انتشرت الحرية في عصر الجاحظ كاملة مطلقة فأمكن القول وصلح الدهر وخوى نجم التقية وهبت ريح العلماء " (الحيوان ) فشاع الجدل فى المجتمع العراقى وتعددت النوادى وأثيرت فيها شتى المشاكل التى شغلت الافكار يومئذ فسجلها أبو عثمان فى كتبه ورسائله واطلعنا على ما كان يدور فى تلك النوادى من أحاديث ومساجلات ومفاخرات ورسم لنا لوحات طريقة لمجالس اللهو والشراب وحلقات المسجديين وأهل الأدب والسياسة بريشة فنان امتازت ملاحظاته بالدقة والإنتقاء .
واتخذ أبو عثمان بالخصوص مفاخرات الاجناس المتطاحنة داخل المجتمع العراقى فى زمنه موضوع كتب ورسائل تمكن الباحث من معرفة مذهبه السياسي إذ يعتبر أبو عثمان - فضلا عن كونه آديبا وعالما طبيعيا ومفكرا دينيا واجتماعيا - ملاحظا سياسيا وملتزما أيضا . وحمل الجاحظ بلا هوادة ولا رحمة على الشعوبية دعاة التفوق أو التسوية في كثير من رسائله السياسية وإن سالمهم أحيانا خدمة لمصلحة الدولة (1 ) وانتصر للعرب أهل الحل والعقد يومئذ .
ومن الغريب أن الجاحظ الذى نصب نفسه للدفاع عنهم ألف كتبا فى مفاخرة قحطان وفى تفضيل عدنان منها كتاب القحطانية
والعدنانية " (2 ) كما ألف " كتاب مفاخرات قريش " (2 ) و " كتاب فخر ما بين عبد شمس وبني مخزوم " (2 ) و " كتاب فضل هاشم على عبد شمس " (3 ) .
وكيف يتيسر إذا كان الجاحظ بإزاء منافرات ومساجلات وفخر عرب الشمال على عرب الجنوب وبيت من بني عبد مناف في قريش على البيت الآخر ، أن تكون كتبه " عدلا بينهم وداعية لإصلاحهم " (4) سيما أننا سمعنا منه هذا التصريح : " وليس ادعى الى الفساد ولا أجلب للشر من المفاخرة " (4 ) أفلا يؤدى التنافر باللسان والتفاخر بالقول الى التفرقة والى المواجاة بالخناجر والمطاعنة بالسيوف ؟ أجل إن "الحمية ( على حد قول أبى عثمان نفسه ) لا تبقي دينا الا أهلكته " (5 ) ففيها الهلكة والبوار وهي الداء العياء . وكيف يمكنه تقوية سلطة العرب ومقاومة تيار الشعوبية التى تحاول طمس ذاتهم بينما يعتبر التفاخر مدعاة للتفرقة . والعجب كل العجب من كاتب سياسي يتوق الى الوحدة فيسلك إليها أحيانا طريقا تؤدى الى التفرقة وهذا ما حمل المؤرخين ومن اعتنى بأبى عثمان من بين الادباء القدامى وبعض الدارسين المعاصرين الذين لم يستقصوا الدرس العلمى الصحيح على أن يلاحظوا في مذهبه السياسى تناقضا وانحرافات مستمرة عن هدفه المنشود وهو الدفاع عن كيان العرب والعمل على تقوية سلطتهم . وما ذاك إلا تناقض ظاهرى .
وقد يذهب بك التسرع الى الجزم بأن المسعودى وابن قتيبة قد أصابا عندما رميا الجاحظ بمناصرة الشعوبية وبالحط من شان العرب وبالحرص على تفتيت وحدتهم (6 ) !
إلا أنك متى عدت الى مؤلفات صاحبنا بالدرس والتمحيص تبينت آن قسما كبيرا منها يستجيب لدوافع سياسية حكومية في زمنه وأن غرض الجاحظ من تأليفها انما هو تقوية السلطة المركزية . وقد فطن لذلك المستشرق " شارل بلات " فى دراسته القيمة " الوسط البصرى وتكوين الجاحظ " (7 ) وفي مقال عن " الجاحظ في بغداد وسامرا " ظهر في مجلة الدراسات الشرقية (8 ) .
ومن المرجح أن كتاب فضل هاشم على عبد شمس " الذي سأشتغل بتحليله ناشئ عن رغبة حكومية فيه شأنه فى ذلك شأن كتب الجاحظ فى الإمامة اذ أوعز له بكتابتها المأمون عن طريق اليزيدى فكانت سبب تقريبه من البلاط . فها هو يقول : ولما قرأ المأمون كتب فى الإمامة فوجدها على ما أمر به ، وصرت إليه وقد كان أمر اليزيدى بالنظر فيها ليخبره عنها قال لى : قد كان بعض من يرتضى عقله ويصدق خبره خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة وكثرة الفائدة ، فقلنا له : قد تربى الصفة على العيان ، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة ، فلما فليتها أربى الفلى على العيان كما أربى العيان على الصفة "
ويحسن لمعرفة الاسباب التى دفعت الجاحظ الى تأليف كتاب فضل هاشم على عبد شمس " أن أقوم بتحليله وأبين مجمل رأى صاحبنا فى مفاخرة بين إخوة أصبحوا أعداء وأرسل على هذا النص انوارا من رسالة " فى بنى آمية " ومن وثائق آخرى لكاتبنا ولمؤرخين قدامى وأصل بعضها ببعض حتى تحصل فى الذهن عن مذهبه السياسي وعن موقفه تجاه العرب ودولة بنى العباس صورة شاملة لا تناقض فيها .
تحليل كتاب " فضل هاشم على عبد شمس
ففي الكتاب ست مراحل . يذكر الجاحظ في مرحلة أولى مناقب هاشم وفضلهم على عبد شمس في الجاهلية والإسلام (ص 67 -92 ) ومن أول وهلة ينكشف تحيزه للهاشميين - فى الرد على عبد شمس ، فاقرأ قوله : " قال أبو عثمان : وشرف هاشم متصل من حيث عددت كان الشرف معه كابرا عن كابر وليس بنو عبد شمس كذلك . فإن الحكم بن أبى العاص كان عاريا فى الإسلام ، ولم يكن له سناء في الجاهلية . وأما أمية فلم تكن في نفسه هناك ، وإنما رفعه أبوه وكان مضعوفا وكان صاحب عهار " (ص 74 ) وقد أحب أبو عثمان حسب قوله أن لا يحتج على بني عبد شمس إلا " بالموجود فى القرآن الحكيم والمشهور في الشعر القديم الظاهر على السنة الخاصة والعامة ورواة الاخبار وحمال الآثار " (ص 70 ) .
فمما ورد في الاخبار خصال الشرف فى مكة وهى اللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة وكانت " مقسومة في الجاهلية لبني هاشم وعبد الدار وعبد العزى دون بني عبد شمس " ولكن الجاحظ يستدرك للثبت ) أن معظم ذلك صار شرفه فى الإسلام الى بنى هاشم " (ص 67 ) .
