استعراض وتحليل :
راجت سوق الحديث عن حركة تحديد النسل فى الاوساط الشرقية ، واصبحت سمر المجالس وحديث المجتمعات والمنتديات ، وصور دعائها للناس الفوائد العميمة التى تعود عليهم من جراء ، الأخذ بها ، حتى لقد اصدر بعض رجال الدين في بلاد عديدة من الشرق فتاوى دينية باباحة هذا التحديد ، ولا يهمنا اصدرت بعض هذه الفتاوى تحت ضغط أو عنت او غيره ، ذلك ان العامة محجوب عن نظرها امثال هذه الضغوط ، فهي لا تحس الا الملموس الظاهر للعيان ، وهي تحب بتفكيرها الدهائى ، واندفاعها الغوغائى جنى الثمرات العاجلة : وان كانت طفيفة ، دون كبير نظر الى المساوىء الكثيرة الأجلة .
وهذا الكتاب " حركة تحديد النسل " أكاديمية أجزم بأنه علمي بحث ، يعتمد على العلم وثمراته في مناقشة بحوثه ، بالرغم من كون مؤلفه أحد علماء ديننا الابرار ، لقد قام بوضع هذا البحث النفيس بين أيدى الملايين من قراء العربية ليتبينوا حقيقة هذه الحركة ومراميها ، وفعلها الذي تفعله فى المجتمع الذي يعيش في البلاد التى تأخذ بها . وخاصة البلاد الغربية .
فهو يبدأ منذ مطالع الكتاب بتبيين غاية هذه الحركة وتتبع سياقها التاريخي
فمالثوس الانكليزي هو أول من تقدم بفكرة هذه الحركة ، وذلك نظرا للتزايد الضخم فى عدد سكان انكلترا آنذاك ، وأهم الامور التى كان يروج لها فى تحديد نسل بنبى قومه هي " التغلب على اهواء النفس والكبت من نزواتها فى الحياة الزوجية اذا تزوجوا . "
قد تكون هذه الامور مقبولة نوعا بالرغم مما فيها من اطالة فترة العزوبية ومشاكلها ، ولكن جاء بعد مالتوس ، فرانسيس بلان الذي دعا الى ضرورة الحد من تزايد السكان بوساطة الآلات والعقاقير ، وأيده فى ذلك طبيب امريكى هو تشارلس نوروتون الذى وضع كتابا سماه " ثمرات الفلسفة " جاء فيه وصف تفصيلي للتدابير الطبية لمنع الحمل .
ولكن هذه الحركة فشلت اذ لم يلتفت لها أهل الغرب التفاتا بذكر فمع زيادة السكان المستمرة زادت الوسائل المعيشية بشكل مدهش . ولكنها عادت في الربع الاخير من القرن التاسع عشر للظهور على يد السيدة بيسانت التى عادت ونشرت كتاب الدكتور نوروتون ، وأسست في بريطانيا جمعية بدأت تنشر الكتب والرسائل تأييدا للحركة ، ثم وصلت هذه الحركة الى هولندا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا سنة ١٨٨٢ م ، ثم عمت في أوروبا وأمريكا ، وقامت فيها أكثر من جمعية لفتت الناس الى منافع تحديد النسل ودربتهم على طرقه العملية .
أما لماذا نجحت هذه الحركة في المرة الثانية ؟ فذلك راجع ، في اعتقاد مؤلفنا جليل إلى النهضة الجديدة وللنظام رأسمالى والحضارة المادية السائدة اليوم بلاد الغرب .
فالنهضة الصناعية الجديدة اضطرت الناس الى النزوح من الارياف الى المدن - ليتشغلوا في المصانع و المعامل . ت القرى وارتفع عدد سكان المدن ،
وبالرغم من ارتفاع مستوى العمال الا انه أوجد صراعا شديدا وتنافسا بين الناس فارتفع مستوى المعيشة ، واتسعت حاجيات الحياة ، وغلت تكاليفها غلاء فاحشا ضيق الخناق على اصحاب الدخل المحدود ، وازدحمت البيوت وارتفعت أجورها ، وتعذر على المكتسبين كفالة الآكلين غير المكتسبين حتى ولو كانوا ابناءهم أو زوجاتهم ، فاضطر العامل أن لا ينفق ما يكسبه الا على نفسه ، وأن يقلل ما استطاع من عدد المشتركين معه .
