الدكتور طه حسين سيمد لك يده ، ويضغط بها على يدك بقوة . فهو يصافح كل من يزوره بحرارة وشدة ، ويتلقاه بكلمات تنطوى على الاخلاق الرفيعة العالية وعندما تجلس بجانبه ، وتسمع حديثه الطلى عن الادب ، او عن الفن ، او عن الحياة ... تجد محدثك يرسل كلماته بكل بساطة وتواضع ، والابتسامة لا تفارق وجهه المتغضن الذى مرت عليه اصابع الشيخوخة ، وتتمنى لو تبقى هكذا ، تنصت للدكتور وهو يتلو عليك آراءه وافكاره باتزان وبلهجة عربية فصيحة ،لا يمكن لك ان تسمعها من غيره فى الشرق العربى ... انه عندما يتكلم العربية ، لا يبدل حروفها باخرى - كما يفعل المصريون - بل ينطقها مثلنا في تونس ...
واليوم الذى اتيحت لى فيه زيارة الدكتور ...كان يوما متلفعا بالصقيع ... كان يوما يذكرني بايام تونس الباردة ، حتى ان اول حديثى معه كان عن البرد في تونس وفى مصر ... ثم انتقلنا فجأة الى عالم الفن ، ذلك العالم الذى تتمثل فى اعماقه العبقرية الخلاقة ، والنبوغ الانساني ...! والفن عند الدكتور طه حسين "هو محاولة تمثيل الطبيعة والحياة ، والاعراب عن ذات النفس بالكلام او بالموسيقى او بالغناء ! على شرط ان تعتمد هذه المحاولة على الجهد والاناة والعناية المتصلة ، وان يفرغ الانسان فيها كل قلبه وذوقه وعاطفته ويعتبر الادب من ارقي ضروب الفن لانه وسيلة رفيعة للتعبير على نزعات الانسان ... وهو يحمل بشدة على الناس في مصر وفي كل البلاد العربية لانهم قد اصبحوا يخلطون بين الفن الاصيل وغيره ... فالمصور الفوتوغرافى ، والرسام ، والنحات ، والصحفى ، والشاعر ، كل هؤلاء فنانون ، سواء أتقنوا عملهم او لم يتقنوه لا فرق عندهم بين من قضى شهورا يجهد نفسه ليصور احدى مظاهر الطبيعة ، او قام بعمل فنى سريع ... فالسرعة هي التي قتلت الفن ، ومن العجب عندما نرى مجلة تحمل اسم " الفن " وفى صفحاتها عبث ليس من الفن فى شيء. فهم يخلطون بين كل هذه المعانى . والذي يتخرج من كلية الفنون الجميلة سيضيع بين كل هؤلاء ، ونحن لا نريده ان يضيع . وهذا
التخليط ليس جديدا ، بل كان فى العصور الماضية ، فكل كلام منظوم سماه الناس شعرا فاختلطت قيم الشعر بكل ما ينظم وما ينثر نتيجة لهذا التخليط "
والدكتور طه حسين من المتفائلين بمستقبل الادب العربى ... فعندما سألته عنه ، ابتسم ، ومر بكفه على جبهته ، وفكر قليلا ثم قال : انه مستقبل زاهر كأشد ما يكون الازدهار ، بل كما كان فى العهد الاول للاسلام ، وسيتطور ادبنا ليرتفع مستواه بعدما تنجلى عنه غمرة التخليط والابتذال ، وبعدما يصبح الناس يفرقون بين شعر يبذل فيه الانسان عقله وقلبه ونفسه ، وبين كل كلام منظوم ... بين كتابة يخطها صاحبها فيسميها الناس ادبا ، وكتابة رفيعة تعتبر صورة حية للتعبير الجميل ... بذلك يجهد الفنان نفسه ليصل الى قمة المجد لان الشعب لا يسرف فى تقديره الا بمقدار عمله الفنى.
واردت ان احول الحديث معه عن المستوى الذي وصل اليه ادبنا الحديث . وما هي وجوه الضعف والانحلال التى يشكو منها العميد ؟ فاستاذنا الدكتور
كثيرا ما كتب عن الشعر الجديد ، وابدى عدم رضاه ، حتى انه اعلن من كتاباته أنه اصبح من انصار القديم ، فلماذا هرب من الحديث ... من ادب اليوم ... الى الادب القديم البعيد ؟ ولكن عندما سألته سمعت آراء لم اتوقع سماعها منه ... فهو يقول : " ان مستوى الادب الحديث اخذ يرتقى ويرتفع ، والفضل يرجع لانتشار التعليم فى كل مكان ، وازدياد الطلاب العرب . فهم الآن يعدون بالملايين لا كما كانوا قديما قلة .
