الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مع الجاحظ المفكر الاجتماعي

Share

ان

الجاحظ فضلا عن كونه أديبا قبل كل شئ ، مفكر ديني وسياسي وناشط معا (1) وعالم " طبيعي " صنف كتاباً طويلا في علم الحيوان وملاحظ اجتماعى ومفكر أيضا امتاز بدقة الملاحظة وفطن الى بعض مبادئ علم الاجتماع الصحيحة وإن يدمج تلك المبادىء في إطار هيكل .

ويهمنا الجاحظ المفكر الاجتماعى كما تهمنا منهجيته كلما نزع نزعة علمية فى بحوثه هذه . فعودة الى مؤلفاته من كتب ورسائل تمكن الباحث من تقدير القيمة الإخبارية لبعض الوثائق ذات الصبغة العلمية الاجتماعية ، ومنهجية الجاحظ ، حق قدرها .

اجل إننا نجد أفكارا عزيزة عليه كفكرة التوتر الطبيعي الباطني الموجود داخل كل خلية اجتماعية (Antagonisme Social ) . لاحظ أبو عثمان ذلك التوتر عند كتاب الدواوين فلامهم بقوله : " إنكم لتناكرون عند الاجتماع والتعارف ، تناكر الضباب والسلاحف ، (2) ثم ضرب لهم في ذلك مثلا فقال : " هم كالهرهرة من الكلاب في مرابضها يمر بها أصناف الناس فلا تتحرك وإن مر بها كلب مثلها نهضت اليه بأجمعها حتى تقتله ، (3)

وربما ينقلب هذا التوتر الباطنى داخل كل خلية اجتماعية الى تعصب على أفراد خلية أخرى والى تعاطف على النظراء وذوى القرابات ، فاقرأ لتتيقن من ذلك قوله فى رسالته " فى ذم أخلاق الكتاب : " وإنه ليبلغني أن رجلا من القصابين يكون فى سوقه فيتلف ما فى يديه فيخلى له القصابون سوقهم يوما ويجعلون له أرباحهم فيكون بربحها منفردا ، وبالبيع مفردا ، فيسدون بذلك خلته ويجبرون منه كسره " (4).

ولقد مكنت فكرة التناكر عند الاجتماعAntagonisme Social) الجاحظ من تعليل التطاحن الموجود بين الاجناس الخمسة في جند الخلافة . ومن المعلوم ان الجاحظ السياسي قام بمحاولة توفيقية فى رسالته الى الفتح بن خاقان " فى مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " بين البنويين والموالى والخراسانيين

والاتراك والعرب في جند المتوكل  ، فأرجعهم جميعا بفضل عملية من منطق المغالطة تعرضنا اليها فى عدد من مجلة الفكر الغراء (1) الى جنس واحد هو الجنس العربى . وأراد الجاحظ توحيد صفوف جند الخلافة عن طريق العصبية لاعن طريق الاخوة الدينية وذكر بعد عمليته الجدلية أنه ان بقى فى صفوف الجند بعد محاولته التوفيقية شىء من التعقيد والضغن والاستثقال ، فإنما مرد ذلك كله هذا التوتر الباطنى الطبيعى " الذى لا يزال يكون بين المتقاربين فى القرابة وفي الصناعة وفى المجاورة " (2) وهذه مغالطة أخرى يعمد اليها الجاحظ الشغموف بمنطق المغالطة ( Sophisme) ليرجع الشعوبية الى التوتر الاجتماعى . ولكن الشعوبية أخطر من أن تكون مجرد توتر باطني بين أفراد المجتمع الواحد . وغاية الجاحظ من هذا التعليل للشعوبية أن يبين أن التناحر بين الاجناس الخمسة فى جند الخلافة يومئذ أمر طبيعي يوجد في القرابات وفى بنى الاعمام ، وقد قرر أن الاجناس الخمسة " فى معظم الامر وفى كبر الشان وعمود النسب متفقون " (3)وليس ذاك التناحر اذن بالامر

