الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مفاعلات الابنية اللغوية والمقومات الشخصانية، فى شعر المتنبي

Share

إذا كانت مقولة الحداثة قد أربكت الفكر الفلسفي المعاصر في تنقيبه عن وحدية العقل البشرى منذ كان لنا عنه توثيق ، وزحزحت قواعد الخلق الأدبي وأركان النقد والقراءة حتى غدا اللحن صوابا والكسر جبرا واللانظام بناء فإن القضية أشد تعقدا عند العرب اليوم بل هى اغزر طرافة واكثر إخصابا إذ تتنزل لديهم متفاعلة مع اقتضاء اخر يقوم مقام البديل فى المنهج العلماني المعاصر ، وهذا الاقتضاء مداره قضيه التراث من حيث هو يدعو العرب اليوم إلى " قراءته " - على حد عبارة المنهجية النقدية الراهنة - ، معنى ذلك أن العرب يواجهون تراثهم لا على أنه ملك حضورى لديهم ولكن على أنه ملك افتراضي " يظل بالقوة ما لم يستردوه ، واسترداده هو استعادة له ، واستعادته حمله على المنظور المنهجى المتجدد وحمل الرؤى النقدية المعاصرة عليه حتى لكان الإستعادة عند العرب اليوم مقولة قائمة بنفسها تكاد لا تعرف وجودا عند سواهم ، وإن رمت وقوفا على القواعد التأسيسية فى هذه المقولة فاقصر نظرك على غائيتها التى هى فك اشكالية الصراع بين المقلدين والمجددين أو قل بين الكلاسيكي والحديث . فمقولة الاستعادة تنفي الديمومة إذ هى تكسر الزمن : فقد تقرأ شاعرا معاصرا قراءة الجاحظ لبشار والمفضل الضبى للمعلقات . وقد نقرأ المتنبى قراءة لا ننسبها إلى احد وإنما تنتسب إلى منظور قد يكون نفسانيا أو اجتماعيا أو بنيويا أو ألسنيا أسلوبيا أو ما شئت له أن يكون

فالقضية إذن مردها : كيف نقرأ المتنبى اليوم قراءة غير قراءة أبى العلاء له ، بل غير قراءة طه حسين للمتنبى والمعرى معا .

إن السبيل إلى هذا العطاء النقدي الخصيب لا يمكن أن يستلهم إلا فى خضم تمازج الاختصاصات وهي مصادرة انبنت عليها المدارس النقدية المعاصرة جميعا ولعل من أوفق ما يعين الآلسني على قراءة شعر المتنبى أن يستلهم كلا من علم النفس الأدبي وعلم النفس اللغوي

فأما علم النفس الأدبي ) وهو ما يصطلح عليه بالنقد النفساني Psycritique وكذلك بالتحليل النفساني للنصوص الأدبية  ( - Psychanalyse des lextes litteraires فمدرسة نقدية  استوحت مبادئها رأسا من مدرسة التحليل النفسي ) La Psychanalyse ونظريات رائدها فرويد ) Freud S.( ومعلوم أن فرويد قد عرف الحضارة الإنسانية بأنها حصيلة كبت يسلطة المجتمع على الفرد فيروض بموجبه نوازعه الفطرية ، وقد اهتدى فرويد إلى غزارة كثير من الظواهر فاستغلها في تفسير المعطيات الفردية والجماعية . ومن بين تلك الظواهر عقدة أوديب والليبيدو وعالم الآحلام وازدواج الإنسان فى ذاته بين عالم الوعى وعالم اللاوعى

أما ما انبثق عن هذه المدرسة من اتجاه نقدى فى الأدب فقد أقر أن الخلق الفني كثيرا ما يكون استجابة لمنبهات نفسية تتمخض عنها حاجة ما ، أو يكون متنفسا يفرج فيه الأديب عن غرائز أو رغبات مكبوتة لذلك كان للخلق الفني قيمة علاجية لحالات مرضية طالما أن العبقرية تقوم أساسا على اختلال التوازن النفسى ، فلما كان الخلق الآدبي صدى العالم اللاوعى إذ من محركاته تحرير المقيد من حاجات الإنسان بإخراجه من حيز اللاوعى إلى حيز الوعى ، مثلما تطفو المكبوتات فى الآحلام والصرع والجنون والسكر ، فإن عملية النقد كانت محاولة استجلاء ما يطفو على سطح الرسالة الأدبية واستشفاف مضمونه

