الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

مع الكاتب العبقرى، الأستاذ العقاد

Share

سمعت ان اديب العربية الكبير الاستاذ عباس محمود العقاد قادم الى مكة عضوا فى بعثة الشرف المصرية الموفدة من قبل جلالة الملك ) فاروق ( لمصاحبة جلالة الملك * ) عبد العزيز * الى مصر فسررت كثيرا ، وتناقل الناس هذا الخبر كالبشرى .

أما نحن أدباء مكة فما كدنا نعلم بوصوله مكة حتى تسابقنا لزيارته ، وكان أبين أعضاء البعثة بقوامه الفارغ الطويل وبنائه الشاهق وتركيبه الوثيق !

وفى اليوم الثاني عقب وصوله هرع اليه نفر من الادباء لتحيته وللتزود من أدبه ومعارفه وثقافته الواسعة .

أما أنا فمن أشد الناس دراسة لأدب العقاد واطلاعا عليه وإعجابا به وتقديرا له ، بل هو عندي الكاتب الاول للعربية فى عصرنا الحاضر ، وبيني وبينه صلات ودية ترجع الى تسع سنوات خلت ، وهذا ما جعلني أعظم شوا الى لقائه وتحيته فى بلاد من غيري ، وذهبت الى " أوتيل مصر " .

وما كدت انتظره دقائق حتى ابصرته داخلا من باب الفندق فنهضت اليه استقبله وتصالحنا مصالحة حارة فبادر الأستاذ فؤاد شاكر يعرفه بى فأجاب الكاتب الكبير : انني أعرفه من مصر منذ سنين .

وجلسنا على كرسي طويل نتحدث وهذا بعض الحديث قلت : ان شباب البلاد العربية السعودية وأدباءها يودون لو طال مقامك بينهم اياما ليقيموا لك حفلات التكريم فهم ارباب قلم واصحاب فكر وذو بيان ، انهم معجبون بك ، وكانوا يتمنون من صميم قلوبهم ان يتحدثوا

اليك ، وانهم اليوم يجدونك في بلادهم فياسفون على انك لن تقيم بينهم إلا سويعات معدودات لا تتيح لهم أن يؤدوا بعض ما لك عليهم .

فقال الكاتب الكبير:

" اننى شعرت منذ هبطت بلدكم المقدس بالحفاوة والتكريم ، واننى أشكر لكم حفاوتكم بي وهي حسبي ؛ وهي عندي أعظم من حفلات التكريم ، ولقد وحدت هنا شبابا ناهضا بصبو الى الأدب والفن والعلم ، شبابا ناهضا دائب الدرس والتحصيل ، متابعا الحركة الأدبية باهتمام لا مزيد عليه ، وهذا شئ يجعلني مطمئنا الى ان لهذه البلاد مستقبلا ادبيا ؛ وانني لوائق ان وثبتكم الجديدة ستعيد الى بلادكم سمعتها الأدبية الأولى " .

قلت : أتذكر - يا أستاذ - انك قلت لى سنة ١٣٥٦ ه ١٩٣٦ م عند ما طلبت اليك زيارة بلادنا : " ان لم اطف بالبيت سبعا فقد طافت به روحي سعين مرة " ووددت ان تلقي شباب الحجاز فى حرمهم ، وهانت ذا قدمت الى بلدنا الحبيب الى كل مسلم ، فالحمد لله الذي بلغنا منانا وبلغك مناك ، غير اننا لا نقنع منك بالزيارة الخاطفة والمقام القصير ، ولا يقنع بلدنا منك إلا بان تغنى به شهرا على الأقل لنقوم بوجبنا نحوك ، ولتقوم انت بواجبك نحو البلد الذى أنبت ابطال عبقرياتك الخوالد

فقال الكاتب الكبير:

" نعم ، أذكر ذلك ، وانني - الآن - لسعيد بأن القى شباب مكة فى حرمهم وأرجو أن يبلغني الله ما يريد ، فأقيم بينكم الأيام التى ترغبون " .