الخطير كما زعم المتهجم على جيش الخلافة فى مجلس من مجالس الفتح بن خاقان ، لان " التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الاعمام والعشائر أفشى وأعم من التخاذل والتعادى "(4)

وعلى كل فان الجاحظ يستغل فكرة عزيزة عليه لخدمة أهدافه السياسية وتعليل التيارات الشعوبية الموجودة فى جند الخلافة العباسية فى عهد المتوكل ، تعليلا يوافق مذهبه السياسى . وفطن الجاحظ الى نظريات أخرى أقرها علم الاجتماع كنظرية أثر البيئة فى الكائن واختصاص الشعوب .

فالرأى عنده أن لكل شعب ميزة وأن هذه الميزة تمليها البيئة غالبا وهذه الفكرة أى فكرة اختصاص الشعوب شاعت فى عصر الجاحظ وعرضها أبو عثمان في مواطن كثيرة من " كتاب الحيوان " وفى رسالة : " فخر السودان على البيضان " وعرضها خاصة فى " رسالة الى الفتح بن خاقان في

- مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " فاقرأ ما قاله عن ميزة سكان الصين : فأما سكان الصين فهم أصحاب السبك والصياغة والافراغ والإذابة ٣ . T . والاصاغ العجيبة وأصحاب الخرط والنحت والتصاوير والنسج والخط ورفق الكف في كل شئ يتولونه ويعانونه وان اختلف جوهره وتباينت صنعته وتفاوت ثمنه ) 1 ( فهذه المبنات كلها تدل على أن اهل الصين برعوا فى الصناعات الدقيقة الفنية . فهم اذن اهل فن ولا بد للفنان من آن يكون مرهف الاحساس ، حسن الذوق ولا شك أن الجاحظ يعتقد ان البيئة الصينية هى التى أرهفت إحساس الصينيين وخلقت فيهم المواهب الفنية .

٥٠ ولقائل أن يقول : كيف عرف الجاحظ ميزات أهل الصين هذه ؟ إن أبا عثمان بصري وكانت البصرة فى أيامه ملتقى طرق التجارة تؤمها القوافل التجارية الواردة من افريقيا وفارس ومن الهند والصين ولاشك أن الجاحظ شاهد لوحات جميلة لاهل الصين حملها التجار معهم الى العراق كما أعجب بالحلى الصينى الطريف وبالنقوش والاصباغ الصينية العجيبة ، والجاحظ أديب والادب فن ، فلا غرابة أن يتذوق أبو عثمان هذه الاثار الفنية . زد على ذلك د قمة الملاحظة التى امتاز بها وحب التطلع على خصائص كل شعب ، تفهم السر فى المام الجاحظ لميزات الشعوب . فقد لاحظ أن سكان الصين امتازوا " برفق الكف ، أى بلينه ولطفه

ولاحظ عقلية عرب الجزيرة فى القديم ، تلك العقلية المتمثلة فى احتقار الاعمال اليدوية من صناعة وفلاحة وتجارة . وليس أدل على ذلك من قوله : " وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولاصناعا ولا أطباء ولا حسابا ولا أصحاب زرع لخوفهم من صغار الجزية ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب ولا أصحاب احتكار لما فى أيديهم وطلب ما عند غيرهم ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورؤوس المكائيل ولا عرفوا الدوانيق والقراريط " (2) لكن كيف يعلل الجاحظ هذه العقلية العربية القديمة ؟ لعله يرى أن بيئة

