(( الحلقة السابعة ))
عاشق الطبيعة والجمال (( ابو ماضى )) (( اذا استقبلت العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع وحقائق الهموم تصغر وتضيق . وأدركت أن دنياك إذا ضاقت فأنت الضيق لا هى ، وما أصدق ما قالوه ، أن المرئي فى الرائى . مرضت فى المصيف مرة فانقلبت الطبيعة العروس التى كانت تتزين كل يوم الى عجوز تذهب للطبيب كل يوم . .
وما أصدق هذا القول وأحكمه فان النفس إذا مرضت مرضت الدنيا معها وفى نظرها فصارت تعكس صورة معتلة قاتمة وما قتمت الدنيا ولا مرضت وانما المنظار الذى يراها هو عقدة شؤمها ونحسها . فالمرئي فى الرائي .
والذى نفسه بغير جمال
لا يرى فى الوجود شيئا جميلا
ومن يك ذا فم مر مريض
يجد مرا به الماء الزلالا
والناس يختلفون فى المشارب والنظرات حسب النشأة وصلاحها أو فسادها وما اندس فى اللاشعور فطبع النفسية بسوداوية أعيت من يداويها . لهذا لا نعجب اذا وجدنا أخوين شقيقين وبينهما من الفروق الشئ الكثير . والناس كالاخوين اللذين اتفقا نسبا واختلفا مهيعا وطريقا . فمنهم المتشائم الممعن فى تشاؤمه ومنهم المرح الفرح الذى يعشق الجمال فاذا مر على وردة وقف يتأملها وقد أوحت له بكل المعانى و شتى الصور ، فقلوب العاشقين حمراء دامية مثلها وقد صورتها تلك بقلب حبيبها أو قال متيمها بلسانها اذ :
مرت على الورد في الاكمام فارتعشت
أسى وقالت أهذا قلبه الدامى ؟ !
أما النوع الآخر من الناس فهم الذين تبلد احساسهم وماتت مشاعرهم وانقطع كل عرق فيهم ينبض بحب الطبيعة وتموجات الجمال . وشاعرنا هام بالجمال وترنم بجمال الطبيعة فمعشوقته جنة خضراء تسمى الطبيعة وقد جادها الغيث فتبدت فتنة للناظرين وتبرجت بعد حياء وخفر , تبرج الانثى تصدت للذكر . . فصارت كالعروس ليلة جلوتها (( والتشبيه مقلوب )) (( وان غضبت حواء )) وها هو ذا صاحب النفس الصافية والنظرة السليمة النافذة الى اعماق الحياة وفد تشربت روحه بحب الطبيعة فتجاوز حده وأمر من يقرأ له أن يعيش للجمال المؤتلق الماثل امامه فى كل شىء , فى الانجم ، والزهر ، فى الروابى . وقد ألبسها الاصيل ثوبه البراق الملتمع ونصب بها تلك السرادق من النضار الجداب .
وتأمل الجبال وقد لفها المساء بسرباله الكثيف فحسبها الجاهل باسرار الجمال (( شيخا على كرسيه معمما )) . . وأصخ سمعك وشنفه بصوت السواقى وثرثرتها الجميلة التى تشبه ثرثرة الطفل الطاهر البرئ وانظر للبروق تناجيك عن بعد وتفتر وتشق جلباب الظلام من أجل تحيتك ومشاركتك وتفريج اكتئابك فالتمس الجمال فى ابتسامات (( ايار )) فان عز ولم تعثر عليه ففى اجفان وبؤبؤ (( تشرين )) .
عش للجمال تراه العين مؤتلقا
فى أنجم الليل أو زهر البساتين
وفى الربى نصبت كف الاصيل بها
سرادقا من نضار للرياحين
وفى الجبال اذا طاف المساء بها
وألفها بسرابيل الرهابين
وفى السواقى لها كالطفل ثرثرة
وفى البروق لها ضحك المجانين
وفى ابتسامات (( أيار )) وروعتها
فان تولى ففى أجفان (( تشرين ))
فاذا صفت النفوس ظهر صفاؤها فى النظرات ، واذا صفت النظرة رأت الجمال حتى فى القبح والدمامة ، فسيان تماوج الغانية واسمال المسكين ، المهم ان تحس الجمال وتتذوقه وتستشعره وتهيم به جنونا ولاتك دمية لا تتحرك ولا تحس ولا تشعر ولو لماما .