وهاشم عند أبي عثمان لقب كريم غلب على اسم عمرو سيد عبد مناف لانه هشم الخبز ثريدا لقومه فأطعمهم من جوع .
ومما هو مذكور في القرآن إيلاف قريش والإيلاف رحلة الشتاء والصيف التى أخصبت بها قريش وأول من أخذ لها الإيلاف هاشم بن عبد مناف (ص 70) .
ومن وثائق نبل الهاشميين في الجاهلية يذكر أبو عثمان " حلف الفضول " الذي شهده الرسول عليه السلام وهو غلام وكان بنو هاشم سببه ، وبنعته بأنه أشرف حلف كان فى العرب قبل الإسلام ، فقد عقده بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تيم بن مرة دون بني عبد شمس وتحالفوا على مناصرة المظلوم " حتى يؤدوا اليه حقه . وعلى التآسى فى المعاش والتسالم بالمال " (ص 72 ) .
وفضلا عن هذه المناقب كلها فإن الرسول من هاشم " فمن
يناهض أو يناضل رجالا ولدوا محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ " (ص 70 ) .
ويفيدك الجاحظ بهذا الاستفهام الإنكارى أيما افادة فتشتم منه قيام حركة سياسية مناهضة للعباسيين الهاشميين يتزعمها انصار حزب الامويين هدفها الإطاحة بملك بنى العباس فيتصدى صاحبنا لمقاومتها بقلمه ويقول إن الامويين انتزعوا الملك من هاشم بالبطش والحيلة : " ويفخر بنو العباس على بنى مروان وهاشم على عبد شمس بأن الملك كان فى أيديهم فانتزعوه منهم وغلبوهم عليه بالبطش الشديد وبالحيلة اللطيفة " (ص 81 ) .
ويصل الجاحظ تدريجيا الى غرضه الاصلى من تآليف الكتاب ألا وهو الذود عن دولة بني العباس فتصير المفاخرات كلها تحوم حول الخلافة . فآقرأ قوله : فإن قالت أمية لنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى ، أربعة خلفاء فى نسق قلنا لهم : ولبى هاشم : هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدى ابن عبد الله المنصور بن محمد الكامل بن على السجاد ... وليس منهم الا خليفة أو موضع للخلافة أو سيد في قديم الدهر متبع أو ناسك مقدم أو فقيه بارع أو حليم وليس هذا لاحد سواهم ، ومنهم خمسة خلفاء فى نسق وهم أكثر مما عدته الاموية " (ص 76-77 ) .
والرأى عنده أن العباسيين أحق الناس بالخلافة لان " ملكهم أكثر ومدته أطول " ولانهم " ملكوا بالميراث وبحق العصبة والعمومة " (ص 77 ) ومن الملاحظ أنه ألف رسالة " فى العباسية " للاحتجاج لحق فاطمة ورهطها من بني هاشم فى و رث الرسول فقال : ولقد كانت (فاطمة ) قالت له (لابى بكر ) حين أتته مطالبة بحقها ومحتجة لرهطها : من يرثك يا آبا بكر إذا مت ؟ قال : أهلى وولدى ، قالت : فما بالنا لا نرث النبى صلى الله عليه وسلم ؟ فلما منعها ميراثها وبخسها حقها ... ووجدت نشوة الضعف وقلة الناصر قالت : والله لادعون الله عليك قال : والله لا أهجرك أبدا " (9 ) ويضيف
الجاحظ قوله : " إن فى ترك النكير على فاطمة دليلا على صواب طلبها " فتضح بما استنتجه من هذا الحوار موقفه من الميراث . فقد أقام نظام الافضلية بين الخلفاء الراشدين باعتباره عليا أولاهم بالخلافة . وقد تظن أنه ينتصر للطالبين شيعة على لما تعلم من عطفه وعطف المعتزلة عامة على الزيدية فرقة الشيعة المعتدلين . غير أنه في الحقيقة يتستر وراءهم ويستغل حجمهم التي تلائم مذهبه الديني ليكاثر بها بني أمية فينكفئون مكثورين وقد قطع بينهم وبين الخلافة كل سبب . فأقرأ لمزيد تيقن من ذلك قوله في الرد على بني أمية الذين ادعوا أن الخلافة حق من حقوقهم بموجب انتسابهم الى قريش : " وإن أسبابهم (بنى هاشم ) غير أسباب بني مروان ... إلا أن يقولوا انا من قريش فيساووا فى الإسم قريش الظواهر لان
رواية الراوى الايمة من قريش واقعة على كل قريش واسباب الخلافة معروفة وما يدعيه كل جيل معلوم والى ذلك قد ذهب الناس فمنهم من ادعاه لعلي لاجتماع القرابة والسابقة والوصية . فإن كان الامر كذلك فليس لآل ابي سفيان ولالآل مروان فيها دعوى ، وإن كانت إنما تنال بالوراثة وتستحق بالعمومة وتستوجب بحق العصبة (وهذه حجج العباسيين ) فليس لهم أيضا فيها دعوى ، وإن كانت لا تنال إلا بالسوابق والاعمال والجهاد ، فليس لهم فى ذلك قدم مذكور ولا يوم مشهور " (ص 77 ) .
وهكذا لا يترك لهم متنفسا ولا سببا به يستحقون الخلافة بل يعتبرهم مغتصبين جبابرة أعملوا السيف فى الطالبيين وعاملوهم بأقسى ما يعامل الكفرة ف " سموا الحسن وقتلوا الحسين وحملوا النساء على الاقتاب حواسر وكشفوا عن عورة على بن الحسين حين أشكل عليها بلوغه كما يصنع بذررارى المشركين إذا دخلت دورهم عنوة " ( ص 78) و " أكلت هند كبد حمزة فمنهم آكلة الاكباد ومنهم كهف النفاق ومنهم من نقر ثنيتى الحسين بالقضيب ... " ( ص 79 ) .
وتنقلب اللهجة دينية فتبلغ أقسى حد عندما يلصق أبو عثمان ببني أميه تهمة الكفر ، فيلغيهم تماما من صفوف المسلمين وبالاحرى يأبى أن يكونوا أيمتهم . أما بنو العباس فهم المقدمون في الدعوة الإسلامية وفي الخلافة لانهم أعرق الناس في الإيمان . ألا ترى أن أبا عثمان لا
يتردد فى اعتبار عبد الملك وهو أعظم خليفة أموى و " أبو هؤلاء الملوك الذين تفتخر الاموية بهم " أعظم كافر . ( ص 80 ) ويخاطب بني أمية بقوله : " فأنتم أعرق الناس في الكفر ونحن أعرق الناس في الإيمان ولا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالإيمان وأقدمهم فيه" ( ص 80 ) .
ويفخر بنو العباس على بني مروان بوفرة نسلهم ( ص 82 ) لان الغلبة بالكثرة في القديم ، ويفخرون بنبل رأيهم وبصواب قولهم وبالتبريز في الفقه والعلم بالتأويل وبمعرفة التنزيل ( ص 84 ) كما يفخرون بالبسالة والنجدة ( ص 85-87 ) ويفضلهم في الجود والسماح " فإن نساء خلفاء بني العباس أكثر معروفا من رجال بني أمية " ( ص 88) .
