الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

مغالطات علمية

Share

(ما كلفنا بهذا ، اتبعوا ما تبين لكم في الكتاب ، ومالا فدعوه) . .                                      عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قرأت في العدد السادس من مجلة اليمامة الغراء مقالات تحت عنوان : ( القرآن والعلوم ) بقلم الاستاذ عبد المنعم النمر حاول فيه أن يضمن بعض آيات القرآن الكريم ما ليست منه فى شئ من دقائق علم الفلك وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم الطب الزائدة على الواضح الجلى من هذه العلوم الذي تحت متناول الجمهور ، وادعي الاستاذ أن المتوغلين في دقائق هذه الأشياء التى لم يخض فيها سلفنا الصالح هم مراد الله تعالى بالعلماء في آية : ( انما يخشى الله من عباده العلماء )

وفى هذا الصنيع من تفسير الآيات مالا يخفى على أى ذى بصيرة وفي ذلك من الوعيد ما ثبتت به الأحاديث فلذلك اردنا نقد هذا القول الذى ليس عليه اثارة من علم بما يبين للاستاذ أن متتبع النظر فى دقائق هذه الأشياء ليس هو من أهل العلم المقصود .

وهذا أوان الشروع في الموضوع فأقول : قال الشاطبي في " الموافقات " بعدما ذكر المحتاج اليه فى التفسير من العلوم ، وقد مثل لذلك

بعلم اللغة والقراءات والنسخ قال : ( قد يدعى فيما ليس بوسيلة انه وسيلة الى فهم القرآن وانه مطلوب كطلب ماهو وسيلة بالحقيقة فان علم العربية وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم الأسباب وعلم المكى والمدني وعلم القراءات وعلم أصول الفقه معلوم عند الجميع أنها معينة على فهم القرآن وأما غير ذلك فقد يعده بعض الناس

وسيلة ولا يكون كذلك كما تقدم فى حكاية الرازي في جعل علم الهيئة وسيلة الى فهم قوله تعالى : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ) قال الشاطبي : ( وزعم ابن رشد الحكيم فى كتابه الذي سماه ( فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال )

أن علوم الفلسفة مطلوبة اذ لا يفهم المقصود من الشريعة الا بها ) قال الشاطبي في رد هذا الزعم : ( ولو قال قائل ان الامر بالضد مما قال لما بعد في المعارضة ) ثم قال : ( وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح فى تلك العلوم هل كانوا آخذين بها ؟ أم كانوا تاركين لها وغافلين عنها مع

القطع بتحققهم لفهم القرآن يشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك والجم الغفير فلينظر امرؤ أين يضع قدمه ، وثم أنواع اخر يعرفها من زاول هذه الامور ولا ينبؤك مثل خبير) .

يقول كاتب هذه السطور : ان ابن رشد لما ابدى هذه النظرية التى أشار اليها الشاطبي ناله من علماء الاندلس في ذلك العصر ما قصة علينا الامام أبو حيان فى ( البحر المحيط ( في تفسير الآية : ( كأنما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما )

حيث قال : ( ولما ظهر من قاضى الجماعة أبي الوليد محمد بن القاسم أحمد بن ابي الوليد بن رشد الاعتناء بمقالات الفلاسفة والتعظيم لهم أغرى به علماء الاسلام بالاندلس ، المنصور منصور الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن على ملك المغرب والاندلس حتى أوقع به ماهو مشهور من ضربه ولعنه واهانته واهانة جماعة منهم على رءوس الاشهاد ) قال ابو حيان : ( وكان مما خوطب به المنصور في حقهم قول بعض العلماء الشعراء :

خليفتنا جزاك الله خيرا

    عن الاسلام والسعي الكريم

فحق جهاده جاهدت فيه

     الى ان فزت بالفتح العظيم

وصيرت الأنام بحسن هدى

        على نهج الصراط المستقيم

فجاهد في اناس قد اضلوا

         طريق الشرع بالعلم القديم

وحرق كتبهم شرقا وغربا

         ففيها كامنا ، شر العلوم

يدب الى العقائد من أذاها

     سموم والعقائد كالجسوم

وفي امثالها اذ لا دواء .. .

