الاستاذ محمد مزالى أديب مفكر ، ووطني من الطراز الاول ، مؤمن بعروبته ، غيور على اسلامه يناهض الاستعمار ، كاشفا أطماعه ، مدافعا عن انبل الغايات بأشرف الوسائل . ويرى فى التربية علاجا ناجعا لجيل الغد . يقف إلى جانب الحرية والديمقراطية ، وحقوق المواطن وواجباته ، كما يقف الى جانب الشرعية والعدالة والقانون .
هذا هو محمد مزالي كما عرفته من خلال كتابه القيم ) دراسات(، الذى صدر فى تونس عام 1974 ، ويقع في ثمان وستين وثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط . يحوى الكتاب موضوعات متنوعة فى الفكر والادب والتاريخ والسياسة والتربية . أهم ما يميز الكاتب هو تحليله المستفيض ، ناظرا للفكرة من شتى الزوايا والابعاد ، عارضا الرأى والرأى الآخر ، ليستخلص فى النهاية الرأى الذى يراه صحيحا ، والمبدأ الذى تصلح به الامور وتستقيم .
وبرغم تنوع الموضوعات ، الا أنها تلونت بلون الكاتب ، وثقافته ومبادئه فيكاد يربط الموضوعات بعضها ببعض رباط وحدة الفكرة ، ولا غرابة في هذا ، فان أفكار الكاتب وخصائص اسلوبه تتركز فى نقاط محددة ، تترابط فيما بينها ، لترسم فى النهاية معالم شخصية وفكر الكاتب الاستاذ محمد مزالي .
وتتلخص النقاط الاساسية لكتاب ، دراسات) ، فيما يلى : 1 - الغاية والوسيلة : فالغاية لابد وأن تكون مقرونة بالوسائل الشريفة لبلوغها .
2 - التربية والاخلاق : قيمتان من القيم التى تبنى جيل الغد ، على أسس قويمة .
3 - الاستعمار : مهما قيل تبريرا له ، فانه يعمل لصالحه ، مستغلا الدول الواقعة تحت سيطرته . 4 - شرعية الحكم : واجبة الاحترام منعا للفوضى والمؤامرات .
5 - دول العالم الثالث : ما زالت متخلفة حضاريا . 6 - ايمان الكاتب بالحرية والديمقراطية . 7 - اهتمام الكاتب بوطنه تونس . 8 - اهتمام الكاتب بقضايا الشباب والمرأة . هذه عناصر كتاب ) دراسات ( الاساسية ، أو هي جل أفكار الكاتب المستنير الاستاذ محمد مزالى .
) حقيقة يجب معرفتها ( ، عنوان محاضرة ألقاها عام 1949 . وهي دراسة جادة ألمت بظروف احتلال فرنسا لتونس ، نستخلص منها حقائق جلية عن الاطماع الاستعمارية فى البلاد العربية ، بدأت تلك الاطماع منذ مطلع القرن التاسع عشر ، وفي أعقاب انهيار الامبراطورية العثمانية أو ضعفها . ولو استقرأنا فصول التاريخ البعيد والقريب ، لاحظنا أن الاستعمار لبس أثوابا متعددة ، لكنه فى سلوكه العام يهدف أول ما يهدف الى استغلال قوانا ، وتسخير امكانياتنا وخيراتنا لصالحه ، وتبديد طاقاتنا لاضافة طاقة الى طاقاته . والدول الاستعمارية تحرص على تبادل المصالح فيما بينها ، بحيث تسوى الخلافات بين هذه الدول ، على حساب اقتسام اراضى الغير ، او استغلالها ، او استلابها ، او نهبها ، او كل هذا معا !