وهذا يتيح للاديب ان يجد قراء فيطمئن على ادبه ، ويعمل على الابداع . فلقد كان الادب العربي القديم يعتمد على تشجيع الملوك والامراء ، لكننا اليوم نجد تلك القداسة قد زالت ، وقامت الشعوب مقام الملوك والامراء ، واصبح الاديب لابد له ان يفكر فى قرائه قبل ان يكتب لهم ، وان يغربل كل افكاره التى سينشرها على الجمهور . ولهذا نرى ادب اليوم لا يتحدث الا عن كفاح الشعب ، وعن آماله ، وعن حريته ، وعن آلام المواطنين ، وعن كل المشاكل التى تتصل باكبر عدد من الناس ، بدلا من ان ينفق كل وقته فى اشياء لا علاقة لها بالشعب ، كما كان المتنبى عندما يمدح سف الدولة او كافور . . .
وعندما اتم الدكتور هذه الكلمات ، استوقفته ، واستوضحته : هل هو من مؤيدى دعوة " الفن للحياة " ؟ لانه كتب فى هذا الموضوع مرارا وكان يريد من الاديب ان يكتب الى الخاصة ، فقال لى : انتى لا أؤيد دعوة الالتزام ، لانه متى وجدت حياة شعبية ، ونضال ، وكفاح ، لابد من الالتزام ، واننا اذا التفتنا لتاريخنا البعيد نجد ادباء العصر الاموى مثلا كانوا ملتزمين فى كل ما يكتبون ويخطبون ، فشعراء الخوارج ، والشيعة ...كانوا يدافعون بشدة عن آرائهم السياسية ، من دون ان ينصرفوا بشعرهم عن كل هذا الى اللهو والمديح ، فالالتزام يكون بشرط ان لا تمحو الحياة الجماعة ، بل تقويها ، وما الاديب الا جزء من هؤلاء .
واما ازمة الادب الحديث التى سببت فيه تصدعا وضعفا ، فمن دواعيها عدم الاستقرار الناشيء عن الفقر والجهل وفساد النظام ، والشؤون السياسية التى صرفت الناس عن الادب والفكر والفن ، ونحن نعيش فى فترة انتقال ستقضى بنا الى الاستقرار المنتج ، وبذلك ينضج أدبنا ويصبح راقيا مزدهرا . ولنأخذ مثالا من الادب الفرنسي قبل الثورة الفرنسية ، ايام الاستقرار . فقد كان ادبا رفيعا خالدا يلتف حوله الشعب ، ويعمل له بتشجيع رواده ، وكان الادباء يعملون بجد فى حقل الفن ، ولكن الثورة عطلت العبقرية ، وقطعت وتر النبوغ ، وقتلت كثيرا من الادباء الكبار امثال الشاعر " اندرى شينى " وكان نابليون فى عهده يضطهد " مادام ديستال" وغيرها من الادباء المتحررين لانهم خطر على الظلم والطغيان . وكذلك الحال فى تونس عندكم ، فان الادب لم ينشط ، ولم يعمل الادباء ، بل استمر الشعب يسر فى طريق التحرر من العبودية ، لا يلتفت لغير حياته اليومية ، تلك الحياة الحائرة التي لا تعرف الاستقرار ، ولكنني اتمنى ان ارى فى بلادكم ادبا جديدا حيا
بعد كفاحكم المظفر المرير . والدكتور لا يعرف عن ادب تونس الا قليلا جدا لضعف الصلة التى بيننا ، وهو يتوجه الى حكومتنا بالشكر على دعوتها له بالزيارة ، وتقول : انني ساربط صلتى بكم ، وساجعلها قوية ، حتى نسترجع ما فقدناه عندما كنتم محتلين من طرف الاجنبي ، وكم كنت اود لو ساعدتني الظروف على تنفيذ زيارتي فى الموعد الذى كان فى اوائل سبتمبر ، لاحضر افتتاح معهد الدراسات العليا ، ولالقي المحاضرات التى وعدت بها وزير المعارف التونسية فى باريس ، ولقد كنت ابرقت الى زعيمكم ورئيس حكومتكم الاستاذ الحبيب بورقيبة اعتذر له عن التأخر الذى سببته ظروفنا السياسية في مصر وحتى ظروفكم انتم ، وهو يتمنى ان تتحسن الظروف ليزور تونس فى اقرب وقت ممكن ، لانه فى شوق شديد اليها ...