       يكون السيف ترياق السموم

وقال :

يا وحشة الاسلام من فرقة

    شاغلة انفسها . . بالسفه

قد نبذت دين الهدى خلفها

     وادعت الحكمة والفلسفه

وقال :

قد ظهرت فى عصرنا فرقة

    ظهورها شؤم على العصر

لا تقتدى في الدين الا بما

    سن ابن سينا او ابو نصر

ثم ذكر أبو حيان استغرابه لما شاهده في مصر من ترويج كتب الفلسفة قال : ولما حللت بديار مصر ورأيت كثيرا من أهلها يشتغلون بجهالات الفلاسفة ظاهرا من غير أن ينكر ذلك أحد تعجبت من ذلك اذا كنا نشأنا فى جزيرة الاندلس على التبرؤ من ذلك والانكار له وانه اذا بيع كتاب في المنطق انما يباع خفية وانه لايتجاسر أحدان ينطق بلفظ المنطق

انما يسمونه المفعل حتى ان صاحبنا وزير الملك ابن الاحمر ابا عبد الله محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن حكيم كتب الينا كتابا من الاندلس يسال ان اشترى أو استنسخ كتابا لبعض شيوخنا فى ( المنطق ) فلم يتجاسر وهو وزير أن ينطق بالمنطق فسماه فى كتابه لى بالمفعل) . يقول الكاتب لهذه السطور : ولهذا الذي نقلناه عن أبي حين بلغت

الاندلس الغاية في منع التنجيم وعلوم الفلسفة حتى وصلت الى ما ذكره المقري في ( نفح الطيب) : ( أنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم اطلقت عليه العامة اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه فكلما زل فى شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان او يقتله السلطان ) . قال المقرى : ( وكثيرا ما يأمر ملوكهم احراق كتب هذا الشأن إذا وجدت) .

وقال أبو حيان فى تفسير قوله تعالى : ( كانما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ) من كتابه ( البحر المحيط) : ( قد غلب فى هذا الزمن وقبله بقليل الاشتغال بجهالات الفلاسفة على اكثر الناس ويسمونه الحكمة ويستجهلون من عرا عنها

ويعتقدون انهم الكملة من الناس ويعكفون على دراستها . ولا تكاد ترى أحدا منهم يحفظ قرآنا ولا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال أبو حيان : ( ولقد غضضت مرة من ابن سينا ونسبته الى الجهل فقال لى بعضهم واظهر التعجب من كون أحد يغض من ابن سينا : كيف يكون اعلم الناس بالله ينسب الى الجهل ؟) .

وقال الحافظ المؤرخ على بن قاسم ابن حنش الصنعانى لما سأله جحاف عن مباحث الحكماء فيما يفيده ( نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر ) قال له خذ عني فائدة . قال جحاف : قلت ما هى قال أنا وانت من أهل الاسلام ؟ قلت نعم قال : ونحن نعرف الملل من يهودية ونصرانية ومجوسية وصابئة ؟ قلت

نعم . قال كل هؤلاء قد قص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم اخبارهم وشرح احوالهم وقص علينا هفواتهم وسقطاتهم وقص علينا حال أهل الجاهلية من المشركين اهل مكة وغيرهم قلت : نعم ! قال : فهل ترى لهؤلاء الحكماء أثرا في الكتاب العزيز ؟ قلت لا أدرى ! قال : لكن أدرى ،