وهنا نزلت المرأة مع الفئات الاخرى من أطفال وصبيان وبنات الى ميدان العمل ، واستقلت المرأة استقلالا اقتصاديا كاملا ، فبطلت القسمة الفطرية فى الاقتصاد " والتي كان بموجبها على الرجال ان يكدحوا لكسب معيشتهم ومعيشة أهلهم وعلى النساء ان يتولين تربية الاولاد وادارة شؤون المنزل الداخلية " . ولما حدث ذلك تعذر على المرأة القيام بعملين في آن واحد العمل فى المصائع والمعامل وانجاب الاطفال وتربيتهم . والحضارة الجديدة خلقت مشاكل وأسبابا جعلت المرأة تهرب من وظيفتها الاصلية فقد سيطر حب الذات على الرجال والنساء معا ، وسعى كل منهم للحصول والرفاهية ، ورفض أن يشاركه غيره في هذا الترف .
ونظر الناس من الطبقة الدنيا الى اسيادهم يرفلون فى كل هذا فحاولوا تقليدهم والنتيجة أن كثيرا من أسباب البذخ والترف قد أصبح اليوم في عداد لوازم الحياة ، وظن هؤلاء أن الحياة الشريفه لا يمكن ان تتم بدون ذلك .
ونشرت الحضارة الغربية الثقافة والحرية بين النساء واختلاطهن علانية بالرجال ، فبدل ذلك من ذهنيتهن ورغبن عن الفطرة ،
فالنحافة والرشاقة والجمال تذهب كلها عندما تحمل المرأة ، وبالتالي يدير الرجال في الشوارع والمحلات الاجتماعية انظارهم عنها !
ثم رأى البعض أنه لكى يوفروا لأبنائهم حياة سعيدة فيجب ان لا يزيد عددهم عن طفل أو طفلين ، وساندت بذلك الفكرة الالحادية ، الفكرة المادية في هذا المجال ونسوا الله وتكفله برزق الجميع فأنساهم أنفسهم
هذه هى الاسباب الرئيسية لرواج هذه الحركة ، فما هى نتائجها فى البلاد التى أخذت بها . ان اهم هذه النتائج هو :
١ - عدم التوازن بين الطبقات :
لقد قل عدد أفراد الطبقة الوسطى والعليا ، ذلك لانهم هم الذين كانوا اكثر تمثيلا لهذه الحركة ، أما الفقراء والعمال فقد ازداد عددهم ، ذلك لانهم لا يحلمون بمستقبل مشرق ولا يطمعون في عيشة كعيشة أهل الغني ، فبينما ظلت نسبة الولادة فيهم تبلغ ٤٠ بكل ألف انخفضت لتبلغ عند الطبقتين العليا والوسطى سنة ١٩٥٥ م حوالى ١٥.٣ بكل ألف .