ثم أخذ الأستاذ العقاد يذكر هذه البلاد بالخير والثناء ويتمنى أن يكون حاضرها ومستقبلها كماضيها المجيد وانتقل الى الكلام في الاداب والفنون وأثرها فى الحياة . فقلت له :

ان مصر لم تضمن لنفسها هذه المكانة فى العالم العربي ولم يكن لها فيه هذا الاحترام المشهود إلا بالدعاية الأدبية الصادقة ، وكان ادباؤها هم الدعاة

الصادقين ، وكانوا طلائعها الى الأمم العربية حتى كانت لها هذه الزعامة وهذا التقدير والأعجاب .

العالم العربى معني بتتبع حركات مصر الأدبية والثقافية والعلمية كثيرا ولم يضمن له هذه المكانة إلا العقاد والمازني وطه وهيكل وغيرهم من ارباب الأقلام والفنون ، فسفارة مصر الأدبية الي كل قطر عربي سفارة لها شانئها ، وهي أفيد السفارات كلها وأقواها أثرا .

يأتي بلادنا وغيرها الساسة ورجال المال والاقتصاد والتجارها فلا ندري عنهم ولكن الأدباء ان اتوا فاحتفاء الامة بهم عظيم له دويه وله ذكره ، وها أنت تبصر صدق ما أقول .

فقال الكاتب الكبير

" مكانة الأديب الحق تزداد رفعة ، وهو يزداد قراء وانصارا واتباعا كل يوم ، وادبه خير سفارة ؛ وهو وحده الدعاية الصادقة البريئة من كل زيف وهوى " .

وقلت : أيها الأستاذ ، اننا قرأنا كتبك كلها وفيهادواوين شعرك ، وانتا لنعرف ادبك اكثر مما يعرفه كثير من المصريين أنفسهم ، وهذا دليل حبنا لك وافتتاننا بنتاجك الذي لم نشهد نتاجا مثله فى النضج والسمو والعبقرية .

ولى رأي فى أسلوبك يغابر آراء كثير من الكاتبين الذين يزعمون ان لك اسلوبا غامضا لا يبين ، معقدا لا يحل ، ورأي ان اسلوبك من اوضح الأساليب وا كثرها اشراقا وجمالا ، ولم يزعم اولئك ان اسلوبك غامض معقد إلا لنقص فى ثقافتهم ومداركهم وملكاتهم ، انهم لا يفهمون ما تكتب لأنه يسمو على افهامهم فيظنون ان باسلوبك غموضا يصدهم عن وعيه وفهمه ، والحق لا غموض فيه ؛ بل ارى ان القارىء الذي يقرأ " الموضوع " الذي تكتبه ولا يفهمه فهو لن يفهم هذا " الموضوع " نفسه من كاتب اخر لأنك انت من اقدر كتاب العربية على تركيز الفكرة وتحليلها والتعمق فيها وتقريبها الى

الذهن بالمثال ، فاذا كتبت لم تترك مجالا لكاتب ، ليس العيب عيبك ان لم يفهم ادبك من كان ناقص الدراسة والتحصيل والثقافة ضعيف الملكات او من كان طالب تسلية يزجى فراغه بل العيب عيبه

فقال الكاتب الكبير

" ان من أراد أن يقرأني للتسلية فخير له ألا يقرأني لأنه لن يجد عندي هذه اللذة الرخيصة ، وما انا بكاتب تسلية ، ومن اراد ان يقرأنى ليفهم الحياة ويتغلغل فى اعماقها وينفذ الى البواطن ويعني بتقويم الاخلاق وتصحيحها ويريد العمق والشعور بالحياة وما فيها ودراسة النفوس والطبائع والسمو الى الافاق العالية فليقرانى ، فانه لواجد عندي ما يريد . ان التسلية تشترى بقرشين ثمن تذكرة الى الريحاني أو الكسار "

قلت : انا قرأنا لك منذ شهر " فى بيتى " وقد اعجبنا به جد الاعجاب ، فهو خلاصة تجاريبك وآرائك في الحياة ، والاداب بما فيها القصة والشعر . والفنون : والرسم ، وغيرها وغيرها ، ولقد اعجبنا مثالك الذي سقته لبيان خطأ من يفاضلون بين الأدب والصناعة والعلم

