولى والعربى . ثم عند ما يتعرض الجاحظ نفسه لذكر بنى هاشم أى خلفاء بنى العباس يجرى قلمه بمناصرة الدولة العباسية فى نفس غنائى تطرب له ، فاسمع الى قوله : (( وهاشم موضع العذار من خد الفرس والعقد من لبة الكعاب ، وهو الجوهو المكنون والذهب المصفى وموضع المحة من البيضة والعين فى الراس والروح من البدن وهم الأنف المقدم والسنام الاكوم والطينة البيضاء والدرة الزهراء والروضة الخضراء والذهب الاحمر )) فهو يخضع وير كع لبنى العباس فى أسلوب شعرى كما ير كع للوزير الفتح بن خاقان .
وتفتح رسالة الاتراك فترى الجاحظ يثير على لسان رجل من عامة جلساء الفتح بن خاقان لا يذكر ابو عثمان اسمه وانما يدعوه بالمتهجم والمستبد والمتعسف ، مشكلة سوف يتولى فى كامل الكتاب تفنيدها وهى مشكلة انقسام جند الخلافة الى خمسة اقسام او طوائف متطاحنة غير مؤتلفة : بنوى وخراسانى وتركى ومولى وعربى . فهل عقد هذا المجلس ؟ لا ندرى فمن المحتمل ان يكون ذلك صحيحا ، وقد يكون هذا النوع من التقديم طريقة فى التصنيف . وعلى كل حال فان التفاخر والتساجل والتناحر بين الأجناس كان يكثر فى النوادى يومئذ أو ان أردت فقل ان صدى المساجلات كان يصل الى النوادى على الاقل .
ومهما يكن من أمر فان الجاحظ عند ما يحدثك عن انقسام جند الخلافة يفيدك ايما افادة ، وتستخلص من رسالته ان الجيش الاسلامى كان غير ملتحم الاجزاء فى عصره لاجل الشعوبية . فلقد كان الجيش العباسى يضم يومئذ اجناسا
مختلفة ، وكان يعتمد منذ فجر دولة بنى العباس على عناصر اجنبية ، من بربر وأكراد ، وديلم ، وزنج وصقالبة وترك جلبوا صغارا كعبيد من أواسط آسيا وشمال البحر الاسود ، واتخذ هؤلاء جميعا الجندية مهنة تجلب لهم الرزق (5) فلقد انتشرت الشعوبية حتى عمت الجيش وكان لكل فرقة مناقب وفضائل تريد أن تدلى بها للفرق الاخرى .
يقول الخراسانى : (( نحن فتحنا البلاد وقتلنا العباد وأبدنا العدو بكل واد ونحن اهل هذه الدولة واصحاب هذه الدعوة . )) ويفخر الخراسانيون بقوة الاجسام والمناكب العظام والجباه العراض والقصص الغلاظ والسواعد الطويلة والشوارب المعقربة وبطرقهم (( السيكولوجية )) التهويلية فى الحرب من دق الطبول والنفخ فى المزامر وحمل الرايات ، كما يفخرون بفضلهم فى قيام دولة بنى العباس . ثم يفخرون بالعقل الثاقب ، والرأى الثخين والتبريز فى العلوم ، كما ينزهون نفوسهم عن انتهاك الحرم فيقولون : (( ولسنا كجند الشام والمتعرضين للحرم والمنتهكين لكل محرم ونحن ناس لنا أما أمانة وفينا عفة . " وترى مختلف الاجناس يفخرون بنفس الشيم ، فيتغنى التركى بالشجاعة فى الحرب وشدة البطش بالعدو والتبريز فى العلوم كما يتغنى بذلك البنوى او الخراسانى ، حتى النسب العربى فانهم اشتركوا فيه جميعا
وهكذا يبرز لك الجاحظ السياسى الذى يحاول التوفيق بين عناصر الجند المتنافرة ويرمى الى تدعيم السلطة المركزية ، سلطة بنى العباس الهاشميين ، فبفضل عملية حسابية من منطق المغالطة يحاول الجاحظ ان يجعل للأجناس الخمسة نسبا واحدا او يكاد .