ومعلوم " أن قلة الطبقات ذات القدرة والاستعداد الغني وتضاؤل حجمها ، على اكبر قدر ممكن من اسباب الترف وانحطاط المعيار الفكرى والعقلي وقحط الرجال تلك هي الاخطار التى تواجهها البلاد الجارية على خطة تحديد النسل " يقول شيلدون : " هناك حقيقة مرة قد ظهرت بما أجرى من التجارب الطبية فى أمريكا هي أن مستوى الذكاء العام في هذه الايام منخفض بالقياس الى سنة ١٩١٦ ،
وقد بكى هذه الظاهرة المزرية كثير من
المفكرين الغربيين أمثال براترندراسل وهكسلي ووارن ثامسن ، يقول راسل :
" انه مما لا يقبل المكابرة أو الانكار أن نظامنا الاقتصادى ومستوانا للأخلاق اذا لم يحدث فيها شئ من التغير ، فلا بد أن يحدث اقبح وأبشع تغير فى أخلاق سكان بلادنا وأعمالهم بغاية من السرعة فى الجيلين أو الاجيال الثلاثة الآتية ، وذلك بصورة أن الطبقات التى تكون أكثر ثقافة وأدبا وذكاء وخبرة فنية تكون القلة اكثر فى عدد أفرادها
لقد أخذت دول الغرب تميل فيها نسبة العجائز الى الكثرة والشبان الى القلة بصورة غير عادية ، فكل مائة من غير العجائز يقابلهم : ٢٣٦ عجوزا في نيوزيلندا ، ٢٣١ فى بريطانيا ، ٢١٢ في النمسا ، ٢٠٠ في أمريكا ، ١٩٠ في ألمانيا ، ١٧٣ في بلجيكا ، و ١٤٤ فى فرنسا .
٢ - كثرة الفواحش والأمراض الخبيثة :
يقول استاذنا " ان هنالك أمرين لا ثالث لهما يثبتان النساء بعد خشيتهن لله - على جادة الاخلاق ومعيارها الاعلى هما حياؤهن الفطرى ، وخوفهن من أن ولادة ولد الزنا تفضحهن فى البيئة . أما الحاجز الأول منهما فقد أزاحته المدنية الجديدة الى حد كبير . . وأما الخوف من ولادة ولد الزنا ، فأن الرواج العام لوسائل تحديد النسل قد جعله ايضا اثرا بعد عين وشيئا يمت الى الماضي " . وتبع انتشار الفواحش انتشار الامراض الخبيثة ، ومع ذلك فالولادة غير الشرعية ، والأجهاض منتشران انتشارا كبيرا فى تلك البلاد التى أخذت بهذه الحركة ، ففي انكلترا يولد في كل سنة أكثر من ٨٠ ألف ولد بدون زواج شرعى ، فواحد من كل ثمانية اطفال ولدوا
، فى سنة ١٩٤٦ م كان من الزنا . وحسب تقرير الدكتور شوارز فى بريطانيا فان واحدة من كل عشر نساء في انكلترا ملوثة بالاثم .
أما فى امريكا فشئ فوق الحصر ، وقد بلغت حوادث الاجهاض سنويا من ٣٣,٣٠٠ - ١٠٠,٠٠٠ ، ويقول تقرير كنزي ان نسبة أولاد الحرام في امريكا هي ١-٥ وأن نسبة الاولاد من الامهات العذارى هي ١-٤ . وارتفع عدد الجرائم الخلقية ، فقد استطاع رجال الشرطة فى انكلترا ان يطلعوا على ٢٨٣.٠٠٠ جريمة فى سنة ١٩٣٨ م وعلى ٤٣٨.٠٠٠ جريمة فى سنة ١٩٥٥ م ، دعك عن تشرد الاطفال والشبان ، وانتشار أمراض السيلان والزهرى الدى يقول عنه الدكتور توماس بيرن الامريكي : " انه أفتك وأضر مائة مرة من مرض فالج الاطفال ، وان خطره في امريكا مثل خطر السرطان وحمي الدق والتهاب الرئة ، حتى ان واحدا من كل أربعة اشخاص انما يذهب ضحية الموت بسبب الزهرى مباشرة أو غير مباشرة " .
٣ - كثرة وقائع الطلاق :
فالذرية لها نصيب كبير في المحافظة على العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة ، فهما ما داما لم ينجبا فانه من السهل ان يفارق احدهما الآخر ، ففي دقيقة ونصف دقيقة فقط فسخت احدى محاكم لندن اكثر من ١١٥ زواجا . وكان الازواج جميعهم ممن لم يكن لهم ذرية .
