الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

مع الشيخين المصلحين :، راجح ابراهيم وسالم بن حميدة, فى جدلية بين القديم والجديد

Share

مصادر البحث ومشاكله :

لما طلب منى اخوانى منظمو هذه الندوة (1) منذ ايام قليلة ، أن أساهم فيها بدراسة للتعريف بالشيخين المصلحين راجح ابراهيم وسالم بن حميدة ، استسهل الموضوع لعلمى أن الشمول فيه عسير على الدارس المعاصر إذ أن آثار الراحلين الكبيرين ظلت مخطوطة مغمورة أو منثورة مبعثرة فى الصحف والمجلات التونسية ، وفى مقدمات بعض الكتب والدواوين وفصول دراسات سريعة عن الادب التونسى فى مطلع هذا القرن ، وتلك هى علة جهل التونسيين وبخاصة الجيل الذى لم يواكب الحركة القومية فى بلادنا حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية لآثار ذينك المصلحين ولآثار أعلام تونسيين آخرين فى الادب والسياسة والاصلاح الاجتماعى والدينى .

وليس ضياع الآثار أو بقاؤها مبعثرة فى مراجع يصعب الوصول اليها لعدم تنظيمها والتصرف فيها للفائدة الجماعية أمرا خاصا بآثار هذين العلمين بل هو مصيبة أدبنا وتراثنا التونسى الفكرى فى العصر الحديث منذ مطلع ما اصطلح على تسميته عصر اليقظة أو النهضة وبخاصة فى الثلث الاول لهذا القرن كما بينت ذلك فى العديد من المناسبات وبخاصة فى بحثى المطول عن الطاهر الحداد والبيئة التونسية فى عصره ٠

هذا سبب أول لاستصعابى الخوض فى حديث مركز عن الشيخين المصلحين ، أما السبب الثانى فهو معرفتى العرضية لهذين العلمين لأنى ل أنكب على دراستهما دراسة خاصة بل لفت نظرى أهمية الدور الاصلاحى الذى لعباه فى تونس بالمحاضرة والمقالة والقريض والعمل الحزبى الوطنى وتيقنت

من أهمية ذلك الدور أثناء انكبابى على دراسة شخصيات أخرى كان لها اتصال بهما كالطاهر الحداد ، وسعيد أبى بكر ، ورجوعى الى وثائق ومجلات وجرائد تونسية عربية كالحاضرة والتقدم والتونسى والامة والمشير ومرشد الامة والنديم والنهضة والوزير والرشدية والزهرة والزمان والصواب وصدى الساحل والسعادة العظمى ومجلة خير الدين والعرب والعالم الادبى والبدر وغيرها كشر فضلا عن جرائد ومجلات تونسية اخرى باللسان الفرنسى يطول ذكرها قد تراكم عليها غبار الايام ونسيها من عاصرها ولم يسمع بها جل أقرانى والمنتسبين الى الثلث الثانى من القرن العشرين بله جيل ما بعد الثورة التحررية الحاسمة بقيادة المصلح الفذ زعيم الامة الاكبر الحبيب بورقيبه سنة 1952 ٠

قلق جيل :

وقد حضرت فى هذه الامسية لا لأقوم بعرض مفصل لمقومات تفكير الشيخين المصلحين راجح ابراهيم وسالم بن حميدة بل لأبدى فحسب بعض الخواطر عن أدبهما الاصلاحى ولأستمع على الاخص لكلمات اصدقائهما وتلاميذهما لمزيد فهم الدوافع التى حركت فيهما رغبة اصلاح الفاسد وتغيير الاوضاع المتعفنة فى مجتمع جل عناصره راكدة لم يكن يجتاحه الوعى الجماعى فى ظروف قاسيه من تاريخ تونس ، وذلك باحياء الضمائر وإنعاش النفوس وإيقاظ الهمم إذ كانا يتمزقان تمزقا أليما - على غرار التونسيين الأيقاظ عصرئذ - لهول الهوة الفاصلة بينهم وبين وطنهم ، ويعبران عن قلقهما الوجودى بنفثاتهما الحارة وعباراتهما الحادة التى جرهما اليها الألم والقلق من أحوال عصرهما ووضع وطنهما المغتصب الفاقد أسباب القوة الفكرية والمادية كما جرهما اليها صدمما ادراكهما جمود الشعب التونسى وضعفه ورقى المستعمر وقوته والهوة الفاصل بين المشارقة والغربيين بعامة ٠

إن قلقهما قلق جيل أو جيلين من أدباء ومفكرين يقظين وجدوا أنفسهم أمام فراغ مهول فلم ينطووا على انفسهم لأنهم قلقون بالمعنى الوجودى العميق بل تاروا وتحركوا وفكروا فى وسائل انقاذ شعبهم من ذل التبعية وتوفير الكفاية لأمة ركدت طوال قرون الظلام فوهن منها العظم بعد الغضارة واعتراها اليبس الفكرى وفاتتها السيطرة على الطبيعة والمادة والآلة ثم داهمها الاستعمار فغلبها على أمرها .