وكتب عن ( الغاية والوسائل ) دراسة مستفيضة ، مقتفيا اثر مقولة مكيافيلى " الغاية تبرر الوسيلة " . هل الغاية الشريفة تستوجب وسائل شريفة ، أم أن شرف الغاية ونبلها ، مبررا لاغفال الوسائل غير الشريفة ؟ وقد استهل بحثه بأن متطلبات العصر تلزم الفكر باختيار أحد موقفين : اما أن يتحمل مسؤوليته ويقتحم الاخطار ويتصدى للصعب ، للتعرف على مشاكله
وايجاد حلول لها . واما ينصرف عن اداء وظيفته وينعم بالراحة ، مؤثرا دنيا الخيال ، متساميا عن دنيا الناس وهمومهم . والانسان لم يقصد غاية واحدة ولم يلجأ لوسيلة واحدة لبلوغ غايته . . " فلكل حكيم مثل أعلى فى الحياة يسعى الى الدنو منه وما هو ببالغه " و " كل فريق يعتبر غايته ( الغاية ) فى حد ذاتها ، وينظر الى سلوكه على انه الاوفق والافضل ، والغايات الاخرى - عنده - جهل مبين وزيغ وتضليل ، فكل يدعى وصلا بليلي ، وقيمة كل فرد مقياس لقيم غيره من الناس " .
واستقرأ الكاتب فكر كل من الدوس هكسلي وتوفيق الحكيم . الاول ينتقد الوسيلة القبيحة للوصول الى غاية جميلة . فالقبح والجمال ضدان ، ولا ينجم عن الشر الا الشر . ويستنكر هكسلي أن يستعمل " الانسان كمطية ويعتبر كموضوع ويعامل كواسطة " . ويرى أن التربية هى الحل ، فالتربية تنجب الانسان الكامل ، وتؤدى الى المدينة الفاضلة .
كذلك يرى توفيق الحكيم أن الغاية النبيلة والوسيلة غير النبيلة ضدان لا يلتقيان . فالطريق الى الشرف هو الشرف نفسه . يقول الحكيم : " لا يبقى أمام الجميع غير طريق واضح نظيف . . . إذا أوصلنا الى الخير فهو الهدف . . وان لم يوصلنا إلى اصلاح سريع ، فحسب العالم أنه سار فى طريق خال من الشر والقذر . "
ويؤسس الاستاذ محمد مزالي حكمه بعد استعراض آراء المفكرين الكبيرين ، بأن هناك حساسية مرهفة فى ميدان الاخلاق تؤدى بصاحبها الى التخلى والقعود فيضحى بالالتزام والواجب ، وهما قيمة اخلاقية . والتنصل عن اداء الواجب نتيجة هذه الحساسية ، يجعل الغير يتمادى فى عمله غير الاخلاقي . وهو رأي له وجاهته وأهميته ، فالمقصود الا نقعد فى مكاننا سلبيين من أجل البحث عن وسائل نبيلة ، وهي دعوة الى طرح السلبية والاقتراب من الواقع . . وبرغم سوء الواقع وشروره ، مطلوب منا المساهمة فى تحسين الواقع قدر جهدنا ، فالحياة حياتنا نحياها سواء قمنا بدورنا أم تركنا الغير يؤدى دوره . واذا كانت القيم ستبعدنا عن ساحلة الواقع ، فسيخلو الميدان " للواقعيين " ، ينفذون سياستهم بما تحمله من آثام وشرور .
وينتقد ما ذهب اليه الدوس هكسلي من أن التربية هي الحل . فليس سهلا أو ميسورا دائما تكوين جيل على نمط معين ، وتغرس فيه البذور الجديدة
من أجل الغاية المنشودة . واذا ما صممنا على بلوغ غايتنا أيا كانت السبل لذلك ، فان مبدأ اللجوء للتربية قد تقوض من أساسه . واذا ما تراجعنا لما نجابه من عراقيل ، فمعنى ذلك عجزنا عن بلوغ الغرض . ولما كانت التربية وثيقة الصلة بالاخلاق والدين ، فانها تلقى صعوبة لانه لم تتفق البشرية حول مبادئ الاخلاق والدين . . والرأى للاستاذ محمد مزالي ، وان كنت لا اتفق معه فى هذا التحليل ، فمهما كانت خلافاتنا حول مبادئ الاخلاق والدين ، فان الانسان بفطرته يدرك الوسائل الشريفة وغير الشريفة . . فالسرقة والجريمة والتجويع والتعذيب والسطو والكذب والنفاق وما الى ذلك من مسميات كلها وسائل غير شريفة ، يتفق فى هذا بنو البشر بمختلف مذاهبهم وعقائدهم . ولماذا ربطنا بين التربية وما بين الشعوب من اقتتال وصراعات حول مفاهيم الاخلاق والاديان ؟ . وما القول اذا كان الدين - أيا كان - قد يستخدم وسيلة لتحقيق مأرب سياسي ، أو مطمع دنيوى ؟ باسم الحرية تسفك الدماء ويعذب الابرياء ، وباسم الحقوق المشروعة نلجأ إلى الوسائل غير المشروعة . لماذا لا نقول : إنها اطماع بني الانسان وأهواؤه ونزعته الشريرة التى تدفعه الى القتل والدمار ، والى ابتداع المقولة المكيافيللية " الغاية تبرر الوسيلة ؟ " . لماذا ننحي التربية القويمة للانسان بحجة اختلاف بني البشر فيما بينهم حول الاخلاق والدين ؟ .