وقد تبين للجنة حققت في هذا الشأن في بريطانيا ان نسبة الطلاق ارفع فى الاسر التى نتيجة الزواج فيها الحرمان من الاولاد قلة عدد الاولاد " .
٤ - انخفاض نسبة المواليد :
وهذا الأنخفاض يهدد الدول والامم بالفناء أو على الاقل يعود بها من مراتب الصدارة الى المؤخرة ، وان قلة المواليد وازدياد الوفيات ليقطع بذلك . ففرنسا وانكلترا أصيبتا فى نفوذهما وسيادتيهما السياسية والاقتصادية فى كل أرجاء العالم بالشل أولا وبالزوال والفناء ثانيا كما قالت كولين كلارك فى مجلة التايم نتيجة تلك المضار والاخطار التى نشأت فى الغرب بعد أن أخذ بفكرة تحديد النسل . فقد حصل رد فعل معاكس في معظم أقطاره .
ففي انكلترا تكونت لجنة خاصة لاستعراض نسبة الولادة ووضع تقرير عن ذلك وبعد تحقيقات طويلة حذرت اللجنة بريطانيا من خطر النقص المتزايد فى هبوط نسبة الولادة على مستقبلها . وقد قال أحد اعضائها : " اننا اذا لم نقم في وجه هذا الخطر - هبوط نسبة الولادة القومية - ونعمل على تداركه فلا بد أن تصير بريطانيا فى عداد القوى من الدرجة الرابعة " . وهكذا صارت . ثم ألفت لجنة أخرى عام ١٩٤٤ وكشفت عما يأتي : " ان السبب الكبير - بل الوحيد الى حد كبير - في تضاؤل حجم الاسرة في بريطانيا هو المحاولات المبذولة قصدا واختيارا للاستبقاء على تضاؤل حجم الاسرة ووضع الحد لعدد أفرادها " .
وأوصت هذه اللجنة بتوصيات عدة لتشجيع الحمل والولادة الطبعية الشرعية . وقد ادخلت بريطانيا كثيرا من هذه التوصيات في قوانينها وسياستها للحياة الاجتماعية والعائلية .
وفي فرنسا قامت لجنة قوية باسم " الاتحاد القومي لزيادة السكان . فاصدرت
الحكومة قانونا يحرم تعليم منع الحمل ونشر المعلومات عن طرقه ووسائله خطابة أو كتابة أو اشارة بالسر أو العلانية ، ووضعت قوانين تسهل كثيرا من أعباء الاسر التى يزداد عددها .
وفي ألمانيا حارب النازيون هذه الحركة باصدار قانون يمنع تعليم منع الحمل وترويج طرقه ، ومنحت الشبان مبالغ عظيمة باسم " دين الزواج " وفرضت الضرائب على غير المتزوجين
وفي ايطاليا نهت حكومة موسوليني عن ترويج منع الحمل باصدار قانون يحظر نشر الكتب والرسائل والمقالات عن معلوماته ووسائله . واتخذت لترغيب الناس خطوات كثيرة كما فعلت فرنسا والمانيا .
وفي السويد ألفت الحكومة لجنة خاصة عام ١٩٣٥ م وضعت سياسة جديدة للحكومة فى هذا السبيل .
بينما تفعل هذه الدول ما ذكرناه وما لم نذكره نجد دولة كالسويد تعقد اتفاقية مع الباكستان لمساعدتها على التقليل من عدد سكان الباكستان ، كذلك تبذل الجهود المتتابعة فى اليابان لترويج حركة تحديد النسل تحت اشراف القائد الأعلى الامريكي . ونجد رجلا كبرتراندراسل ينادى بتشجيع هذه الحركة وترويجها فى البلاد الشرقية ، مع انه يحذر بلاده من هذه الحركة . الا فلنظر الى هذه الخطط الاستعمارية التى تريد أن تجعل من أهل الشرق قلة خاملة يمكن التحكم فيها بسهولة !