وتهمنا ملاحظة الجاحظ الاخرى " فأما ملوك الاموية فليس منهم إلا من كان يبخل على الطعام " (ص 88 ) فهي تحملنا على الإعتقاد بأنه كان يخدم غرضا سياسيا زيادة عن الفائدة الادبية لما خصص بعض الفصول من " كتاب البخلاء " لوصف بخل خلفاء بنى أمية على الطعام وقرنه ببخل اهل خراسان .
ولم يعط هؤلاء المال فى رأيه إلا ليصانعوا عن دولتهم وليشتروا به ملكهم وليحصوا به عن نفوسهم ، ويوازى بين صنائع بنى مروان ومعروف بني العباس فيقول : " ونحن لم نعد قط ما أعطى خلفاء بني هاشم قوادهم وكتابهم وبنى عمهم جودا ... ولو ذكرت معروف أم جعفر وحدها لآتى ذلك على جميع صنائع بنى مروان وذلك معروف . " ( ص 88 ) .
ويؤكد التاريخ أن الامويين اشتروا أعداءهم بالمال ليسالموهم فأغدقوا الاموال على الحسن وعلى سكينة بنت الحسين بيد أنهم أطاحوا برؤوس الطالبيين والخوارج كلما شقوا عصا الطاعة في وجههم .
حتى عمر بن عبد العزيز الناسك التقي الورع فهو عنده " أعور بين عميان " والذى حسن أمره أن الناس كانوا قبله من الظلم والجور والتهاون بالإسلام في أمر صغر في جنبه ما عاينوا منه وألفوه عليه ، فجعلوه بما نقص من تلك الامور الفظيعة فى عداد الايمة الراشدين وحسبك من ذلك أنهم كانوا يلعنون عليا على منابرهم فلما نهى عمر عن ذلك عد محسنا " ( ص 91 ) وعبد الملك هو الذي أمر بسبب على المنابر وجدير بالذكر أن العباسيين الهاشميين لما دالت دولة بني أمية ردوا الفعل فرموا معاوية بالفجور وحملوا العامة على سبه وسنتتعرض لذلك .
فهذا ما ذكرته العباسية لانفسها على لسان الجاحظ في القسم الاول من الرسالة .
أما القسم الثاني ففيه عرض لجملة من مفاخر بني أمية ( ص 93 - 103 ) فيفخرون بدهاء قادتهم في السياسة وهذه ملاحظة طريقة يسجلها الجاحظ فيقولون إن لهم " من نوادر الرجال في العقل والدهاء والارب والنكر ما ليس لاحد " (ص 93 ) ويحصرون الدهاء في أربعة رجال : معاوية وزياد وعمرو بن العاص والمغيرة .
ويفخر بنو أمية على بنى العباس بالبأس والشجاعة ( ص 93 ) وبالفتوح العظام ( ص 93-95 ) وبفصاحتهم ( ص 96 ) كما يفخرون بتقاهم وزهدهم ليردوا على تهمة الكفر التى ألصقها العباسيون بهم : " قالوا فنحن نعد من الصلاح والفضل ما سمعتموه وما لم نذكره وانتم تقولون : أمية هى الشجرة الملعونة فى القرآن وزعمتم أن الشجرة الخبيثة لا تثمر الطيب كما أن الطيب لا يثمر الخبيث . فإن كان الامر كما تقولون فعثمان بن عفان ثمرة خبيثة وينبغى أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم دفع ابنتيه الى خبيث وكذلك يزيد بن أبى سفيان صاحب مقدمة أبى بكر الصديق على جيوش الشام . . " ( ص 99) .
ويفخر بنو أمية بطول خلافة معاوية وبجمالهم وكمالهم محاولين بدورهم الوصول الى نتيجة كونهم مقدمين فى الخلافة .
ويعود الجاحظ فى قسم ثالث من الكتاب ( ص 103-110 ) الى ما عدته الاموية لانفسها من المناقب ويدحضها جميعا على لسان هاشم .
فمما عدته الاموية فخرا أن لها من نوادر الرجال في العقل والدهاء ما ليس لأحد ، والدهاء والمكر على حد قول ابى عثمان " من اسماء فجار العقلاء وليس من أسماء أهل الصواب في الرأى من العقلاء والابرار" ( ص 103 ) وهكذا يهدم شخصية معاوية التى احيطت فى عصره كما يبدو فى النص بهالة من الإكبار . ويرد العباسيون على ما ذكرته الاموية لأنفسها ويقابلون حجة بحجة ويقرعون برهانا ببرهان وتطغى العاطفة فى أغلب الاحيان على الدليل القاطع ، فهاهم يقولون : "وأما ما ذكرتم من جود سعيد بن العاص ، وعبد الله بن عامر ، فأين أنتم من جود عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس والحسن بن على ؟ وآين أنتم من جود خلفاء بني العباس ... بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء كبني برمك أعظم من ... جميع ما جاء به خلفاء بني أمية "
(ص 103-104) " وأما ما ذكرتم من حلم معاوية فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حلماء لكانوا محتملين لذلك " ( ص 104 ) .
وتستمر الموازنة على هذا المنوال بين هاشم وبنى عبد شمس فى الخطابة والفصاحة والعلم والادب والنسب ( ص 105 ) وفي الزهد والتقوى ( ص 105) وفي البسالة والشجاعة ( ص 106 ) والفخر بالجمال والكمال ( ص 107 ) .
وتنهي بي هاشم مفاخرتها بأن الرسول الهاشمي صلى الله عليه وسلم : " مخرس لكل مفاخر وغالب لكل منافر " ( ص 11 ) .
وأراد الجاحظ بإيراد هذه المسخرة إخراس بني أمية ، فأقروا في القسم الرابع من الكتاب ( ص 111-112 ) بتقدم هاشم عليهم في الإسلام واقتصروا على المطالبة بالتسوية بين البيتين من قريش فى الجاهلية فخسروا المساجلة . فاقرأ لتتيقن من ذلك قولهم : " نحن لا ننكر فخر بنى هاشم وفضلهم فى الإسلام ولكن لا فرق بيننا فى الجاهلية إذ كان الناس في ذلك الدهر لا يقولون : هاشم وعبد شمس ، ولا هاشم وامية ، بل كانوا لا يزيدون في الجميع على عبد مناف " (ص 111) . ومن الغريب ان بني أمية انقلبوا دعاة توفيق بين البيئين بعدما كانوا دعاة تفوق على بنى العباس . قالوا :" وكيف يفرقون بين هاشم وعبد شمس وهما أخوان لاب وأم ... ونحن أكفاء وأمرنا واحد " . (ص 111)
وتنتهى الرسالة كما وصلتنا بانتصار بنى العباس في المساجلة (ص 112 -116 ) . فاقرأ لتتيقن من انهم لم يرضوا بالتسوية بينهم وبين أمية بل أعلنوا تفوقهم عليها وتقدمهم في الخلافة قولهم : " ليس لكم أن تزعموا أنكم أكفاؤنا من كل وجه وان كنا قد زوجناكم وساويناكم فى بعض الآباء والاجداد " (ص 112) .