وللتربية آثارها السلبية ، شأن كل موضوع نتطرق اليه ، ذلك أن رجال التربية قد يضعون مناهج لا تتفق والخط العام للسلوك البشرى القويم ، مثل بث الاحقاد والكراهية ضد جنس أو دين أو لون أو قومية ، ورضع الاطفال بلبن الثأر . لكننا لا نستطيع الغاء التربية . ربما ليست الحل الامثل والكامل ، لكنها ستقودنا الى الافضل . فالتربية وسيلة لتنمية القيمة والمبدأ فى النفس البشرية ، لا سيما إذا اعتنينا بها منذ نعومة الاظافر ، حتى سن الشباب ، واعتبرناها صنوا للتعليم . واذا كانت للتربية جوانبها المضيئة ، الى جانب ، آثارها السلبية فى اختلاف النوازع والرغبات فلا شك أن المحصلة ستكون ايجابية فى خطها العام .
وولج الكاتب باب الادب ، يبحث في نواحي الابداع عن جواب لسؤاله ، فالادب تعبير عن الحياة ، فلجأ اليه كناحية تطبيقية ، واختار لهذا ثلاثة نماذج . . واختياره لها يدخل مزاجه الخاص غير عادل . ولكنه قصد أن ينحو بالدراسة نحوا آخر ، يناقش من خلالها المقولة " هل الغاية تبرر الوسيلة ؟ " ثم ناقش نظرية كارل ماركس ، وما إذا كانت امتدادا لنظرية مكيافيللى ,
ويخلص منها الى أن "المستقبل لن يكون وليد المصادفة والبخت كما ذهب الى ذلك مكيافيللى بل هو مقيد تقييدا كاملا وهو مقبل على نحو معين موافق لطبيعة الاشياء . هو - حسب ماركس - لطبقة جديدة اخذت تعي نفسها شيئا فشيئا وتفرض وجودها بصورة مطردة ، هى طبقة الشغالين التى لا تحدد بزمان ولا بمكان ، ولا تقصر على مدينة أو بلاد ولا تحصر فى دين ولا لغة ، هى الطبقة التى يسميها ( ماركس) : الشغيلة أو البروليتاريا " ص 74،72 .
واختتم دراسته بتحليل نظرية كارل ماركس ، ولم يقل رأيه فى النظرية حيث انه نشر بحثه فى مجلة ) الندوة ( عامي 1954 و 1955 ، ولم يكتمل لتوقف المجلة عن الصدور .
وفى موضوع ) المواطن والدولة( ، فند النظرية الماركسية ، وما تزعمه من ان ( الدولة أولا ) وليس (المواطن). . وباسم الطبقة الشغيلة او البروليتاريا ، طبقت السياسة الماركسية ، والتى تغيرت وتلونت حسب ( التصور ) الذى يتغير مفهومه من عهد لآخر .