فقال الكاتب الكبير :

" ان المفاضلة بين هذه المقاصد الثلاثة اشد المفاضلات خطا ، كيف نفاضل بين رجل وعصا ، الرجل من الجسد والعصا منفصلة عنه ، وكلتاهما لستا قرينا يقاس الى قرين ، والاختيار بينهما اخطا الخطا ، والأدب جزء من النفس الأنسانية ، والصناعة أداة من أدوات الانسان ، والعلم حالة من حالاته ، فكيف نفاضل بين جزء من الانسان وأداة منفصلة عنه او بين حالة من حالاته التى قد تنفصل عنه ؟ بل لا موضع للمفاضلة والاختيار هنا بين اشياء مختلفات ، لا تكون المفاضلة إلا بين قرين وقرين اما بين الرجل والعصا فلا " .

قلت : ان الأديب المبين المازني شاعر بلغ الذروة العليا فى فن الشعر وكان لدى ديوانه فوجدت له أبكارا رائعة الحسن

فقال الكاتب الكبير :

" مثل . . " .

قلت : قرأت الديوان منذ سنين غير اننى نسيت ابكاره وغير ابكاره لبعد المدة . ولكن بذاكرتي النساءة بيتين من أبكار شعر المازني وهما :

اذا اغتمضت عيناي ، فالقلب ساهر   بظل طويل الليل يرعى ويرصد

وما ان تنام العين ، لكن اخالها       تدير بقلب نظرة حين أرقد !

وبالرغم من اطلاعى على الشعر القديم والجديد فاني لم اجد هذا المعنى المبتكر قبل .

فقال الكاتب الكبير :

" صدقت ، ان المازني بحق شاعر كبير ، وأظنك قرأت مقدمتي لديوانه " . قلت : قرأت مقدمتك قبل ان احصل على الديوان ، قراتها فى " المطالعات " تحت عنوان " الطبع والتقليد " اعدت قراءتها فى الديوان ، واني لاسف على ترك هذا الشاعر العظيم النظم ، اننى عاتب عليك لانك لم تثنه عن عزمه وانت صديقه الحميم ، وانت منطيق جبار ذهن كما قال سعد - تستطيع اقناع المازني بالحجة التى لا تنقض ، وتستطيع حمله على نظم الشعر حتى يضيف الى العربية ثروة على ثرواتها .

فقال الكاتب الكبير :

" المسألة - هنا - مسألة مزاج ، والمازني بالرغم من تركه الشعر فهو ينظم أحيانا

قلت : نريد ان ينظم على الدوام ؛ ويخرج لنا ديوانا فى كل عام ، او فى كل بضعة أعوام .

فقال الكاتب الكبير :

" هذا مزاجه وما أظن تغييره بمستطاع " . قلت : لى رأي فى شعر خليل مطران وهو أن له شعرا فيه معني وفيه جمال ولكنه لا يؤثر في النفس ، ولعل هذا راجع الى فقدان الصدق فى الإحساس .

والصدق فى التعبير ، وكما ان فى الناس " خفيف روح وثقيله " كذلك فى الشعر ، وشعر مطران فيه ثقل وجمود ولا انكر انه من المجددين ، ولقد ذكرت في كتابك " شعراء مصر وبيئآتهم " حينما سئلت عن مطران واين مكانه بين من ذكرت من الشعراء ؟ ان مطران من المجددين ، ولكن لا فضل له فى التجديد لانه لا يستطيع ان يصنع غير ماصنع ؛ فهو قد درس الفرنسية والثقافة الاوربية ولم يتقيد بالقديم من الاداب العربية ولم تصده العقبات ولهذا كان من المجددين وذكرت انه لم يؤثر في الجيل الجديد الذي درس العربية وآدابها فى مصادرها ودرس الآداب الأوربية فى لغاتها لانه فقد مكان الوساطة بين الامرين ولهذا تأثر مطران بالجيل الجديد كشوقي فما ترى ؟

فقال الكاتب الكبير :

" ان رأيي فى مطران سجلته فى كتابي ( شعراء مصر وبيئاتهم ( وازيد هنا ان لمطران معاني شعرية ولكنها فى قوالب نثرية ، والشعر متى فقد قالبه فقد روعته وأثره