هكذا اعتبر النص الأدبي وثيقة نفسية تقوم مقام لوحة الإسقاط فى عيادة التحليل النفسانى

وأما علم النفس اللغوي ) Psyholinguique ( فوليد حديث نسبيا ظهر مصطلحه سنة 1954 وتعاون على وضعه العالم النفساني س أسقود Charles E. Osgood والالسنى سابوك Thomas A.Sebeok وهذا الفن الجديد فى المعرفة الإنسان نية يدرس كيف تطفو مقاصد المتكلم ونواياه على سطح الخطاب فى شكل اشارات ألسنية تنصهر في اللغة التى تتواضع على أنماطها وسنن تأليفها مجموعة بشرية معينة يحولها الرابط اللغوي إلى مجموعة ثقافية . كما يدرس سبل توصل المتقبلين لذلك الخطاب إلى تأويل تلك الإشارات ، فهذا العلم يعكف أساسا على عمليتى التركيب والتفكيك وكيف تلابسان الحالة التى يكون عليها كل من الباث والمتقبل ؛ ثم اتسع هذا العلم خلال الستينات بعد أن غذته مبادئ النحو التوليدى بفضل نظريات شومسكى ) N . Chomsky ( فتحدد عندئذ موضوعه بدراسة ظاهرة الكلام كيف تنشأ لدى الباث ، وظاهرة الإدراك كيف تتحقق لدى المتقبل ، وهكذا تميز هذا العلم الوليد تماما عما كان يسمى بعلم نفس الكلام ) او سيكولوجية الكلام ( ) Psychologie du Langage )

فالناظر الألسني المتشبع بالمضامين الشعرية عند أبي الطيب المتنبى إذا ما احتكم إلى كلا المعينين النقديين استطاع أن يصادر على تقريرين اثنين ، أولهما : أن شخصية المتنبى في أدبه شخصية صراعيه متمزقه يتجاذبها قطبان متباينان إيجابا وسلبا ؛ وثانيهما آن صراع القوى الشخصانية عند الشاعر قد تفجر في علاقات تقابلية على الصعيد الألسنى مما أدى إلى بروز شبكة من الروابط الثنائية دلاليا ونغميا في نفس الوقت

ومدار ما نصادر عليه أن المتنبي قد تعلق به طموح في الحياة مشط وهو ما غدا إحدى مسلمات النقاد قديمهم وحديثهم ، غير أن هذا الطموح قد تجذر حتى تحول مركب علو ، وحقيقة المركب فى علم النفس أنه ظاهرة مدفونة فى اللاوعى ، معنى ذلك ان المتلبس بها لا يحس بها احساس الآخرين ، أى إنه لا يعنى شذوذها أو خروجها عن الانماط القائمة ، فإذا أحس بها وهي فى نفسه احساس الناس بها فيه تحررت من اللاوعى وطفت على سطح الشعور والمتنبى طموح واع يطموحه وعيا لا يزيده إلا تعلقا به وإن شذ أو شط . حتى إنه يتقمص التحدى دفاعا عن علو المطامح فيستحيل اللفظ لديه تمردا على الحقيقة القائمة ، وهذا هو الذي ينزل الطموح عند المتنبى منزل المركب النفساتي

أما عن شرح ما يعزي إليه تولد هذا المركب فإننا إن لم نذهب مذهب من يقول بالعنصر الوارثى أو بالمقومات التكوينية ) الجينيتيكية ( فإننا قد نجد بعض الأسباب في الحرمان الذي عاشه المتنبى منذ صغره سواء من حيث الحاجة المادية أو من حيث فقدان العطف الأبوي

فهذا الاختمار النفساني قد تجسم فى ما اتصف به الشاعر من حساسية مرهفة الحد هي إلى المرض أقرب منها إلى الحال السوية وبالتلك الحساسية طبع أدبه فكان فى جله صراعا بين مرمي الطموح وسبيل تحقيقه . بين الغاية والوسيلة ، بل كان صرخات من التمزق النفسي المتفجر