أصول النهضة التونسية :

وإن الدارس ليجد فى مقدمة ديوان سعيد أبى بكر التى كتبها أبوه الروحى

الشيخ راجح ابراهيم تعمقا فى تحليل تقهقر المسلمين فى عصور الظلام التى طال ليلها حتى نعتها الشيخ راجح بأنها العصور النحسة على الاسلام السوداء التى أثمرت للمسلمين الحنظل وكذلك يجد الدارس فى تلك المقدمة عرضا طيبا مستقيما عن أصول النهضة وبوادر الحركة الاصلاحية التونسية التى يعتبر من اساطينها الشيخان راجح ابراهيم وسالم بن حميدة ، ومن الانصاف أن يعترف جيل اليوم لهما ولغيرهما من المفكرين والناشطين المصلحين فى تونس بالفضل الكبير فى تطوير العقول وإيقاظ الهمم وأن يدرك أن لتونس مساهمة فعالة فى اصلاح وضع العالم الاسلامى فى أواخر القرن الماضى وفى هذا القرن جدير بالتاريخ أن ينصفهما .

مصلحان أصيلان :

لقد كانا بحق مصلحين أصيلين شهد لهما بذلك جيلان على الاقل فى تونس ورددت الصحف والمجلات التونسية فى غير ما مناسبة صدى ذلك .

ولئن كانا يختلفان فى الاتجاه التفكيرى أحيانا فان صلة المنبت الترابى والثقافة الاسلامية المتشابهة والسن المتقارب وحب الخير لتونس تجمع بينهما ، غير أن الشيخ سالم بن حميدة كان اكثر حظا من الشيخ راجح ابراهيم إذ  توفى هذا الاخير فى سنة 1933 عندما كان تخليص تونس من كابوس الاستعمار حلما بعيدا من أحلامه وأحلام جيله الملتاع بينما عاش الشيخ سالم بن حميدة الى سنة 1960 وقد تحققت فى أواخر حياته جل أمانيه فتحررت تونس من هيمنة المستعمر ، والمجتمع التونسى من عقيم التقاليد .

وصدرت فى الثالث عشر من أوت سنة 1956 مجلة الاحوال الشخصية حيث أعلنت حقوق وواجبات المرأة التونسية التى ناصرها الشيخ سالم بن حميدة منذ مطلع هذا القرن وقبيل وفاته كان الشعب التونسى قد دخل غمار معركة مصيرية أخرى حاسمة هى معركة الخروج من التخلف لبلوغ الكفاية المادية والفكرية ولمواكبة الامم الحية .

عرفت الشيخ سالم بن حميدة فى صباى وشبابى فى دكانه بين المقاهى بسوسة حيث كان يجلس للاشهاد ويؤمه القصاد المعجبون به ، وكنت ألاحظ ذلك من دكان آخر قبالته لمصطفى الجزيرى جارنا وصديق والدى ، ولا أتذكر انى جلست اليه إلا مرة واحدة فى ذلك العهد مرفوقا بوالدى فكانت معرفتى ل معرفة خارجية سطحية .

ومع ذلك أتاحت لى الظروف بأن استمع اليه فى بعض محاضراته ومناقشاته

بدار الجمعية تحت اشراف الشبيبة المدرسية ، وكان يجالسه إذاك استاذنا السيد أحمد بن صالح ، وسمعته يخطب طويلا فى اجتماع نقابى عظيم قد انعقد فى كازينو سوسة ولا اذكر الآن تاريخه بالضبط ، فسبرت حماسه وغيرته على وطنه وتمسكه بأصالة شعبه وعرفت طلاقة لسانه واسترساله فى أفانين الكلام نثرا وشعرا ، وميله الى المعانى العميقة التى لا تستخرج إلا بالغوص حتى سمى بحق فيلسوف الساحل ٠

ثم اكتشفته من بعد ذلك في مقالاته وأشعاره التى كان نشرها فى الصحف والمجلات التونسة منذ مطلع هذا القرن إذ كان ينتمي الى جماعة حركة حركه حزب الشباب التونسى التى تزعمها على باش حانبة مؤسس ومدير جريدة التونسى لسان تلك الحركة الوطنية ٠ وللشيخ سالم بن حميدة - الى جانب على باش حانبة والشيخ عبد العزيز الثعالبى وغيرهما مساهمة فى تحرير النشرة العربية من تلك الجريدة وهو فى سن العشرين تقريبا ٠ ومن المعلوم أن مرحلة حركة حزب الشاب التونسي تمتد من سنة 1907 الى سنة 1912 إذ صدر العدد الاول من جريدة التونسي الاسبوعية يوم 7 فيفري 1907 والعدد الاخير يوم 7 مارس 1012 أى قبل نفى على باش حانبة بأسبوع صباح 13 مارس 1912 بعد مقاطعة التونسيين لشركة الترام الاستعمارية ومعركة الزلاج قبل ذلك ٠