قلت : إن من يتهمك بالتحامل على شوقى فى كتابك الديوان لا يستطيع أن تهمك به الآن بعد ان أخرجت كتابك ( شعراء مصر وبئاتهم ) ولقد صدقت وأصبت حينما قلت : إن شوقيا بلغ القمة فى شعر الصنعة لان مران أربعين سنة كفل له ذلك

فقال الكاتب الكبير

" ما أبديت رأي فى شاعر أو ناثر الا باخلاص وصدق وبعد درس فهو رأيي الذي لا يتغير لانه قائم على الصدق والنقد والدراسة ، وان شوقيا قد انتفع بنقدى واتجه الى موضوعات الشعر الاخرى غير المديح ولكنه شاعر صنعة لا طبع أصيل على كل حال " .

قلت : ان في نفوس الناس شيئا لتركك سيدنا عثمان رضي الله عنه وتقديم  من هم دونه من الصحابة كعمرو بن العاص وبلال رضي الله عنهما . وقد قلت

لك هذا بمصر قيل سنتين فاجبتني انك كتبت عنه ولكن الظروف لا تبيح لك اخراج عبقرية عثمان لئلا يفهم بعض القراء السطحيين اعمال عثمان على وجه غير صواب وأعتقد انه لا معنى لأرجاء طبع عبقرية عثمان فمتى تنجز وعدك ؟ !

فقال الكاتب الكبير

" صحيح ، واني أعدك بانني سأصدر عبقرية عثمان رضي الله عنه قريبا " قلت : ان لك لرأيا محترما فى العالم العربي ، وأرجو ان ينال ادبنا من تشجيعك مايلفت اليه نظر ادباء الشرق العربى فهل تعدنى بالكتابة عنه .

فقال الكاتب الكبير

" أما التشجيع الحق فلن أضن به ؛ وهو غير الاعلان الامريكي وانت تعلم أننى لست من كتاب الاعلانات ولهذا لا أستطيع أن أكتب عن الأدب الحجازي شيئا إلا إذا قرأت - على الاقل - أربعين قصيدة وشيئا كثير من نثر أدباء الحجاز ليسمعنى سوق الدليل حتى يعلم القراء أنني لم أكتب إلا ما كان حقا - كعادتي - ويعلموا انى لم اخادعهم ، وقد طلب الي من قابلنى من ادباء مكة هذا الطلب وانت نفسك تفهمني اكثر من غيرك ، فان كنتم مصرين على رغبتكم فابعثوا الي بآثاركم لادرسها - أولا - ثم أبدى رأيي فيها بصراحة - ثانيا - "

قلت : إنني ألفت كتابا ضخما فى ثلاثة أجزاء عن صقر الجزيرة الغلاب " ابن سعود " وقد وقفت القسم الاكبر من الجزء الثالث على دراسة شخصية الصقر وعبقريته وتحليل خلائقه اتباعا لمنهجك فى العبقريات وفى كتب التراجم وسأطبعه قريبا ؛ ورايت ان تقدمه الى القراء لان الكلمة منك لها احترامها ومكانتها لأنها صادرة من كاتب عبقري عظيم جهير الصوت صادق القول

فقال الكاتب الكبير :

" حسنا ؛ إذا جئت مصرف فادفعه الي ، فان وجدته موافقا ميولى ومنهجى ومستحقا أن أكتب مقدمته كتبت والا أوضحت لك رأيي

ثم قال الكاتب الكبير

" ان جلالة الملك بن سعود رجل عظيم ؛ رجل عبقرى ، هذا ما أوحته لى مطالعاتي الكثيرة ، وان ما رايناه من جلالته البارحة اوحى الي بأنه ملك عظيم ، سمح النفس ، كريم

وهنا أقبلت السيارة التى تقله الى جدة استعدادا للرحيل بمعية الملك العربي العظيم الي مصر ، فقمنا معه وودعناه اسفين علىنا لم نستطع ان يجلس الى الكاتب العبقري أكثر مما جلسنا .

اشترك في نشرتنا البريدية