قلت فى حديث لى مع صديقى الشاعر العراقى الموهوب الأستاذ على الحلي : إن فى الحجاز موطن البيان ومنزل الوحى ومهد النبوة شعراء مبدعين مازالوا يترنمون بالحان الجمال . وما زالت قياثرهم الحنون تعطر ارجاء الجزيرة باغاريدها العذبة وان كنت أوكان غيرك من الادباء العراقيين ينكر عليهم الابداع والعبقرية فليس الذنب ذنبهم انما هو ذنبكم انتم الذين لم تطلعوا على النهضة الادبية هناك ، ولم نوا كبوا سير الادب الحديث . . وكان يكفيكم اشباع تهمكم لو رجعتم الى مجلدات "المنهل" التى يصدرها صديقنا العلامة المفضال . الاستاذ عبد القدوس الانصارى فهى المجلة الادبية الراقية التى تحمل الى قرائها فى كل شهر طاقات عبقة من ازاهير الادب الحجازى المعاصر . . نثرا وشعرا . . خاصة . فى سنواتها الأخيرة . . وان دل هذا على شئ فانما يدل على اننا نعيش فى عزلة دائمة لا نبحث ولا نفتش بل نرمى غيرنا بالجمود والانطواء مع العلم بأننا لو تتبعنا تاريخ النهضة الادبية المعاصرة فى اقطار العروبة البعيدة لوجدنا ينابيع لا تنضب من العلم والادب والشعر . . ويكفى للدلالة على وجود نهضة ادبية راقية فى الحجاز هذه الطائفة المبدعة من شعراء الشباب ومن بعضهم الاستاذ حسن عبد الله القرشى صاحب ديوان " مواكب الذكريات " الذي اقدمه اليوم الى القراء .
سبق لصاحب المواكب ان اصدر قبل هذا الديوان مجموعة من شعره الرقيق دعاها " بالبسمات الملونة " ولا استطيع ان اقارن بينها وبين مجموعته الاخيرة لاننى لم اطلع عليها ويا حبذا لو تفضل الشاعر فأرسلها لى كما ارسل لى عن طريق اخينا الاستاذ الانصارى "موا كبه " لذا فسأترك المقارنة الى فرصة اخرى مكتفيا الآن بتقديم شعره الاخير
يقع الديوان فى "١٧١" صفحة من القطع المتوسط . وقد طبع طبعا انيقا فى مطبعة الرسالة . . وقدم له الكاتب الكبير الأستاذ احمد حسن الزيات صاحب مجلة " الرسالة " الغراء بكلمة ماتعة بليغة هى:
" . . فى ( مواكب الذكريات ) نفحات من الحجاز ، ولمحات من قريش ، ونغمات من ابن ابي ربيعة ! وإن فى اولئك كلها الدليل على أن مشارق النور لا تزال تهدى ، ومنازل الوحي لا تزال تلهم . . "
وجاء الشاعر المصرى الاستاذ أحمد رامي بأبيات رقيقة منها :
هو شعر كأنه قطع الرو ض تحلى بأبدع الزهرات
وهو سحر كأنه نغم الطير تناغى بأنضر السرحات
خاطر سائحولفظ سري ومعان تفيض باللمحات
صور صاغها لنا " قرشي" جمع الشعر من قديم وآت
نحن اذا نظرنا الديوان والعين التى نظر بها الاستاذ الزيات والشاعر رامي لا نشك فى انهما اصلا الحقيقة فى حكمهما على الشاعر وشعره . . فهو فى كل ما نظمه شاعر غزل تعبق من ابياته اطياب الهوى والصبابة وتنبعث من أوتاره ألحان الجمال وتراتيل الشباب ويكاد يكون مقتصرا على هذا اللون من الشعر لو لم يحشر فيه بعض القصائد التى قالها فى بعض المناسبات اوقل اوحتها له المناسبات . . وايا من الذين يحبذون ان تكون مجميع الشاعر الشعرية مبوبة . . كل مجموعة تحوى لونا من الشعر . . لا أن يخلط الشاعر فى مجموعته ألوانا مختلفة فتضيع آنذاك على الناقد مقاييسه وأوزانه اذ إن الشعر كفن من الفنون الجميلة يجب ان لا يكون كساحة الملوك فيها الجوهر والصدف والماس والحجارة . . بل يجب ان يكون كمرآة الغانية شفافة مجلوة فى كل حين . . ولا بأس أن يصدر مجاميع متعددة يضم بين دفتى كل مجموعة لونا من الشعر الذى قاله . . خاصة وان الشاعر لا يستطيع ان يكون صادق العاطفة . . فى كل ما يصدر عنه . . اذ هناك مناسبات ترغمه على النظم فيجئ شعره آنذاك متكلفا . . لا عاطفة فيه ولاجمال . . فلماذا اذن هذا الخلط بين شعر المديح والرثاء وبين شعر الحب والطبيعة . .
