يندرج هذا البحث ضمن اهتمامى بفن الرحلة وابراز خصائصه من خلال الصحف والمجلات التونسية ، التى شعرت منذ بروزها بقيمة هذا الفن فنشرت كثيرا من الرحلات فى حلقات متتابعة ، ويكفى أن نذكر على سبيل المثال الرحلة الاندلسية لعلى الوردانى وسلوك الابريز فى مسالك باريز لمحمد ابن الخوجة ( 1 ) ثم جولة حول حانات البحر المتوسط للدوعاجي ( 2 ) ومذكرات المنفي لبيرم التونسي ( 3 )
هذا بالنسبة للرحلات المنشورة قبل الاستقلال ، أما بعد الاستقلال فقد اهتمت مجلة " الفكر " بهذا الفن ففتحت ذراعيها لاحتضان هذا النوع من الأدب .
والناظر فى هذه الخواطر أو المشاهدات يلاحظ من حيث الكم أن هذا الفن اخذ فى التناقص إن لم نقل فى الاضمحلال ، فعلى مدى ربع قرن من توالى صدور " الفكر " لم تنشر سوى اثنتى عشرة رحلة أو مقالة أى بمعدل رحلة فى كل سنتين ، ويعود انكماش فن الرحلة الى عدة عوامل منها تعدد وسائل
الاتصال من تلفزة واذاعة وغيرهما ، والى اقبال المثقفين على زيارات البلدان التى يرغبون فى التعرف عليها عن كثب .
وبالرغم من ضآلة هذا الفن بمجلة " الفكر " بالقياس الى فنون أخرى والقصه والشعر مثلا فان هذه الرحلات لها قيمة اجتماعية وأدبية سنحاول ابرازها من خلال هذه الدراسة
لا بد للقارئ فى البداية أن يتساءل عن مدى نسبة هذا الانتاج إلى فن الرحلة الذى لم يعرف عنه فى التراث العربى القديم انه جاء على شكل مقالة أو خاطرة فالأثار التى تنتمى الى هذا الفن هى كتب ذات حجم كبير في أغلب الاحيان ، ومن خصائصها الالمام بكل ما شاهده الرحالة أو سمعه أو قرأه فلماذا تحول هذا الفن الى ضرب من المقالات والخواطر ؟ إن للصحافة تأثيرا فى هذا التحول ، فعلى صفحاتها نشأ فن المقالة وعلى أعمدتها نما وازدهر وتعددت الوانه وأصباغه ، وتطورت المقالة من الخطبة والدرس والمحاضرة إلى فن قائم له أسسه ودعائمه ، وتفرع الى أنواع كثيرة من حيث مواضيعه واهدافه فنجد المقال السياسي والاجتماعى ، وأرقى هذه الانواع المقال الاديي الذى أصبح الشكل الملائم لافراغ أحاسيس الكتاب ومشاعرهم تجاه ما يجد فى مجتمعهم من قضايا تستلزم التأمل والتدبر . ويستدعي المقال الادبي الانتقاء والاختيار والتركيز على ظاهرة معينة يعتبرها الكاتب أساسية من وجهه نظره الخاصة : ذلك أن الكتابة فى جوهرها عملية اختيار لما يشعر به الباث ويلفت انتباههه أكثر من غيره
وقد اتخذ بعض الرحالين المقال الادبى للتعبير عن مشاعرهم تجاه ما شاهدوه فى البلدان التى زاروها لانه الوسيلة الملائمة لتبليغ آرائهم والتعبير عن أحاسيسهم
وبادىء ذى بدء نبوب هذه الرحلات حسب ظهورها فى مجلة " الفكر " كما يلى :
ونحاول ابراز المحاور التالية : 1 ) البلاد أو الأقاليم أ - المظهر الطبيعي ب - المدن ج - التاريخ
2 ) السكان ونشاطهم أ - طباع السكان وأمزجتهم ب - النشاط الاقتصادي والاجتماعي ج - العلوم والثقافة 3 ) المواقف والأسلوب
1 - أ - المظهر الطبيعي :
أول ما يسترعي الانتباه فى هذه المشاهدات " أو " الانطباعات " أو الارتسامات " أو " الأيام " هو محاولة الالمام بالناحية الجغرافية من حيث المناخ والمظهر الطبيعى عموما كالأنهار والغابات والسهول مما يجعل لهذا القطر سمه خاصه تميزه عن غيره ، فالصين بلاد شاسعة جدا يبلغ عدد سكانها ربع سكان المعمورة ( 1 ) وهي معلومة كافية لاعطاء فكرة واضحة عن دولة الصين الشعبية ، الا أنها تحتاج الى الدقة ، فان ذكر نسبة السكان بالنسبة الى سكان العالم فانه لم يبين مدى استيعاب هذه البلاد لهذا العدد المهول من السكان بخلاف مدير " الفكر " الذي قدم للقارئ صورة واضحة عن الهند فقال : " الهند بلاد شاسعة ممتدة الاطراف تقرب أن تكون قارة إذ حجمها يساوي أوربا باستثناء روسيا " ( 5 ) .