فقد ذكر ان (( البنوى خراسانى لان نسب الابناء نسب آبائهم )) مشيرا الى أن البنوى خراسانى من جهة الولادة ، وذكر أن المولى عربى لان (( السنة قد نقلت الموالى الى العرب )) وقديما يعتبر الولاء نسبا . فهذا الفتح بن خاقان فى رده على المتهجم يقول : ((والولاء لحمة كلحمة النسب وعلى شبيه ذلك صار حليف القوم منهم وحكمه حكمهم )) .
ثم ذكر على لسان الفتح بن خاقان أن (( الأتراك شاركواالعرب فى انسابهم والموالى فى أسبابهم )) وأن (( نسب الجميع متقاربة غير متباعدة )) . وأردف
قائلا : )) واذا كان الامر على ما ذكرنا فالاتراك خراسانية وموالى الخلفاء قصرة (( . فانظر معى الى الجملة السابقة الموجزة ايجازا مفرطا كيف حوت عملية حسابية من منطق المغالطة ! انها لتفيد ان الاتراك خراسانية وبما ان الخراسانية موال والموالى قريبو النسب من الخلفاء بالولاء ، والخلفاء عرب ، فالاجناس الخمسة ترجع الى أصل واحد هو الأصل العربى . وهذا الجاحظ ، فى موطن آخر يصرح بذلك ، فاسمع اليه يقول : ((فالبنوى خراسانى واذا كان الخراسانى مولى والمولى عربيا فقد صار الخراسانى والبنوى والمولى والعربى شيئا واحدا )) . ومن الطريف أن نلاحظ أن الجاحظ يورد هنا عكس العملية التى رأيناه فيما قبل ، عند ما تعرضنا لرسالة (( فخر السودان على البيضان )) والتى بها يحاول السودان ارجاع الجنس العربى الى الجنس الأسود ويذهبون الى أنهم أفضل من العرب لان الزنج هم (( الخلص والعرب أشباه الخلص . ))
أما فى رسالة (( مناقب الأتراك )) فان الاجناس الخمسة من جند الخلافة يبحثون عن وثائق نبلهم ويقيمون الحجة على شرف نسبهم بالرجوع الى النسب العربى . ويوفق الجاحظ - وتلك غايته - بين العناصر المتنافرة بان يبرز شرف الجميع ، عندما يرجعهم الى نسب واحد هو النسب العربى . ولئن صرح بفضل التركى فهو يذكر أن (( فضله الى الجميع راجع )) .
وكأن الجاحظ فى سلوكه هذا المنهج يعترف ضمنيا بأن العرب خير الأمم ، وهذا وجه آخر من الشعوبية .
وعلى كل حال فان ما اوردناه من النصوص المستقاة من رسالة فى (( مناقب الأتراك وعامة جند الخلافة )) هام من حيث نفسية الاجانب أو الاعاجم كما أعتادوا تسميتهم اذ تدل هذه النصوص على أن الاجانب اندمجوا تماما- رغم شعوبيتهم - فى المجتمع الاسلامى وأنهم أندمجوا خاصة فى العنصر العربى لذلك تراهم يبحثون عن مفاخر ترضى العرب ، وحاول الجاحظ ارضاءهم . فان الشعوبية بقيت ولكنها اخذت تلجا الى كل الوسائل ، حتى سلاح العرب وهو العصبية العربية فانها لم تتركه بل سخرته لنفسها . حقا انها أخذت من كل حطب وقودا .
وتهمنا كلمة النسب فى نصوص الجاحظ لأنها محور السياسة عند العرب، ظلت كذلك الى ما بعد الاسلام بكثير ، فالعصبية وحب التناصر كانا رائد القوم يومئذ . لكن هل نجد فى كلام الجاحظ صدى لوطنية اسلامية ؟ كلا ! لا نجد سوى تعصب للجنس العربى وما ذلك التعصب الا وسيلة عند الاتراك
والخراسانبين والموالى والبنويين لخدمة أغراض شخصية . ثم ان الوطنية لم تكن موجودة يومئذ وما وجدت حتى فى أيام ابن خلدون الذى ما أنفك ينتقل من بلاط الى آخر فى المغرب العربى يخدم شقا تارة وطورا شقا معاديا حسب الظروف ولقد ترك افريقية (تونس) الى مصر فى آخر الامر .