قلت فى كلمة عارضة إن اغلب شعر المواكب هو شعر الحب والجمال . ومن طرائف شعر القرشي فى الحب هذه " النجوى " التى يرسلها الشاعر مناجيا فيها حبيبته :
ايقظينى فقد جهات مكاني واغمرى خاطرى بعطر الاماني
نضري بالجمال عمرى وبالأشـ راف فجرى وبالحنين كياني
واسكبي فى مسامع النفس نجوى عذبه السحر ثرة بالمعانى
انا فى ضجة الحياة غريب خافت الجرس فى صحارى الزمان
مستطار الخيال مرتعش الطرف صريع الهموم دامي الجنان
اسمعت هذه الانغام الشجية التى تعج بها قيثارة الشاعر اللهيف ؟ . . ماذا يريد من حبيبته ؟ لاشك انه يحن الى عهود الحب الجميلة ، العهود التى ذهبت مع الزمن وطواها الحدثان .
قصة الغابر ارتوت من جنى الـ كأس فلانهرقى بقايا الدنان
تاغمى بالوصال فاتر إحسا سي فقد تهت من لظى الحرمان
وذريني اريق فى مسمع الرو ض اغاريد حاضر فينان
اسكرى بالطيوب روحى واشفي بمحياك غلة الظمآن
ودعي الفن حاليا فى مغانيك وضئ الرؤى سري المجاني
حلمي الضر في يديك فزفيه الى الكون زاهر الخفقان
إلى ان يقول :
أنت لو تعلمين فيض سعاد اتي ودنيا من الجنى والاغاني
فى يديك الزمام إن شئت دوما وطيوف الرضا اليك داوئي
والربيع الذى ارتقيت خطاه عاد دفئا وفرحة للأمانى
بهذه السلاسة والرقة يسترسل الشاعر بانغامه الحلوة العذبة التى تذكرنا كما قال الزيات بالحان ابن ابى ربيعة . ولكن فى اطار جديد . . ولكن هذا الشاعر المحب الذى يلقى من حبيبه كل ألم وصد نسمعه مرة أخرى يصرخ في قصيدته ( نجوي لهيف ) :
يا حبيبي تمثلت فيك أحلا مي فضرجتها بين وحبس
كم غرست الهوى نديا وديعا فجنيت الاسى حصادا لقرسي
ونقلبت نضو جمر وهجر أتهادى بين الخلائق بؤسي
يا حبيبى هلا استثرت حيني وانلت المحب أزهار أني
أنت ينبوع فرحتى غاض نبعى فتعال ارونى بوصل وهمس
ذبلت بعدك الاماني وأودت تحت صحراء من شجونى ويأسى
وانطوت فرحتى وحطم قيثا رى وضاع الصداح فى ليل تعسي
إن يوما يزهو شروقك فيه لهو عرس لخافقى اي عرس
ولا يقتصر شاعرنا الرقيق على هذه النغمات الشجية وهذه الألحان الكئيبة التى تعبر عن حزن دفين وألم مكبوت وهي الصفة البارزة والغالبة على أكثرية شعراء الشباب فى البلاد . وهى صفة مؤلمة تملأ القلب هما . لأن الجنوح الى اليأس صفة من صفات العاجز الوكل وانا أعيذ الشباب العربى من صفات التشاؤم القتال . بل يتعداها الى نغمة أخرى ان لم تكن تشبهها فهي قريبة منها وهي الاستسلام الى الواقع ولعل أبياته " فى الظلام " تمثل هذه الحالة خير تمثيل
هومت اسبح فى الظلام لعلنى أجد الظلام مواسيا لجراحي