عش للجمال تراه ههنا وهنا
وعش له وهو سر غير مكنون
خير وافضل ممن لا حنين لهم
الى الجمال تماثيل من الطين
فكم تماوج فى سربال غانية
وكم تألق فى اسمال مسكين
وكم أحس به أعمى فجن له
وحوله الف راء غير مفتون
فاذا برمت بالحياة ورأيت الجانب المظلم منها فتذكر ان له ضد والضد يظهر حسنه الضد فضد الظلام النور وضد السعادة الشقاء وضد المرض الشفاء . . الخ .
فتمتع (( بالحسن )) ما دمت فيه
لا تخف أن يزول حتى يزولا
وأنشد مع الشاعر القروى :
وقيمة الشئ مقدار الهيام به
فان زهدت فما للماس مقدار
(( والذكريات صدى السنين الحاكى )) فعندما يخلو الانسان لنفسه ويجتر أيام ماضيه (( بعجرها وبجرها )) يتمنى ويردد : (( ليت وليت )) يقولها المحزون :
رب يوم بكيت فيه فلما
صرت فى غيره بكيت عليه
وشاعرنا فقد زمردته فى غابته فأبعد عن معشوقته وشمسها فلم تبق الا ذكرى ولم تبق سوى لهفة حرى طوى الزمان أحداثها فى مطاويه اذ يلتف الزهر على آخر فى رعشة حب بين عاشق ومعشوق :
يا لهفة النفس على غابة
كنت وهندا نلتقي فيها (٢)
انا كما شاء الهوى والصبا
وهى كما شاءت أمانيها
ألوى على الزنبق نسرينها
والتف عاريها بكاسيها
يا هند هذى معجزات الهوى
وانها فينا كما فيها
لا يستحى الزهر باعلانها
فما لنا نحن نواريها ؟ !
فعاشق الطبيعة والجمال قد اجتمع له الحب من كل اطرافه فهو فى الطبيعة الخالبة ومعه هنده تظللهما الدوحة ويحنو دواليها عليهما وهما يلعبان باعنابها مرة ويعبثان باحصاء أقاحيها كمن يحاول احصاء نجوم السماء والشحارير تصمت احتراما لحبيبين يتباثان ثم يتضاحكان فتردد الغابة صدى هذا فى نشوة والساعات الجميلة قصيرة ولكن :
لله فى الغابة أيامنا
ما عابها الا تلاشيها
طورا علينا ظل ادواحها
وتارة عطف دواليها
وتارة نلهو بأعنابها
وتارة نحصى أقاحيها
تسكت اذ نشكو شحاريرها
كانما التغريد يؤذيها
اذا تضاحكنا سمعنا الصدى
يضحك معنا فى أقاصيها
وان مشينا فوق كثبانها
لاحت فشاقتنا أدانيها
وفوقنا الاغصان معقودة
ذوائب طال تدليها
وها هما يسيران فى الجنة المفقودة (( قبل فقدها )) من نهر الى جدول لأكتشاف الارض وما فيها فى سعادة وحبور وفى دل انثوى تختبئ هند حتى يشعر المتيم بفقدها فيبحث عنها وقلبه يرقص بين أضلاعه ويسبق نظره بغية العثور على ذات الغنج والدلال .
وتختبى هند فاشتاقها
واختبى عنها فاغريها
وليس ثمة أبغض الى متحابين من طارئ يبشر أو يشعر بقدوم زائر ثقيل يكدر صفو ساعات حلوة بين اثنين فى غابة مجهولة وهذى حواء الصغيرة تهمس الى ايليا وتوهمه بصوت لا يكاد يبين بقدوم انسان فيعدو اليها خائفا يترقب فاذا هذا كله عبث فى عبث وتوهيم فى توهيم :
كم اوهمتنى الخوف من طارئ
تشجى بذا نفسى فتشجيها
فرحت أعدو نحوها مشفقا
فكان ما حاذرت تمويها !