الجزيرة تدفع البدوى الى البحث عن قوته وكسبه وغناه فى ميادين أخرى غير الفلاحة والصناعة والصياغة . ومن هنا تولد احتقار الفلاحة والاعمال اليدوية فى ذهن العربي فوجه همه الى أشياء أخرى . ولم يطلب العرب المعاش من ألسنة الموازين ورؤوس المكائيل ولا عرفوا الدوانيق والقراريط " لانهم " كانوا سكان فياف وتربية العراء " (1) وكلمة العراء في نص الجاحظ هامة تدلنا على أن هذه الصناعات لم تنتشر في بيئتهم إذ أنها عراء وقفر . وما يشك فى أن الجاحظ يؤمن ايمانا قويا بأثر البيئة فى الكائن على الاطلاق فلقد امتاز العرب فى قفرهم بالشدة والصبر وتعود الافتراس والاعتناء بالقول وللقول عند العرب شان عظيم " فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم الى قول الشعر وبلاغة المنطق وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام وقيافة البشر بعد قيافة الاثر وحفظ النسب والاهتداء بالنجوم والاستدلال بالآثار وتعرف الانواء والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس واحكام شان المناقب والمثالب بلغوا في ذلك الغاية وحازوا كل امنية " (2) هذه هي ميزات العرب حسب الجاحظ ، ولا ريب أنها ميزات أوجدتها البيئة العربية ، فإنهم اهتموا مثلا بعلم الانواء لا لمعرفة النجوم بل لتتبع مساقط الغيث لندارة الماء في الجزيرة وقيمته عندهم .

ويحدثنا الجاحظ عن ميزة الاتراك ويقارنهم بالعرب فيرى أنهم أصبحوا أهل حرب بموجب بيئتهم ونوع تربتهم . فاقرأ لمزيد تيقن من ذلك قوله : " ولم تكن هممهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل ومقارعة الابطال وطلب الغنائم وتدويخ البلدان وكانت هممهم الى ذلك مصروفة " (3) والاتراك بهذه الخصال أولى اذ هم " أصحاب عمد وسكان فياف وأرباب مواش وهم اعراب العجم " (4) فهل علمت أن الدولة العباسية كانت تعتمد على قوة الجند الاتراك فى عصر الجاحظ ، بل أصبح الخلفاء ألعوبة في أيديهم , وصار الاتراك أهل الحل والعقد يومئذ وقد عرفوا بالشدة والبطش .

ولم يقتصر الجاحظ على ذكر ميزات الترك وسكان الصين والعرب بل ادرك كذلك ميزات اليونانيين فقال : " فاليونانيون يعرفون العلل ولا

يباشرون العمل " ولكن الجاحظ يغالي عندما يقر بأنهم لايباشرون العمل ونحن نعلم أنهم شيدوا البنيان الضخم ومالوا فى أزهى عصور حضارتهم الى الفنون الجميلة فنحتوا التماثيل وأقاموا الهياكل ، وتفننوا في الصناعات . غير أن أبا عثمان يشير الى أهم ميزات اليونانيين وهى الفلسفة .

وأدرك الجاحظ ميزات أهل السند كما فطن الى ميزات سكان الهند في عصره فقال فى الهنود على لسان الزنج : " وأما الهند فوجدناهم يقدمون فى النجوم والحساب ولهم الخط الهندى خاصة ويقدمون فى الطب ولهم أسرار الطب وعلاج فاحش الادواء خاصة ولهم خرط التماثيل ونحت الصور بالاصباغ . ولهم الشطرنج وهى أشرف لعبة وأكثرها تدبيرا وفطنة ولهم السيوف القلعية وهم ألعب الناس بها وأحذقهم ضربا بها ولهم الرقي النافذة فى السموم وفي الاوجاع ولهم غناء معجب ولهم الكنكلة وهى وتر واحد " (1).

فخبرنى هل تعرف كاتبا عربيا فى عصر أبي عثمان ، وبعده حدثك بمثل هذا الحديث ، وأطلعك على ميزات الشعوب وخصائص الاجناس ؟ إن أبا عثمان لجدير بأن يسمى كاتبا إنسانيا إذ كان الانسان دائما محور بحوثه .