فاذا الظلام يكاد يخنق خاطرى واحس منه كمبضع الجراح
وتكاثفت اشباحه حتى غدت جيشا يصارع همتى وطماحي
فطفقت ابحث جاهدا ومنقبا كيما أنير بغرفتي مصباحى
ووجدت بعد الاين مصباحي الذى قد كان لي كالكوكب الوضاح
ملقى يكسر الدار ثم محطما فعلمت انى قد فقدت صباحى
والآن وبعد ان حللنا فكرة اليأس الملازمة عند الشاعر وعند اغلبية شعراء العرب بماذا نعللها على ضوء علم النفس الحديث ؟ . نتمكن من ان نستخلص من النظريات النفسية نظرية واحدة وهى اصابة الانسان فى دور المراهقة بصدمة عنيفة تجعله ينظر الحياة بمنظار اسود قاتم وتبقي هذه الحالة ملازمة له مهما كان الانسان حتى نهاية حياته ولو زالت منه بعد سنوات . .
فمثلا ان الطفل الذي يولد فى اسرة ثرية ويصاب عاهلها بالافلاس ويكون الطفل . فى سن قريب من دور المراهقة يحس بالفقر ومرارة العوز ويتمى الموت ولكنه إذا اجتاز هذا الدور وغمره النعيم تظل هذه الحالة ملازمة له وتظهر عليه فى تصرفاته وأعماله ، ولا تفارقه ابدا مهما حصل من مال ومهما تقلب فى النعم ولاشك ان حالة من حالات الألم واليأس انتابت شاعرنا فى ذلك الدور وظلت ملازمة له ولكنها ظهرت جلية فى شعره الوجداني الصرف . . وان تكن هذه الحالة من مستلزمات العبقرية والنبوغ إلا اننى أود لشاعرنا التفاؤل وان يهتف بالأمل ويحبب للشباب الحياة . . فالحياة السعيدة الموشاة بالأمل نعمة مابعدها من نعم
وان لونا آخر من ألوان الشعر اعجبنى فى ديوان الأستاذ القرشى هو وصفه للطبيعة . ومن قرأ قصائده " الى النيل الخالد " و " انشودة القمر " و " الربيع " و " خطرة فى الربيع " يدرك تمام الادراك صلة شاعرنا بالطبيعة واعجابه بالكون وخير مثال لذلك قوله من " انشودة القمر"
سماؤك باهرة بالدرر وكونك مبتهج مزدهر
وأنت تغنى نشيد السماء وتسخر من نغمات البشر
تحدثهم عن نعم الحياة ويسعون نحو سناك الاغر
فنضحك من صبوات المحب ومن نزوات الحبيب الاشر
وكل يرى فيك نعم السميـ ر ونعم النديم اذا ما ظهر
وكل يبادلك الأمنيات ويرعى لديك ألوف الفكر
ولا يسعى هنا وانا اختم هذه الكلمة إلا ان اهنئ الشاعر يدعو انه شاكرا له هديته أولا ومثنيا على عروبته وحبه للوطن الأكبر . راجيا له ذيوع الشهرة وبعد الصيت وان يظل دائما وأبدا يهتف بمثل قوله . .
يا أخى اليأس قد سئمتك دهرى فاتخذ من سواي عنى بديلا
انا لا أرتضيك خلا فلم لا ترتضى فى الحياة غيرى خليلا
وبورك بالفكر الخلاق والقلب الطماح والعبقرية المبدعة . والى اللقاء مع الأستاذ احمد محمد جمال فى " طلائعه " والأستاذ احمد السباعى فى " فكرة " و " فلسفة الجن " . .
(بغداد)