أما الشيخ راجح ابراهيم فقد توفى فى أواخر سنة 1933 قبيل تصدع اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستورى القديم فى مارس 1934 ، وقد نعته الصحف التونسية زمنئذ وفى مقدمتها الارادة التى كان الشيخ راجح ابراهيم ينتمى الى جماعتها وتربطة بواحد منهم خاصة صداقة متينة وهو محى الدين القليبى كما تبينه مقدمة رسالته سيف الحق على من لا يرى الحق لعمر البرى المدنى وقد كتبها حاميه الشيخ راجح . لم أعرفه اذن معرفة عيان إذ لم أكن موجودا فى سنة 1933 ، وانما عرفته من خلال بعض كتاباته المنشورة فى الصحف التونسية كالنديم والزهرة والارادة وفى مقدمات كتب ودواوين لاصحابه وتلامذه كمقدمة رسالة سيف الحق على من لا يرى الحق وهى رسالة ألفها عمر البرى المدنى للرد على كتاب امرأتنا فى الشريعة والمجتمع وكتصدير ديوان السعيديات لسعيد أبى بكر ، والفصل الوارد فى كتاب مجمع الفرائد للجيلانى الفلاح بعنوان عبرة من قصص التاريخ الاسلامى لراجح ابراهيم ٠

اتصال الراحلين بتيار اصلاحي تونسى أصيل :

قلت عن قصد إنهما مصلحان أصيلان إذ لا ينفصلان عن تيار إصلاحى تونسى أصيل ظهر مع المشير أحمد باشا فى أواخر الثلث الاول للقرن الماضى وتدعم

فى عهد خير الدين الوزير الاكبر الذى سعى الى تنفيذ منهاجه المضبوط فى كتابه أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك واقبل على تنظيمات فى السياسة والادارة والاقتصاد والاجتماع والتعليم ، وبقى اثره راسخا فى آثار وأعمال الرعيل الاول من تلاميذ هذا المصلح وأخص بالذكر منهم محمد البشير صفر الذى كان يجله الشيخ راجح ابراهيم ويعتز بأستاذيته ويعتبره بطلا غيورا وزعيم النهضة بعد خير الدين ، وقد طبع به الشيخ سالم بن حميدة وبقى شئ من روح البشير صفر راسخا فى نفس الشيخ راجح ابراهيم متجليا فى مقالاته التاريخية التعليمية الداعية الى الاعتبار بأحوال القرون الخالية والأمم البائدة والى المحافظة على الدوام الذاتى التاريخى للانسان التونسى المسلم المهدد زمنئذ بالالحاق التام بفرنسا ، وبسياسة التجنيس ، والشيخ راجح يحارب التذبذب والتلون فى المشرب وهو الذى صير دون شك سعيدا أبا بكر ابنه الروحى محاربا جسورا للفناء الذاتى بقريضه ونثره ٠

ولا غرو أن يطبع البشير صفر تلميذيه المذكورين بهذا الطابع إذ كانت دروس هذا المربى الطيب الذكر ، بكر المدرسة الصادقية ومؤسس الخلدونية سنة 1896 محاضرات فى التاريخ والفلسفة والاعتبار باحوال القرون الخالية والامم البائدة والمقارنة بين الحاضر والماضى على حد قول الشيخ راجح ابراهيم فى كلمته التمهيدية لديوان السعيديات ٠

وإذا فكرت مليا فى أصول الحركة الاصلاحية التونسية تبينت انها كانت تستمد روحها من تعاليم العلامة ابن خلدون رائد علم الاجتماع البشرى وفلسفة التاريخ ، ولك أدلة قطعية على ذلك فى كتاب إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الامان لأحمد بن أبى الضياف ، وفى كتاب أقوم المسالك لخير الدين التونسى . ولحركة الاصلاح التونسية صلة بالتنظيمات الاصلاحية فى الآستانة قبل ظهور الحركة الاصلاحية السلفية التى تزعمها فى المشرق جمال الدين الافغانى . ألا ترى أن التنظيمات كلمة عربية وبمفهومها الاصلاحى الحديث تركية وهى بالاحرى تونسية على لسان خير الدين ٠

قلت يقينا أن الشيخين المصلحين راجح ابراهيم وسالم بن حميدة لا بنفصلان عن تيار اصلاحى تونسى أصيل ، قائم على أساس الحوار الدائم بين القلب الشرقى وبين العقل الغربى فى غير تمشرق ولا تمغرب ، لان رواد الاصلاح فى تونس كانوا يتحسسون الاصالة بجدلية ( une diolectique ) فرضها وضع جغرافى لتونس فى ملتقى الشرق والغرب ، وماض حضارى متصل بالجهتين بدون تذبذب كما أبان ذلك الشيخ راجح ابراهيم فى مقدمة السعيديات ذات الاهمية البالغة . وما من شك فى أن البذرة الاصلاحية الاولى

بعد عصور الظلام فى تونس ترجع الى ما قبل الحماية بنصف قرن على الاقل ومن الاجحاف إنكار تلك الحقيقة ، ولم يفت الشيخ راجح ابراهيم التفطن اليها سنة 1927 فاسمعه يقول :

(( تونس المسلمة العربية عضو من الجسد الاسلامي كان لها الحظ الاوفر من سعادته وشقاوته وتقلبت فى جميع هاتيك الادوار وذاقت حلاوة الدهر ومرارته ، بيد أن تونس أخذت تستفز للنهوض وتسير فى طريقه قبل أن تنشر بها دولة الحماية رايتها - وهى حقيقة وإنكارها جناية على التاريخ ٠ ٠ ٠ ))

الحوار بين عقليتين :

