من الآثار الادبية المستوحاة من الثورة قصة طويلة لم تنشر بعد بعنوان " القبائلية الاحرار " لصاحبها محمد عراب مسعود . وقد نشرت منها مجلة "الانصار " (partisans) بباريس مقتطفات نقلتها عنها الجريدة الاسبوعية التونسية " افريك اكسيون "
ونظرا لقيمة هذا الاثر وما يلقيه من اضواء على حياة المحاهدين وسمو الكفاح الذى تقوم به امة كاملة منذ سبع سنوات راينا نقل هذه المقتطفات لقراءنا الكرام
الفكر
ابصر السائق بغتة على بعد خمسين خطوة من حافلته شاب ينتصب امامه ممسكا برشاشته بينما اشار عليه شاب آخر بالوقوف وكانا فى سن واحدة يلبسان نفس البدلة من " الكاكى " فجمدت يد السائق من شدة الخوف وافلت منه المقود حتى انقلبت الحافلة على حافة الطريق .
ففتح الشابان الباب وقالا :
- هيا - اخرج من هنا . . . انزل بسرعة
وخ طباه بلغة البلاد فايقنت السيدة " بولراس " انها امام " الفلاقة " كما كانت تتوقع فاعتراها خوف كبير وخيل اليها ان اليد الممدودة لاعانتها على النزول اصابع اخطبوط ارتعدت منها فرائسها وجمدت جوارحها . لقد احست برغبة جنونية فى الصياح ولم يخرج اى صوت من حلقها فوضعت يدها فى رقبتها كانها تريد ان تتيقن من حساسته .
سالها الشاب وكانت رشاشته تلمع على اشعة الشمس : هل انت فرنسية : فتمكنت من الجواب بصعوبة ان نعم .
- لا تخشى شيئا ، ان جيش التحرير الوطني لا يحارب النساء قال ذلك مفخما كلماته . فلم تطمئن الى ذلك الا ان الامل وان كان ضعيفا داعبها واعتقدت انه لن يصيبها شر فى هذه اللحظات الجهنمية
امر الشاب اخوانه المختفين فى مكامنهم بعيدا عن الطريق : هيا لنذهب فوثبوا فى خفة السباع وامروا المرأة بمصاحبتهم
وبينما هم يشقون غابة زيتون ارتاحت عند ما رأت جماعة يلتقطون صحبة نسائهم باكورة الزيتون . فكان ذلك بمثابة اليد الممدودة الى غريق فى الهواء الطلق . وشعرت بالرغبة الى الركض نحوهم والاستنجاد بهم . ولكن الرشاشات كانت هناك مهددة خطيرة . فامسكت عن ذلك ولم تفقد الامل فى ان تراهم يخبرون رحال الامن بما رأوا . الا انها سرعان ما خاب ظنها لان القوم استقبلوا مختطفيها استقبالا لا يمكن ان يكون الا تلقائيا . وخاطبهم الشاب صاحب الرشاشة الذى يظهر انه ق ئد الفرقة بكلمات لم تفهم معناها فلما التفتت بعد ان قطعت بضع امتار رأتهم يجتهدون فى محو آثار الاقدام .
لقد امرهم القائد عثمان قائلا : لنسرع الخطى . لا تزال الساعة الا الثالثة بعد الزوال ولا يزال النهار طويلا لا ، انه فى امكانهم اذا ما فطنوا بفقدان "بو جمعة " مط ردتنا بالطائرات وتعطيل رجوعنا إلى مكمننا . ثم قال للمرأة :
- قليلا من الجهد يا سيدتى . لم يبق لنا الا مسير عشرين دقيقة . سنتوقف فى القرية التى ترينها هناك واذا قررنا مواصلة السير سنمكنك من حذاء او "عفاس " . واذا تعذر ذلك اخلينا سبيلك وسوف تجدين المركز قريبا منك .
فسالته والدموع تترقرق فى عينيها : - لكن لماذا لا تتركون سبيلي هنا .