وأسألك أمرا . . قلت ما هو ؟ قال هات هذا الكتاب فألقيته اليه فقرأ مباحث فى الروح والفرق بينه وبين النفس ثم انتقل الى محل آخر فقرأ فى مباحث منها مسألة خالق ومتكلم وخوضهم في تعلق الحادث بالقديم ووصفهم للحق سبحانه بأنه خالق مجازا ومتكلم مجازا أو أنه خلق الكلام في الشجرة بقوله : " اننى انا الله لا اله الا انا فاعبدني "

وانتقل عن ذلك الى العقول العشرة وما تكلموا به من الهيولى والصورة وما خاضوا به من الافلاك وسيرها وسير الكواكب وان المحرك لها الفلك الاطلس واختلافهم في أن السماوات هى الافلاك أو غيرها فقال بعد هذا اسأل الله التوفيق والوقوف عندما أوقفنا عليه فهو أولى بنا واحرى .

هؤلاء قوم كفرة أضلهم الله على علم وأضل بهم كثيرا من حكماء الجواهر والاعراض وقد قال تعالى في الاشارة اليهم في سورة الكهف : ( واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه افتتخذونه وذريته اولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ما اشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق انفسهم وما كنت متخذ

المضلين عضدا ) قال : ( والمراد بالمضلين هم المتكلمون فى خلق السماوات والأرض وخلق النفس وهؤلاء هم الجهلة الاشقياء ) قال : حجاف بعدما نقل هذه المحاورة : ( ما أجود هذا الكلام وأمتنه ولعمرى لقد ابتدع القوم بدعا أدخلوها فى معارف أهل الاسلام فضلوا وأضلوا وبلا شك هذه بدعة بأجماع أهل الاسلام وفي أنفس المؤمنين منها ريبة ) ٠٠

وأقول : ان هذا الذي ذكره على ابن قاسم من الاستدلال بالآية المذكورة على هؤلاء المتوغلين لم ينفرد به بل سبقه اليه الثعلبي من أئمة التفسير حيث قال : " قال بعض أهل العلم : ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ) رد على المنجمين حيث قالوا ان الافلاك تحدث فى الارض وبعضها فى بعض . . " وقوله : ( لا خلق المعصرات ماء ثجاجا " وقال : " وتجعلون أن هذه الطببائع هى الفاعلة فى النفوس ) وتلاه والد ابن عطية فقد

ذكر عنه ولده انه قال سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ الهروى بالمهدية يقول سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول ويتأول هذا التأويل وانها واردة على هذه الطوائف ) قال : ( وذكر هذا بعض الاصوليين ) ثم وجه ابن عطية كلام والده بأن الآية تتضمن الرد على هذه الطوائف وان كان المقصود الاول بها ابليس وذريته وقد استحسن هذا القرطبي في ( الجامع لاحكام القرآن ) حيث قال : ( تتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع

والمتحكمين من الاطباء وسواهم من كل من ينخرط في هذه الأشياء) .

وقال الشاطبي في ( الموافقات ) بعدما بين علوم العرب قبل الشريعة وذكر أن الشريعة لما جاءت أبطلت منها ما هو باطل وبينت منافع النافع منها ومضار الضار قال الشاطبي : ( فمن علومها علم النجوم وما يختص به من الاهتداء فى البر والبحر واختلاف الازمان باختلاف سيرها وتصرف منازل سير النيرين وما يتعلق بهذا المعنى وهو معنى

مقرر في أثناء القرآن ومواضع كثيرة كقوله تعالى " وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر " وقوله : " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " وقوله : " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " وقوله : " ولقد زينا السماء

الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين " وقوله : " يسئلونك عن الأهلة " الآية وقال : " ومنها علوم الأنواء وأوقات نزول الامطار وانشاء السحاب وهبوب الرياح المثيرة لها فبين الشرع حقها من باطلها " فقال : " هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده وقال : " افرأيتم الماء الذي تشربون ءآنتم انزلتموه من المزن ام نحن المنزلون " وقال : " وانزلنا من المعصرات ماء ثجاجا " وقال : وتجعلون رزقكم انكم تكذبون " .