لاشك أنك أيقنت الآن أن فكرة اختصاص الشعوب فكرة عزيزة على الجاحظ . والرأى عنده أيضا أن هذا الاختصاص من شأنه أن يجعل الانسان يحذق الفن الذى يتخصص فيه حذقا تاما . فها هو يقول في رسالته : " فى مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " , بعد ذكر ميزة الترك وهي الحرب : فحين لم تشغلهم الصناعات ولا التجارة ولا الطب والفلاحة ...

وكانت هممهم الى ذلك ( أى الى الحرب ) مصروفة وكانت لهذه المعانى والاسباب مسخرة ومقصورة عليها وموصولة بها أحكموا ذلك الامر بأسره وأتوا على آخره " (2)

ويرى بالعكس أن تشتت الجهود من شأنه أن يجعل الانسان لا يحذق من الفنون التى يقسم فيها هواه شيئا بأسره ولا يبلغ فيه الغاية . فأقرأ لمزيد

تيقن من رأيه فى نتيجة تشتت الجهود في الفنون المختلفة قوله فى فصل من " رسالة مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " يورده الجاحظ قبل ذكر ميزات الشعوب : " ثم اعلم بعد هذا كله أن كل أمة وقرن وكل جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا فى الصناعات وفضلوا الناس فى البيان أو فاقوهم فى الآداب أو فى تأسيس الملك أو فى البصر بالحرب فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية " (1) ويعلل الجاحظ ذلك بقوله إن " من كان متقسم الهوى مشترك الرأى متشعب النفس غير موفر على ذلك الشئ ولا مهيئا له بأسره لم يبلغ فيه غايته " (2) ويضرب بعد ذلك أمثلة ليدعم نظريته ويبين نتيجة الاختصاص ، وذاك سبيل كل عالم باحث يبدأ بعرض نظرية فيقول : " كأهل الصين فى الصناعات واليونانيين في الحكم والآداب والعرب فيما نحن ذاكروه فى موضعه وآل ساسان في الملك والاتراك فى الحروب . ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجارا ولا صناعا بأكفهم ..." (3)

ويتصل بفكرة اختصاص الشعوب نظرية "أثر البيئة " عند الجاحظ . فهو يعتبر أن كل أمة وليدة بيئتها ولا شك في أن هذه النظرية تفسر فى رأى الجاحظ ميزات الشعوب .

لقد فطن أبو عثمان الى " آثر البيئة " فى الكائن على الإطلاق من انسان وحيوان ونبات . ومال الى هذه النظرية ميلا خاصا اذ نجدها فى مواطن مختلفة من مؤلفات أبى عثمان ، نجدها فى " كتاب الحيوان " كما نجدها فى "البخلاء" ونجدها فى رسالته" مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " وفي " كتاب فخر السودان على البيضان " ، فهاهو يقول في " كتاب الحيوان" على لسان صنف من الدهرية : " لاننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم ، فيعمل ذلك في طباعهم على الايام " (4) وإنما يذكر الجاحظ هاهنا أثر بعض البيئات السئ لانه بصدد الحديث عن المسخ أهو بإرادة إلاهية أم هو تحول بمفعول البيئة . ويرجع بخل أهل مرو ، الموجود أيضا فى حيوانهم وطيورهم الى أثر البيئة فيقول في

"كتاب البخلاء" : " وقال ثمامة : لم أر الديك فى بلدة قط إلا وهو لافظ يأخذ الحبة بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة إلا ديكة مرو فإنى رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما فى مناقيرها من الحب . قال فعلمت أن بخلهم شئ فى طبع البلاد وفي جواهر الماء ، فمن ثم عم جميع حيوانهم " (1)