- ان ذلك متعذر يا سيدتى . لا نريد ان يخبر احد رجال الامن بوجودنا ويرشدهم الى الطريق الذى سلكناه
ولما وصلوا إلى سفح الجبل المنحدر من القرية تسلقوه . وكان الخوف من القتل فى هذا المكان يحفز قوى هذه المرأة المسكينة وقد انهكها السير الطويل . وكلما علقت ثيابها باشواك الشجيرات التى تغطى سفح الجبل جذبتها فبقيت هذهم الثياب قطعا متناثرة . وبعد اربعين دقيقة وصلوا الى اطراف قرية " ت . . "
قال القائد الى رجاله : امكثوا هنا . سادخل القرية لاتعرف على ما يجرى هناك . ولا تلتحقوا بي الا اذا ارسلت اليكم بمن يأتيكم بثياب لهذه المرأة التى يجب ان لا يفطن لوجودها حراس المراكز المجاورة .
وبعد عشر دقائق قدمت امرأة شابة حاملة سلة فيها جلباب وحذاء . قال لها ابراهيم : هذا لك .
لبس المجاهدون برانسهم وقد اخرجوها من مخاليهم وتوجهوا الواحد بعد الآخر نحو القرية حيث اعدت لهم المنظمة السياسية مأمنا ونظمت حراسة نشيطة
ان القرى التى تصافح بعضها بعضا من ربوة الى اخرى كلها جزر لجأت اليها عبر القرون الحرية والعدالة والعزة والكرم . فكم من معتد اذاقته هذه الحمهوريات الصغيرة الغيورة على تراثها الرائع مرارة الخيبة سواء بقوة السلاح او بالروح . انها لم تخضع لنير العبودية ابدا .
وبينما كانت السيدة " بولاراس " تعبر انهج وازقة هذه القرية البائسة رأت نفسها محل فضول لا حد له . فمن كل باب تبرز نساء بوجوههن الذابلة ويظهر اطفال اخذ منهم الاستغراب مأخذه . فاحست بفرائسها تر تعد وقالت فى نفسها : لو سلموني الى هؤلاء القوم لاكلوني حية
اما الذين كانوا يعترضون طريقها فانهم كانوا يجهلون صفتها فل يحدقوا فيها بمثل ذلك الالحاح المثير الذى يضطرك الى الاغضاء لقد كانت النساء يحملن على ظهورهن حزما من الحطب او جرارا ملئت ماء . وكان الرجال يمسكون بأذيال احمرتهم المحملة بزنابيل من الزيتون يقودوها فى ذلك المنحدر وهي تشهق من شدة التعب وك نوا يوجهون تحياتهم الصادقة الى اخوانهم مرحبين بهم اشد الترحيب
اندفعت امرأة شابة من عتبة دارها وانقضت على السيدة " بولراس " ممسكه بشعرها ( ويا لها من عادة غريبة عند النساء ) واشبعتها سبابا لم تفهمه . وبمشقة كبيرة تمكن احدهم ولا شك ان يكون من اقربائها من تخليص " السيدة بولراس " من ايدى المرأة المجنونة وصفعها فى عنف .
وقال سى عثمان " للرومية " المرتعشة : لا تؤاخذيها يا سيدتى لقد اصابها شئ من الجنون . انها ارادت ولا شك ان تنتقم مما نالها من شر . . . ورفع قميصها حتى ثدييها اللذين عملت فيهما خن جر جنود المظلات إلى ان اصبحا جرحين كبيرين يبعث منظرهما الرعب رغم التئامهما .
فوضعت السيد " بولاراس " يديها على وجهها وصاحت : آه يا الهى ، واضاف
الشاب : انظرى انها تريد مصالحتك ذلك انى قلت لها الآن : انك طبيبة اتيت لعلاج جرحانا .
- لو استطعت الى ذلك سبيلا
وضمت اليها صدر المرأة هذا الصدر الذى لن يرضع ولن يستجيب للمس ابدا . وعند ما وصلت الى الملجأ حيث سبقها رفقاؤها كانت الدموع تنهمر من عينيها وتوجه اليها سائق الحافلة بابتسامة باهتة تنم عن فزعه . فنظرت اليه مدام بولاراس فى اشفاق قائلة فى نفسها : المهم ان يتركوه حيا .
