( الحلقة السادسة )
الشاعر أرق الناس قلبا وأرهفهم شعورا واسبقهم الى التعبير عن خواطر النفوس وهواجس الافئدة ، فاذا ألمت بالأمة كارثة انطلق الشاعر يتضجر كالبركان ، ويهدر ويتعالى هديره كالبحر تتعالى أمواجه ..
ولمنزلة الشعراء السامقة كانت العرب تحتفل عندما يبرز فيها شاعر وتأتى القبائل تهنؤها لانه لسان القبيلة بشعره الذى هو أشد على أعدائها من وقع السهام فى غبش الظلام .. وايليا شاعر متمطر يقود كوكبة متمطرة فى ديار الغربة وهم وان بعدوا عنا بأجسامهم فهم معنا بالمشاعر والأحاسيس :
وان تك منا الجسوم تباعدت
فان المدى بين القلوب قريب
وبين القلوب اتصال فى تباعدها
وان هى انطلقت نحو اتجاهين
فالمهجريون معنا في كل حدث وكل ملمة بل ربما سبقونا الى الشعور بفداحة الكارثة وعظم الخطب ، بل هم كما عبر أحدهم
بقوله :
انا المهاجر ذو روحين واحدة
تسير سيرى واخرى رهن أوطانى
ان جاهدوا كان قلبي في جهادهم
وان تنادوا يلبي الصوت وجدانى
فخيال الوطن لا يفارقهم فى يقظة ولا منام :
هذى سفوح الجبال هذى اعاليها هذى عيون التلال تجرى مآقيها هذى مراعي الظبا هذى مآويها هذى ديار الصبا يا ليتنى فيها !؟
فهم يحبون العرب والمسلمين لأن الأرحام تلزم بذلك ، وكذلك الجوار ، كما قال محبوب الشرتونى :
قالوا : تحب العرب ؟ قلت أحبهم
يقضى الجوار علي والأرحام
قالوا : لقد بخلوا عليك أجبتهم
أهلى وان بخلوا علي كرام
قالوا : البداوة ، قلت : أطهر عنصر
صفت النفوس هناك والأجسام
الأريحية والشهامة والندى
في الارض حيث أيانق وخيام
قالوا : الشآم ، فقلت رؤية وجهها
كنز ولثم ترابها انعام
نسمات واديها وعزلة عشها
ومروجها ، وسماؤها أحلام
فهم جميعا يذوبون شوقا الى الوطن والى ما له علاقة بالوطن ، بل يتمنون العودة ولو حشو الكفن (( عد بى الى حمص ولو حشو الكفن )) . لهذا ، فمن غير المدهش أن يسبقوا أهل الوطن الى الاحساس بآلام الوطن لان المقيم فى الشئ لا يحس به احساس البعيد عنه . وايليا المرهف المشاعر الانسانى النزعة يطعن في صميم فؤاده بخنجر مسموم قد ريش فاقتطعت به قطعة من أرضه الغالية ألا وهى فلسطين الحبيبة فيخاطبها ويخاطب الضمير العالمى الحي ويخاطب الشهامة والمروءة والانسانية من أجل اعادة أرض السلام التى رزىء العلا وذبح في خطبها ، ألا فلنسمعه وقد أسبل
الدمع مدرارا (( وليسعد النطق ان لم يسعد الحال )) :
ديار السلام وأرض الهنا
يشق على الكل ان تحزنا
فخطب فلسطين خطب العلا
وما كان رزء العلا هينا
سهرنا له فكان السيوف
تحز بأكبادنا ها هنا
وكيف يزور الكرى أعينا
ترى حولها للردى أعينا ؟
وكيف تطيب الحياة لقوم
تسد عليهم دروب المنى ؟
بلادهم عرضة للضياع
وأمتهم عرضة للفنا !
ولقد حزنت ديار السلام وغيرت معالم أرض الهنا وان سهر المهجريون وحزت السيوف أكبادهم هناك وان امتنع النوم عن العيون التى ترى عيون الردى متمثلة في خبثها وخداعها من أجل اضاعة الحق وقد ضاع وسد دروب المنى وقد سدت الا من طريق فتية آمنوا بربهم وبحقهم وصمموا على اعادته أو الموت في سبيله وفى سبيل الله :
فاما حياة تسر الصديق
واما ممات يغيظ العدا
(( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون )) .