ويقول على لسان السودان : " والسواد والبياض إنما هما من قبل خلقة البلدة وما طبع الله عليه الماء والتربة ومن قبل قرب الشمس وبعدها وشدة حرها ولينها وليس ذلك من قبل مسخ ولا عقوبة ولاتشويه ولا تفضيل (2) ولئن بينا فى بحث سابق (3) أن الجاحظ يسخر من السودان فى كتابه " فخر السودان على البيضان " ويستعمل منطق المغالطة ، فإننا لاننفى وجود أمور جدية فى هذا الكتاب . وهذه الملاحظة جدية وليست من قبيل النكتة . وينكشف لك موقف الجاحظ من المسخ الإلهي في قوله على لسان الزنج : " ونحن نقول إن الله تعالى لم يجعلنا سودا تشويها بخلقنا ولكن البلد فعل ذلك بنا " (4) وحجتهم " أن العرب قبائل سودا  كبني سليم بن منصور وكل من نزل الحرة من غير بنى سليم كلهم سود وأنـهم ليتخذون المماليك للرعى والسقاء والمهنة والخدمة من الاشبانيين ومن الروم نساءهم فما يتوالدون ثلاثة أبطن حتى تنقلهم الحرة الى ألوان بني سليم " (5)                           ويذكرون أثر تلك الحرة وهى أرض فى عالية نجد ذات حجارة سوداء نخرة فى الكائن على الاطلاق ، فيقولون : " ولقد بلغ من أمر تلك الحرة أن ظباها ونعامها وهوامها وذئابها وثعالبها وشاءها وحميرها وخيلها وطيرها كلها سود " (6).

وحدثنا الجاحظ في " كتاب الحيوان " عن أثر حرة بني سليم هذه في الانسان والحيوان والنبات ، فقال : " وقد نرى حرة بني سليم وما اشتملت عليه من إنسان وسبع وبهيمة وطائر وحشرة فتراها كلها سوداء ". (7)

والرأى عنده أيضا أن لكل بيئة مفعولا خاصا على حد قوله : " والسواد والبياض إنما هما من قبل خلقة البلدة وما طبع الله عليه الماء والتربة ومن قبل قرب الشمس وبعدها وشدة حرها ولينها " (1) وتفهم ذلك خاصة فى قول الجاحظ على لسان الدهرية فى " كتاب الحيوان " عند الحديث عن أثر بعض البيئات السئ : " ولم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يعارض أن الموضع الذي قلب صور قوم الى صور الخنازير هو الموضع الذي نقل صور قوم الى صور القرود ، وقد يجوز أن تكون هذه الصور انقلبت في مهب الريح الشمالي ، والأخرى فى مهب الجنوب " (2)

على أن البيئة لا تعمل عملها حسب الجاحظ إلا بعد دهور وهذا يذكرنا بنظرية التطور عند " داروين ، و " لامارك ". فإن لطول الزمن أهميتة في التطور . فها هو يقول : " لا ننكر أن يفسد الهواء فى ناحية من النواحى فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم ، فيعمل ذلك في طباعهم على الايام " (3) ويهمنا قوله " على الايام " كما تهمنا كلمة الدهر في قوله : " ويجوز أن يكون ذلك ( أى التحول الى صور القرود وصور الخنازير) كان في دهر واحد ، ويجوز أن يكون بينهما دهر ودهور " (4).

لقد فطن الجاحظ لما فطن له " لامارك "و " داروين " قبل ألف سنة . على أننا لا نغالي فندعي أنه عالم بأتم معنى الكلمة لانه أديب قبل كل شئ ، وان وجدت عنده بذور علمية سوف تأتي أكلها فيما بعد . ولئن اهتدى الجاحظ الى ما اهتدى اليه "داروين" . وغيره ، فإنه لم يشيد ملاحظاته الدقيقة في إطار هيكل ولن هل يطالب الجاحظ بأمور ما كان فى استطاعته ولافي استطاعة علماء عصره الاهتداء اليها .