غرض الجاحظ من رسالته (( مناقب الاتراك )) بين وهو التأليف بين قلوب جند الخلافة ، ثم ان الاتراك كانوا اهل غلظة وشدة وبطش ، واهل وبر استجلبوا عبيدا واصبحوا أسيادا وكانوا مكروهين كرها يليغا من طرف أهل بغداد خاصه عند ما ركضوا براذينهم فى شوارعها وداسوا المارة واستحلوا الديار والحوانيت ونهبوا الناس . وهذا الجاحظ يؤلف فى مناقبهم وكأنه يريد ان يجد لهم ما يكفر عن سيئاتهم امام الجمهور بأظهار مناقبهم اى مزاياهم ويدخل الكتاب بهذه الصورة فى ميدان السياسة ككتاب (( العثمانية )) وكتاب (( فضل هاشم على عبد شمس )) .
رأيت كيف ان الجاحظ يحاول ان يرجع عناصر الجند المختلفة الى الجنس العربى فى رسالة الاتراك ، الا انه يدهشنا فى رسالته (( فى بنى امية )) حين ينكر على العجم والموالى انتسابهم الى العرب . فهاهو يقول : ان (( الحمية لا تبقى دينا الا أهلكته ، وهو ما صارت اليه العجم من مذهب الشعوبية وما قد صار اليه الموالى من الفخر على العجم والعرب )) ( 6 ) فأنت الى حد الآن ترى الجاحظ يظهر بمظهر الاتزان ولا ترى فى موقفه الذى صرح به تناقضا اذ يستنكر الحمية الا ان تعصبه للجنس العربى بفصل العرب عن الاجناس الباقية ونقمته عن الموانى ، وحياده عن مذهبه التوفيقى ، كل ذلك يبدو فى قوله : (( وقد نجمت من الموالى ناجمة ونبتت منهم نابتة تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا ، لقول النبى صلى الله عليه وسلم : (( مولى القوم منهم )) ولقوله (( الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع و لايوهب )) ( ص 29 ) . وبعد ذلك باسطر يضيف قونه (( ان الاعجمي لا يصير عربيا كما ان العربى لا يصير عجميا )) . فاين نزعته التوفيقية ؟
وتسمع من الجاحظ مثل هذا التصريح : (( وليس ادعى الى الفساد ولا أجلب للشر من المفاخرة )) ( نفس المصدر ص 300 ) ثم يفاجئك فى ختام
رسالته (( فى بنى امية )) بقوله : (( وقد كتبت - مد الله فى عمرك - كتبا فى مفاخرة قحطان وفى تفضيل عدنان وفى رد الموانى الى مكانهم فى الفضل والنقص والى قدر ما جعل الله تعالى لهم بالعرب من الشرف )) ( ص 300 ) .
وكيف يمكن للجاحظ وهو بازاء منافرات ومساجلات وفخر قوم على قوم ، أن تكون كتبه (( عدلا بينهم وداعية لاصلاحهم )) . ( ص 300 ) ؟ وقد يؤدى التنافر باللسان ، والتفاخر بالقول الى المواجاة بالخناجر والمطاعنة بالسيوف وكيف يمكنه التوفيق بين العناصر المتطاحنة اذ التفاخر مدعاة للتفرقة ، والغريب ان الجاحظ يتوق الى الوحدة ويسلك اليها أحيانا طريقا تؤدى الى التفرقة . فأنت تراه مثلا اذا سعى الى التأليف بين قلوب العناصر الاسلامية المختلفة فى (( رسالة فى مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة )) لا يسعى الى تأليفها حول : له واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة ، أى عن طريق الاخوة الاسلامية ، بل يسعى الى تأليف القلوب المتشاحنة والاهواء المتنافرة عن طريق النسب اى عن طريق العصبية العربية ، وهى طريق مشتتة .