فإذا عدنا إلى مصادرتنا في البحث وهي ثنائية الصراع عند المتنبى رأيناها تحسمت في روابطه الحياتية الخارجية إذ تالف زوجان متعاقبان هم ١ ( المتنبى - سيف الدولة 2 ( المتنبى - كافور

وفى الزوج الثاني تبلورت الصراعات الذاتية الانطوائية متفاعلة مع الصراع الخارجي مما ولد ثنائيا تقابليا أنطق الشاعر بصريح التناقضات ومرير الأعترافات . وكل ذلك من موقع المتأزم بين مرمى الطموح والسبيل إليه

وأول ما يطفو على سطح البنية الشعرية فى هذا المقام شعور الامتعاض من الذات إلى حد التقزر . وهو تعبير عن موقف من النقد الذاتى تحطمت فيه ملامح تحقيق المرامي الغائية فانكسرت أمواج الامل على جدران الوسيلة . وفي هذا النفس الشعرى مصارحة بركوب مطية للأسباب على قذارتها سعيا للمطمح المنشود

أريك الرضى لو أخفت النفس جافيا ولا أنا عن نفسي ولا عنك راضيا

فليس ذلك إذن إلا محاكمة للنفس من حيث هى محاكمة الأسباب المنشودة بها الغايات . وهذا الموقف النقدى يتلون صورا وأشكالا حتى يقارب تهمة النفس بانقطاع الحاسة الشعورية عنها :

أصخرة أنا مالى لآتحركني هاذي المدام ولا هاذي الأغاريد

وهي حال لولا انفجارة مطلع البيت بما يشبه الثلب والاستفزاز لظنناها تجلد الرواقيين أو انصهار الصوفيين غير أن قمة انفجار التمزق تدرك سناها عند شعور المتنبى بالتشيئة ) La Chosification وذلك عندما أحس بأن كافورا إنما يتخذه متاعا يقضي منه وبه أو طارا ، فلا يعدو الشاعر جسرا يمتطى بشعره إلى مرامي الشهرة والصيت . ويقبر طموحه قبرا .

عند هذا الحد من الإحساس ينفجر وعى الشاعر أمام انقلاب سلم القيم فيصرخ بنفسه بل بالقدر والحظ

جوعان يأكل من زادى ويمسكنى لكي يقال : عظيم القدر مقصود

ويلمها خطة ويلم قابلها لمثلها خلق المهرية القود

أما الزوج الآخر وهو " المتنبى - سيف الدولة فإنه يشكل ثنائيا تكامليا رغم أشباح التقطع أو التنافر ، وشعر أبي الطيب يفرز لنا عناصر المقارنة المتعادلة والمتراجحة بينه وبين سيف الدولة الحمدانى على الأنماط الثلاثة التالية

١ ( معادلة هي : سيف الدولة = المتنبي 2 ( متراجحة أولى هى : سيف الدولة > المتنبى 3 ( متراجحة ثانية هي : المتنبى > سيف الدولة

فأما المعادلة فتخص البعد السوسيولوجي الشامل رأسا للبعد الذاتى فى مقومات الشخصية عامة ، وجماع الخصائص الذاتية في الفرد العربي ضمن أنماط المجتمع المستوعب للفرد سواء كان مجتمعا قبليا بدائيا أو حضريا منتظما فى البناء السياسي إنما هي الفتوة كما خلفها المتصور العربى الأول فى جاهليته التاريخية ، وأولى ركائزها النسب وهو معين وراثى تستوحى منه عناصر الشرف والعرض والمجد الضارب في بعد الزمن الراحل المتجدد بتجدد الحاجة إليه . وعنصر النسب حاضر في طرفى المعادلة المتكافئة : " المتنبى = وسيف الدولة :

أ - إذ يتعرض إلى جدوده

وبهم فخر كل من نطق الضاد وعون الجاني وغوث الطريد

ب - ولكن تفوق الناس رأيا وحكمة

كما فقتهم حالا ونفسا ومحتدا

والدعامة الثانية فى المجد الاجتماعي يجسمها الكرم وهو فى الحضارة العربية نقطة تقاطع المادة بالأخلاق ، معنى ذلك انه رمز نكران المادة عند حضورها فهو إثبات لها ونفي ، وفي ذلك سر ارتقاء الكرم إلى منزلة القيمة المطلقة قام عليها سلم القيم فى الجاهلية وأقرها الإسلام ضمن الشعائر القدسية المحررة للفرد والمطهرة للأثم والمكفرة من النار