للتفاخر مفرق :
وأنت ترى الجاحظ يحاول التوفيق فى رسالته الى الفتح بن خاقان " في مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " ( 10) بين البنويين
والموالى والخراسانيين والاتراك والعرب ، ثم تجده في كتاب " فضل هاشم على عبد شمس " يفرق بين بيتين من قريش وينشىء نظام التفاضل بين أقارب ، وهو يعلم آن الإنسان لا يصل الى اظهار فضل نفسه " الا بإظهار نقص أخيه وولده " (11) ويرى أن " القليل الذي يجمع خير من الكثير الذى يفرق " ( 11) .
غير أنك متى استقصيت الدرس تبينت أن أبا عثمان لم ينشئ نظام التفاضل بين العرب ولم يستغل العصبية إلا لغرض سياسي وهو الاحتجاج لافضلية خلافة بني العباس . وليس غرضه فى الحقيقة اسقاط الشرف من البيت الاموى حسب اعترافه : " ولسنا نقول إن عبد شمس لم يكن شريفا فى نفسه " ويستدرك ليثبت آن " الشرف يتفاضل " (12) .
فلما تكاملت معاني الشرف في العباسيين الهاشميين وكانت خصالهم متساوية وخلالهم مشرفة وأسبابهم عالية استحقوا فى رأيه السيادة بدون منازع ولم يوصفوا إلا بها . ألا ترى أنهم كسبوا أمارات الملك التى ضبطها أبو عثمان المفكر السياسى فى " كتاب الحيوان " حين قال : " وإذا كان الرجل أبرع الناس براعة وأجمعهم لخصال الشرف ثم كانت كل خصلة مساوية لاختها فى التمام ولم تغلب عليه خصلة واحدة فإن هذا الرجل لا يكاد يوصف إلا بالسيادة والرياسة " ( 13 ) ويشاطر الجاحظ رأى أستاذه النظام القائل بأن الإمام يجب أن يكون الافضل بين أهل زمانه وقد نبه الى ذلك البغدادى في كتابه " أصول الدين " فقال : وقال النظام والجاحظ إن الإمامة لا يستحقها إلا الافضل ولا يجوز صرفها الى المفضول " (14) .
تجلى لك - أرشدك الله أمرك - أن أبا عثمان لم يحد عن
موقفه تجاه العباسيين . فهو الذائد عن ملكهم المنتصب لدحض هجومات بني آية أعدائهم ، وأيقنت - أبعد الله عنك الشبهة - أن الجاحظ أنشأ نظام الافضلية بين هاشم وعبد شمس لان الخلافة كانت يومئذ في أيدى العباسيين الهاشميين .
ضبط تاريخ تأليف كتاب " فضل هاشم على عبد شمس " وصلته بمحنة خلق القرآن :
وقد تسألني عن الظروف التي أحاطت بكتابة " فضل هاشم على عبد شمس " فعساك تعلم أن آبا عثمان عاش ما يقرب من قرأن (255-158 ه .) فى عصر كثرت فيه التقلبات والمحن . فكان موقفه تجاه الامويين الذين آفل نجمهم يومئذ في المشرق ، والعلويين الذين ثاروا مرارا خاضعا لتأثير الظروف . وكذلك كان موقفه تجاه الاجناس البشرية الاخرى التى يتكون منها المجتمع الإسلامى كالاتراك والزنج والفرس وغيرهم .
فلا سبيل إذن الى أن أجيبك عن سؤالك إلا إذا تمكنت من ضبط تاريخ تآليف كتابه المذكور . فقد اعتبره " شارل بلات " (15) سابقا لسنة 232 ه . ويمكنك ضبط تاريخ تأليفه بالاعتماد على قول أبي عثمان : " وتفخر عليهم بنو هاشم بأن سنى ملكهم أكثر ومدته أطول فإنه قد بلغت مدة ملكهم الى اليوم أربعا وتسعين سنة " ( 16 ) وإذا أضفت أربعا وتسعين سنة الى تاريخ قيام دولة بنى العباس فى عام اثنين وثلاثين ومائة عرفت أنه كتب " فضل هاشم على عبد شمس " فى اواخر خلافة المعتصم سنة مائتين وست وعشرين أى فى زمن محنة خلق القرآن . وجدير بالذكر أن هذا الخليفة اتبع سياسة سلفه المأمون عندما نادى بالاعتزال مذهبا رسميا للدولة وأمر قاضى قضاته ابن ابي دؤاد المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن : القرآن مخلوق . وفى عهده ضرب الامام أحمد بن حنبل " ثمانية وثلاثين سوطا ليقول بخلق القرآن " (17) .
رسالة للجاحظ المعتزلي فى المحنة :
ومن أهم المصادر المتعلقة بالمحنة والتى تمثل وجهة نظر المعتزلة ، رسالة صغيرة للجاحظ يظن أنها بقية من كتاب له يسمى " فضيلة المعتزلة " نشرت على هامش طبعة قديمة لكتاب الكامل للمبرد (8 ) .
ففيها حكي أبو عثمان ما جرى يوم امتحان أحمد بن حنبل من نقاش بين الإمام وبين أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة وأكد في غير ما موضع أن الإمام استمسك برأيه فى قدم القرآن ووصف استمساكه بالعناد والجهل . فها هو أحمد بن أبى دؤاد يحاول اقناعه بمحضر المعتصم بأن القرآن حديث غير قديم وابن حنبل يراوغه : " وكان آخر ما عائد فيه وأنكر الحق وهو يراه آن أحمد بن ابى دؤاد قال له : أليس لا شئ إلا قديم أحديث ؟ قال : نعم . قال : فالقرآن إذا حديث ؟ قال : ليس أنا متكلم . وكذلك كان يصنع فى جميع مسائله ، حتى كان يجيبه في كل ما سأل عنه حتى اذا بلغ المنخق ، والموضع الذي ان قال فيه كلمة واحدة ، برىء منه أصحابه ، قال : ليس أنا متكلم . فلا هو قال في أول الامر : لا علم لى بالكلام ، ولا هو حين تكلم فبلغ موضع ظهور الحجة ، خضع للحق ، فمقته الخليفة وقال عند ذلك : أف لهذا الجاهل مرة والمعاند مرة " . (19) .
ومن الغريب أن الجاحظ لما عرض لموضوع التقية نسب للامام أحمد اقراره بخلق القرآن بيد أن المصادر القديمة باستثناء تاريخ اليعقوبي (19 ) المؤرخ الشيعى أجمعت على أن ابن حنبل استمسك برأيه ، قال أبو عثمان : " وقد كان صاحبكم هذا (أى الإمام أحمد ) يقول : لا تقية إلا في دار الشرك ، فلو كان ما أقر به من خلق القرآن ، كان منه على وجه التقية ، فقد أعملها فى دار الإسلام . وقد أكذب نفسه وان كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم " .
ولا يستغرب صدور هذا الزعم باقرار أحمد بن حنبل بخلق القرآن من رجل كالجاحظ عرف بإخلاصه للاعتزال الى حد التفرد فيه بمذهب خاص نسب اليه وهو الجاحظية كما عرف لمساندته لمطلقة لسياسة الدولة العباسية تجاه فقهاء أعلنوا عدم رضاهم بها صرحوا بأنه لا تقية إلا فى دار الشرك .