أخرج الترمذى قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " وتجعلون

رزقكم انكم تكذبون قال شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا " وفى الحديث : " اصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي الحديث فى الانواء " وأطال الشاطبى فى الموضوع بما يستفاد منه أن ما أثبتته الشريعة من هذا العلم هو الجلى الذى يستوى فى معرفته الجمهور وأما دقائقه فمفاد كلام الشاطبى انها مما أبطله الشرع وقد أوضح ذلك العلامة

صديق حسن خان فى " الروضة الندية " شرح " الدرر البهية " وبين أن المراد بكل ما خوطبنا به من هذه الأشياء المراد منه الواضح الذى تحت متناولنا جميعا وبين أن النظر فيما سوى ذلك يؤدى الى مضايق عن الشريعة بمعزل وقال : " ان هذا ( أى الاشتغال بعلم النجوم على سبيل الدقة والغموض ) علم نهى عنه

الشارع وحذر عن اتيان صاحبه حتى جعل ذلك كفرا فكيف يجعل طريقا الى أمر من أمور الشريعة ومهم من مهماتها فمن ظن ان شيئا من علم الشريعة محتاج الى علم النجوم المصطلح عليه فهو اما جاهل لا يدرى بالشريعة او مغالط قد مالت نفسه الى ما نهى عنه الشارع وأراد ان يدفع القالة فاعتل بأنه لم يتعلق بمعرفة

ذلك الا لكونه قد تعلقت به معرفة أوقات الصلوات وكثيرا من نسمعه من المستغلين بذلك يدلى بهذه الحجة الباطلة فيصدقه من لم يتثبت في علم الشريعة المطهرة ) قال : ( ومن اعظم المروجات لهذه البلية ما وقع من جماعة من المستغلين بعلم الفقه من تعداد النجوم وتقدير المنازل والاستكثار

من ذلك بما لا طائل تحته الاتأنيس المنجمين فانا لله وانا اليه راجعون ) ثم قال : ( وحاصل الكلام أن هذه تكاليف موجهة كلف الله بها عباده وعين أوقاتها تعيينا يعرفه العالم والجاهل والقروى والبدوى والحر والعبد والذكر والانثى على حد سواء اشترك فيه هؤلاء ولا يحتاج معه الى شئ آخر .

امع الصبح للنجوم تجل ؟

   أم مع الشمس للظلام بقاء ؟

ثم قال : ( قال صاحب سبل السلام : ( التوقيت في الايام والشهور والسنوات بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الامة فلا يمكن عالما من علماء الدين ان يدعى ان ذلك كان فى عصره صلى الله عليه وسلم أو عصر خلفائه الراشدين وانما هو بدعة لعلها ظهرت فى عصر المأمون حين خرج كتب الفلاسفة وعربها ومنها المنطق والنجوم فانه علم اولئك الذين قال الله فيهم " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم "

فأقل أحوال المصريين على حساب المنازل القمرية انهم مبتدعون وكل بدعة ضلالة ) قال ولقد عظمت هذه البدعة فى الحرمين الشريفين فانهم فى مكة المكرمة لا يعتمدون الا على ذلك ولهم فيه أنواع مؤلفات مثل الربع المجيب ونحوه يدرسونه ويقرأونه ويعتمدونه وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم علم لا ينفع وجهل لا يضر وهو من علم أهل الكتاب فان اعيادهم ونحوها تدور على حساب سير الشمس ولعله دخل على المسلمين من علم

اليونان وأهل الكتاب ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ان انزل الله عليه " اليوم اكملت لكم دينكم " وكان اهل بيته وأصحابه رضى الله عنهم لا يعرفون منازل الزيادة والنقصان ولا ما جعله المتأخرون هو الميزان ولا شيئا من هذه الامور التى صار ذلك التكليف المؤقت عليها يدور

انتهى كلام صديق حسن خان وهو كلام جيد حاول الشيخ محمد منير في تعليقه عليه دفعه مع اقراره فى ذلك التعليق بأن هذا العلم لم يكن فى عصره صلى الله عليه وسلم ولافي عصر الخلفاء الراشدين ولم يستدل الشيخ محمد منير على هذه الدعوى الا بدعوى ان الامة ترقت بهذا العلم .