وفي مقال ( مسؤولية الكاتب) ، يطرح عدة تساؤلات حول التزام الكاتب وحريته . وانتهى الى أن الكاتب ملتزم بالكتابة عن قضايا مجتمعه ، دون أن يجوز على حريته فى الابداع الفنى ، وهى عبارة مصالحة بين الالتزام والحرية فالكاتب حر كفنان مبدع ، وملتزم كصاحب رأى فى الفضايا المثارة . واعتقد انه اذا قلنا : إن الكاتب صاحب رسالة ورجل مبادئ ، فالبدء أن تكون هناك فكرة ، يسلس قلمه فى التعبير عنها . وللكاتب حرية اختيار الموضوع الذي بحبذ الكتابة فيه ، وللكاتب حرية ابداء وجهة نظره . . وفي هذا ، لا معنى لكلمة ( الكاتب الملتزم) . فالتعبير يوحى بأنه يلتزم بخط معين مفروض من الخارج ، واذا أصررنا على التعبير ، لصححنا وضعة ، بأنه الالتزام بأفكاره ، النابعة من داخله . فالكاتب يدلى بدلوه من خلال وجهة نظر يراها صائبة ، فيجلوها ، ويعمل على تأصيلها وتعميقها . فلكل كاتب رسالة يلتزم بها ، هذه الرسالة تعبر عن شخصيته وفكره ومعتقده . ومن نافلة القول ، التأكيد على تأثر الكاتب بالتيارات السائدة وظروف مجتمعه وما شابه ذلك . وما لم تكن للكاتب رسالة ، وقع فى المحظور ، وصار ما يكتبه أقرب إلى رص الكلمات ، فارغة من المعنى والجوهر . فالكاتب حر في التعبير عن آرائه وأفكاره ، لكنه يتبدى لنا من خلال مؤلفاته صاحب رسالة . . أما الفن الابداعى ، فالحرية الكاملة شرط لهذا الابداع .
ويطرح الاستاذ محمد مزالى عدة أسئلة منها : هل اختلاف الآراء ضروري ؟ وما سببه ؟ . والمشكلة فى رأيي ليست فى اختلاف الآراء ، فلا يمكن أن تتشابه آراء الكتاب ، أو أن يكون لهم رأي واحد فى موضوع ما . واختلاف الآراء دليل صحة ، فالاختلاف يؤدى الى الجدل والحوار ، وفي هذا تمحيص للفكرة ، وتأصيلها ، وتعميقها .
وبحكم منصبه بوزارة التربية ، واجتماعه بمديرى المدارس . . ألقى كلمة عن ( التربية أولا) . قال فيها :
" اننا اعتنينا خاصة بالمستوى العلمي والفنى والبيداغوجى وهو شىء جميل في حد ذاته ولكننا لم نعتن العناية الكافية بالروحانيات وفى هذا خطر وأي خطر ، فلا يغرننا وجود أعلام تونسية ترفرف ولا يغرننا ما نشاهد من مقومات سياسية مجسمة فى الدولة والبرلمان والجيش والديبلوماسية ، فهذا كله ضرورى وقد كسبنا منه الكثير بفضل جهادنا وتضحيات الشهداء ونضال المناضلين لكن القضية أعمق من ذلك اذ هي قضية حضارة قبل كل شئ ونظرتنا إلى تاريخنا ينبغى ان نتجاوز فيها تاريخنا القريب الى تاريخنا البعيد لنتبين كيف أن التبعية والاستعمار انما يسلطان علينا من الداخل قبل أن يتسلطا علينا من الخارج " ص 119 .
والكلمة وان خص بها تونس ، لكنها تنطبق على حال المنطقة العربية كلها . شغلتنا قضايا التحرر والاستقلال ، ثم تبعثرت قوانا فى حل منازعات وخلافات ، ونشبت حروب ، وحدثت مقاطعات سياسية ، وما زالت قضية فلسطين هم العرب الاول . . كل هذا يؤثر على كوننا نساير العالم فى تحضره ، أم نقف محك سر ، أم نتخلف عنه . وبدلا من أن نتكامل فيما بيننا ، وندعم قوانا ونستفيد بامكانياتنا المتاحة ، تتبدد القوى وتضيع الفرص وتستنزف الثروات . وداخل الدولة العربية الواحدة ، قد تفتتها منازعات وخلافات بين اتجاهات سياسية أو طائفية أو اقليمية . واذا ما نعمنا بالاستقرار ، لم نأخذ باسباب الحضارة ، فالعالم يتقدم بسرعة صاروخية رهيبة ، وأصبح عالم الحاسبات والميكروحاسبات والالكترونيات .. بينما نحن فى الاغلب الاعم بلاد مستهلكة ، وان انتجنا فمجالات الانتاج محدودة وقد لا تغطى الاحتياجات المحلية باستثناء يؤكد القاعدة ٠٠
والاستاذ محمد مزالى فى كلمته المستنيرة ، أحس بحاجتنا الى الاخذ بسبل الحضارة وننظر فى بيتنا الداخلى وننظر مدى ما تحقق لنا من استقلال
حقيقي . والحضارة ان اقتصرت على المادة فحسب ، قضى عليها بالفشل والانهيار ، انما لا بد من الجناح الثاني وهو الروحانيات ، كي نحلق فى سماء التقدم ، ولتتميز حضارتنا بطابع الشرق .