وفي الحقيقة لم ينتصر المعتصم للمعتزلة فى نزاعهم مع أهل الحديث حول مسألة خلق القرآن إلا لولائهم للعباسبين ولمقاومتهم اعداء دولتهم من شيعة مخلصين لسلالة على ونابتة متعلقين بمذهب السنة وتعاليم الإمام ابن حنبل وهم عامة الشعب ....
وقد اضطهد المأمون والمعتصم والواثق النابتة وحملوهم على القول بخلق القرآن ثم نادوا ببراءة الذمة من " أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدمه على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " (20 ) وأرغموا العامة على سبه و " أنشئت الكتب في الآفاق بلعنه علم المنابر فاعظم الناس ذلك واكبروه واضطربت العامة " (21 ) وتفهم من الوثائق القديمة التى حملت صدى المحنة ان رد فعل العوام واهل الحديث على انحراف العباسيين عن مذهب السنة كان تمجيد الامويين ومعاوية بصفة خاصة ؟
ففي تلك الظروف قامت حركة دينية سياسية مناهضة لدولة بنى العباس مؤيدة لمذهب الإمام أحمد بن حنبل الذى سجن فى سجن العوام ببغداد وضرب فى بلاط المعتصم سنة تسع عشرة ومائتين ثمانية وثلاثين سوطا . ووجدت هذه الحركة انصارا من بين العوام وتزعمهم حسب ما يبدو جماعة من المتكلمين السنيين والمحدثين ركزوا جدلهم على مسألة قدم القرآن وعلى الإشادة خاصة بذكر معاوية ولم يصدر عنهم ذلك التمجيد بدافع الاخلاص للآمويين وانما وجدوا فى معاوية شخصية تاريخية فذة فتستروا وراءه لتوجيه ضربات لدولة بنى العباس حين اتخذت الاعتزال مذهبا رسميا وقاومت اهل الحديث وامتحننت امامهم . وكان رد فعل العوام عنيفا ناهيك أنهم اضطربوا فى أرباض بغداد وتعددت ثوراتهم فاضطر الخلفاء الى تعديل سياستهم كما حدث في عهد المأمون يوم أنشئت الكتب الى الآفاق بلعن معاوية على المنابر ف " أعظم الناس ذلك وأكبروه
واضطربت العامة فأشير عليه بترك ذلك فاعرض عما كان هم به " (22 ) واعتقادى أن كتاب " فضل هاشم على عبد شمس يدخل فى إطار تاريخ المحنة ويتضمن رد فعل السلطة المركزية على محاولة النابتة بعث حزب الاموية في المشرق .
ووصلتنا رسالة قصيرة في تاريخ المحنة تمثل وجهة النظر السنية وهي " ذكر محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل " (23 ) كتبها ابن عمه حنبل بن اسحاق بن حنبل المتوفى سنة 273 ه . وقد آتت هذه الرسالة بتفصلات على جانب كبير من الخطر والاهمية تفيدنا ان نفرا من الفقهاء فكروا في الخروج على الخليفة واقترحوا ذلك على الامام أحمد بن حنبل فعارضهم و " نصحهم بألا يخلعوا يدا من طاعة وألا يعملوا على سفك دمائهم وسفك دماء المسلمين " (24) .
وما كان المأمون والمعتصم والواثق ليأخذوا أهل الحديث بالشدة أو ليعملوا السيف في اعناق بعضهم لو لم يثبت عندهم انهم يمثلون خطرا على دولتهم . وأغلب الظن أن الإمام أحمد لم بتورط في المؤامرات التى حيكت ضد الدولة ، ومن أجل ذلك عذب ولكن لم يسفك دمه .
مؤامرة لقلب دولة بنى العباس :
ومن الخطإ كما قلنا اعتبار " أهل الحديث " حين نسجوا أسطورة حول معاوية (25 ) مناصرين مخلصين لبني أمية . ألا ترى ان جماعة منهم حين دبروا مؤامرة لقلب دولة بنى العباس فى خلافة الواثق
لم يختاروا رجلا من بنى عبد شمس وانما حركوا فقيها مروزيا من أهل الحديث ينتمى لخزاعة وقد يكون خزاعيا بالولاء وهو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعى ومالك بن الهيثم أحد نقباء بني العباس وكان ابنه أحمد يغشاه اصحاب الحديث كيحيى بن معين وابن الدروق وابن خيثمة وكان يظهر المباينة لمن يقول القرآن مخلوق " (26 ) عملا بمبدإ الإمام أحمد الذى أشار إليه الجاحظ وهو " لا تقية إلا في دار الشرك " وأخذ أهل الحديث عليه البيعة و " رجوا استجابة العامة له إذا هو تحرك " (26) فأجابهم أحمد ابن نصر الخزاعي وأعانهم ماديا ومعنويا وكان يسعى له في دعاء الناس رجلان هما أبو هارون السراج وطالب أعطيا كل رجل من العوام ببغداد دينارا و " وأوعداهم ليلة يضربون فيها الطببل للاجتماع في صبيحتها للوثوب بالسلطان " (26) ولكن كؤوس النبيذ المسكر دارت بين جماعة من المتآمرين " فلما ثملوا ضربوا بالطبل ليلة الإربعاء قبل الموعد بليلة وكان الموعد لذلك ليلة الخميس فى شعبان سنة 231 . . وهم يحسبونها ليلة الخميس التى اتعدوا لها فأكثروا ضرب الطبل فلم يجبهم أحد " ( 27 ) وكشف امرهم ، كشفه رجل من السوق اسمه " عيسى الاعور " لما هدده غلام صاحب الشرطة ببغداد وعثر على راية المتآمرين إذ كانت لهم راية خضراء فيها حمرة وقبض على أحمد بن نصر رأس المؤامرة فقتله الواثق بيده وأمر بتعليق رأسه وجثته .
ولما أفضت الخلافة الى المتوكل أنزلت جثة نصر ودفعت الى أهله لتدفن . وينبغى أن تعلم أن هذا الخليفة شعر بخطر تضخم صفوف الثابتة المتمسكين بمذهب الإمام أحمد بن حنبل والمعارضين دولة بني العباس المنحرفة فى وقت من الاوقات عن السنة . ف " أمر بترك النظر والمباحثة فى الجدال والترك لما كان عليه الناس في
أيام المعتصم والواثق وأمر الناس بالتسليم والتقليد وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث واظهار السنة والجماعة " (28 ) .
ليس من شك بعد هذا العرض لاحداث هامة من تاريخ المحنة فى آن بعض الوثائق التاريخية تمكن بعد فحصها واستنطاقها من ارسال آنوار على ما ورد غامضا فى مؤلفات أبى عثمان ذات الصبغة السياسية والعكس صحيح .