وتهتم بعض الرحلات بذكر الانهار والسدود التى أقيمت عليها ، وهذا ما ينتظر من اهل الاختصاص وبالذات من أرباب الهندسة الذين يقدمون لقرائهم مشاريع الري ، وتتحول مشاهداتهم الى الحديث عن السدود والشركات التى قامت بانجازها وتكاليفها المادية ، والآجال التى استغرقها الانجاز ومواعبد اتمامه ( 2 ، 3 ) .
أما المظهر الطبيعي الثالث فيتمثل في ذكر الغابات والسهول وتأثيرها في جمال البلد المزار ، واتخاذها من قبل الثائرين فى بعض البلدان مكمنا لهم فهذا الجبل الاخضر بليبيا عبارة عن " سهول مرتفعة تغشاها الغابات الكثيفة من الفلين والارز والصنوبر والبندق والشامين والسرو ، غابات كثيفة مغلقة ملتفة عالية مظلمة ظليلة وارفة برودة ساحرة فاتنة أخاذة شيقة وبها وهاد عميقة تنحدر اليها من حالق شلالات المياه الفضية الغضوبة أو الطروبة . ( .. ) ومجارح المياه جنه تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ، والخالدون فيها هم المجاهدون التابعون لجيش عمر المختار الذين استشهدوا في مغاور وادى الخوف هذا ومنعرجاته وشلالاته وهضابه وأوديته وكتبوا بدمائهم الزكية صك استقلال القطر الليبى الشقيق " ( 9 ) .
وهي مناظر مغرية وخاصة على طول الساحل من درنة إلى الشحات فيشاهد عين مارة المنحدرة من أعالي الجبل الاخضر ثم تنتهي رويدا الى البحر " في فوهة
تختلط عندها مياهه الفضية بمياه البحر الزرقاء فى خصومة عنيفة بين تيار النهر المتدافع وهجوم الامواج المدافع " ( 9 ) .
أما الهند فالمعروف عنها " انها بلاد كبيرة غنية أرضها سطحا وحوفا سخبة سماؤها فريدة حجارتها " ( 5 )
وتبدو بودابست لزائرها عروسا ترتدى اللون الاخضر المتربع على الاغصان والهضاب والمجر لا بحر لها والدانوب بحر لا ملح له وسمكه عذب ، والعجب أن سورته تنقلب الى صوت موسيقى طالما استمعت اليه فحين يميل نحو ساند أندرى ثم يتدافع الى بلدة فيشيراد ليلتوى بين رباها المكللة بقصور العهد الوسيط ، وينعرج بين هضابها ومراعيها لا بد أن تتذكر موسيقى شتراوس " ( 12 ) ويشبه خريف بودابست خريف تونس فالحر فى سبتمبر شديد وثقيل حتى الاصيل ( 12 )
1 - ب - المدن :
ثم نجد أنفسنا بعد ذلك من خلال هذه الرحلات فى مدن عجيبة ، وان كانت تتكون من جدران وحيطان ، فالطين واحد ولكن الايدى تختلف من قطر الى آخر تبعا لاختلاف النظرة الى الوجود والحياة ، ولكل يد نفحة شافية
وهنا لا مناص من التفريق بين مدينة الشرق ومدينة الغرب .