ومن ثم يدخل المؤلف في تبيان رأي الاسلام الواضح فى هذه الحركة " ان قوانين الاسلام للحياة الاجتماعية والاقتصادية
مع تعاليمه الخلقية وتربيته الروحية قد محت كل سبب أو داعية من تلك الاسباب والدواعي التى لأجلها نشأت ثم تقدمت وانتشرت حركة تحديد النسل في المدنية الغربية " .
اذ ان الغرض من العلاقة الزوجية فيه هو الاستبقاء على النوع البشرى واقامة الحياة المدنية ، ذلك بأن اللذة التى وضعتها الفطرة فى هذه العلاقة انما هي بمثابة الأجر يناله الانسان على الخدمة التى يقوم بها لتحقيق غرض من أغراض الفطرة .
ان النظام الجسدى للمرأة ما بني كله الا للقيام بهذه المهمة ، فاذا هي منعت من ذلك فان شخصيتها تصاب بالانقباض والحرمان والهزيمة والياس المقيت :
فالمرأة عند البلوغ يبدأ بها الطمث الذي يعدها للحمل في كل شهر ، وعندما تستقر النطفة في رحمها يحدث انقلاب هائل في نظام جسدها ، لا يعرف مداه الا المرأة التي جربت ذلك ، ثم يحدث انقلاب آخر لها بعد الولادة ، وذلك لأرضاع الطفل ، " ولا تزال بها سلسلة الحمل والرضاعة ما دامت مستعدة للقيام بخدمة المصلحة النوعية ، بحيث ان الاستعداد للقيام بهذه الخدمة اذا ما ولى مدبرا قرعت أبواب الموت " .
ويؤكد هذه الحقيقة معظم العلماء منهم انتون نيمي لوف وألكسيس كارل وآرولد شوارز . وهذه هي الحقيقة التى يشير اليها القرآن الحكيم عندما يبين الغرض الفطرى الذى تقصده الفطرة باقامة العلاقة الزوجية .
ولا يشك عاقل في أن لمنع الحمل ووسائله المختلفة مضار كثيرة منهاما يتعلق بالجسد والروح ، ومنها ما يصيب الحياة
المدنية والاجتماعية ، ومنها ما يصيب الاخلاق والنسل والحياة القومية ، ومن هذه المضار ما يضيع المصالح القومية فى سبيل المصالح الشخصية ، وتزول الامم وتصاب البلاد بالخسائر الفادحة في الأقتصاد وغيره !
" انه لمن الممكن باستخدام الوسائل المانعة للحمل ان ينشأ الاضطراب والاختلال فى نظام الرجل الجسمانى ، كما انه من الممكن أن ينشأ الضعف في قوته التناسلية أو تنعدم فيه هذه القوة بتاتا " هذا على الرجل . اما المرأة فتقول الدكتورة هيري شارليب عن اخطاره : " ان وسائل تحديد النسل سواء اكانت هي اللولبيات المعدنية أم الاقراص والعقاقير القاتلة للحيوانات المنوية أو حواجز المطاط وغيرها - وان كانت المرأة لا تتعرض باستخدامها لضرر فورى ظاهرى ، ولكنها اذا ظلت تستخدمها لمدة من الزمان ، فلا بد أن يصبها الانهيار العصبي قبل أن تبلغ سن الكهوله . ومن النتائج اللازمة لآستخدام هذه الوسائل التبرم والتذمر والقلق والنزل والأرق وتوتر الاعصاب وتشويش الفكر وهجوم الاحزان وضعف القلب ونقص الدورة الدموية وشلل اليدين والرجلين والتهاب الجسد واضطراب العادة الشهرية " .
ويقول الدكتور كليرفولنسوم : " ليست عندنا حتى اليوم اية وسيلة معلومة سهلة - رخيصة غير ضارة يمكن استخدامها لتحديد النسل " .