وقال الحافظ ابن كثير فى بيان أصل هذا العلم وما ترتب على التوغل فيه قال في تاريخه ( البداية والنهاية ) " قد تكلموا على مقادير اجرام هذه الكواكب وسيرها وحركتها وتوسعوا في هذه الأشياء حتى تعدوا الى علم الاحكام وما ترتب على ذلك من الحوادث الارضية ومما لا علم لكثير منهم به وقد كان اليونانيون الذين

يسكنون الشام قبل زمن المسيح عليه السلام بدهور لهم فى هذا كلام يطول بسطه وهم الذين بنوا مدينة دمشق وجعلوا لها ابوابا سبعة وجعلوا على رأس كل باب هيكلا على صفة الكواكب السبعة يعبدون كل واحد في هيكله ويدعونه بدعاء يؤثره عنهم غير واحد من أهل التواريخ وغيرهم وذكره صاحب السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم وغيره من علماء الحرانيين فلاسفة

حران في قديم الزمان وقد كانوا مشركين يعبدون الكواكب السبعة وهم طائفة من الصابئين ولهذا قال تعالى : " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر " الآية وقال اخبارا عن الهدهد انه قال لسليمان مخبرا عن بلقيس وجنودها ملكة سبأ

فى اليمن ( اني وجدت امرأة تملكهم واوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ) الآية وقال تعالى : ( الم تر ان الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم ) الآية وقال تعالى ( او لم يروا الى ما خلق الله من شئ ) الآية . وسرد ابن كثير الآيات التى جاء

فيها ذكر هذه الكواكب ثم ذكر أن ذلك هو الحكمة فى استدلال ابراهيم بأفول الشمس والقمر على عدم الوهيتهما حيث بين ان هذه الاجرام المشاهدة فى السموات والأرض وهي الكواكب لا يصلح اشرفها منظرا وهو الشمس والقمر للأألوهية فكيف بما سواهما . .

وقال أبو حيان فى ( البحر المحيط ) في تفسير قوله تعالى : ( ان في خلق انسموات والأرض ) الآية في سورة البقرة بعد كلام ذكره عن اهل الهيئة : " وقد ذكر القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتابه المعروف ( بالدقائق ) خلافا عن الناس المتقدمين هل الارض واقفة ام متحركة فى كل قول من هذين مذاهب كثيرة فى السبب الموجب لوقوفها أو لتحركها وكذلك تكلموا على جرم السماوات ولونها وعظمتها وابراجها وذكر

منصب المتجينه والملفوية وتخليط كه قال أبو حيان : . . والذي تكلم عليه أهل الهيئة شئ استدلوا عليه بقولهم وليس فى الشرع شئ من ذلك والمعتمد عليه ان هذه الأشياء لا يعلم حقيقتها الا الله تعالى أو من اطلعه الله على شئ منها بالوحى أحاط بكل شئ علما واحصى كل شئ عددا

وقال في تفسير سورة التكوير : " وكتاب الله جاء بلسان عربي مبين لا رمز فيه ولا لغز ولا باطن ولا ايماء لشئ مما تنتحله الفلاسفة ولا أهل الطبائع ولقد ضمن تفسيره ابو عبد الله الرازي المعروف بابن خطيب الرى أشياء مما قاله الحكمه عنده وأصحاب

النجوم وأصحاب الهيئة وذلك كله يمعزل عن تفسير كتاب الله عز وجل وذكر ابو حيان فى تفسير قوله تعالى : روجوما للشياطين " معني نفيسا وان كلن بعيدا حيث قال : قيل معنى رجوما " ظنوفا لشياطين الانس وهم