ومن خلال الكوة كانت تتبين الجنود المقيمين بالمركز الذى غادرته منذ ساعات وهم يتقاذفون الكرة بينما يستعد الآخرون الى الخروج . وقال لهم مضيفهم وقد ازدادت يقظته لوجود المجاهدين : انها دورية يجب مراقبتها لمعرفة وجهتها . وخرج للفت انظار الحراس وكانوا من الاطفال والنساء .
ورأت السيدة " بولاراس " من الكوة التى لم تفارقها خمسين جنديا تقريبا الواحد وراء الآخر متوجهين نحو القرية . وعند ما رأت الرجال حولها لا تزال اعصابهم هادئة اطمأنت . ودخل فجأة طفل كان بالمرصاد صائحا العسكر . العسكر . فقال له سى عثمان : حسنا يا ابنى لقد رأيناهم . ودخل مضيفهم دا موح بدوره وقال :
- انهم قادمون الى هنا . لكن يجب الا تخرجوا ما لم ارسل لكم الطفل فهم كثيرا ما يزوروننا ثم خرج صحبة الطفل الذى ارتاح الى استعدادات اخوانه الكبار . وما كاد يخطو " داموح " خطوات حتى دفعت امرأة الباب ودخلت الى بهو الدار قائلة : انهم في بطحاء الجماعة يتناقشون مع الرجال . لا تضطربوا .
وكأن هذه الكلمة صدمت شعورهم فكادوا يجيبون جميعا : نحن نضطرب ؟ اذا نحن لا نهاجمهم فى القرى فذلك خوفا عليكم من التشفى .
- لو لم يكونوا اكثر منكم عددا لآثرنا مشاهدة نهايتهم ولو كلفنا الامر ما كلفنا . وأشارت الى " بوجمعة " والرومية قائلة : واذا هاجموكم ما يكون مصيرهما ؟ يجب قتلهما .
وادركت السدة بولاراس من اشارة المرأة اليها انها المقصودة من الحديث . والقت نظرة استفسار الى سائق الحافلة الذى لا بد ان يكون قد فهم كل شئ ، لكنه كان مشغول البال ، فلم ينتبه الى ما يدور حوله . واعتراها الخوف من
جديد . ولكن ما اظهره هؤلاء الرجال من هدوء الب ل بدد خوفها انهم يتحدثون ويضحكون كما لو كانوا فى مقهى الا ان الوجوه قد تغير لونها وفهمت من بعض الحركات انهم كانوا يهزؤون باحد رفقائهم وقد ظهرت عليه علامات التأثر ولاذ بالصمت ولا شك انه اراد ان يستفزهم للمبادرة بمهاجمة الدورية . فقد رأته يشير الى الباب . الا ان القائد هدأه .
ودخلت امرأة تصيح : اه يا اولادى آه يا اخوانى . ان " داموح " قادم صحبة العساكر . وسال سى عثمان الذى منعته المرأة من الخروج قائلا :
- اين هم ؟ - انهم سيصلون حالا .
واشار على ربة المنزل بالاختفاء صحبة الرومية في غرفة محاورة وامر رجاله بان ي خذ كل مكانه فى بهو الدار وفى الجنيئة الصغيرة التى تفتح عل الطريق . وقال : وانت يا محمد قاسى يجب ان تراقب " بوجمعة " وان تضع منديلا فى فمه ف ذا حاول احراجه اطعنه فى حلقه فاذا سمعت الطلقات الاولى ارمه برصاصة فى راسه .
وصع سليمان اصبعه على شفتيه وهو ينظر الى اخوانه وكان يسمع من الزق ق وقع اقدام تقرع الارض . وقال سعيد محركا يده ، انهم مارون .
وكانت وجوه المجاهدين شاحبة وقد اعتراهم القلق وتوترت اعصابهم فاصبحوا مستعدين للرد على طلقات النار .
ودفع الباب المغلق فتوجهت البنادق فى اتجاهه على اهبة نفث حقدها للانس ن الذى اخترعها . ولم يكن الا الطفل الذى سرعان ما فتح له الباب . فساله عثمان : اين الجنود :
- انهم فى دار " دا محمد والى " يبحثون عنه عبثا - وما يفعلون هناك - اظن انهم يريدون حرقها
وم كادت لحظة تمر حتى سمع دوى عنيف ارتجت له الديار العتبقة في هذه القرية المعاصرة للقرون الوسطى . فقال عثمان : - انهم دمروها بالفجرات
- تلك هى الطريقة الوحيدة الناجعة .