اما زارع البذور الاصلاحية الاصيلة التى لم تنبت ولم تثمر فى القرن الماضى وفى مطلع هذا القرن إلا بمقدار محدود ومع الايام ، فهو خير الدين الوزير الاكبر ، صاحب الفضل فى التنظيمات الادارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وفى اصلاح التعليم بجامع الزيتونة بعد طويل جمود ، وفى تأسيس الصادقية ومكتبتها وتلقيح ثقافة شرقية باخرى غربية نتج عنهما مع الايام فى الخلدونية والصادقية ونادى قدمائها والجامع الاعظم حوار بين المدرسيين والزيتونيين أنعش النهضة وخدم العلم والادب وأفاد الوطن وقرب بين عقليتين لم تسلما أحيانا من التصادم لكن بدون كسر ولا قطيعة نهائية ٠

وقد تحقق الحوار بين معاصرى خير الدين سواء من أصحاب الثقافة المزدوجة أو الشرقية فحسب ، ثم تواصل مع تلاميذ خير الدين أبكار المدرسة الصادقية من الجيل الذى صنعه فتأثر بمبادئه أمثال البشير صفر مؤسس الخلدونية سنة 1896 حيث تواصل الحوار بين عقلانية غربية وروحانية شرقية ومحمد الجعايبى صاحب الصواب ومجلة خير الدين ، ومحمد باش حانبة وشقيقه على باعث جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية فى أواخر سنة 1905 وقد كانت تلك الجمعية تهدف الى إشعاع ثقافة حية مزدوجة بها تحقق  الحوار المنعش وتيسر التطور ، ثم سرعان ما انقلبت على غرار جمعية الخلدونية منتدى سياسيا .

موقف الراحلين من التعليم الزيتونى :

وإن ما غرسه فى نفوس الزيتونيين على باش حانبة وجماعته ومن بينهم الشيخ سالم بن حميدة قد آتى أكله بعد حين ، فتجلت ثمرة غرسه فى حركة المطالبة باصلاح نظم التعليم بالجامع الاعظم بعد أن ظهرت بوادرها يوم 11 مارس 1910 ثم تواصلت الى سنة 1911  فى جو صاخب من المظاهرات

والاجتماعات الاحتجاجية كالاجتماع التاريخى الذى حضره على باش حانبة يوم 25 أفريل سنة 1910 بصحن جامع الزيتونة وأبان فيه باسهاب فوائد الاجتماعات وتأثيرها فى إنهاض الامم وترقية الشعوب ، ولم تكن الاجتماعات الشعبية التوجيهية مألوفة فى تونس قبل ذلك التاريخ بمثل تلك الصفة إذ استطرد على باش حانبة يومئذ الكلام على الحرية فقال : (( إنها لا تعطى عفوا وانما تؤخذ قسرا ، لكن يجب قبل كل شئ استعمال الحكمة والروية فى الحصول عليها )) ٠

ولا يستبعد أن يكون الشيخ سالم بن حميدة ضمن الحاضرين فى ذلك الاجتماع الاحتجاجى العظيم المتلون بالسياسة لانه شارك مشاركة ايجابية طويلة النفس فى الحملة القلمية التى نظمتها جريدتا التونسى والمشير فى سنتى 1910 و 1911 لتوعية الزيتونيين وترغيبهم فى المطالبة باصلاح التعليم فى معهدهم الدينى ٠

ويجد الباحث فى التونسى بعددها الصادر يوم 28 نوفمبر 1910 مقالا للشيخ سالم بن حميدة بعنوان : هواجس الصدور فى الجامع المعمور حيث صور ما ولدته طرق التدريس العقيمة وترثرة بعض الشيوخ وحياة المقت فى حلقات الدرس وفى مدارس السكنى للافاقيين من شعور بالمرارة والفشل والألم والغيظ الشديد فى نفس الطالب الزيتونى زمنئذ ، وهاك - لمزيد تيقن من ذلك - عينة من مقاله المذكور : (( زرت بعض اخوانى من الطلبة الزيتونيين فألفيته والأسى قد سطر على صفحات وجهه الكئيب آية من آيات الحزن ٠٠٠ وجدته محتدما غيظا ، يكاد ما به أن يعدمه الرشد ، فتنفلت منه قواه المدركة ٠٠٠ نعم وجدته على النحو الذي أبنته ، ولكن هل علمت ممن يكاد يتميز من الغيظ ، وعلام أحرق قلبه قبل أن يظهر فى أجفانه فيض من الحقد وأى فيض أثاره ضياع الوقت وحقد أنجبته فى نفسه حياة المقت يغتاظ من شيخ مكسال أو مهذار أو مشعوذ فى دروسه ٠٠٠ ))

اصلاح التعليم :

وامتلأت فى تلك الفترة أعمدة الصحف بمقالات داعية الى اصلاح التعليم الزيتونى وخلق حوار بين عقليتين وثقافتين شرقية وغربية ومن أهمها بحث طويل للشيخ سالم بن حميدة نشر حلقات متسلسلة بجريدة المشير الاسبوعية فى اعدادها (3 - 5 - 7 - 8 - 9 - 12 ) سنة 1911 ، وجعل الشيخ المصلح أبوابها متعلقة بالتلميذ والشيخ والكتب والمراقبة والنظارة والادارة والغاية من التعليم والطرق الموصلة اليها ودرجات التعليم وتوزيع

الدرجات بنسبة السنين وتحديد سنى التعليم وتوزيع المواد على الشيوخ بنسبة الاهلية وحداول التعليم السنوية والاختبارات والمنشطات والعلاقات بن التلميذ وشيخه وسن قانون داخلى يجرى العمل بمقتضاه وشذرات أخرى متممة للموضوع .