يبقى الجاحظ مهما يكن الامر عربى العواطف واللسان ، يرى العرب أفضل الامم والاسلام فوق الديانات ، ولهذا السبب الاخير تراه يتحرج فى الحط من شأن العجم اذا كانوا مسلمين ، فان شعوبيته اذن مكيفة بكيفية خاصة
Nernice . هو ينتصر للعرب وللاسلام جميعا من دون أن يكون تعصبه للاسلام تعصبا أعمى ، بل تعصب المقتنع اليقظ الذى استخدم الفكر ويجعل العرب ضمنيا أفضل الامم ويحاول التوفيق بين باقى الاجناس التى أعتنقت الاسلام وبين العرب .
واذا كان الجاحظ بصدد النصارى او الوثنيين او المانويين واتباع مزدك او الصابئة أو اليهود لا يتردد فى مهاجمتهم ودحض حججهم .
فلقد حمل على النصارى حملة شعواء وادى ذلك الى تقريبه من البلاط ، فاسمع اليه يتحدث عن النصارى واليهود : (( وانما صارت النصارى أقل مساخة من اليهود - على شدة مساخة النصارى - لان الاسرائيلى لا يزوج الا الاسرائيلى ، وكل مساختهم مردودة فيهم ومقصورة عليهم . )) ( 7 ) ويتألم الجاحظ من مكانة النصارى المرموقة فى عصره فينطق عن القول الذى فيه يبدو البغض كما تبدو فيه الشعوبية . قال : (( ولو علمت العوام ان النصارى والروم ليست لهم حكمة ولا بيان ولا بعد روية الا حكمة الكف من الخرط
والنجر والتصوير وحياكة البزيون لاخرجتهم من حدود الادباء ولحتهم من ديوان الفلاسفة والحكماء (ص 17) . وتبوأ النصارى ايام ابى عثمان مكانة كبرى فى مجتمعه وخاصة الاطباء منهم حتى ان (( أسد بن جانى )) الطبيب العربى (( يمشى طول نهاره فى نعل مقطوعة العقب )) كما جاء فى (( البخلاء )) (8) وعندما بعيب عليه احدهم ذلك يشكو اليه صاحبنا ابن جانى من مزاحمة النصارى له ولزملائه العرب المسلمين فى مهنتهم الى حد أن الناس صاروا لا يرتاحون الا لعلاج النصرانى وان كان دواؤه لا ينجع . قال أسد بن جاني لمن أستفسره عن سر كساد حرفته : (( اما واحدة ، فانى عندهم مسلم ، وقد اعتقد القوم قبل ان اتطبب ، لا بل قبل ان اخلق ، ان المسلمين لا يلحون فى الطب ! واسمى اسد وكان ينبغى ان يكون اسمى صليبا ، ومرايل ، ويوحنا ، وبيرا ، وكنيتى أبو الحارث ، وكان ينبغي ان تكون ابو عيسى ، وأبو زكريا ، وأبو ابراهيم . وعلى رداء قطن ابيض ، وكان ينبغى ان يكون رداء حرير اسود ، ولفظى لفظ عربى ، وكان ينبغي ان تكون لغتى لغة اهل جندى يسابور )) (ص 193) . فاعلم ان (( جندى يسابور )) مدرسة انشاها كسرى انو شروان ، وانشأ بجانبها بيمارستان .
وكان علماء النساطرة يدرسون فيها علوم اليونان باللغة السريانية وفيها نخرج اشهر الاطباء ولا سيما ايام بنى العباس اذ تخرج منها ابناء بختيشوع .
ولقد حمل الجاحظ بصفة عامة على الشعوبية وعلى العجم المتهجمين على العرب ولم يتردد ايضا فى حمله على العجم دعاة التسوية وان كانوا من المسلمين . قال فى الجزء الثالث من (( البيان والتبيين )) : ( 9) (( ونبدا على اسم الله تعالى بذكر مذهب الشعوبية ومن يتحلى باسم التسوية وبمطاعنهم على خطباء العرب باخذ المخصرة (يريد العصا) عند مناقلة الكلام ومساجلة الخصوم بالموزون المقفى والمنثور الذى لم يقف )) . وقال فى الجزء الثانى فى الرد عليهم : (( اردنا ابقاك الله ان تبتدئ صدر هذا الجزء من (( البيان والتبيين )) بالرد على الشعوبية فى طعنهم على خطباء العرب اذا وصلوا ايمانهم بالمخاصر واعتمدوا على وجه الارض باطراف القسم والعصى واشاروا عند ذلك بالقضبان والقنا )) . ( ج 2 ص 5-6)
وقد اراد بعضهم ان يرى فى كتاب (( البخلاء )) ايضا نزعة الجاحظ الشعوبية اذ هو يظهر بشكل تهكمى بارع حقارة البخلاء من الموالى خاصة لبعظم سخاء العرب عن طريق مقارنة النقيضين .