ولهذه الأسباب استقطب مفهوم الكرم مجموعة من المتصورات الملابسة إياه هي كلها فى رصيد القيم الفردية والجماعية كالإحسان والتضحية والفدى والإيثار والصدقة والهبة والعطاء والسخاء والجود

وبديهي أن يبرز الكرم معلما من معالم الوصف فى شعر أبي الطيب سواء فى طرف المعادلة الايمن او الايسر ، اى سواء كان بروزه فخرا أو مدحا

أ - وكم مين جبال تشهد أنني

الجبال وبحر شاهد أنني البحر

ب - وتحيى له المال الصوارم والقنا

ويقتل ما تحيي التبسم والجدا

أما الأس الثالث من أسس الفتوة فيمثل في العزة وهو مفهوم ضبابي أحيانا ولكنه يتفكك إلى عنصري القوة والإرادة فعزة القوة هى البطش ، لذلك لابست مفهوم الفروسية فكانت من توابع الملاحم والبطولات . والعزة المتأتية بالإرادة مدارها الحلم عند القدرة على البطش ، وهو عنصر مؤتلف من متباينين : العزم على الثأر والكف عنه في نفس اللحظة

فمن عزة البطش

أ - أنا ترب الندى ورب القواني وسمام العدى وغيظ الحسود

ب - بناها فأعلى والقنا يقرع القنا

وموج المنايا حولها متلاطم

ومن عزة الحلم

أ - وما الجمع بين الماء والنار فى يدى

بأصعب من آن أجمع الجد والفهما

ب - رأيتك محض الحلم في محض قدرة

ولو شئت مكان الحلم منك المهندا

هكذا يكتمل المجد الاجتماعى لكلا الطرفين فى ملحمة الوصف الذاتي الأخلاقي مما يبوئهما مرتبة الكمال المنشود ، والكمال بهذا التقدير صريح الاعتبار فى شعر المتنبى فهو لنفسه

أ - سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

بأنني خير من تسعى به قدم

ب - وهو أيضا لسيف الدولة

فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى

كما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا

فالتفرد لهذا ولذاك مشحون بالتفضيل المطلق مما لا يبقى احتمالا لغير التطابق في الكمال هذا إذن رصيد المعادلة المتكافئة

المجد الاجتماعى النسب الكرم العزة البطش الحلم الكمال

المتنبي

سيف الدولة

فإذا أتينا المتراجحة الأولى التى أسلفنا وجدناها سيف الدولة > المتنبى

وعنصر التراجح بتجسم في المجد السياسي إذ أوتي سيف الدولة السلطان وظل المتنبي يسعي إليه سعي الظمآن خلف السراب بل سعى سيزيف بصخره إلى تل الجبل لا يكاد يدركه حتى يقع به الصخر إلى السفح فيعاوده

لذلك ظل مثل هذا البيت :

تظل ملوك الأرض خاشعة له تفارقه هلكى وتلقاه سجدا *

دون بديل ، توفر لأحد طرفي الموازنة وافتقر إليه الطرف الآخر ، معنى ذلك أن بيتا هو نسيج الذي أسلفنا قد ظل دفين اللاوعى ، مقبورا فى القوة . لم تنقدح له شرارة الخروج إلى الفعل ، ولو كان له أن يكون لكان : تظل ملوك الأرض خاشعة لنا تفارقنا هلكي وتلقان سجدا

فسيف الدولة - فى هذا التركيب المزدوج الثنائي - يقوم للمتنبي مقام المرآة يرى فيها نفسه كما كانت وكما كان ير يد لها أن تكون من حيث تعكس المثل الأعلى لها .