وفى جميع تلك الابواب كشف عن الامراض واقترح وسائل العلاج بصفة عصرية تدهش الباحث اليوم بعد مضى أكثر من نصف قرن على الجهر بها ، وهاك عينة دالة على يقظة الشيخ المصلح وعلى ثوريته الصاخبة التى أزعجت الجامدين عصرئذ :

(( إنك متى ألححت فى التنقيب رأيت أن هاته المعلومات رغم تبعثرها وتشويشها قد أكلت منها الوسائط الغايات حتى أصبحت ٠٠٠ لا تصلح إلا للدلالة الصريحة على ما أصاب الاسلام والمسلمين من علل الجمود والخمول والسقوط والثبور ٠

وتحد فى هاته الشقائق والجهل المركب الذى طالما أودى برجال الامة روحا ضئيلة عليلة تئن تحت نير التشويش والاغراض والجمود ٠ والله يشهد أن لولا تلك البقية الباقية من خلال تلك الروح الكريمة لخر سقف الجامع على ما به من فرط ما يقع فيه من الضلالات وأنواع التخرص والهوس والظلمات الداخلية التى تودى بالدين ، تودى بالعقل ، تودى باللغة ، تودى بالآداب ، تودى بالاخلاق ، نودى بالعادات والسنن الكريمة ، تودى بالعلم ، تودى بالفكر ، تودى بالجنس ، تودى بالعائلة ، تزيد الحياة ويلات على ما بها من الويلات )) ٠

وتكرار تودى ها هنا مقصود وها هنا جرأة لم يكن يقدر عليها الشيخ راجح ابراهيم فى كثير من الاحيان لتمسكه بمذهب إصلاحى سلفى متشدد لا يسمح بمثل ذلك الرفض ٠ فهو - على تأثره بالرعيل الاول من المصلحين وعلى رأسهم البشير صفر الذى اعتبره راجح زعيم النهضة وبطلا غيورا - معتز بانتسابه الى جامع الزيتونة لا يناقش فى محصول ثقافته ، خلافا لما كان عليه الشيخ سالم بن حميدة كما يبينه هذا الوصف الغنائى الوارد فى مقدمة السعيديات سنة 1927 :

(( دبت الحياة العصرية فى عرصات جامع الزيتونة دام عمرانه بعد جمود طويل وتباعد عن كل جديد فكان هذا المعهد الكريم - ذو المجد التالد والتاريخ المجيد - ينبوعا من أعذب ينابيع النهضة ودعامة من أمتن دعائمها ، وكان لا يزال لابنائه الفضل الكبير فى خدمة الوطن والعلم والادب والاخلاق )) ٠ والحق يقال أن الشيخ راجح ابراهيم كتب ذلك الوصف فى سنة 1927 بينما

ذكرت كتابات للشيخ سالم بن حميدة متقدمة العهد يرجع تاريخها الى سنتى 1910 و 1911 ٠

وكما تغني راجح ابراهيم بالزيتونة فقد ذكر منافع الصادقية وناديها والخلدونية ومكتبتها بكامل الموضوعية لانه حريص على مواصلة الحوار بين القديم والجديد وبين عقليتين وثقافتين كما بينت من قبل ٠ ولا أدل على ذلك من أنه الأب الروحى لسعيد أبى بكر صاحب ديوان السعيديات والاديب الصحافى المناضل ، وسعيد مدرسى عصامى لم يتلق دروسا بجامع الزيتونة وإنما تتلمذ لشيخ من شيوخه كان يؤمه الشاعر الناشىء فى ناديه بسوسة وكان ذلك المنتدى مكتب الوكيل الشيخ راجح ابراهيم بسوسة يلتقى فيه الادباء والمثقفون والمشتغلون بالسياسة فى حين كسادها والمهتمون بالاصلاح والصحافيون بالساحل ، ليستعرضوا ألوانا من الادب ويخوضوا فى شتى المواضيع التى كانت تشغل بال التونسيين الأيقاظ فى الثلث الاول لهذا القرن ، ويحيوا ذكريات دينية كميلاد الرسول الكريم وهجرته عليه السلام ، كما يشهد بذلك تلاميذه الاحياء أمثال حسن بن سعيد والهادى بن فرج وكما فى بعض الاشارات فى الصحافة التونسية وفى قصيد تأبين من نظم تلميذه التهامى عمار ، نشر فى جريدة الارادة يوم 21 جانفى سنة 1934 بعنوان : دمعة حراء على فقيد الوطن المنعم الشيخ راجح ابراهيم ومهما يكن من أمر فان الشيخ راجح ابراهيم أقرب الى النزعة الاصلاحية السلفيه المتشددة فى الدين منه الى التيار العقلاني المتحرر فى الاصلاح إذ يبدو - الى جانب التأثيرات التونسية الاصيلة فيه - متأثرا كبير تأثر بالحركة الاصلاحية السلفية الناشئة فى المشرق العربى فى نهاية القرن التاسع عشر بريادة جمال الدين الافغانى وتلميذه محمد عبده الذى زار تونس فى مطلع هذا القرن ٠