ففي المدن الاولى يتعايش نمطان من المعمار فى نفور وازورار وتناقض في كثير من الاحيان ، فكل المدن الشرقية تنقسم حتما الى حي أوربى وحي أهلي أو حي جديد وحي قديم ، وهما عالمان عجيبان كل له خصائصه وتأثيره فى ساكنية ، ففي دلهى القديمة يلاحظ السائح أجساما نحيلة وعضلات فاترة رخوة وحركات بطيئة . ( ... ) فاذا انتقل من دلهي القديمة الى دلهى الجديدة يخيل اليه أنه خرج من القرون الوسطى الى القرن العشرين الى شوارع نظيفة جميلة وديار ضخمة فخمة وسيارات أمريكية من الطراز الاول وأناس تبدو عليها معالم الثروة واليسسار ( 5 )
ويلجأ عثمان الكعاك أحد المؤرخين التونسيين الكبار الى الوصف الدقيق لمدينة طرابلس الغرب مع الاهتمام بالتاريخ فيربط ماضى المدينة بحاضرها فى أسلوب ادبى رائع : اذ يصف فى البداية مدينة طرابلس من بعيد ، وهي
ككل المدن الشرقية تحتوى على حي عربي أصيل وحي عصري بديع . ومن مميزات الحى العربى أنه يكون على شكل مستطيل يحيط به سور جميل بعض أجزائه من عهد الاغالبة والفاطميين ومعظمه من عهد الموحدين
ثم يدخل بك الكاتب الى هذه المدينة من ميدان الشهداء الذى كان يسمى على عهد الموحدين رحبة الغنم ، وسمى على عهد الاحتلال الايطالى الغاشم ساحة رومة . ويبين لقارئه أنماط المعمار الذى لحق هذه المدينة عبر التاريخ فمسجد طرابلس " هي أنموذج المعمار المشتمل فى الآن الواحد على النمط الاندلسي والنمط التركى ، أى أن المآذن تركية والزليج ( هكذا ) أندلسي وجملة المعمار فى الشكل والتكييف هو تركى بديع " ( 9 ) .
ولكل مدينة اسلامية عربية يلاحظ السائح حول الجوامع الاسواق الموحدية القديمة والاسواق التركية الجميلة والاسواق العصرية المبدعة ، وهكذا تجتمع فى المعلم الاثرى الواحد أطوار التاريخ التى مر بها التاريخ الليبي
أما الحي العصرى فهو شارع الشط ويختلف عن الحي العربي بكثرة رياضه وأزهاره وأقواس النصر وفوارات المياه ، والتماثيل البديعة والمقاهي والعمارات الفخمة والفنادق التى لا نظير لها ففيها قاعات صحراوية وعربية وشرقية ومغربية " ( 9 ) .
ويصادف المتجول فى البلدان الشرقية أفخر القصور وأروع المعابد ( 1 ) مما جعل هذه البلدان تكون ادارات هامة للآثار ( 2 ) وهو ما لا نجد له ذكرا فى البلدان الغربية .
وتتراءى من خلال هذه الرحلات النهضة العمرانية قائمة على قدم وساق في البلدان الشرقية ، فقد شيدت القرى النموذجية فى مصر فى نطاق مشروع مديرية التحرير الهادف الى غزو الصحراء ، وفي هذه القرى " مساكن للفلاحين ومدرسة وحمامات وسوق تجارية ومسجد ومبنى للادارة ومبان زراعية مشتركة زيادة على الساحات الرياضية " ( 3 ) .
وفي الهند " أقيمت مئات القرى النموذجية فى تلك المناطق ، فى كل قرية منها مدرسة ومستشفى وقاعة اجتماع وأجنة للاطفال وجميع مرافق الحياة العصرية من ماء وكهرباء وغيرهما . " ( 5 ) .