أما في الحياة المدنية والاجتماعية فقلة المودة والرحمة فى بدء الامر بين الزوجين ، الشذوذ والتوتر ، ثم هذه الامراض التى تتسبب المرأة من جراء وسائل منع الحمل تؤدي بها إلى الانزعاج الفكرى الذي -
يهدم الحياة الزوجية
ولا تنس تدهور الاخلاق الذي عرضنا سابقا بعض أعراضه مما عرضنا من احصائيات الولادة غير الشرعية ثم عبودية اللذة والاسترسال وراء تحقيق أهواء النفس .
ثم قحط الرجال لميل الأسر الى تقليل عدد افرادها وذلك لخوفهم من مشاكل تربيتهم وتعليمهم ، وفي هذا الصدد قام أحد الخبراء وهو بريسارد بتحقيقات عميقة ، فدرس الاعمال التى قامت بها الاسر الكبيرة لترقية حياتها الاقتصادية ووازن بينها وبين الاسر الصغيرة فى هذا المجال فتبين له " أن أفراد الاسر الكبيرة وان كانت مشكلة قلة المال تواجههم في بدء امرهم ، ولكن هم الذين يحرزون نشاطا باهرا وتوفيقا أوسع في ميادين الحياة في آخر الامر بالقياس الى أفراد الأسر الصغيرة " .
ومن مضار هذه الحركه كذلك ان الامره التى تستولى على أفراد امة ما في تفضيل مصالحهم الشخصية على القومية بسبب من الظروف التى لا زالت تتحول من سيئ الى اسوا في نظرهم جعلتهم بدون ما ريب لا يتحرجون ابدا في التضحية بحياة شعبهم وسلامة وطنهم في سبيل ما يحقق أغراضهم ومصالحهم الشخصية الى ان يأتي على شعبهم ووطنهم يوم يدخلان فيه عالم الفناء والانقراض " ، وهذا بالتالي يؤدى الى زوال الامة حضاريا وقوميا .
والفكرة السائدة بين علماء الاقتصاد تناقض دعوى ان تحديد النسل نافع من الوجهة الاقتصادية " وتقول بأن قلة السكان من اقوى وأهم اسباب الكساد الاقتصادى لانه بانخفاض نسبة المواليد يقلل عدد.
السكان المستهلكين عن عدد السكان المنتجين ، مما يفشى البطالة كنتيجة منطقية بين السكان المنتجين "
ويقول علماء الاقتصاد بأن الزيادة السريعة فى عدد السكان تكفل الزيادة السريعة في النشاط الاقتصادى
هذه المضار التى لخصنا بعضها هى بعض التفسير الجزئى لقوله تعالى : " قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله " .
بعد ذلك ينتهى المؤلف إلى بيان الادلة التى يأخذ بها المؤيدون لحركة تحديد النسل فيبسطها ويرد عليها ردا علما مدعما بالادلة المنطقية المستوحاة من أقوال خبراء الاقتصاد وتقريراتهم واحصائياتهم الدقيقة النادرة .
فهم يحتجون بالزيادة المتفاوتة في السكان من جهة ووسائل المعاش من جهة اخرى وهذا صحيح لمن عاش فى القرن الماضي كمالتوس وبيسانت ودريسديل ونورنون من الذين رزقوا آفقا ضيقا ، وأقليمية محدودة فى تفكيرهم وحسابهم للمستقبل وأملهم الضعيف فيه ، ولكن الاحصائيات فى هذا القرن تثبت ان الزيادة المطردة في عدد السكان توازنها وتزيد عليها الزيادة فى وسائل المعاش ، لننظر الى هذا الجدول .
ثم ان الله تعالى كلا من الانسان والغذاء وكل شئ بقدر ( انا كل شئ خلقناه بقدر ) . ان الماء الذي يفرزه رجل واحد في كل اتصال جنسى ، يمكن ان تحمل به ما بين ٣٠٠-٤٠ مليون امرأة فى آن واحد فلو أن القدرة التناسلية لرجل واحد فقط وجدت فى وجهها مجالا كاملا للاتساع والنمو ، لاكتظت الارض اكتظاظا كليا ولكن من الذى أقام الحاجز أمام هذه القوة التناسلية العاتية بحيث لم يتعد نوع معين حدا معينا ؟ !