ضجة سنة 1934 وظروف تصدع الحزب الدستورى القديم :

وتلك النزعة الروحية السلفية المتصلبة قد ربطت الشيخ راجح ابراهيم بجماعة اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستورى القديم ، الذين تشددوا فى الدين وفى المحافظة على التقاليد ورفضوا فصل السياسة عن الدين لانتهاج طريقة عصرية فى الكفاح ، كما تشهد بذلك مقالاتهم وافتتاحياتهم فى جريدة الارادة حيث أنكروا فى ظروف تصدع اللجنة التنفيذية سنة 1934 تميير المنشقين الدستوريين الجدد فى فلسفتهم النضالية التى أخرجت القضية التونسية من الوحل بعد ارتطامها فيه طويلا ، بين الروحية والزمنية مع احترامهم لمقومات الامة الدينية والاجتماعية واللغوية وحرصهم على تدعيمها كما

يبينه الجدال بين الاشتراكيين ( Durel ) و ( laffite ) وبين الدستورى المناضل الحبيب بورقيبة سنة و 1929 فى جريدتى اللواء التونسي etendard Tunisien L’ وتونس الاشتراكية ( Tunis Socialiste ) ولا أدل على خلط القدامى من اللجنة التنفيذية بين الدين والسياسة وبين الروحية والزمنية من ردهم التالى على المنشقين الجدد بزعامة الحبيب بورقيبة فى ركن النجوى من جريدة الارادة يوم 12 فيفرى 1934 :

(( ينتقدون علينا مسألة مزج السياسة بالدين ويقولون إن الحزب أصبح بذلك أشبه شئ بالطريقة الصوفية يتلى القرآن فى جلساته وتؤثث قاعة للصلاة فى ناديه ، ويشترط على من أراد الانخراط فيه أن يقسم بالله يمين الاخلاص واضعا يده على المصحف الشريف ، هذه أمور لا يرضونها ولا يريدون أن تكون فى الحزب ٠٠٠ ))

فى الخصومة حول الطاهر الحداد :

والقدامي هم الذين لم يغفروا للطاهر الحداد آراءه الاصلاحية الجريئة فى ميدان الاحوال الشخصية عندما جهر بها فى كتابه امرأتنا فى الشريعة والمجتمع سنة 1930 وبجل تلك الآراء قبل سنة 1928 فى حلقات متسلسلة بجريدة الصواب لم تثر ضجة فى المرة الاولى ، ٠ وقد أعادوا عليه الكرة فى عديد من المقالات فى ركن النجوى بالارادة عندما ظهرت بوادر الخلاف بينهم وبين المنشقين عنهم فى حركة الحزب الدستورى أوائل الاطاحة بجماعة العمل التونسى محاولين بذلك تشويه سمعتهم وتضليل الرأى العام التونسى وتأليبه على مخالفيهم ٠

بين الماضى والحاضر

أنوار جديدة على ظروف تصدع اللجنة التنفيذية :

وإذ لم يمر زمنئذ طويل وقت على الضجة الكبرى التى أثيرت حول الطاهر الحداد نصير المرأة التونسية الذى جرؤ مع ثلة من رفاقه فى النضال على الانسحاب من صفوفهم قبيل انضمامهم الى حركة محمد على العمالية ذات الاغراض السياسية الوطنية التى تألبت عليها اللجنة التنفيذية مع بقية الاحزاب وذلك لعدم رضا الحداد والثلة من رفاقه بطرق العمل فى اللجنة التنفيذية التى انقلبت مجمعا صالونيا يتبارى فيه ارستقراطيون يميزون بين الخاصة والعامة ويرفضون الآفاقيين من مجالسهم الضيقة ويقول أفراد منهم ببعض المبادئ الشيعية المتطرفة فى السياسة كالظاهر والباطن والكتمان

والدعوة الى النفاق كما يبنه ركن النجوى من الإرادة بتاريخ 21 فيفرى 1934 حيث رد الكاتب على المنشقين وبخاصة على البحرى ڤيڤة كاشف فضائح أحمد الصافى وجماعته فى مقابلتهم مع المقيم العام فان جماعة اللجنة التنفيذية حاولوا إثارة تلك الضجة حول الحداد من جديد فى أعمدة الارادة فى ركن النجوى طيلة أشهر ستة من فيفرى الى جويلية وربطوا اسم الطاهر الحداد بالمنشقين لتسميم الجو السياسى عليهم وفصلهم عن الأمة بتهمة المروق عن الدين كما فعلوا بالضبط مرة اخرى فى سنة 1956 عندما نظموا فى جريدة الاستقلال بعيد استقلال البلاد وإعلان حقوق المرأة بصفة قانونية فى مجلة الاحوال الشخصية حملة شبيهة بالحملة التى نظمت ضد الطاهر الحداد من سنة 1930 الى سنة 1934 فى الصحف التونسية وكانت الحملة فى المرة الثالثة والاخيرة موجهة ضد المشرع التونسى الحبيب بورقيبة وحزبه غير أنها باءت بالفشل لان من نظمت ضده وهو الرئيس الحبيب بورقيبة قد عرف كيف ينازل الخصم فى الميدان الدينى ، وكان يملك الوسائل الكفيلة بوضعهم عند حدهم عندما صعب الحوار المنعش البناء لان مناهضى اصلاحاته إذذاك أوصدوا باب الاجتهاد فى حدود جوهر الدين ، وقد كشف عن نفاق العديد منهم المتظاهرين بالتقوى والدفاع عن الشريعة تعصبا أعمى وخدمة لأغراض سياسية متمشرقة ٠