ها انك وقفت الان على كثير من آسرار حزب النابتة الذي استسلم لإرادته المتوكل وقاومه الواثق وقبله المعتصم والمأمون . ويهمك ها هنا موقف المعتصم تجاهه . فلئن التجأ من حين لآخر الى القوة لكبت خصومه من شيعة ونابتة واعتمد على المرتزقة الاتراك لتدعيم ملكه فإنه فسح المجال للمناقشة الحرة فالتجأ الى مفكر سياسي وأديب أوتى من البيان سحرا كي يرد على الثابتة الذين أحاطوا معاوية بهالة من التكبير ترغب فيه العامة . وكأنهم بهذا العمل ارادوا احياء حزب الاموية بعد أفول نجمه في المشرق .
رسالة فى بنبى أمية أو النابتة :
وللجاحظ وثيقة أخرى نشرها حسن السندوبى تحت عنوان " من رسالة فى بنى آمية " وعنوانها الاصلى " رسالة فى النابته " ) 29 ( تمكنك من مزيد الاطلاع على نشاط هذه الطائفة فى القرن الثالث . فقد طلب من الجاحظ حسب ما يبدو من خاتمة الرسالة كشف النقاب عن تعاليم النابتة واهدافها ودحض حججها فأجاب الى الرغبة ملاحظا من أول وهلة أن المسلمين في عصره ما زالوا يحملون دم عثمان ولن يزالوا لانهم احتلبوا بعثمان رضى الله عنه " دما لا
تطير رغوته ولاتسكن فورته ولا يموت ثائره ولا يكل طالبه " (30 ) ويتوق أبوعثمان الى الوحدة ويحن الى عصر الإسلام الذهبي حين كان المسلمون في عصر النبي عليه السلام وأبى بكر وعمر رضي الله عنهما وفي السنين الست من خلافة عثمان " على التوحيد الصحيح والإخلاص المحض مع الالفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاشية ولا نزع يد من طاعة ولا حسد ولا غل ولا تأول حتى كان الذى كان من قتل عثمان رضي الله عنه " (30 )هذا الدم تسبب في تصديع الامة الإسلامية التى يتوق أبو عثمان الى توحيدها في ظل الخلافة العباسية (31 )ولم نزل " الفتن متصلة والحروب مترادفة كحرب الجمل وكوقائع صفين وكيوم النهروان وقبل ذلك يوم الزبوقة " (32 )الى أن قتل على وتخلى الحسن عن الامور لمعاوية فى العام الذى سموه " عام الجماعة " وما كان عند أبي عثمان " عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة والعام الذى تحولت فيه الامامة ملكا كسرويا والخلافة منصا قيصريا " (33 )ويجرى قلم أبي عثمان بثلب معاوية الذى أحاطته النابتة أنصار الإمام أحمد بن حنبل بهالة من الإجلال ، فيخرجه " من حكم الفجار الى حكم الكفار " ولا يتردد في تكفير من تركوا إكفاره وذكروه بخير وعددهم كثير . ثم بشير الى قيام حركة ساسية دينية اتخذت السنة مذهبا وأحاطت معااوية بهالة من الاجلال واعتبرته رمزها وحثت العوام على مقاومة العباسيين الذين تركوا البراءة ممن ذكره بخير . فاقرأ لتتيقن من ذلك قول أبي عثمان : وقد أربت عليهم ) على كثير من عامة الناس ناتة عصرنا ومبتدعة دهرنا فقالت : لا تسبوه فإن له صحبة وسب معاوية بدعة ومن يبغضه فقد خالف السنة . فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة (اشارة الى بني العباس ) (34 ) ويعتبر الجاحظ النابتة واتباعهم كفرة ويوازى بين كفرهم وكفر بعض
خلفاء بني أمية وعمالهم كيزيد الذى غزا مكة ورمى الكعبة بالمنجذيق عندما عاذ بها ابن الزبير واستباح المدينة واطاح برؤوس الطالبيين ، ويصرح بأن " النابتة فى هذا الوجه اكفر من يزيد وأبيه وابن يزيد وأبيه " وبأن " تجوير الثابتى لربه وتشبيهه بخلقه أعظم من ذلك وأفظع " (35 ) .
ويحدو به تصريح الى التعرض لتعاليم النابتة فيطلعك على بعض مبادئهم . فمنها اعتقادهم انه " ملعون من قتل مؤمنا متعمدا أو متأولا " فيرد على ما يسميه نفاقهم : " فإذا كان القاتل سلطانا جائزا أو اميرا عاصيا لم يستحلوا سبه ولا خلعه ولا نفيه ولا عيبه وإن أخاف الصلحاء وقتل الفقهاء وأجاع الفقير وظلم الضعيف وعطل الحدود والثغور وشرب الخمور وأظهر الفجور " (36 ) يريد خلفاء بني أمية الذين اعتبرهم فاسقين على أقل تقدير ان لم يسلم الناس بكفرهم وبما آن الفاسق ملعون ف " من نهى عن شتم الملعون (وهم النابتة ) فملعون " . ويحمل أبو عثمان مرة أخرى على خلفاء بني أمية بلا هوادة ولا رحمه فيكفر عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وعاملهما الحجاج ومولاه يزيد بن أبى مسلم غير أن كفرهم فى رأيه لم يبلغ كفر النابتة . وهكذا يفطن الباحث للعلاقة بين كتاب " فضل هاشم على عبد شمس " و " رسالة الثابتة " التى ألفت حوالى سنة مائتين وخمس وعشرين . (37 )
وتعلم من كلام أبي عثمان أن زعماء النابتة شيدوا لانفسهم مذهبا دينيا (هو مذهب أهل السنة الحنابلة ) ومذهبا سياسيا وأنهم استعملوا نفس السلاح الذى كان المعتزلة يستعملونه وهو الكلام فكانوا يقولون مثلا : " إن الله يعذب الابناء ليغيظ الآباء وإن الكفر والإيمان مخلوقان في الإنسان مثل العمى والبصر (38 ) وقد جسموا الخالق وجعلوا له صورة وحدا وأكفروا من قال بالرؤية على غير التجسيم والتصوير . والتجسيم عند أبى عثمان شرك والشرك كفر أعظم من كفر من مضى فى الاعمال التى هى الفسق " اشارة الى بني أمية .
ثم تغلب على أبي عثمان نزعته الاعتزالية فيطيل الحديث عن خلق القرآن ويلاحظ أن النابتة " أعطوا جميع صفات الخلق ومنعوا اسم الخلق " (39 ) .
ويفيدك أن نشاط النابتة كان قويا فى عصره مما زاد فى تعكير الجو السياسى وتشتيت الامة وإفساد العقول . فها هو يقول : " وقد كانت هذه الامة لا تجاوز معاصيها الاثم والضلال إلا ما حكيت لك عن بنى آمية وبنى مروان وعمالهم ومن لم يدن باكفارهم حتى نجمت هذه النوابت وتابعتها هذه العوام فصار الغالب على هذا القرن الكفر ، وهو التشبيه والجبر ، فصار كفرهم أعظم من كفر من مضي فى الاعمال التى هى الفسق وكانوا شركاء من كفر منهم بتوليهم وترك إكفارهم " (40) كما يفيدك آن ولاة الامر في عصره قاوموا النوابت وناصروا المعتزلة .