وسمع صوت الاقدام من جديد يرن فى الزقاق كما سمعت تعاليق الجنود حول فعلتهم البطولية ، ثم خفتت الاصوات شيئا فشيئا ورجعت الى الوجوه الوانها الطبيعية . بعد دقائق رجع مضيفهم والابتسامة بادية تحت شاربيه الرماديين . فقال : ربما ظننتم اننى " بعتكم " .
فقال عثمان : ابدا ليست هذه هى أول مرة نلتجيء اليك فيخامرنا الشك . ولكن قل لى : هل كانت الدار التى دمروها مسكونة .
- بلا شك . كانت تظل امرأة واربعة اطفال . قال عمار : هل سمحوا لهم بأخذ متاعهم
- لا ابدا . ان اثاثهم وكامل ذخبراتهم تحت الانقاض التى يسعى الناس فى ازاحتها .
- كنا نتمنى اعانتهم نحن ايضا . الا ان هذا مستحيل ونحن بازيائنا العسكرية .
فقال دا موح : وعلى كل فان الناس لا يتركونكم تقومون بهذا العمل . وسال رابح : هل ان المرأة اصيلة القرية
- نعم . ان اقاربها يسكنون هنا . وعلى كل فهذا مفيد للاطفال لو رايتموهم كيف يضمون امهم التى كانت تبكى . انه لمنظر يسيل الدمع دما .
- ومن حسن حظهم انهم لم يقتلوهم
- ان الحنود عادة لا يظهرون مثل هذا اللطف . ففى قرية أغ . . . القو القنابل في واضحة النهار لا لشئ الا ليعبثوا وقتلوا امرأتين وحمارا . ومن حسن الحظ ان اقتصر عمل خمس قذائف مدفعية على هذا العدد الصغير من الضحايا
ق ل سي عثمان : يا دا موح اود ان تأتينى بالمكلف بالاتصالات وعند ما خرج المضيف اعاد القوم مزاحهم واصبح قاسى من جديد هدفا لمداعبتهم
قال له محمد : اعترف على كل حال انك خفت ف جاب المخاطب بهدوء : لا أبدا . كنت متضايقا لاننى لا ارضى ان اجد نفسي محاصرا فى دار . وقد حدث مرة ان بوغتنا كاليوم وكنا سته عشر .
واستطيع ان اقول اننا ننج من الابادة الا بفضل الله وحده. لقد نصبوا مدفعا رشاشا امام الباب وامرونا بتسليم انفسنا قبل اطلاق النار _ فلو رأيتنا ونحن فى مثل ذلك الفخ . وكنا نسائل بعضنا بعضا بالنظرات لمعرفة الوسائل الواجب استعمالها للافلات من التقتيل او العار . الا انه عند ما تكون الجماعة كثيرة العدد يوجد دائما من بينها بطل او اكثر يعرفون كيف يغالبون القدر وقد كان فى ذلك اليوم سى اسماعيل اقدرنا . لقد نقب السقف بسرعة عجيبة فوجئ بها الجندى الم سك بالمدفع الرشاش فقتل قبل ان يتمكن من اطلاق عيار نارى واحد . الامر الذى سهل علينا الخروج . الا انه كان علينا ان نواجه فى ذلك اليوم معركة عنيفة استنجد اثناءها العدو بالطيران بعد ان تكبد خسائر فادحه . وعند غروب الشمس تراجع حاملا معه امواته وكانوا قرابة الاربعين . واستشهد منا ستة .
دخلت امرأة الغرفة سائلة : هل طلبتمونى . فاجابها سي عثمان : لا - اذن سخر منى دا موح
- انى لم اطلب مقابله امرأة بل المكلف بالاتصالات - أنا المكلفة بالاتصالات الا اعحبك .