وتبدو لك شعوبية الجاحظ من خلال مصنفاته على الاطلاق وقد نظرنا فى عدد غير قليل من كتب ابى عثمان ورسائله ؛ ولا مجال للشك بعد هذا فى تحيزه للجنس العربى ، وان اراد ابو عثمان فى عدة مواطن ومواقف التوفيق بين الاجناس المتعددة داخل دار السلام ، وهو على كل حال يقاوم الفرس والعجم عامة عند ما يفخرون على العرب ويستميلهم عند ما يحاولون الانتساب الى العرب .
وانك لترى فى تحيزه للجنس العربى علتين ، عند ما تستقصى الدرس : احداهما نفسانية ، فالجاحظ عربى الاحساس والشعور ، عربى اللسان والقلم ، والثانية سياسية : فان هدف الجاحظ تدعيم السلطة المركزية التى بأيدى العباسيين العرب ، وهم عدنانيون من بنى هاشم ، ويريد ان يجمع كلمة المسلمين كافة مهما اختلفت اجناسهم حول الخلافة ، لتقوى الخلافة .
ويفضل الجاحظ بنى هاشم على العرب عامة وان رفع من شانهم جميعا ، وتراه يكتب (( فى بنى العباس )) ويرفع قدرهم لان امر المسلمين بايديهم ويكتب (( فى بنى امية )) للحط من شأنهم ورميهم بغصب الخلافة وبتحويل الامامة (( ملكا كسرويا والخلافة منصبا قصريا )) (10) ويحيلك هو على كتابه (( فى مفاخرة قحطان على عدنان وفى تفضيل عدنان )) .
لا ريب انك وقفت الان على مذهب الجاحظ السياسى وصرت تفهم شعوبيته ذات اللون الخاص - ولست اسميها شعوبية ، بل مذهباسياسيا - لان شعوبيته تندمج فى اطار سلوكه السياسى ؛ فان الجاحظ ناشط سياسى وملاحظ معا . فلقد انتصر ابو عثمان للعرب لسبب عاطفى ثم لسبب سياسى لان السلطة كانت فى يدهم ، وانتصر خاصة للعدنانيين منهم لان بنى العباس هاشميون عدنا نيون . ثم اراد تدعيم سلطتهم بتأليف قلوب شتى العناصر الاسلامية وجمع كلمتهم لتقوى الخلافة ، وان سلك احيانا لهذه الغاية سبيلا مشتتة . وقد استعجل فى حكمه وجازف من حكم بتناقض الجاحظ وعدم استقراره على مبدا . فهو يحاول ان يقوى جانب الخلافة العباسية بكل الوسائل وهو لذلك يساند من يساندها ، فتراه يساند الاتراك - وان كان الشعب فى بغداد خاص يكرههم ، لانهم اصبحوا ركن الدولة العباسية فى عهد المتوكل بعد ما كان الفرس عمادها وسيصير الفرس عمادها ثانية بعد عهد الجاحظ فى ايام بنى بويه ، وبعد آل بوية يسترجع الترك نفوذهم ويصبحون ركن الخلافة فى عهد السلجوقيين ولا يخفى عليك ما لهذا التارجح بين قوتين فى دولة بنى العباس من اهمية ، فان عدم استقرار الجاحظ فى افكاره السياسية هو فى الحقيقة عدم استقرار عصره .
فكلما تغيرت القوة المساندة للخلافة وللعرب عدل الجاحظ آراءه .