فالحرص على الموت هو السبيل الى الحياة الكريمة أو الموت الشريف : (( احرص على الموت توهب لك الحياة )) وهذا ما تفعله الفتية الفلسطينية التى :
تجود بالنفس ان ضن البخيل بها
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وكأن ايليا قد نظر وعرف من البداية النهاية التى سوف تؤول اليها فلسطين (( بأذن الله تعالى )) :
يريد اليهود ان يصلبوها
وتأبى فلسطين أن تذعنا
وتأبى المروءة في أهلها
وتأبى السيوف وتأبى القنا
أأرض الخيال وآياته
وذات الجلال وذات السنا
تصير لغوغائهم مسرحا
وتغدو لشذاذهم مكمنا !؟
ويريد اليهود وتريد الصهيونية أن تصلب فلسطين وقد صلبتها ، ولكن فلسطين لم تستسلم ، وأهل فلسطين يزرعون الرعب في قلوب سالبيها ، فمن المستحيل أن نترك فلسطين للطغمة الغاشمة ولشذاذ الارض الذين ينحرون العدل والفضائل في قدسها الشريف ففلسطين للفلسطينيين وان طال الزمن ،
فلسطين للعرب والمسلمين وان امتد حبل الباطل فلم تستقر كما استقرت فيما مضى من الزمن اذ استقرت مدة قرنين من الزمان حتى قيض الله لها صلاح الدين فأوقع بهم في حطين ، وفى غير حطين ..
فخرجوا من فلسطين الغالية يجررون أذيال الهزيمة ويحملون غبار الخزى والعار وعادت الصليبية من حيث أتت ورجعت الى أوكارها خائبة خاسرة ورجعت فلسطين لأصحابها الشرعيين والتاريخ يعيد نفسه ، وهذه هى اليهودية كجسم شاذ غريب وقد ضيق عليها الخناق وأتاها الفناء من كل مكان :
بنفسي ( أردنها ) السلسبيل
ومن جاوروا ذلك الأردنا
لقد دافعوا أمس دون الحمى
فكانت حروبهم حربنا
وجادوا بكل الذى عندهم
ونحن سنبدل ما عندنا
فقل لليهود وأشياعهم
لقد خدعتكم بروق المنى
أجل ، لقد دافعوا بكل ما يملكون ونحن معهم بكل ما نملك ، بالنفس والمال والولد (( فالمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا )) .
فقل لليهود وأشياعهم
لقد خدعتهم بروق المنى
ألا ليت بلفور أعطاكم
بلادا له لا بلادا لنا
(( فلندن )) ارحب من قدسنا
وانتم احب الى (( لندنا ))
ومناكم وطنا في النجوم
فلا عربى بتلك الدنى
فاليهود عباد الدينار والدرهم يستدرون العطف بدموع التماسيح وبكل طريقة مشروعة أو غير مشروعة ، وهذا صاحب فكرة اسرائيل (( ثيودور هرتزل )) كما يصفه فقيد العربية (( العقاد )) - رحمه الله -
عندما أجاب على سؤال وجه اليه اذ يقول : " والسيد عبد الرؤوف على حق حين يقرن بين ضرورة العلم بتاريخ (( هرتزل )) وترجمته الشخصية ، وبين علاقة الصهيونية وادوارها المختلفة بقضية فلسطين ، فالصهيونية كما تصدى لها هرتزل تحمل طابع الرجل وتشبهه في مولدها وفى نشاتها وفى وسائلها الظاهرة ودسائسها الخفية ، لأن هرتزل قد استعار اسمه من اسم القلبHerz باللغة الالمانية اشارة الى مولده من علاقة غرامية ونشأته بين أم وأب لم يرتبطا قبل مولده برابطة الزواج ، وسيرة الرجل كلها في دعوته على نصيب وافر من اسمه ومولده لأنه لم يدع وسيلة مشروعة أو غير مشروعة ولا دسيسة مقبولة او غير مقبولة ولا علاقة (( قلبية )) او ( زوجية ) لم يستخدمها لخدمة مسعاه
وترويج دعواه . فلجأ إلى السلطان عبد الحميد كما لجأ الى الامبراطور غليوم ، وتزلف الى الدولة البريطانية ، كما تزلف إلى الدولة الروسية ، واستعان بمذاهب الهدم والفوضى ، كما استعان بمبادئ الحرية والديمقراطية ، وتشفع الى الشهوات كما تشفع الى النخوة والبطولة ، وعرض القضية على مسرح التمثيل كما عرضها بين المقاصير ومخادع القصور ، وأثار الدهماء من أبناء قومه على كبار المفكرين منهم . كما أثارهم على الساسة والزعماء من أبناء الأقوام (( الغرباء )) الخ .. (١) )) .
فاليهود يستدرون العطف على قضيتهم بأي وسيلة كانت ويحاولون امساك السراب الخادع الذى يحسبه الظمآن ماء وقد خدعتهم بروق المنى كما يقول ايليا ، وان تكن قد نجحت بعض مساعيهم بوعد بلفور المشؤوم الذى أعطاهم به بلادا لنا لا بلادا له ، ولماذا يعطى ما لا يملك على طريقة المثل الشعبى :
(( كرم البخيل من جراب غيره )) .. لماذا لم يعطهم جزءا من لندن ، فهى أوسع من قدسنا واليهودية أحب إلى لندن لأنها صنيعة لندن ؟ لماذا يمنيهم وطنا في النجوم ؟ وكيف يسلب القوم رشدهم ويدعونه محسنا وهو يدفع الأبرياء للموت الزؤام وراء الآل وما دونه (( خرط القتاد )) ؟ !