ثم يتعرض الى وسائل الباكستان الاقتصادية وعدد سكانها فيقول : " مما يجوز لنا ان نقوله بكل طمأنينة وجزم بالنسبة لسكان الباكستان على الاقل أن ليست ازمتها الاقتصادية الا وليدة أعمالنا القائمة على قصر النظر " .
ويقول : " ان التضخم المتزايد لعدد السكان ليست منافعه للاقتصاد المتقدم مما يستهان بشأنه ، ولكن منافعه للاقتصاد الذي لا يزال في مرحلة التقدم " وهكذا كان الحال في أول نهضة الغرب .
ويبين أن لزيادة الاسرة أهمية كبرى بالنسبة للمزارعين والمشتغلين بالزراعة وأهل الباكستان ٧٥ % منهم يعملون فيها . ثم يدعم حديثه هنا بالاحصائيات المفصلة التى يضيق بها المجال هنا ، ويحذر من الارقام السطحية التى يروجها المشعوذون .
المواد الغذائية عدد السكان
١٩٣٨ _ ١٩٣٤ م ٨٥ ٩٠ ( ١٩٣٥ )
١٩٣٨-١٩٥٢ م ١٠٠ ١٠٠ ( ١٩٥١ )
١٩٥٧-١٩٥٨ م ١١٧ ١١٢,٢ ( ١٩٥٧)
ودعاة التحديد يقولون ما دام الناس سيموتون جوعا في الازمات الاقتصادية فلماذا نعمل على انجابهم ؟ يجب ان نريحهم من ذلك وتوفر عليهم العذاب بعدم انجابهم ! !
انهم بهذا يرتكبون جريمة التدخل في النظام الالهى ، فهل تدابيرهم تستطيع ان تضع حدا للحروب والأوبئة والأمراض والفيضانات والزلازل ومختلف أنواع الحوادث ؟ أم هل هم أخذوا عهدا بعزل ملك الموت عن وظيفته ؟ !
ثم يقدمون دليلا ثالثا بقولهم ان الآباء من ذوى الدخل المحدود ليس بوسعهم أن يكفلوا الوسائل الكافية لتنشئة أولادهم نشأة طيبة وتعليمهم تعليما عاليا وتربيتهم تربية جيدة
ان كلمات " التعليم العالي " و " النشأة الطيبة " و " التربية الجيدة " كلها كلمات مبهمة اذ ليس لها مستوى واحد في افهام الناس ، فكل منهم يتمنى ويحلم بمستوى معين يختلف عن غيره من الناس . ولاشك " ان الناس تكون دائرة أمانيهم دائما أوسع من دائرة وسائلهم ، وان الامور التى يرجنونها الى تحقق أمانيهم كثيرا ما لا تخرج الى حيز الوجود أصلا " .
ثم ان هذا الدليل فاسد أصلا فمن الضارب للبشرية أن يعيش جميع افرادها فى الدعة والسعة والرفاعة ، فلا يرون الكد والكفاح والفاقة والعوز ، وبالتالي ينغلق مدرسة الحياة الكبرى التى تعنى بتثقيف الانسان . والذين لا يدخلون معركة الحياة عن طريق التخرج في هذه المدرسة هم الذين يقومون بجلائل الأعمال ويكتبون
اسماءهم في لوح الخلود
ويعرض بعد أن يقدم ادلة اخرى ثانوية ويناقشها الى فساد الاحتجاج بالاحاديث النبوية فى هذا المجال . " والذين يدعون الى حركة تحديد النسل من المسلمين لا يجدون فى آيات القرآن كله كلمة واحدة تؤيدهم . . فهم لاجل هذا يراجعون كتب الحديث ويستدلون على صحة فكرتهم " .
ويبين أن هناك ثلاثة أمور اساسية لا بد من رعايتها فى استخراج مسألة فقهية من احاديث الرسول ( صلعم ) :
أولها : الاستقصاء التأم لكل ما روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم في المسألة التى تحت البحث .