ان موقفه لا ريب حرج ، لكن على كل حال يبدو دائما فى مذهبه السياسى عنصر هام قار لا يتبدل مهما كانت الظروف ، هو مساندته المطلقة لخلافة بنى العباس الهاشميين ولعل مذهبه يتضح لك فى قوله فى رسالته (( مدح النبيذ )) (11) : (( وانا رجل من بنى كنانة وللخلافة قرابة ولى فيها شفعة وهم بعد جنس وعصبة ، فأقل ما اصنع ان اكثرت لى منه ( اى من النبيذ ) ان اطلب الملك )) ( ص 291 )
فيرى الجاحظ ان بينه وبين الخلافة قرابة ، لانه من بنى كنانة ، فلا غرو ان ناصر بنى العباس وساندهم . فهل تعلم ان قبيلة (( كنانة )) قد استقرت فى ضواحى مكة قبيل الاسلام وان اهميتها فى نظر النسابين العرب تنحص فى كون قريش تدعى انها فرع من كنانة وان الرسول ينتسب اليها . ولقد لعبت كنانة دورا خطيرا فى تاريخ مكة قبيل الاسلام اذ ساندت قريشا لما انتزعت الحكم بالقوة من ايدى خزاعة . ويستنتج من الوثائق القديمة ومن كتب الانساب خاصة كـ (( جمهرة النسب )) لابن الكلبى و (( نهاية الارب )) (12) للنويرى و (( صبح الاعشى )) (13) للقلقشندى و (( كتاب الانساب )) للسمعانى ، ان الفضل فى رجحان كفة قريش على كفة خزاعة بعد الفتنة التى نشبت بينهما لاجل الاستحواذ على الحكم والانفراد به فى جمهورية مكة ، يرجع ليعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن الليث بن بكر بن عبد منات ، سيد كنانة يومئذ وصاحب أمرهم ويشتم ايضا من تلك النصوص القديمة ان كنانة كانت تعطف على بنى هاشم اكثر مما كانت تعطف على عبد شمس اى بنى أمية ، وتظهر هذه النزعة فى مساندة بنى فراس وهم من كنانة لعلى بن ابى طالب فى صفين (14)
فمن المرجح ان الجاحظ ذلك الذى يفخر بانتسابه الى كنانة ، سواء كان كنانى الاصل او مولى كنانة ، كان يعطف هو بدوره عطفا صادقا على العباسيين الهاشميين وهم اهل الحل والعقد وخلفاء الاسلام ، ويريد الجاحظ ان تكون الخلافة قوية .
ثم اقرأ له - لمزيد تأكد من مذهبه السياسى ولست أفصل بينه وبين شعوبيته - ماجاء فى فصل من كتابه (( فى النساء )) (15)
)) وقضية واجبة ان الناس لا يصلحهم الا رئيس واحد يجمع شملهم ويكفيهم ويحميهم من عدوهم ويمنع قويهم عن ضعيفهم وقليل لهم نظام اقوى من كثير لا نظام لهم ولا رئيس عليهم . . . ولو لم يقم الله للناس الوزعة من السلطان والحماة من الملوك واهل الحياطة عليهم من الايمة لعادوا نشرا لا نظام لهم ومستكلبين لا زاجر لهم )) (ص 271-272) فان السلامة ، سلامة الامة فى قوة الامام الحارس لها والذائد عنها . ويضيف الجاحظ قوله : (( فلولا السائس ضاع المسوس ولولا قوة الراعى لهلك الرعية )) (نفس المصدر ص 271 - 272 ) . ولست ذاكرا الفصل كله ، فهو بمثابة نظرية الجاحظ فى الملك ، واخالك وانت تقرأ تلك السطور ، تسمع كلاما لابن خلدون . وتفهم ان دعوة ابى عثمان عمرو بن بحر لتأييد بنى العباس الهاشميين العرب مبررها الى حد كبير كسر وجود الامامة فيهم ، ثم لشىء فى نفسه . فدين عليه اذن تقوية نفوذ الامام بالحمل على الشعوبية والرفع من شأن العرب الهاشميين اولى الامر خاصة .