وهذه اللقطة التاريخية مما يسمى التاريخ الصغير      ( Petite histoire ) ذات اهمية بالغة وقد جرنى الى هذا الاستطراد تشابه الماضى والحاضر لأن الماضى فى كثير من الاحيان اشبه بالحاضر من الماء بالماء على حد قول ابن خلدون ، وإن قال هرقل : (( اننا لا نستحم مرتين فى نهر واحد )) ٠

موقف الشيخ راجح ابراهيم فى قضية الحداد :

ذلك أن المغفور له الشيخ راجح ابراهيم رغم اعتباره أحد أركان الحركة الفكرية الاصلاحية فى الثلث الاول لهذا القرن بتونس ورغم عدم رفضه مبدئيا ترقية المرأة التونسية المسلمة ، ورغم رحابة صدره واعتداله فى احكامه كما فى تعليله لنقمة المعرى على بني الانسان ورجال الدين فى مقدمة السعيديات فانه لم يتخلص من صخب الضجة التى أثيرت لاغراض شخصية وسياسية ضد الحداد وقد أبنت ذلك فى دراستى الطاهر الحداد والبيئة التونسية فى عصره إذ وقف الشيخ راجح موقفا خائرا فى تلك القضية باستسهاله التهجم على نصير المرأة التونسية فى جريدة النديم يوم غرة نوفمبر سنة 1930 قبل أن يقرأ كتابه امرأتنا فى الشريعة والمجتمع ٠

وتلك معرة دالة على تحامل وانحراف عن منهاج النقد الصحيح والموضوعية العلمية أكون جد ممنون باهتدائى الى عذر يخفف من وطأتها ويغفر لكاتب

معروف بآرائه الاصلاحية النبيلة أما الضجة الثانية التى أثيرت حول نصير المرأة الطاهر الحداد والمنشقين عن جماعة اللجنة التنفيذية للحزب الدستورى القديم فى أوائل سنة 1934 فانه لم يعشها ولم يمكنه الاجل من إبداء رأيه فيها إذ توفى - تغمده الله برحمته - فى أواخر سنة 1933 قبل تصدع الحزب الدستورى القديم ٠

موقف سالم بن حميدة في قضية الحداد :

قد علمت أن من أسوإ ردود مناهضى الحداد تهجم الشيخ راجح ابراهيم ، وهو من دعاة النهضة على كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع قبل مطالعته وها أنا أذكر لك اعترافا طريفا للشيخ سالم بن حميدة وهو من مواليد بلدة أكودة مسقط رأس الشيخ راجح ابراهيم ومن مشاهير دعاة النهضة والاصلاح فى الثلث الاول لهذا القرن بانه ناصر الحداد وكتابه قبل سابق اطلاع على فحواه اخلاصا لفكرته فى ترقية المرأة ووفاء لصديقه وتلميذه وايمانا باخلاصه لدينه ٠

غير أن الشيخ سالم بن حميدة قد شعر بعد انتهاء حفلة تكريم الحداد التى نرأسها بنفسه وخطب فيها عندما تقاعس رشيد بن مصطفى المعين رئيس الحفلة قبل انتظامها ورافق الشيخ سالم بن حميدة يومئذ الى الحفلة احدى بناته لالقاء مخمس شعرى من نظمه بعنوان الفتاة مطلعه :

زهرة الاوطان انت الامل      فيه نحيا انت نعم الموئل

قلت انه شعر بعد حفلة التكريم بضرورة مطالعة الكتاب ليمكنه ابداء رأيه فيه عن روية . وذلك ما عبر عنه فى رسالة وجهها الى الطاهر الحداد ليطلب منه فيها مده بنسخة من كتابه امرأتنا فى الشريعة والمجتمع واليك فقرة هامة من تلك الرسالة التاريخية التى تفضل باطلاعى على نصها بخط يد الشيخ سالم صهره صديقى الحبيب عباس :

(( انتم تعلمون انى شاركت فى الاحتفال بكم لما ألفتم كتابكم : امرأتنا فى الشريعة والمجتمع لانك ابنى وصديقى وشريكى فى فكرة تحرير المرأة من ربقة عوائد اتخذت دينا ينازل دين الله تعالى محاولا الظهور بجنده المتنطع الجبان الاعزل ، دون أن أبالى بما إذا كنت أخطأت أم أصبت أم خلطت عما صالحا وآخر سيئا لاعتقادى بصدق إيمانكم وجزمى بإخلاصكم فى اسلامكم ويقينى أنكم ككل عامل مخلص مجتهد له أجره أخطأ أم أصاب وتحقيقى أنكم كتبتم ما كتبتم لينقد قبل أن يعتقد مكرما فيكم شجاعتكم وجرأتكم وطالما أكرم الرجل منازله الرجل فضلا عن صفية وابنه واخيه ٠٠ ))

لقد كان ذلك موقف الشيخ سالم بن حميدة المتفتح للحوار المفضى الى الترقى والخبر والمناصر للمرأة الذى طبق دعوته الاصلاحية فى بناته واحداهن زميلتى فى الدراسة .