فاعجب لأطوارى وأطوارها
تعبث منى وأجاريها
فهل يدوم هذا ؟ وهل تدوم الغابة وشمسها لا تغرب ؟ وزهرها لا يذوى ؟ وينابيعها لا تجف ؟ لنقرأ هذا وفيه الجواب :
الله لو دام زمان الهوى
ودام من هند تجنيها
لا غابتى اليوم كعهدى بها
ولا التى أحببتها فيها
ولا تلال كنهود الدمى
ولا سفوح كتراقيها
ولا الندى در على عشبها
ولا الاقاحى فى روابيها
ولا الضحى يلقى على ارضها
شباك تبر فى اعاليها
اهبطنى أمس الى حضنها
شوقى الى سجع قماريها
وهكذا يبقى شاعر الطبيعة يرسم بقوافيه صورا ناطقة معبرة لغابة مزدانة فيها أطياف حب عارم بين شاعر وموحية ، والشاعر لا يتم تمامه الا اذا أحب وعشق (٣) وقد أحب ايليا الطبيعية وما فيها ودرته الخالدة (( فلوريدا )) الدليل :
(( وليس يصح فى الاكوان شئ
اذا احتاج النهار الى دليل ))
كانت سعادة نفسى فى تصورها
والنفس بسعدها وهم ويشقيها
بالوهم توجد دنيا لا وجود لها
وتنطوى عنك دنيا انت رائيها
فمن أراد العطر فهو فى خمائلها ومن أراد الجمال الحق فهو فى الطبيعة ومن أراد أن يصعد فسلمه شعاع الدرارى ، ومن أراد أن يجدد شبابه الآفل فلينتقل بين المروج وتثنيها :
أتيتها بشباب - ضاع أكثره
وغيبته الليالى فى مطاويها
فاسترجع الحب قلبى فهو مغتبط
وعادت الروح خضراء أمانيها
لما رأيت الجمال الحق ادركنى
زهد بكل جمال كان تمويها
أأنشق العطر لم أهبط خمائلها ؟ !
وأشرب السحر لم أسمع قماريها ؟ !
وتصعد النفس منى للسماء ولا
حبال نور تدلت من دراريها ؟ !
سئلت ما راق نفسى من محاسنها ؟
فقلت للناس : باديها وخافيها
وما حببت من الاشجار قلت لهم
انى افتتنت بكاسيها وعاريها
وما هويت من الازهار ؟ قلت لهم
الحب عندى لناميها وذاويها
قالوا : وما تتمنى ؟ قلت مبتدرا :
يا ليتنى طائر أو زهرة فيها
فرب انشودة من بلبل غرد
حوت حكاية حب خفت أحكيها
ورب روح لروحى فى بنفسجة
وسني أطلت على روحى تناجيها
ورب قطرة ماء لا غناء بها
شاهدت مصرع دنيا فى تلاشيها
فهل ترون اكثر هياما بالطبيعة من شاعر الطبيعة والجمال ؟ والذى يمتزج فى الطبيعة الى حد الذوبان فى حبها فهو يحب باديها
وخافيها ، كاسيها وعاريها ، ناميها وذاويها ، وكل أمله أن تجود الدنيا عليه بأن يكون طائرا أو زهرة فيها ! وتغريد بلبلها هو قصة حب خاف الشاعر حكايتها وأفصح عنها هذا الغرد فوق أغصانه ، وهذه هى بنفسجة بداخلها روح حي يغازل روح الشاعر ويناجيها ، وهذه قطرة ماء جف معينها فأوحت للشاعر مصرع وفناء وتلاشى دنيا فى تلاشها . فهذا الحب الى الحد الذى يعيد قصة المجنون الى الاذهان عندما هام يبحث عن ليلاه لا نجده الا عند ايليا ومعشوقته الطبيعة وان شاركه فيها آخرون فما فى الحب من عار . وانما العار أن لا نحب ولا نعشق المناظر الآسرة والعذراء التى لم تفض بكارتها بعد ألا وهى الطبيعة التى تهيم الروح فى جنباتها ويسرح الخيال بلا حدود الى أبعد من حدودها . وكما بدأنا نختم .
(( يقف الشاعر بإزاء جمال الطبيعة فلا يملك الا أن يتدفق ويهتز ويطرب لان السر الذى انبثق هنا فى الارض يريد أن ينبثق هناك فى النفس معناه . وبهذا نقف الطبيعة مختلفة أمام الشاعر تلوح الازهار كأنها ألفاظ حب رقيقة مغشاة باستعارات ومجازات ، والنسيم حولها كثوب الحسناء على الحسناء فيه تعبير من لابسته . . الخ (٤)
- وللبحث صلة -
( الطائف )
بكالوريوس فى اللغة العربية وآدابها - مع مرتبة الشرف -