ثم يبدى أبو عثمان رأيه فى عصره زمن المحنة فينعته ب " الدهر الصعب والزمن الفاسد " (41 ) لكثرة البدع وانتشار العصبية " التى هلك بها عالم بعد عالم " .
ومن طريف ملاحظاته أن حركة النوابت وجدت أنصارا من بين الشعوبية دعاة التسوية والتفوق الذين يهدفون الى الإطاحة بسلطان العرب ويحنون الى استرجاع جنتهم الضائعة ، فيطلق على الشعوبية اسم الناجمة ويردفه بالنابتة ، وكأنه يحث العرب على أن يتحدوا ليتقوا شر عدوهم المشترك ، وأن يكفوا عن تقاتلهم . فها هو يقول : " وقد نجمت من الموالى ناجمة ونبت منهم نابتة تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا " (42 ) وقد أثار هذا الإدعاء نقمة الجاحظ فقال : " إن الاعجمي لا يصير عربيا كما أن العربى لا يصير اعجميا " وبعد ذلك باسطر أضاف قوله وأى شىء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك وهو مقر بأنه صار شريفا بعتقك إياه " ( 43 ) وهكذا
نصب نفسه مدافعا عن العرب جميعا فجعلهم فوق العجم بعد أن أنشأ نظام الافضلية بين العرب انفسهم خدمة لدولة بني العباس .
تعليل دفاع الجاحظ عن دولة بنى العباس :
وللجاحظ آراء أخرى هامة في الإمامة هي بمثابة نظرية فى الملك تمكنك من تعليل مساندته المطلقة للخلافة العباسية ومزيد فهم مذهبه السياسي .
ولعله ساند خلافة بني العباس الهاشميين مساندة مطلقة لسبب عاطفي أيضا ويتضح لك ذلك فى قوله الوارد فى رسالة " مدح النبيذ " وأنا رجل من بنى كنانة وللخلافة قرابة ولي فيها شفعة وهم بعد جنس وعصبة " (44 ) فهو يرى بينه وبين الخلافة قرابة لانتسابه الى بنى كنانة فلاغرو إن ناصر بنى العباس وساندهم فهل تعلم أن أهمية قبيلة كنانة فى نظر النسابين العرب تنحصر فى كون فريش تدعي أنها فرع منها وان الرسول ينتسب إليها . ولقد لعبت كنانة دورا خطيرا في تاريخ مكة قبيل الإسلام إذ سائدت قريشا لما انتزعت الحكم بالقوة من آبدى خزاعة ويستنتج من الوثائق القديمة أن كنانة كانت تعطف على بني هاشم أكثر مما كانت تعطف على عبد شمس أى بني أمية (45) .
فمن المحتمل أن الجاحظ الفخور بانتسابه الى كنانة سواء كان كناني الاصل او مولى كنانة كان يعطف هو بدوره عطفا صادقا على العباسيين الهاشميين أهل الحل والعقد في زمنه .
ومن المؤكد أنه انتصر لهم مخلصا حين نادوا بالاعتزال مذهبا رسميا لدولتهم في أيام المأمون والمعتصم والواثق ولما تغير اتجاه السياسة العباسية وعاد المتوكل الى مذهب " أهل الحديث لازم داره فى البصرة ولا يكفى تعليل عزلته بالفالج الذي أصابه . ومهما يكن من آمر فإنه بقى لسان حال الدولة إذ ألف فى عهد المتوكل رسالة " في مناقب
الاتراك وعامة جند الخلافة " قام فيها بمحاولة توفيقية بين عناصر الجند المختلفة المتطاحنة .
نظرية الجاحظ في الملك :
وفضلا عن هذه الاسباب كلها فإن أبا عثمان تكلم باسمهم وسخر قلمه للذود عن دولتهم وللرد على هجومات أعدائهم إخلاصا لمذهبه في الإمامة ، ولأبى عثمان آراء هامة فيها مبعثرة في " كتاب الحيوان " ومجملة في فصل أقحم إقحاما في رسالته " في النساء " وهى بمثابة نظرية فى الملك .
فقضية واجبة عنده " أن الناس لا يصلحهم إلا رئيس واحد يجمع شملهم ويكفيهم ويحميهم من عدوهم ويمنع قويهم عن ضعيفهم وقليل لهم نظام أقوى من كثير لا نظام لهم ولا رئيس عليهم " (46 ) .
والملك عنده ضرورى فى المجتمع لامتزاج الخير والشر فى الكون (47 ) ف " لو لم يقم الله للناس الوزعة من السلطان والحماة من الملوك وأهل الحياطة عليهم من الايمة لعادوا نشرا لا نظام لهم ومستكلبين لا زاجر لهم ولكان من عز بز ومن قدر قهر ولما زال الشر راكدا والهرج ظاهرا حتى يكون التغابن والبوار وحتى تنطمس منهم الآثار " (48 ) .
ولا ملك عنده إلا بالعصبية فلذلك يحتاج الى نسب والى أمر قد وطئ له بسبب " (49 ) ولما تفاوتت الانساب والاسباب التى بها يتم الشرف ، فإن الإمامة " لا يستحقها إلا الافضل ولا يجوز صرفها الى المفضول " ومن أجل ذلك قالوا : " أحلم من الاحنف وما هو إلا
فى حلم معاوية وأحلم من قيس بن عاصم ، ولم يقولوا : أحلم من عبد المطلب ولا هو أحلم من هاشم لان الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه ، فلما كانت خصاله متساوية وخلاله مشرفة (يعنى عالية) متوازية وكلها كان غالبا ظاهرا وقاهرا غامرا سمى بأجمع الاشياء ولم يسم بالخصلة الواحدة فيستدل بذلك على أنها أغلب خصال الخير عليه " (50) فانظر كيف نسب الى هاشم تمام الخصال ليستدل على أن السادة لا صقة به ومقصورة عليه فلا يستحق الرجل السيادة إلا " إذا كان أبرع الناس براعة وأظهرهم فضلا وأجمعهم لخصال الشرف ثم كانت كل خصلة مساوية لاختها في التمام ولم تغلب عليه خصلة واحدة " (51 )
وقد يكون لرأى الجاحط فى أفضلية الإمام علاقة بمبدإ العصمة عند الشيعة ولا يستبعد ذلك خاصة إذا علمنا أن المعتزلة يعطفون على الزيدية .
واعتقادى أن الجاحظ أوجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه لتقوى السلطة المركزية ويتوق أبو عثمان الى توحيد الامة الإسلامية التى صدعها دم عثمان حول امام واحد من صنف الانبياء . ويسعى لتحقيق عرضه فى كثير من الاحيان وكلما آتاحت الظروف السياسية بذلك الى جمع كلمة المسلمين على اختلاف أجناسهم حول الإمام . خذه لك مثالا محاولته التوفيق بين الاجناس الخمسة المتطاحنة في جند الخلافة في رسالته " مناقب الاتراك " .
وحتم على الإمام ليقوى نفوذه الانفراد بالسلطة لان الرؤساء إذا كثروا عمت الفوضى ومن أجل ذلك ينادى بوجوب طاعة خلفاء بني العباس وبتأييد سلطانهم فى غير ما موضع من رسائله السياسية .