وتفهم هكذا موقف الجاحظ عندما يشير الى قول المتهجم عليه فى الجزء الاول من (( الحيوان )) ، حق فهمه : (( وعبتنى بـ (( كتاب القحطانية )) وكتاب (( العدنانية فى الرد على القحطانية )) وزعمت انى تجاوزت فيه حد الحمية الى حد العصبية وانى لم اصل الى تفضيل العدنانية الا بتنقص القحطانية )) (الحيوان - ط عبد السلام هارون ج 1 ص 4 - 5 ) . فاذا استطاع الجاحظ من دون حرج ان يفضل العدنانية على القحطانية ، وهذا ما يفهم من كلامه ، وان يتنقص من قيمة القحطانية كما عابه بذلك المتهجم ، فكيف لا يتنقص من الشعوبية وهم اجانب . اجل انه يتشفى منهم ويحمل عليهم بلا هوادة ولا رحمة .
ويرى الجاحظ من ناحية اخرى ان تقوية السلطة المركزية لا تتم الا بجمع كلمة المسلمين على اختلاف اجناسهم حول الامام ، ثم يرى انه يتحتم على الامام ليقوى نفوذه ، الانفراد بالسلطة لان الرؤساء اذا كثروا عمت الفوضى ويضرب الجاحظ مثل البهائم التى يجعل الله لها فحلا ليقودها وهو عند البهائم بمثابة الامام ، فيقول : ((علم الله سبحانه وتعالى ان صلاح عامة البهائم فى ان يجعل لكل جنس منها فحلا يوردها الماء ويصدرها وتتبعه الى الكلا كالعير فى العانة والفحل فى الابل والهجمة وكذلك النحل العسالة والكراكى ، وما يحمى الحجور فى المروج الا الحصان ، فجعل منها رؤساء متبوعة وأذنابا تابعة ولو لم يقم الله للناس الوزعة من السلطان والحماة من الملوك واهل الحياة عليهم من الايمة لعادوا نشرا لا نظام لهم . .)) ( من كتابه (( فى النساء )) ص 271)
تجلت لك - حفظك الله - شعوبية الجاحظ ذات اللون الخاص ، وايقنت - ابعد الله عنك الشبهة - ان هذه الشعوبية ذات اللون الخاص لا سبيل الى فهمها ان لم تفهم مذهب ابى عثمان السياسى عامة . ثم رأيت ان كتب الجاحظ ورسائله تزخر بالملاحظات حول الشعوبية لان الجاحظ شاهد عصره قبل ان يكون (( ملتزما )) سياسيا ، وعصره عصر قوى فيه امر الشعوبية . فان الاهمية الكبرى لكتبه تنحصر - زيادة عن الفائدة الادبية المحضة - فى الوثائق الثمينة التى تركها لنا عن حياة الخاصة والعامة وعن العوائد والاخلاق في عصره وكيفية تفكير الاجناس البشرية يومئذ وتشوقها الى النفوذ والسلطة وشعور الجنس غير العربى بقيمته . فنرى ان الفرس مثلا عن طريق الشعوبية يريدون استرجاع (( جنتهم الضائعة )) ومجدهم التليد ، ويسعى الترك من ناحيتهم الى افتكاك النفوذ من أيدى العرب بشتى الوسائل ومن بينها الشعوبية ، والدفاع باللسان ، والمساجلات بالقول . وقل مثل ذلك بالنسبة لكل جنس وكل طائفة . حتى العرب فانهم ما انفكوا بعد مقتل عثمان يتطاحنون ويتنازعون ، وعثمان هو القائل ويمكنك الاقتناع بقوله ، قبيل ان يسفك دمه : (( لئن قتلونى لم يصلوا بعدى جميعا ابدا ، ولم يقاتلوا عدوا جميعا ابدا )) . فان العرب كانوا ايام الجاحظ يحملون دم عثمان ولم يزالوا ولن يزالوا لان وطء التاريخ لا يزول.
فكتب الجاحظ غنية تزخر بملاحظات ليست من قبيل ما اعتدناه فى كتب التاريخ والادب ، ويمكنك بفضل ملاحظاته تصور التيارات السياسية المتعددة التى كانت موجودة فى دار الاسلام يومئذ والتى تجعل الهوة تتسع يوما بعد يوم بين الاجناس والطوائف المختلفة وتقويض اركان الخلافة وتنبئ بانحلالها وانقسام العالم الاسلامى دويلات وامارات