فحصيلة المتراجحة الأولى سلب فى العنصر " أ " وإيجاب في العنصر " ب "

المجد السياسي السلطان التراجح

المتنبي سيف الدولة

أما المتراجحة الثانية فتعكس آية ما سبق إذ تقوم نقيضة للمتراجحة الأولى وفيها أن :

المتنبي > سيف الدولة

ومدار هذا الرجحان أن المتنب لئن لم ينقد زمام السلطة الساسية إلى مشيئته فلقد تربع على إيوان الشعر فكان له به المجد الادبى ، وللشعر

فى الحضارة العربية شأن لولا الطفرة السياسية عند انفجار الامبراطورية الأسلامية لما رضي به الفرد العربى بديلا . لهذا كله قام الشعر فى موازنة المتنب مقام متنفس التعويض فهو الملاذ الذي يطمس به الشاعر ثغرة النقص عند خيبة الأمل ، وبديهي أن ينفرد المتنبي بسلطان الشعر عند مواجهة طرف التركيب الثنائى :

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم

وهو عين الإعجاز لا الأدبي فحسب استنادا إلى تركيب اللفظ بالسحر الحلال ، ولكنه الاعجاز فى المضمون إذ بشعره " يبرئ الأعمى والأصم

وهذا البيت شأنه شأن البيت في المتراجحة الأولى يظل دون بديل تسنى لأحد الطرفين ولم يتسن للاخر أى إن البيت البديل كان يمكن أن يكون عن سيف الدولة

هو الذي نظر الأعمى إلى آدبه واسمعت كلماته من به صمم *

فالشعر - وبه قوام المنبى - جسر التوافق فى مقابلة الرجحان ينقض السلب إذ يثبت للطرف المقابل سلبا موازيا .

فعصارة المتراجحة الثانية سلب فى " ب " وإيجاب في " أ " بحيث يكون

المجد الأدبي الشعر التراج

المتنبي سيف الدولة

هكذا يتبين لنا كيف إن الزوج " المتنبى - سيف الدولة " هو زوج يشكل ثنائيا تكامليا بما يتعادل بينهما من التكافؤ والرجحان ، وليس

لا شعر أبى الطيب نفسه بمضمونه الدلال ومنطوقه التنظيمى يهدينا إلى هذا التكامل طالما أن كليهما يحمل فى جدوله بصمة السلب فإذا تعاملت تعامل " السطح " فى علامة الضرب مع بصمة السلب فى الآخر أخصبت إيجابا مطلقا : - × - = ( + )

بهذا المنظور ومن هذا الموقع تتجذر شرعية معاملة المتنبى لسيف الدولة معاملة التعلق والاتحاد بما لا يتنافى ومنطق العشق المجرد ولم يتجاف الشاعر لحظة عن هذا البوح رغم أنه كشف للباطن وفى الكشف إئتمار و " خيانة "

إذا أردت كميت اللون صافية وجدتها وحبيب القلب مفقود

مالى أكتم حبا قد برى جسدى وتدعي حسب سيف الدولة الأمم

هذا العشق الصوفي إن هو إلا اتحاد التكامل إلى الانصهار كما لو :

البعد الاجتماعى البعد السياسي البعد الأدبي الحصيلة الفردية الحصيلة الثنائية

المتنبي سيف الدولة

على هذا البناء نتبين كيف إن سلسلة علامات الإيجاب سواء تراكمت في علامة الجمع ( + ) أو تفاعلت فى علامة الضرب ( × ) تظل

ايجايا بينما تتجمع بصمات السلب فتنتج بالجمع سلبا ، ثم تتفاعل فى علامة الضرب حصيلة السلب وحصيلة الإيجاب فلا ينتج إلا سلب . وتلك مأساة المتنبي أنه يحمل النقص الذي قدر لا دم وبنيه . فصراعه صراع الكائن البشري يرفض وضعه فينشد صفة الآلهة كمالا وإعجازا ، ولقد تحددت رؤى الشاعر في سعيه للكمال المنشود باسترجاع ما كان يرى نفسه حقيقا به ألا وهو المجد السياسي .

فمرد إلهام الصراع عند المتنبي كما أسلفنا جموح عنان الطموح إلى حد غدا معه مركبا من العلو يرفض به صاحبه الإقرار بالواقع والتسليم بالمفروض . فهو إلهام شعري متمرد على الواقع لا يعرف الاذعان لذلك كان قطب الرحي فيه الرفض بكل إيحاءاته ، وقمة الرفض أن يتأله الإنسان وبه تقزز من آدميته

وإنى لمين قوم كأن نفوسهم بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

إن أكن معجبا فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد

إن ما انتهينا إليه إلى حد الآن من تركيب ثنائي طاغ على المضامين الشعرية في إلهامها وصور ها الفتية قد ولد نزعة إلى التركيب الثنائى على المستوى الألسني سواء فى حقل الدلالات ، الفردية منها والتجميعية أو في حقل النغمات الايقاعية