أما السائح فى المدن الغربية فلا يلاحظ كبير فرق بين مدينة وأخرى ، فكل المدن تتشابه من حيث معمارها ومسالكها ، ومن تجول فى الولايات المتحدة الامريكية لا شك انه اهتم بالمدن الثلاث سان فرنسيسكو وواشنطن ونيويورك ، فالاولى لجمالها الاخاذ اذ هي في موقع كثرت فيه الهضاب وحيثما كنت داخلها أبصرت المحيط الهادى ، ودورها زاهية الالوان فخمة غالبا ومنظر المدينة عندما يراه الرائى من أعلى " فندق هوبكنز " جميل الى حد العظمة خاصة فى الليل .
وتبدو واشنطن رائعة جدا فهى أجمل مدينة توجد فى العالم فلا وجود فيها للأكواخ والاحياء الفقيرة ، ولا يوجد فيها مصنع واحد ، وشوارعها واسعة نظيفة ، وتكثر الخضرة فى ساحاتها وشوارعها ، ومشاهدة نيويورك من أعلى ناطحة سحاب سواء فى الليل أو فى النهار يضفى على الانسان فرحا يصل الى حد النشوة ، فليس ثمة منظر أجمل منه ، فقد كان يقال رؤية نابلي ثم الموت ، وينطبق هذا القول على نيويورك وخاصة على " منهاتان " التى لا بد من رؤيتها قبل انتهاء العمر ( 6 ) .
وتبدو نيويورك فى الليل مجرات سابحة فى الفضاء لدى حسن عباس يقول متحدثا عن هذه المدينة من خلال كوة فى الطائرة : " واذا بنا نشرف معا على عالم من نور نجوم من فوق ونجوم من تحت ومجرة من أعلى ومثلها أضعاف مضعفة من أسفل ، أنها شعشعانية تمتد مدى البحر تتقاطع طورا وطورا تتوازى تم تلتوى وتستقيم وتضيق وتتسع وأخذت تقترب الاضواء ويشتد لمعانها " ( 8 ) .
وتتجلى مدينة بودابست ذات أبهة هندسية ثقيلة ومزخرفة خشنة ومزركشة : المدارج العريضة الاعمدة السميكة الردهات الشاسعة الاروقة المتفرعة والمتداخلة الغرف الطويلة ، الرخام الابيض والاحمر والاخضر والمرمر المترف والانصاب والنحووت والتماثيل والسقوف المنقوشة والمزينة المرتفعة ذاك جلال عهد الباروك " ( 12 ) .
1 - ج - التاريخ :
وقد اهتمت هذه الرحلات بالتاريخ القديم لهذه البلدان باعتباره مؤثرا فى الحاضر وموجها الى المستقبل ، ويتضح ذلك فى البلدان الشرقية " فالصين
أجزاءها جرد لها الزمان مرة أخرى فيالق الحديد والشر النازية فعضت بالنواجذ على الصلد من الكرامة والجوهر من الحرية وعلى نبل الوحدة والتكاتف والتآلف بين أقوامها " ( 11 ) .
وينقلب التاريخ فى بودابست الى بطل يشاهده السائح في الساحات الكبرى والصغرى وفى الشوارع والانهج ، وهذه التماثيل لثوار المجر شاهدة على مرور التاريخ من هذا البلد فمن القبائل الوثنية الى الحاق بالمجر بالنمسا فانقسام صفوف أهلها فى الحرب العالمية الثانية واحتلال المانيا لها الى أن فتحها جيوش السوفيات وهكذا فى أسطر قليلة يلم الكاتب بتاريخ المجر لاعتقاده أن الحديث عن المسرح والادب والسنما مرتبط شديد الارتباط بنظامها السياسى الذى أقرته فى آخر المطاف ( 12 ) .
لا شك أن للمظهر الطبيعى عموما والتاريخ خصوصا تأثيرا فى توجيه السكان نحو مسلك معين فى الحياة وبالتالى فى النشاط الاقتصادى والاجتماعى والثقافى .