واقرأ لمزيد تيقن من أن الجاحظ يتوق الى الوحدة وإن سلك اليها أحيانا نظرا للظروف السياسية ، طريقا مفرقة ، وانه يرى ضرورة انفراد الإمام بالإمامة قوله " وانفراد السيد بالسيادة كانفراد الإمام بالإمامة ، وبالسلامة من تنازع الرؤساء تجتمع الكلمة وتكون
الالفة ويصلح شأن الجماعة وإذا كانت الجماعة انتهت الأعداء وانقطعت الاهواء " (52) .
ويضرب الجاحظ لتدعيم رأيه فى وجوب انفراد صاحب الدولة بالسلطة مثل البهائم التى يجعل الله لها فجلا ليقودها وهو عندها بمثابة الامام عند الناس : " علم الله سبحانه وتعالى أن صلاح عامة البهائم في أن يجعل لكل جنس منها فحلا يوردها الماء ويصدرها وتتبعه الى الكلا كالعير في العانة والفحل في الإبل والهجمة ، وكذلك النحل العسالة والكراكي وما يحمى الحجور في المروج إلا الحصان فجعل منها رؤساء متبوعة وأذنابا تابعة " (53 ) .
وللجاحظ رأى فى سياسة الحزم التى ينبغي على الإمام سلوكها ، يبسطه قوله : وبعد فأى رئيس كان خيرة محضا عدم الهيبة . ومن لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة وقتل فى موضع القتل واحيا في موضع الاحياء وعفا في موضع العفو وعاقب في موضع العقوبة ومنع ساعة المنع وأعطى ساعة الإعطاء خالف الرب فى تدبيره وظن ان رحمته فوق رحمة ربه . وقد قالوا : بعض القتل إحياء للجميع (عملا يقول الله تعالى " ولكم في القصاص حياة " ) وبعض العفو إغراء كما أن بعض المنع إعطاء ولا خير فيمن كان خيره محضا وشر منه من كان شره صرفا . ولكن أخلط الوعد بالوعيد والبشر بالعبوس والإعطاء بالمنع والحلم بالإيقاع . فإن الناس لا يهابون ولا يصلحون إلا على الثواب والعقاب والإطماع والإخافة " وتتلخص سياسة الحزم في وجوب مزج الوعد بالوعيد والترغيب بالترهيب .
ويتصل رأيه في سياسة الحزم بالمبدأإعت القائل إن المصلحة في أمر ابتداء الدنيا الى انقطاع مدتها امتزاج الخير بالشر والضار بالنافع والمكروه بالسار والضعة بالرفعة والكثرة بالقلة . ولو كان الشر صرفا هلك الخلق أو كان الخير محضا سقطت المحنة " (54) ولا يمكن الخروج من المحنة بسلامة إلا بالعقل المميز بين الخير
والشر ، وينبغى أن يكون عقل الإمام أكمل العقول . وإذا استوت الامور بطل التمييز ثم الاختيار ، وما كان الإنسان ذو العقل ذو الاستطاعة ذو التبين والروية إنسانا .
علمت - حفظك الله - أن لابى عثمان نظرية كاملة في الإمامة تقوم على آرائه السياسية فى الملك من جهة وعلى مبادئه الاعتزالية ولا سبيل فى الحقيقة الى الفصل بين الدين والسياسة فى تفكير الجاحظ وفى مذهب الإسلام وتاريخه .
واعتقادى الراسخ الآن أن مذهب الجاحظ السياسى يرتكز على نظرية الإمامة عنده وان دعوته لتأييد بني العباس الهاشميين العرب لم تكن تملقا وإنما مبررها الى حد كبير وجود الإمامة فيهم في زمنه .
ويمكن للباحث الانطلاق من هذا العنصر الهام الذى لم يتبدل عند آبى عثمان مهما تغيرت الظروف ، وكشف سر تناقضه الظاهرى في بعض رسائله وكتبه ذات الصبغة السياسية التى بقى الكثير منها غامضا ومقبورا مغمورا ، بالتنقيب والتنقير أى النقد وبالرجوع الى بعض المصادر التاريخية لإنارة ما تغول على عقله وهذا المجهود شاق ومهما كانت عناية الباحثين شديدة فإن نواحي كثيرة من التفكير أبي عثمان ستبقى غامضة او مجهولة نظرا لسكوت المصادر القديمة عنها ولتلف كتب كثيرة للجاحظ وقد عبثت بجلها أيدى " أهل الحديث " كما عبثت بكتب ابراهيم بن سيار النظام وغيره من جلة ايمة الاعتزال .
وإذا توفرت المادة للباحث واستقصى الدرس العلمى الصحيح فإنه يكشف جوانب هامة من نتاج أبى عثمان وتفكيره وتحصل له صورة من عصره وهو من أخصب عصور الحضارة الإسلامية ولعلها تكون صورة مغايرة لما عرفه قبل اكتشافها فى كثير من الاحيان . خذ لك مثالا تاريخ محنة خلق المقرآن ، فإن جل المصادر التى تعبر عن وجهة نظر المعتزلة قد أتلفت بعد انتصار تيار المحافظة في عهد المتوكل ويكاد ما كتب عن تاريخ المحنة لا يعبر إلا عن وجهة نظر واحدة هي وجهة نظر " أهل الحديث " وذلك هو الشأن بالنسبة لاطروحة المستشرق الامريكي " ولتر ملفيل باتون " (Walter Melville Patton )
الافتتاحية " احمد بن حنبل والمحنة " (55 ) ولقد عثرنا في كتب الجاحظ التى لها صلة بالمحنة ملاحظات تمتاز بالدقة والانتقاء ليست من قبيل ما اعتدناه في كتب الادب أو التاريخ .
وإن محاولة إحياء تراث الجاحظ وإماطة اللثام عن مدافنه قد شرع فيها باحثون آفذاذ أمثال طه الحاجرى وعبد السلام هارون وحسن السندوبى فى المشرق و " شارل بلات " فى الغرب . على أن عملهم يستوجب مواصلة وهو عمل جد مفيد إذ يعتبر الجاحظ كاتبا إنسانيا (humaniste ) وإن أبا عثمان نفسه ليدعونا إلى تعرف معانيه كي لا تدرس فاقرأ لتتيقن من ذلك قوله :
ولولا أن ناسا من كل جيل وخصائص من كل أمة يلهجون ويكلفون بتعرف معانى آخرين لدرست ولعل كثيرا من هؤلاء يزرى على اولئك ويعجب الناس من تفرغهم لما لا يجدى وتركهم التشاغل بما يجدى . والذى فرق هذه الاقسام وسخر هذه النفوس وصرف هذه العقول لاستخراج هذه العلوم من مدافنها وهذه المعاني من مخابيها هو الذى سحر بطليموس مع ملكه وفلانا وفلانا للتفرغ للأمور السماوية ولرعاية النجوم واختلاف مسير الكواكب وكل ميسر لما خلق له لتتم النعمة ولتكمل المعرفة وإنما تأبى ) الله ( التيسير للمعاصى " ) 56 ( .