ومناهمو وطنا في النجوم
فلا عربى بتلك الدنا
أيسلب قومكم رشدهم
ويدعوه قومكم محسنا ؟
ويدفع للموت بالأبرياء
وبحسبه معشر دينا ؟!
ولماذا كل هذا وما هى خطيئاتهم حتى يرموا بقبيح الكلام ؟ وهم أحق بالثناء لان
كل ذنبهم انهم يقولون للصوص : لا تسرقوا بيتنا !!
فيا عجبا لكم توغرون
على العرب (( التأمز والهدسنا ))
وترمونهم بقبيح الكلام
وكانوا أحق بصافي الثنا
وكل خطيئاتهم انهم
يقولون لا تسرقوا بيتنا
وهل فلسطين وأرضها مشاعة حتى تعطى لمن يريدها ؟ كلا فان دونها الحمام
وفى الشر نجاة حين
لا ينجيك احسان
ففي العربى المسلم كل صفات الأنام الا صفة الجبن والخور والخوف وارتعاد الفرائص ، ومهما حجلت اليهودية بالخداع فلن تخدع الرجل المؤمن الصادق في عقيدته وايمانه :
فليست فلسطين أرضا مشاعا
فتعطى لمن شاء أن يسكنا
فان تطلبوها بسمر القنا
نردكم بطوال القنا
ففي العربى صفات الأنام
سوى ان يخاف وان يجبنا
وان تحجلوا بيننا بالخداع
فلن تخدعوا رجلا مؤمنا
وهذه نصيحة ايليا لليهودية الغاشمة وهى أن ترحل عن فلسطين الآن ليست لها بل لنا نحن ، وكانت لأجدادنا ، وسوف تبقى لأحفادنا ، ولم تك في يوم من الايام لليهودية موطنا ، ولكن الصهيونية تركب الصعب وتأبى الا أن تبحث عن حتفها بظلفها وان كان الذى تؤمله غير ممكن والأولى بها الرحيل :
وان تهجروها فذلك اولى
فان (( فلسطين )) ملك لنا
وكانت لأجدادنا قبلنا
وتبقى لأحفادنا بعدنا
وان لكم بسواها غنى
وليس لنا بسواها غنا
فلا تحسبوها لكم موطنا
فلم تك يوما لكم موطنا
وليس الذى نبتغيه محالا
وليس الذى رمتم ممكنا
فاذا أبى شذاذ الارض الا التمسك بفلسطين فليتمسك كل منهم بنصيحة ايليا ، وهى أن يحمل معه كفنه ، فانا سنجعل من أرض فلسطين الحبيبة مدفنا لشذاذ الآفاق :
نصحناكم فارعووا وانبذوا
(( بليفور )) ذيالك الأرعنا
واما أبيتم فأوصيكم
بأن تحملوا معكم الأكفنا
فانا سنجعل من أرضها
لنا وطنا ولكم مدفنا
وهكذا يتحقق قول الشاعر ، فان الفدائيين قد جعلوا أرضها مدفنا لسالبيها من أجل اعادتها واعادة اللاجئين اليها ..
فالى الفدائيين والى اللاجئين من الياس فرحات هذه الابيات :
أضحية الكذب المقنع
والخيانة والرياء
أوت الذئاب الى مضا
جعكم وانتم في العراء
افتلبثون مشردين
مصركم بيد القضاء ؟
وعيونكم حيرى تفتـ
ش عن مفاتيح الرجاء
وقلوبكم ولهى مسعـ
ــرة تفور بها الدماء
ومن البلا
تصديقكم بعض الوعو
د وما الوعود سوى هراء
حيفا ويافا والجليـ
ـل وشاطئ البحر الكبير
والسهل والتل .. المز
نر بالزنابق والغدير
وحدائق الليمون والمر
ج المصيخ الى الخرير
تجتاحها أطيافكم ليـ
ــلا فتشعر بالسعير
وتحس ان يد الهزيــمـــــ
ــة تعصر القلب الكسير
فمن المجير ؟
ومتى يهز قلوبنا بدو
يه صوت البشير ؟
ان لم تعودوا للحمـ
ـى الباكى وانتم تهزجون ؟!
ونختم بهذا هذه الحلقة عن فلسطين ومصابها الجلل الذى هز المهجريين فى غربتهم فعبروا عنه بمشاعر تقطر أسى وتنز دماء يتقدمهم ايليا بشعره في خطب فلسطين خطب العلا ، ومن قلبه الكسير ونفسه المعذبة بآلام فلسطين قال قصيدة (( فلسطين )) درة خالدة في جبين الدهر سوف تبقى ما بقى الملوان .
يقول ايليا شاعر المهجر :
فانا سنجعل من أرضها
لنا وطننا ولكم مدفنا
و (( ان موعدهم الصبح أليس الصبح
بقريب ؟ )) (( ولن يضيع حق وراءه طالب )) .
- وللبحث صلة -