وثانيها : بذل الجهود الممكنة لمعرفة السياق والموقف الذي يبين فيه الرسول حديثا من احاديثه .
وثالثها : بذل الجهود الممكنة ايضا للاطلاع على الظروف والملابسات السائدة فى بلاد العرب في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
وباعتبار هذه الامور السابقة يتبين للناظر ان قتل الاولاد هو الذي كان سائدا فى جزيرة العرب لتحديد النسل الى زمن الرسول الكريم ، وذلك بسبب التدهور الاقتصادى عندهم ، وعاطفة الغيرة المجاوزة لحدودها العادلة . ثم اتجهت فكرة المسلمين الى العزل . ولكن العزل لم يكن شائعا بين المسلمين ، ولا كانت عندهم حركة لتحديد النسل ، ولا كان المقصود أن تتخذ سياسة قومية ، وانما كانت هناك أسباب اخرى أهمها الخشية من حمل الإمة
واستحقاقها اقامة دائمة ، وخشية تعرض الرضيع لنوع من الضرر اذ احدث حمل ايام الرضاعة . ثم يعرض عددا من الاحاديث النبوية ويناقشها تحت ضوء ما حدد من أمور يجب مراعاتها ، ويقول بعد ذلك : " مما يصادم الشرع ويتنافى مع أحكامه أن يتخذ من العزل أو غيره من طرق منع الحمل خطة قومية وتعاملا عاما فى المجتمع . "
ويقدم لنا رأيه في مشكلة زيادة السكان فيقول : " ان الطريق الصحيح لاقامة هذا التوازن بين عدد السكان ووسائل المعيشة والمحافظة عليه هو أن تبذل مزيدا من الجهود الفعالة الجديدة لزيادة وسائل المعيشة واكتشاف الموارد الجديدة للرزق وحيثما وضع هذا الطريق موضع التجربة . فان التوازن بين عدد السكان ووسائل المعيشة ما بقى قائما على حاله فحسب ، بل قد تمت زيادة وسائل المعيشة بنسبة اكثر من زيادة السكان .
ثم يطالب بالدعوة الى تنظيم سكان الدولة بدل تنظيم أفراد الاسرة .
ويفرق بين المحاولة الفردية وحركة تحديد النسل الجماعية ، فالمحاولة الفردية التى يقوم بها فرد بعينه لا تعود بالاضرار الفادحة التى تعود بها الحركة الشعبية التى تقوم بين الجمهور .
ويبين رأى الاسلام الاخير فى هذه الحركة بقوله : " واليوم اذا كان الناس لا يقتلون أولادهم لمنع الزيادة فى افراد النسل كما فعل الجاهليون ويستعملون طرقا تحول دون وقوع الحمل ، فانما ذلك اجتنابا منهم للجريمة الاولى مع بقاء الجريمة الثانية قائمة على حالها ، إذا كان خطر ضيق الارض ونفاد موارد الرزق هو الباعث لهم على منع الزيادة فى أفراد الجنس "
يقول رب العزة منددا بالجريمتين :
" لا تقتلوا أولادكم خشية اهلاق نحن نرزقكم واياهم" فقد نهى عن جريمة قتل الاولاد وعن جريمة اعتقادهم بأن ولادة أولادهم سبب لفقرهم وبؤسهم .
ونحن نرى بعد ذلك كله أن الواقع الذي يتمثل في كثير من الاحصائيات يساند الى حد كبير الدين الاسلامي في تحريم هذا المنع وهذا التحديد .
واخيرا فأن الفهم الصحيح التفصيلي لهذه المسائل لا يجده أحد الا في الكتاب ، وقد الحق بالكتاب استعراض علمي لحركة تحديد النسل بقلم الاستاذ خورشيد أحمد الاستاذ فى جامعة كراتشى ، أرجو أن يكون لى عودة اليه لأعرضه في مرة قادمة .
الدمام