تفتح مدهش ومنعش :

غير أنه لم يجهر لاول مرة بتأييد ترقية المرأة التونسية فى سنة 1930 إذ ناصرها منذ مطلع هذا القرن فقد أنشد هذا المربى المصلح الجدير باحتلال مقامه فى برنامج التفكير الاسلام فى معاهدنا قصيدة أخلاقية فى حفل زفاف صديقه البشير الفوراتى سنة 1911 لتهنئته بالعروس وتقديم جملة نصائح له وللجيل الصاعد وابدى فى قصيدته مناهضة تعدد الزوجات والمغالاة فى الصداق والزواج الانتفاعى طمعا فى الثراء وصدع بوجوب احترام حق الاختيار بالنسبة للزوجين وتعليم البنت وتربيتها طبق مكارم الاخلاق وكان حفل زفاف الصحافى البشير الفوراتى فذا فى بابه إذذاك إذ انقلب (( سوق أدب تنوعت خطبه وتفاضل خطباؤه وتركت فيه عوائد النقر واللهو )) والتخمة وقد سقت فى كتابى الطاهر الحداد والبيئة التونسية نص ذلك القصيد كاملا لاهميته التاريخية لا الادبية إذ تضمن بعض ابيات غير موزونة لم تسلم من الخلل اللغوى وانى أحيلكم على تلك المطولة لمزيد تيقن مما ذكرت وما كان القصد من تعليم المرأة التونسية المسلمة ومن توفيقها فى نداءات دعاة الاصلاح التونسيين فى الثلث الاول لهذا القرن وفى اواخر القرن الماضى كما وضحت ذلك فى الباب الرابع من كتابى تشريكها فى أعمال الرجال فى المجتمع وتمكينها تدريجيا من اكتساب حقوقها . حتى أن جل نصرائها فى ذلك التاريخ امثال حسين بالخوجة ومحمد الجعايبى وحسن حسنى عبد الوهاب وسعيد أبى بكر وغيرهم كثيرا ما تخلصوا بعد من الاعتقاد بأن المرأة للبيت ولم يتخلص من تلك العقيدة واعتبر المرأة للبيت ولتحمل المسؤوليات خارجه أيضا إلا عدد قليل جدا من دعاة الاصلاح التونسيين من اشهرهم فى اوائل هذا القرن سالم حميدة المربى المصلح الذى طبق افكاره وجهر بها فى رسائله ومقالاة ومحضراته وأشعاره وهاك فقرة هامة من رسالة كتبها فى تلك الظروف الى صديق له ، فاقرأها تعرب لك عن رأيه فى القصد من تعليم البنت إعرابا لا يترك لنفسك مجالا للشك :

(( إن التعليم الواجب اعطاؤه للبنت المسلمة هو التعليم الذي يؤهلها لأن تكون عضوا عاملا فى كل ما يدعو إليه الجهاد الحيوى لعموم بنى الانسان بحيث يؤهلها لأن تكون معلمة ومشرعة ناخبة ومنتخبة سياسية داعية للصلح والسلم كأم المؤمنين عائشة زوجة محمد رسول الله المعظم ، ممرضة فى ساحة الحروب والأوبئة تنجد الانسانية المكلودة الموبوءة بجنانها وعطفها عند الضرورة فى غير

من ولا أذى كسائر ازواج ذلك النبىء الكريم وازواج اصحابه وملكة قادرة على تدبير ملكها فى سلام كصبيحة فى الأندلس أيام الأمويين ٠٠٠ وست الملك فى مصر ايام الفاطميبن وعالمة أدبية فنانة كالعباسة فى دولة العباسيين وزوجة برة كسائر نساء المدنية الاسلامية فى عصورها الذهبية ، وأما رؤوما رشيدة كسائر الأمهات الرشيدات ٠٠٠ ))

ألا تريك هذه العينة من رسالة الشيخ سالم بن حميدة أن هذا المصلح ظل يبحث فى حياته بالغوص الى جوهر دينه وتعمق فهم حضارة الاسلام عن العناصر التى تجانس مقتضيات النهضة الحديثة بدون تشويه لروح العقيدة ولا عبث بالأصالة ، وأنه وفق فى مسعاه - حسب هذا المقدار الذى أوردته من مذهبه الاصلاحى ها هنا ؛ وهو لعمرى مذهب ممتد الأطراف متشعب النواحى ، جد ثرى ليس هذا العرض السريع مقام الاحاطة به .

خاتمة :

وإنك لتجد فى كتابات هذا الشيخ المربى نفسا جد عصرى وطرافة لا يفقد روعتها مرور الأيام .

ولا يعدم معاصره وأصيل بلدته الشيخ راجح ابراهيم تلك الأصالة التي  نتمسك بها اليوم أيما تمسك. فقد ساعد هذان المصلحان على إحياء الضمائر  وإنعاش النفوس وإيقاظ الهمم في فترة كالحة سوداء من تاريخ تونس السياسي  والاجتماعي وساهما في مواصلة الحوار بين القديم والجديد في جدال منعش  خلاق ضرورى لضمان التقدم الحضارى وتحقيق الكفاية المادية والفكرية .

اشترك في نشرتنا البريدية