ومن هنا تطرقنا الى الحديث عن السياسة ... فقلت للدكتور : ما رأيك في السياسة اذا دخلت الادب .. ؟ فرفع يده ثم قال - وكأنه يقرر حقيقة - : ان السياسة اذا دخلت الادب افسدته ، واما الادب إذا إدارة دخل السياسة اصلحها ، ويجب على الاديب ان يحتفظ بشخصيته ، وان لا يستمد ادبه من سلطان الحكومة ووحيها ، لانه بذلك يبيع قلمه وضميره ... وهنا تذكرت مشكلة لم استفت فيها عميد الادب العربي ... وهي مشكلة " تعريب التعليم " فقال باختصار : لابد للعربية ان تكون اللغة الرسمية والاولى للتعليم ، ولا يمكن ان ندخل اللغات الاجنبية الا في درجة الباكالوريا ثم تستمر معنا الى نهاية مراحل التعليم العالي ، والخير كل الخير ان تدرس العلوم بالعربية بشرط اتقان اللغة ، ولكن تنقصنا المصطلحات العلمية التى يجب علينا ان نعمل على خلقها ، الشيء الذى اضطر كليات الطب والهندسة بمصر ان تدرس علومها باللغات الاجنبية . ولكن لست ادرى كيف انتقلنا الى الحديث عن الفلسفة ، مع ان الدكتور طه حسين كثيرا ما يقول لى : اننى لست فيلسوفا ، ولا متفلسفا ، فانا اكره الفلسفة ... ولكنني ادخلته فى الحديث عن الوجودية ... فقال : ان الشرقيين لا يعرفون الوجودية ... وهى عندهم معناها الاباحية .... فبعضهم ذهب الى باريس وزار بعض الملاهى الخليعة فظنها وجودية ، والفلسفات الوجودية متعددة ، يجب ان نضيفها الى اصحابها فنقول فلسفة هيدجر (Heidegger ) وفلسفة سارتر( Sartre ) لان كل واحدة من هذه الفلسفات قد اقيمت على اسس خاصة ، والذي يعرفون الوجودية فى الشرق قليلون جدا ، امثال الدكتور عبد الرحمان بدوى الذى شغل بها كثيرا فكانت رسالته التى تحصل بها على الدكتوراه تبحث فى " الزمان الوجودى"
ويلية الاستاذ انيس منصور الذى تتلمذ عليه ، ثم تحدث عن سارتر فقال : ان وجودية سارتر لم تقبل في السربون كفلسفة ، وعندما التقيت فى باريس باحد اساتذة جامعة السربون وهو الاستاذ "لالند" سألته عن سبب وجودية سارتر فاجاب : ( انها ليست فلسفة ) وهيدجر نفسه عندما سئل عن سارتر اصر على ان سارتر لا يعرف شيئا عن الوجودية ... ووقف الدكتور هنا عن الحديث فى الوجودية وقال : تريدني ان اكون فيلسوفا وانا بعيد عن الفلسفة ... فسالته عن احسن كتاب انتجه فى حياته ... فقال : " الله اعلم ..." لكنني لم اقتنع بهذا ، فسفسطنى بكلمته الجميلة " اننى كلما فرغت من عمل انكرته .) والمعروف ان الدكتور طه حسين فى خصومة دائمة مع العقاد ، فوجدت دافعا ملحا لاعرف رايه فى ادب العقاد ... فانبثقت على وجهه ابتسامة لست ادرى السر الذي يختفى وراءها ، وتخلص من الجواب الصريح بقوله : " الاحياء لا يتكلمون فى الاحياء ..."
قبل ان اودع الدكتور طه حسن طلبت منه ان يوجه كلمة الى الادباء الناشئين ، علها توحى لهم بالشجاعة والدأب ، ومواصلة السير في الطريق مهما كان شائكا صعبا ... فقال : " اننى لا اطلب الى الاديب الناشيء الا ما طلبته الى نفسى ، وهو ان اتقن عملى وان اخلص له ، وان اقرأ القديم والجديد ، واطالع الآداب الاجنبية على اختلاف انواعها والوانها ... وافتح ابواب عقلي لكل الافكار ! "
وهنا رن الجرس ... فاذا بهم جماعة من اصدقاء عميد الادب العربى ، جاؤوا لزيارته ... فوقفت مسلما ، ومودعا ، على امل اللقاء مرة اخرى . . .