ويمتعنا حديثه عن المرأة مستعرضا صور كفاحها . ان دور المرأة لا يقل أهمية عن دور الرجل . وارتداء الحجاب او رفعه ليس بصميم القضية ، فهي من الامور التى ألهانا بها المستعمرون . وديننا لم ينتقص من حقوق المرأة شيئا . ثم أكد على أهمية تعليم الفتاة التونسية مع مراعاة استعدادات المرأة الطبيعية وصقل مواهبها الفطرية وترك ما يتعارض مع أنوثتها ، مع الحفاظ على روح الاسلام ومبادئه ، والالتزام بأهداب الفضيلة والاحتشام ، وتزويدها بقسط وافر من الآداب والعلوم ومبادئ التربية وعلم النفس ونظام البيت وفنون الطهى والخياطة والفنون الجميلة كالموسيقى والرسم .
وحديثه عن ) تعليم الفتاة التونسية ( هو المحاضرة التى ألقاها وهو طالب عام 1949 . ولعل بعض التفاصيل والافكار تغيرت الآن ، واقتحمت الفتاة التونسية المجالات المختلفة شأنها شأن اختها فى كل قطر عربي . وبالنسبة للحجاب ، فلعل الاستاذ مزالى يلحظ أن المرأة بعدما خلعته واعتبرت ذلك نوعا من التطور والتحضر ، عادت في أيامنا هذه الى ارتدائه كنوع من الاحتشام والتمسك بأهداب ديننا الحنيف ، وخاصة فى مصر ، مع التزامها بالعلم والثقافة ومسايرة الرجل فيما يتقلد من وظائف وما يقوم به من أعمال .
وعن حقوق المواطن وواجباته ، يستفيض فى المقارنة بين الديكتاتورية والديمقراطية . تنشأ الحقوق والواجبات فى النظام الديمقراطى ، الذي يعنى حكم الشعب نفسه بنفسه . وفي ظل الديمقراطية ، الجميع متساوون ، والحرية حق مقدس للجميع ، مقابل التزام الجميع بالقيام بواجباتهم . ويعرف الاستاذ محمد مزالى المواطن الصالح بأنه " من مارس حقوقه حقا حقا وقام بواجباته كلها على أحسن وجه وأكمله " ص 166 .
وقد حدد الكاتب مفهوم ) الامة ( بأنها تعنى )الدولة ) . فدولة ( سويسرا( تعنى ) الامة السويسرية ( ، ودولة ( لبنان ) تعنى ( الامة اللبنانية) . . وكان ينبغى ان يضيف المعنى الاوسع للامة ، فالامة قد تعنى الدولة الواحدة ، وقد تعنى عدة دول . . فمفهوم ) الامة ( قد يتعدى حدود الدولة . قد ينضوى
تحت لواء ) الامة ( مجموعة دول ، مثل الامة العربية ، وتعني الدول العربية فى كل من قارتى آسيا وافريقيا . هناك شعب لبنانى وشعب مصرى وشعب تونسي وهكذا ، وكل شعب ينضوى تحت لواء دولته ، ويربط بين هذه الشعوب الاحساس بالقومية العربية ، والانتماء للعروبة . . فروابط العروبة كاللغة والدين والاحساس بالآمال والآلام والتاريخ المشترك ، تجمع الشعوب العربية أمة واحدة .
وما نشهده على الساحة العربية من تفكك وتأزم ، من خلافات ومقاطعات ، ليس الا صنيع الانظمة الحاكمة ، فهي صراعات بين دول عربية ، أو قل بين حكام عرب ، ولا دخل للشعوب العربية فى هذا . فالانتماء العربى مبثوت فى وجدان الجماهير العربية ، وروابط الاخوة ووشائج جسور تضامن وتآخي بين أبناء العرب . أليس فى كل هذا ما يؤكد المعنى الاشمل والاع لمفهوم ( الامة ) ، فلا نقصر معناها على حدود ( الدولة ) فحسب ؟ . الدولة محددة دوليا بحدود جغرافية ، لها دستورها وحكومتها ، وسلطاتها التشريعية والتنفيذية وما الى ذلك ، بينما الامة تتعدى هذه الحدود ، وتكون الصق بنبض الشعوب .
