وفاء منا لروح العلامة الراحل واحياء لذكراه الثالثة (1) تساهم مجلة الفكر العتيدة _ والتي واكبت نهضة الامة وعهدها البسام محروسة بعون الله ومدعمة باشراف ورعاية الوزير المصلح والمفكر الملتزم الاستاذ محمد مزالى - بنشر هذه الكلمة المتواضعة والتى أحاول فيها ابراز بعض الحقائق والموقف لرجل من رجالات الثقافة والاصالة والحق .
فلقد أحرز فضلته على أرفع المراتب العلمية وأعلى الخطط القضائية فكان الاستاذ الاول بالجامعة الزيتونية والمدرسة الصادقية والمدرسة القومية للادارة من ناحية ومفتيا أولا حنفيا وشيخ اسلام من ناحية اخرى الى جانب انتسابه لمجمعي اللغة العربية بكل من القاهرة ودمشق . وهكذا قضى حياته الحافلة بالانتاج والالتزام والضراعة والاستقامة والدعوة للتحرر والكرامة . فدعا الى رفض الهيمنة والذوبان والى حرية المرأة باعتبارها عاملا ايجابيا بصلاحها واستقامتها وثقافتها تصلح المجتمعات . وقد دعا لذلك فى محاضرات ومقالات منذ سنتى 1355 ه - 1936 م إلى آخر ايام حياته شعاره ما قاله الشاعر :
وما نيل المطالب بالتمنى ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
أما آثار فضيلته فهى عديدة ومتعددة لا استطيع حصرها ولا عدها تتناول الحياة العلمية والثقافية والدينية والاجتماعية والتاريخية . . وأجلها تاريخه العام والذي ربما انفرد به فى هذا العصر والذى سيكون له الاثر الكبير نتيجة عمق التعاليق ومواكبة الحياة على اختلافها مواكبة نادرة وعجيبة ورائعة . وهكذا كانت شخصية راحلنا الشيخ محمد المختار بن محمود جامعة بين الاصالة والتفتح بين الخشوع والمجاهدة بين الدفاع عن الكرامة والاصالة وضرورة الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة حتى تسترجع الامة الاسلامية المكانة التى أرادها الله لها بان جعلها خير أمة أخرجت للناس .
ولعل أهم خاصية اختص بها فضيلته هى مؤازرته للاجيال المثقفة والتي كانت تقاسي فى سبيل الثقافة والعلم والدين واللغة التنكيل والاضطهاد من قبل المستعمر الغاشم الذى حاول القضاء على تاريخنا وأصالتنا ولم يفلح . فكان يدعوهم الى الجهاد فى سبيل التحرر والحرية ورفض الهيمنة الغاشمة . وكم صمد من مرة وهو يدافع عن ابناء الجزائر الذين اتجهوا إلى قبلة الشمال الافريقي جامع الزيتونة الاعظم والى المدرسة الصادقية تشبثا منهم بالعلم ورفضا للذوبان ودفاعا عن أصالة شعبهم وعروبته وانتسابه للمغرب العربى الكبير . ولا بد هنا من الاشارة الى ما قاله المستشرق الصليبى المعروف (( زويمر )) وهو بتحدث عن نشر التعليم بالشمال الافريقي ويخاطب الفرنسيين الذين يقومو بنشر الثقافة :
(( لا تنسوا أن الهدف من نشر التعليم فى هذه البلاد ليس هو تكوين عقول كعقول فولتار ( Voltaire ) وامثاله بل الغرض من نشر التعليم في صفوف المسلمين هو تعويض حضارة بحضارة ولغة بلغة ودين بدين )) .
ذكرت هذا ونحن نعيش فى تونس هذه السنة مرحلة مباركة قررتها الحكومة وأيدها الحزب والشعب ونفذها معالي الوزير والمجمعي الاستاذ محمد مزالي نهدف الى أصالة شاملة وشروع فى التعريب شامل ومحاولة موفقة للجمع به العزة والكرامة والعلم والتقنية والاصالة والتفتح الايجابي .
وهي امنية تحققت والحمد لله وقد ضحى لاجل الوصول اليها شعب محاهد وقادة صامدون ومفكرون عاملون وهكذا تتحرر الشعوب وتتقدم الامم وتتحقق الكرامه . وهى حقا من الامانى الغالية التى نرفعها لارواح شهداء الوطن شهداء السواعد والبطولات والفكر . والى روح فقيدنا الجليل
وهكذا حاولت ابراز خصائص شخصيته واشعاعه وتأثيره ومساهمته طيلة نصف قرن مساهمة فعالة فى سبيل الرفعة والمجد . فكان نجم اللقاءات وقطب
المؤتمرات داخل الوطن وخارجه . وكم كان معتزا بوطنه متفانيا فى خدمته وحبه مرددا باستمرار قول الشاعر :
بلادى وان جارت على عزيزة كما كان يدافع على قضايا الشعوب ويدعو لنصرتها خصوصا القضية لفلسطينية وجهاد الشعب الجزائري ، وكان يحرض أبناء شعبنا وأبناء شعب الجزائر الشقيق على الجهاد والنضال ورفض الذوبان والاعتزاز بهاته الامة والجهاد في سبيلها وهو يردد قول صديقه ورفيقه والذى تجمعه به صلة متينة جدا فى كل الظروف والاحوال حين يقول :
ومن لم يعود صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
ولعل الرسائل التى يحتفظ بها فضيلته والتي وجهها له صديقه الشابي وما تضمنته من اشادة بمواقفه مع الحق ومن وصف دقيق ورائع للحياة العسيرة والجهاد المتواصل الذي مر به الشابى فى حياته الصامدة لتبرز تفتح فضيل شيخنا واخلاصه ووفاءه بالعهد رغم الحواجز والاعتبارات والاختلافات الفكرية واحترام الغير . فكان مع الحق دائما ضحى بكل شئ فى سبيل كرامة امته وابراز محددا عبر العصور وأشير هنا الى موقف من مواقفه الملتزمه مع وطنه وفى سبيله . فلقد عين مفتيا أولا للبلاد التونسيه اعترافا بمكانته وقوة شخصيته العلمية ، وكانت تونس عندها تشهد أياما خالدة في كفاحها ضد الاستعمار فطلب منه قادة الحزب رفض المباشرة لخطته خدمة منه للوطن وقضيته واتصلت به عندها السيدة الماجدة حرم فخامة الرئيس ووفد كبير من رجالات الحزب من أبرزهم الاستاذ المنجى سليم . فما كان من فضيلة الا أن قبل طلبهم معرضا نفسه للعزل والتنكيل فى سبيل وطنه .
و هي حادثة من بين الحوادث وموقف من بين مواقف فضيلته الصامدة والمتعددة .
رحم الله شخنا وجازاه عنا خير الجزاء لما قدم من جليل الخدمات فى سبيل نهضة أمته وصمودها فى وجه الاستعمار والهيمنة العسكرية والفكرية .
ورجائي ان أوفق حتى ابرز ولو على مراحل آثاره المجهولة والخالدة خدمة للوطن واعترافا بخدمات رجاله وصدق الله حين قال (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ))