المنجمون ينسبون إلى النجوم أشياء على جهة الظن من جهالهم والتمويه والاختلاق من اذكيائهم ويعملون موالد يحكمون فيها بأشياء لا يصح فيها شئ وقد وقفنا على أشياء من كذباتهم في تلك الموالد وما يحكون

عن ابي معشر وغيره من شيوخ السوء كذب يغرون به الناس الجهال . وقال قتادة : " خلق الله النجوم زينة للسماء ورجوما للشياطين وليهتدى بها في البر والبحر فمن قال غير هذه الخصال الثلاث فقد تكلف واذهب حظه من الآخرة " انتهى كلام أبي حيان .

وتعليقا على ما ذكره عن قتادة أقول : ان هذا الاثر رواه البخاري عنه

في كتاب عيبات من صحيحه وعلقه بصيغة الجزء ولفظه وقال قتادة ولقد زينا السماء  الدنيا بمصابيح خلق هذه النجوم لثلاث جعلها زينة ورجوما

للشاطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيه بغير ذلك فقد أخطئ وأضاع نصيبه وتكلف مالا علم له به ونقل الحافظ الصقلانى فى الفتح عن الداودى انه قال : قول قتادة في

النجوم حسن الا قوله أخطأ وأضاع نصيبه فانه قصر فى ذلك بل قائل ذلك كلفتهم وقد اورد شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد من طريق ابي داود عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتبس شعبة

من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد وصحح شيخ الاسلام اسناده وعزي حفيده فى فتح المجيد تصحيحه للاملعين النووي

والذهبي وذكر ان الامام أحمد وابن ماجة روياه ثم أورد عن ابن عباس أيضا مرفوعا باسناد ضعيف عند الطبرانى : " رب معلم حروف ابيجاد دارس في النجوم ، ليس له عند الله خلاق يوم القيامة " ثم قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رواه حميد بن رنجويه عنه بلفظ رب ناظر فى النجوم ومعلم حروف ابيجاد ليس له عند الله خلاق " وجعل الاشتغال بهذا العلم من باب قول الله تعالى : " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم " .

يقول الكاتب : ولاجل التضييق في هذا الباب . قال عمر بن الخطاب رضي

الله عنه : " تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق " رواه الحافظ ابن رجب فى كتابه " فضل علم السلف على علم الخلف " وذكر ابن رجب ان ما زاد فى علم التيسير عما ذكر لا حاجة اليه ويشغل عما

هو أهم منه قال : " وربما أدى التدقيق فيه الى اساءة الظن بمحاريب المسلمين فى امصارهم كما وقع ذلك كثيرا من اهل هذا العلم قديما وحديثا وذلك يفضى الى اعتقاد خطأ الصحابة

والتابعين فى صلاتهم فى كثير من الصلاة وهو باطل " قال ابن رجب : " قد أنكر الامام احمد الاستدلال بالجدى وقال انما ورد ما بين المشرق والمغرب قبلة يعنى لم يرد اعتبار الجدى ونحوه من النجوم وقد انكر

ابن مسعود على كعب قوله ان الفلك يدور وانكر ذلك مالك وغيره وانكر الامام احمد على المنجمين قولهم : " ان الزوال يختلف في البلدان " قال ابن رجب وقد يكون انكارهم أو انكار بعضهم لذلك لان الرسل لم تتكلم في هذا وان كان أهله يقطعون به " . .

يقول كاتب هذه السطور : هذه نصوص أئمتنا الدالة على عدم احتياج تفسير القرآن الى دقائق هذه العلوم وسنتكلم ان شاء الله تعالى على ماحمله الاستاذ النمر من الآيات على هذا المحمل الذي لم يسبقه اليه احد من أئمة التحقيق والله ولى التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل . .

اشترك في نشرتنا البريدية