نعم لاحظ أبو عثمان تغير لون الجراد والديدان والفرع بتغير البيئة التى تعيش فيها ، فقال فى " كتاب فخر السودان على البيضان ": " وقد نرى جراد البقل والريحان وديدانها خضرا ونرى قملة رأس الشاب سودا ونراها إذا ابيض راسه بيضا ونراها اذا خضب حمراء"  (5)وجدير بالذكر أن هذه

المعاني عزيزة على الجاحظ يذكرها في كتاب " فخر السودان على البيضان " ويعرضها فى " كتاب الحيوان " فانظر الى قوله : " وترى جراد البقول والرياحين وديدانها خضرا ، وتراها في غير الخضرة على غير ذلك . وترى القملة فى رأس الشاب الاسود الشعر سوداء ، وتراها في رأس الشيخ الابيض الشعر بيضاء ، وتراها فى رأس الاشمط شمطاء ، وفي لون الجمل الاورق . فإذا كانت فى رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء ، فإن نصل خضابه صار فيها شكلة من بين بيض وحمر . (1) لقد فطن الجاحظ الى اثر البيئة فى تحول الفرعة والدودة والجرادة . ولئن شعر بأن غريزة البقاء وحفظ الجنس هى التى تملى هذا التحول ، فإنه لم يصرح بذلك شأن " لامارك" و " داروين " .

أيقنت ، حفظك الله ، أن لهذه الوثائق أهمية كبيرة بالنسبة لعصر الجاحظ وتجلت لك ، أبعد الله عنك الشبهة ناحية لا يستهان بها من نواحي تفكير أبي عثمان . وقد تسألني ، بعد هذا عن منهجية الجاحظ كلما سلك مسلكا علميا في بحوثه ذات الصبغة الاجتماعية ! فدونك فصل " أثر البيئة " من " كتاب الحيوان " ( ج 4 ص 70-74 ) ، فامعن النظر فيه تجد أقساما ثمانية تدلك على طريقة من أهم طرق الجاحظ في البحث العلمى .

إنه يبدأ فى مرحلة أولى بعرض نظرية " أثر البيئة ، على لسان صنف من الدهرية فيقول : "وقال الصنف الآخر : لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم ، فيعمل ذلك في طباعهم على الايام " وتهمنا جملة الجاحظ : " وقال الصنف الآخر " إذ تدلنا على أنه يقف موقف العالم الذى يأتي بالنظرية ونقيضها . فحديث الجاحظ عن أثر البيئة يدخل فى اطار المسخ ، وهذا يبرر اشتغاله بأثر بعض البيئات السئ . فلقد أنكر الصنف الاول من الدهرية المسخ ، ولكن الصنف الثاني أقر به إذا كان المسخ بمعنى التحول بمفعول البيئة . ويذكر الجاحظ رأي الفريق الاول من الدهرية ثم كأنه يقول شأن كل عالم يأتي بالفكرة وضدها : " وأقول في ضد هذا " .

وبعد عرض نظرية " أثر البيئة " يورد الجاحظ على لسان الصنف الثاني من الدهرية أمثلة وحججا تدعمها ، ويرجح في مرحلة ثالثة تتصل بالمرحلة

الثانية . أن لكل بيئة مفعولا خاصا وأن هذا المفعول يقتضى زمنا طويلا . وفى مرحلة رابعة عود الى النظرية لاثباتها . فإن الدهرية يقبلون فكرة المسخ إذا كان بالمعنى الذى ضبطوه من قبل أى بمعنى التطور بمفعول البيئة . وجدير بالذكر أن المراحل الاربع هذه تدعم النظرية (The'se) .

ثم يأتي الجاحظ بضد النظرية (Antite'se) فى المرحلتين الخامسة والسادسة ، فيورد أولا موقف استاذه النظام إذ يعتبره حجة وبرهانا فى عصره" . وموقف أبى اسحاق النظام حرج إذ يحتمل صحة فكرة المسخ ( بمعنى التطور بتأثير البيئة )  ولكنه كمعتز لي يرجح المسخ بإرادة الاهية . وها هنا يوافق الفريق الثاني من المعتزلة وعلى رأسه أبو بكر الاصم وهشام بن الحكم اللذان يقولان بالقلب ( أى التطور مع المحافظة على الهيكل والصورة ) بإرادة الاهية .