_ بلى . ةلست الاولى من نوعك . الا اننى عند ما جئت الى هنا فى المرة الاخيرة كان المكلف بهذه الخطة رجلا
- تعنى عمار او قاسى ؟ انه زوجى . لقد مات منذ ايام فى مركز ب . . . ان الحديث عن الاموات فى الجزائر اصبح لا يؤثر على احد . فحتى النساء جمدت عيونهن . لقد كانوا فى اول الثورة يقدمون تعازيهم إلى العائلات المنكوبة وينتقلون باجمعهم من قرية الى اخرى لنقل جثث القمع اما اليوم فقد بلغ عدد الاموات فى كل قرية حدا لم يعد معه من الضرورى التنقل من قرية إلى اخرى ليقوم المرء بواجبه الدينى او الوطنى
قال عثمان ولم يفاجأ بشجاعة هذه المرأة : يرحمه الله ، هل لك اولاد - لى طفل فى الثانية من عمره ان لم يقتلوه يوما من الايام . _ ان الموت بيد الله يا اختاه وليس الانسان الا آلة بين يديه . ثم ان كل نفس ذائقة الموت
لكن اخبرينى كيف تجدين قوتك
- اعيش بما اتصل به من اعانت . انك فى حاجة الى . اليس كذلك - نعم اريد ارسالك الى قرية آيت ب . . . لتسلمى رسالة الى الاخ سى شعبان ثم انتظرى الجواب . فاذا اعترضك فى طريقك جنود العدو ماذا تفعلين .
- امزق الرسالة - وبعد ذلك - ارجع الى هنا او اواصل طريقي
- ان المهمة لا تتم لا لا يكون العمل هكذا . فاذا اضطررت الى تمزيق الرسالة اخبرى سى شعبان باننا هنا بصحبة بوجمعة والرومية التى كانت معه . هل فهمت
ليس هذا الامر صعبا - اذن حالفك الحظ - شكرا
واقترح ابراهيم قائلا : لو خرجنا الآن نتفسح قليلا فى هذه الظلمة .
- واردف سى عثمان : هى فكرة طيبة نتمكن بها من معرفة هل ان المسبلين يقومون بالحراسة كما ينبغي . لكن لا تنسوا بنادقكم . وليبق واحد صحبة بوجمعة .
ان اهل القرى التى تزورها دوريات العدو ليلا تعودوا غلق ابوابهم بعد صلاة المغرب ولا يفتحونها الا بعد بزوغ الشمس . والويل لمن يفاجأ خارج منزله بعد الوقت المحدد لمنع التجول ! الا انهم ليسوا فى مأمن من الخوف حتى في منازلهم . ان الخوف يسيطر فى كل مكان ولا شك انه يتفاقم ليلا : فصرير الباب وحركة القط يقفز على السطح وقرقعة قذيفة تنفجر كل ذلك مدعاة لانقباض القلب والشعور بالاختناق . وان النسيم الذى يداعب اغصان الاشجار يمكن الخوف من ان يفرض عليك الارق ساعات طوالا . ولا تنفتح الابواب الا اما الجنود الفرنسيين اذ تعرف لغتهم القاسية وضرباتهم العنيفة . واذا ما سمع صوت صديق بطلب الاحتماء تردد القوم فى الاستجابه الا ان يكون الطالب
المسؤول السياسى . اذ كثيرا ما يستعمل العدو بالتهديد رحال القرية ليفتح السكان أبواب منازلهم ثم يتهمهم ب لتعاون مع الثوار . " والقوم " انفسهم يستعملون هذه الطرق اليسوا هم الذين اعدموا فى ليلة واحدة بقربة حيدوسان وفرية على بناح اربعة واربعين رجلا استجابوا لندائهم الغادر : الجهاد فى سبيل الله
ولما وصل رجال جيش التحرير الوطني الى وسط بطحاء الجماعة حيث احتد النقاش بعد ان استقبلهم الجميع رجالا ونساء استقبالا اخويا وشملوهم بعطفهم . فهم ينتظرون منذ نشاتهم انبثاق عهد الامل . ولما احاطت النساء بالسيدة "بولارس" ونظرن اليها بعين العطف اضطرت الى ان تاخذ بين يديها الاطفال الدين عرضوا عليها . ولم رأى سى عثمان ذلك شرح لها ما ينتظرنه منها وهو فحص الاطفال الصغار . وقال لها :
- لا تنسى انى جعلت منك طبيبة ولو انك لست بطبية . - نعم انى لست طبيبة فى الواقع . - لا يهم ! يجب الا تخيبى ظنهن . سيقوم بالباقي ممرضنا لكن لماذا لا يذهبن الى طبيب حقيقى والحال انه يوحد واحد في المركز - ولنا اطباء نحن ايضا ياتون الينا بانتظام - لكن . هل تظنين ان جميع الاطفال الذين ترينهم مرض حقا .