(1) وأول مظهر من مظاهر التركيب الثنائى ما يمكن أن نصطلح عليه بالتقابل المزدوج وهو أن يحمل البيت فى بعضه او كله عناصر تزدوج ثنائيا ، سواء ازدواج تضاد أو ازدواج تطابق ، وسواء كان ذلك دلاليا أو إيجابيا ، ففي البيت التالي :

جزاء كل قريب منكم ملل وحظ كل محب منكم ضغن

إذا ما فككناه حصلنا على خمسة أزواج ، اثنان منها غير تمييزيين

وهما

كل / كل منكم / منكم وثلاثة منها تمييزية بالتطابق ، وتطابقها ترادف يجعلها من مجال واحد جزاء / حظ قريب / محب ملل / ضغن بحيث يكون لدينا : ) شكل : 1 (

أما في قوله

هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا على الدر واحذره إذا كان مزبدا

فإن التقابل المزدوج غير تام ولكنه أيضا غير متعادل الطرفين إذ يحصل لنا من مجموع البيت زوجان تمييزيان هما :

غص فيه =/ واحذره ساكنا =/ مزبدا ويحصل لنا زوج غير تمييزى هو إذا كان / إذا كان ويبقى أخيرا عنصران غير مندر جين فى العلاقات الثنائية وهما - هو البحر

- على الدر . بحيث يكون : ) شكل 2 (

فمحور التقابل والانشط منزاح عن نقطة الانتصاف مما يخلق إيقاعا يجعل البيت إلى التدوير أقرب ، ويطيل فى نفس البث الشعرى كأنما البيت كتلة متراصة

وعلى نفس المنوال تقريبا يرد البيت

وذلك ان الفحول البيض عاجزة عن الجميل فكيف الخصية السود

حيث ينزاح مدار التقابل الى مطلع العجز فيربط تقابليا الزوجين :

الفحول =/ الخصية البيض =/ السود بحيث يكون : ) شكل 3 (

وتبقى بقية عناصر البت خادمة للدلالة المشتركة دون أن تتفرقع إلى علاقات ثنائية

وقد يتحول مدار التقابل إلى منتصف العجز تماما فلا يكون الصدر إلا مجالا افتتاحيا لإبراز العلاقة التقابلية وذلك كما في : صار الخصي امام الآبقين بها فالحر مستعبد والعبد معبود وتتكاثف في هذا العجز روابط العناصر تقابلا وتطابقا على النحو التالي

أ - الحر =/ العبد مستعبد =/ معبود ب - الحر // العبد ) فى البنية اللغوية فكلاهما صفة مشبهة او فى حكمها ( مستعبد // معبود ) كذلك ، إذ كلاهما اسم مفعول (

ج - الحر معبود مستعبد عبد فيكون : (شكل 4)

(الشكل 5 فضلا عن تقابل الشحنات الدلالية وتكاملها إيجابا وسلبا كما سيأتي فى العنصر الثالث

) 2 ( والمظهر الثاني من مظاهر التركيب الثنائى يتمثل فى ظاهرة التوازى : سواء توازى الكتل الدلالية والمجموعات اللغوية أو توازى العناصر

الألسنية الفردية . وبموجب هذه الظاهرة يرد البيت الشعري على أحد نمطين ، اما صدره مواز لعجزه من حيث إنهما يحملان دلالتين متوافقتين أو متكاملتين وإما يرد البيت متجمعة فيه عناصر متراصفة متلاحقة يردد بعضها الآخر أو ينوعه خدمة لحقل دلالي معين مبسوط

فمن النمط الأول قوله ولا أقيم على مال أذل به ولا ألذ بما عرضي به درن حيث تتوازن العناصر

أقيم / / ألذ ) دلاليا ( ألذ / أذل ) نغميا أذل / درن ايحائيا

ويتوازى بالمغايرة العنصران مال // عرض ويتوازى أخيرا بالتطابق ولا به / / ولا بع بحيث يكون شكل 6