ولعلك تنكر على الجاحظ إيراد آراء رجال الدين في نظرية علمية ولكن لا يستغرب ذلك منه لانه معتزلى ، تفقه فى الدين وشيد لنفسه مذهبا اعتزاليا عرف بالجاحظية . ولقد طبعته ثقافته الدينية بطابعها الخاص فلم يتحرر من قيودها فى بحوثه ذات الصبغة العلمية فى " كتاب الحيوان" وفى كتب أخرى . ولم يفصل أبو عثمان بين المعرفة العلمية المعتمدة على العقل وبين المعرفة الدينية . وليس هذا عيب نعيبه به إذ أن الفصل بين المعرفة العلمية المعتمدة على العقل وبين الدين لن يتم إلا فى القرن الثامن عشر فى أوروبا بعد ظهور " ديكارت " بقرن .

قلنا إن الجاحظ يورد عكس نظرية الدهرية على لسان فريق من المعتزلة المقرين بالمعرفة الدينية قبل المعرفة العلمية المعتمدة على العقل .

إلا أن الجاحظ لا يرتاح الى ذلك بل يتخذ موقفا من النظام والدهرية فى مرحلة أخيرة ، شأن كل عالم يقوم بعملية ادماج وجمع ( Synthese) ويبدو موقفه حرجا لانه يحترم كثيرا شيخه النظام ولهذا السبب لا يعارضه بشدة فى قوله بأن المسخ من باب الآيات والبرهانات والدلائل التى أعطت للانبياء . ويذكر الجاحظ أن المسخ ثبت عند أبي اسحاق ثبوتا قبليا دينيا لانه اعتقده كمسلم وأقر به لانه يعتبر " حجة وبرهانا فى وقته " وهكذا تفهم أن النظام صاحب الرأى مال الى نظرية الدهرية ( وهم لادينيون ) ولكن النظام المتكلم رجح كفة الدين . وتقرأ قول الجاحظ : " ولولا ما صح عنده (أى عند

النظام ) من قول الانبياء وإجماع المسلمين على أنه ( أى القلب والمسخ ) قد كان ، وأنه قد كان حجة وبرهانا في وقته - لكان لاينكر مذهبهم ( أى مذهب الدهرية المؤمنين بالتطور بمفعول البيئة ) فى هذا الموضع "(1) فتفهم أن أبا عثمان يميل الى رأى الدهرية . ويبدو تأييده لنظرية الدهرية بأكثر وضوح فى فصل من " كتاب فخر السودان على البيضان " يقول فيه على لسان الزنج : " والسواد والبياض إنما هما من قبل خلقة البلدة وما طبع الله عليه الماء والتربة ومن قبل قرب الشمس وبعدها وشدة حرها ولينها وليس ذلك من قبل مسخ ولاعقوبة ولاتشويه ولا تفضيل" (2).

لقد وجدنا عند الجاحظ مبادئ ونظريات أقرها علم الاجتماع ، كما وجدنا عنده منهجية علمية فى البحث متمثلة فى عرض النظرية وإيراد حجج أصحاب النظرية وحجج خصومهم والقيام بعملية إدماج يكون فيها اتخاذ الموقف . وهكذا يتجلى لنا الجاحظ المفكر الاجتماعى فى آرائه ومنهجه .

ونحن واثقون بأن الجاحظ يمثل مرحلة من مراحل التفكير الإنساني وإن اعتبره بعض الدارسين مدينا في كثير من أفكاره للثقافة اليونانية . على أننا نأبى تجفيف أبي عثمان فلا نطلق عليه اسم العالم وننسى الاديب لانه يبقى مهما يكن من أمر أديبا ظريفا ، خفيف الروح يتحفنا بنوادره وأسلوبه .

اشترك في نشرتنا البريدية