والعلاقة بين الدولة والمواطن ، شغلت أذهان المفكرين والفلاسفة على مر القرون . . وأهم النظريات ثلاث : الاولى تدعو الى تقديس الدولة . فالدولة اولا وآخرا ، كما تدعو النظرية الماركسية ، لكنها فى سبيل ذلك أخلت بحقوق الافراد . . فتقديس الدولة يؤدى الى الاستبداد ، وهضم حقوق الافراد . والنظرية الثانية تنادى بتقديس الفرد ، كما تدعو الوجودية ، فأدت الى الفوضى والاخلال بالاستقرار والنظام . أما النظرية الثالثة ، فتحاول التوفيق بين احترام الدولة وبين حرية الفرد ، وهي ما تسمى بالديمقراطية ، التى تقر المساواة وتعطى لكل فرد صوتا . لكنها قد تؤدى الى سيطرة عديمي الكفاءة . . " فالنظريات التى تؤكد على وجوب احترام الدولة والقانون والمؤسسات تصيب ناحية مهمة جدا وهى توفير أسباب الامن والطمأنينة لكل فرد وهو أمر يتوق اليه ويطالب به كل مواطن وكل انسان مهما عظم شأنه أو صغر ، والنظريات الفوضوية مصيبة فى ناحية من نواحيها عندما تؤكد على وجوب احترام الفرد وتقديس الفرد وصيانته من جبروت الجماعة ، والديمقراطية تستنبط طريقا طريفا للتوفيق بين الفرد وحريته من جهة والدولة ونظامها من جهة أخرى ورأينا فى آخر الامر أن
القضية هي قبل كل شئ قضية فضيلة واخلاق وتربية ومستوى عقلي " ص 237،236 .
انتقد الاستاذ محمد مزالي النظام الرأسمالى ، الذى يجعل مقدرات الامور فى أيدى الاغنياء ، حتى وسائل الاعلام والتلفزة ، والصحافة ، كلها تخضع لسيطرة رؤوس الاموال . والوسائل السمعية والبصرية تفرض نفوذها حتى على الطفل ، مما يجور على ما يسمى حرية الشخص ، لان هذه الوسائل تؤثر في تنشئته وتكوينه منذ الصغر ، وهذه المجتمعات تتحرك على أساس الديمقراطية الاقتصادية - على حد تعبير الكاتب - وأحل لنفسه فرض النظام بثورات وانتفاضات دامية . وسرعان ما اختلفت الدول الشيوعية فيما بينها ، وكل يدعي لنفسه أنه يطبق النظرية الماركسية التطبيق السليم .
ويخلص الكاتب الى أن كلا النظامين ليس فيهما مصلحة ننشدها ، انما كل يفرض نفوذه لمصلحته الخاصة ، فالمصلحة هى الغاية . ويخطط المعسكران الشرقى والغربى لمصالحهما ، ومغانمهما ، وما الشعارات أو النظريات سوى وسيلة لتحقيق ما يبغيان ، وهذا بيت القصيد . وليت القيادات العربية تعي هذا جيدا . . فالاستعمار لم يترك بلادنا الا بالقوة وعندما اصبح بقاؤه يشكل عبءا اقتصاديا .
وفي الفصل الاخير ، تحدث عن الاديب والسياسى التونسى على البلهوان مستعرضا نضاله من أجل حرية وطنه الحبيب ، ونشاطه الادبى . وكيف أن دراسته فى السوربون لم تصرفه عن قراءة أمهات الكتب العربية ، فألف دراسة عن ( ثورة الفكر أو مشكلة المعرفة عند الغزالي ) .
آمل أن نقرأ للاستاذ محمد مزالي مؤلفات اخرى فى ميادين الفكر والادب والتاريخ ، داعين الله ألا تكون مشاغل المنصب حائلا دون مواصلته للكتابة .