ومن نفس النمط أيضا قوله

على قدر اهل العزم تأتى العزائم وتأتى على قدر الكرام المكارم

فكلا المصراعين يسداخل الآخر في الدلالة وبلابسه فى البنية الشعرية والتركيب الألسنى بحيث يتوازى بالتطابق

على قدر // على قدر تأتي // تأتى ويتوازى بالبناء المقطعى الاشتقاقي وكذلك بالدلالة الحافة

العزائم / المكارم ٧٧-٧-٧٧ - ٧ - إذ العزيمة مكرمة ويتوازى باقتضاء السياق كل من :

أهل العزم / / الكرام غير أن الشاعر قد فرقع التوازي الذي قام البيت عليه بين تأتي / / تأتى على قدر / على قدر

بكسر فى التنظيم والمدلول ، فأما الذي في التنظيم فيخص : العزائم / المكارم وأما الذي في المدلول فيخص كما أسلفنا اهل العزم / الكرام

بدل : أهل العزم / / أهل الكرم ) العازمون / الكرام بحيث يكون لدينا : ) شكل 7 (

وأما النمط الثاني في موضوع التوازى فيخص تجميع العناصر اللغوية ، والملاحظ أن هذا التجميع يستقطبه عنصر مولد فاعل متحكم فى بنية الست عموما ، والطريق في الالهام الشعرى ان العنصر المستقطب يتجول بين طرفى البيت سعيا إلى الموقع الحساس المثير ، فهو مرة في طليعة الصدر

بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كاس ولا سكن

بحيث إن العناصر المتلاحقة لا رابط بينها سوى أنها تجيب عن التساؤل المطلعي المحدد لبنية البيت " بم التعلل ؟ " فهو لذلك يستقطبها فرادى كما لو شكل 8

أو كما لو كان العنصر المولد مركز دائرة شعاعية شمسة بحيث يكون شكل 9 (

( شكل 15 )

ووقع هذه البنية آنها تجعل النفس الشعرى شديد التصاعد بطئ التنازل إذ يبلغ البيت نبرته النغمية منذ مطلعه ثم يتدرج انحدارا إلى أن يبلغ سفح النبرة مع خاتمته ) شكل 10 (

وقد يرد العنصر المولد المستقطب فى مؤخرة البيت مع رجع ختامي طفيف كما فى : ) شكل 11 (

فاذا أحللنا العنصر المولد مركز دائرة الاستقطاب وجدنا : ) شكل 12 .

وهذه البنية من شأنها أن تطيل نفس الصعود في البث الشعرى فلا يبلغ مداه إلا والبيت يكاد ينتهى إلى تمامه فيقع تنازل فجئي هو بمثابة السقوط الحر فتقع عندئذ النبرة الشعرية على مؤخرة البيت

)شكل 13

وقد يرد العنصر المولد متوسطا بنية البيت فيحدث إيقاعا معتدلا متكافئ الطرفين يكون فيه الاستقطاب بمثابة محور الانتصاف : ) شكل 14 (

وفي هذا البناء تتنزل دائرة الاستقطاب منزلة المركز المنظم لانشطار التركيب الشعرى : ) شكل 15 (

وبديهي أن ينبني الإيقاع النغمى على التوازن المتكافئ بحيث تتبوأ النبرة منتصف البناء فيتكون مثلث متار الضلعين ، ويكون الصعود متدرجا تدرج التنازل : ) شكل 16 (

(3) أما المظهر الثالث من مظاهر التركيب الثنائى فيتمثل فى ظاهرة تفاعل العناصر الجزئية إيجابا وسلبا ، وصورة ذلك أن البيت الشعرى عند المتنبي كثيرا ما يشحن متناقضات فيشتد فغطها بما يولد شحنة نهائية هي إما إقرار لمبسوط أو نقض لمفروض

على أن مبدأ ممارسة تعامل الشحنات هو من الدقة بحيث يقتضى اعتبار المجال الدلالى : الصريح منه والضمنى . كما يقتضى الاحتكام إلى السياق بما يفضي إليه من دلالات حافة . ومع ذلك فقد تتلابس الطاقة الإيجابية أو السلبية بالطاقة الحيادية التى هى درجة الصفر .