لا أ بدا . الا ان الامهات يعتقدن ان للمجاهدين بركة من الله يكفى ان يلمسوا احدا لتزول عنه جميع امراضه . وبفضل هذا الايمان الساذح استطعنا ان نعالج بوسائل بسيطة امراضا اشد خطورة . اما اطباء المركز فان اكثرهم فقدوا ضميرهم الصناعى وكلهم فى خدمة سياسة بعينها . وان المشكل الوحيد الذي يقلقنا هو مسالة النساء الحوامل من جنودكم . اذ انه لا توحد امرأة واحدة تود الابقاء على جنينها وهن كثيرات فى جميع قرانا .
ومن الغد غادرت الفرقة القرية فى الصباح الباكر وتوزع افرادها فى غابات الزيتون المجاورة اذ اتصلوا البارحة بارشادات تفيد ان عمليات تفتيشية واسعة النطاق ستجرى فى " الدواوير " المجاورة ، والافضل مغادرة القرية في حالة ما اذا
انتصبت دورية حراسة حوالى القرية او داخلها وذلك لئلا يستولى القلق على النفوس
ومن فوق سطح منزل مشرف على " الدواوير " الموجودة على الضفة الاخرى من النهر شاهدت " السيدة بولاراس " جميع اطوار معركة مهولة . فمند طلوع الشمس نزلت عدة فرق من الجنود واخذوا يفتشون القرى والحقول . وهم يتنادون في صخب تشجعا . وفجأة انطلقت عيارات نارية ولم يكن يتوقعها احد . فكانت كالانشودة المؤلمة لا مطلع لها انفطرت لها القلوب المباغته . وفى هذه الفوضى الصوتية المثيرة للاعصاب كان يمكنك ان تتبين بوضوح بنادق الصيد وكانها مختنقة فقدت نفسها من شدة التفاوت بينها وبين السلاح المقابل وكانت الطائرات ب26 (وليس هذا الرمز يشير الى نوع من الفيتامينات ) تنقض وتنقض على الشجيرات المغطية لسفح الجبل والتى تنطلق منها عيارات نارية لبعض المسبلين اتوا م ن القرى المجاورة طالبين الامن فى ظلها بينما كانت الدن بات تصب على غابة الزيتون حمولتها القاتلة فى قعقعة مهولة .
وتواصل القتال ساعات بينما كان الآخرون يشهدون ذلك من بعيد وليس لهم من اعانة يقدمونها سوى الفاتحة التى لا تجدى نفعا مع الاسف .
وفى وقت من الاوقات رأت السيدة " بولاراس " امراة حاملة صبيها بين يديها تخرج من تحت الاشحار متوجهة الى قرية اخرى ، فحلقت فوقها طائرة استطلاع بضع دقائق ثم وقع انفجار سقطت على اثره الام وطفلها ولم يقوما بعد ذلك .
وعند ما ارخي الليل سدوله عاد الرجال الذين بعثهم سى شعبان . فاندهش الجميع عند ما سمعوا سمى احمد يقول : استشهد مسبل واحد ومائة واثنا عشر جميعهم مدنبون . ولقد عثر فى هوة على جثه امراة صحبة طفليها الصغيرين وهي تعانقهما بيديها الممزقتين . وقد سعى المسبلون من غير جدوى فى اقناع السكان بالبقاء في قريتهم ولكنكم تعرفون جوابهم فى مثل هذه الحالة : الموت افضل من التعذيب او العار .
فاردف شعبان قائلا : وغدا ستروى الصحافة ان مائة واثنى عشر متمردا جندلوا .
- نقل " الفكر " -