فلو عدنا إلى بيت أسلفناه في عنصر التقابل المزدوج : صار الخصصىامام الابقنن بها فالحر مستعبد والعبد معبود للأحظنا أن التركيب الثنائى منتظم إيجابا وسلبا بحيث :

الخصى -  إمام +

الحر  + مستعبد -

العبد - معبود  +

فإذا اعتبرنا آن كل زوج من هذه الأزواج الثلاثة هو فى تفاعل داخلى بحيث يرضخ إلى علامة الضرب ) - ( كانت حصيلة كل زوج سلبا متاتيا من ضرب موجب فى سالب بحيث يكون

الخصى  - ( - إمام +

ب الحر + - مستعبد -

ج العبد - - معبود +

فإن نحن استطردنا متتبعين حصيلة البيت رجعنا إلى مبدأ التراصف من حيث إن البيت كتل دلالية متجمعة وطبقنا قاعدة الضم ، فتكون حصلة الجمع بين العناصر السلبية الثلاثة سلبا نهائيا وهو محط رحال البيت مضمونا ومنطوقا

أ الخصى  إمام + ب الحر + - - مستبعد - ج العبد -  - معبود +

فيكون البيت :

صار الخصى امام الابقين بها فالحر مستعبد والعبد معبود

0 - + 000 0 + - 0 - +

-  - -

فالحصيلة السلبية عقلنة رياضية لمفهوم الهجاء فى المتصور الأدبي وقد ورد البيت هجاء ، مثلما أن الحصيلة الإيجابية قد تعقلن مفهوم الفخر أو المدح ، ففي البيت :

ولا أقيم على مال أذن به ولا ألذه بما عرضي به دون

نقف على الشحنات التالية

لا => - من حيث هى نفي أقيم =>+ إذ هو فعل للابقاء والوجود مال = >+ لانه يتنزل سوسيولوجيا منزلة الإيجاب أذل>- والشحنة السلبية صريحة على سلم القيم المعيارية

لا =>- ألذ =>+ والايجاب إيحائي حسب منبع اللذ عرضى = >+ / ٥ وهو عنصر حيادى مجردا وإيجابي في السياق ولا يغير التبادل من نتيجة التعامل

درن =>- والسلب في هذا العنصر أخلاقى اجتماعي فيكون الصدر ذا حصيلة إيجابية بإرضاخ العلامات إلى مبدأ الضرب ) × (

ولا اقيم على مال أذل به 0 - + ٥ - + ٥

كما يكون العجز إيجابا فى حصيلته بنفس التعامل ولا ألذ بما عرضى به درن 0 - + oo + /o  -  +

ويتعامل الصدر والعجز فى تجمع إضافي فينتج الإيجاب

ولا أقيم على مال أذل به ولا ألذ بما عرضى به درن

وقد تتشعب العناصر الضاغطة في البيت إيجابا وسلبا لتحدث الصدمة المتغايرة كما فى الشكوى وهى " رثاء " للذات الحاضرة

قليل عائدى سقم فؤدى كثير حاسدي صعب مبرامى

فلدينا إذن : قليل =>- حسب معيار الكم عائدى = >+ إذ هو منشود المريض سقم =>-  وهو رمز المرض موضوع الشكوى

فؤادى =>o  كثير=>+ حاسدى=>-

صعب = >+ إذ كرس اللفظ على سلم التقييم للدلالة على الرفعة وعلو الشأن ، على أن اللفظ نفسه قد يمحضه سياق آخر إلى السلب كما لو قلنا مسلك صعب " فى معناه المادي كالطريق في الجبل .

مرامي = > + وهو غائية الطموح المنشود عندئذ نتبين كيف تحدث الكتل الثلاث الأولى شحنات سلبية بالتعامل حسب علامة الضرب ×

قليل عائدى سقم فؤادي كثير حاسدى    

ثم ندرك كيف تتجمع الكتل الثلاث لتفرز سلبا حسب تكتل الإضافة ) + ( وندرك من ناحية أخرى كيف تنتج الكتلة الرابعة إيجابا

صعب مرامي

فإذا تضاربت الكتل الثلاث الأولى مع الكتلة الرابعة حصل السلب . وهو مدار الشكوى ورثاء النفس

قليل عائدى سقم فؤادى كثير حاسدى صعب مرامى

تلك نماذج من التركيب الثنائى فى بناء شعر المتنبى ولدها - حسب ما صادرنا عليه - التركيب الصراعي في المضامين المعاشة خارج الشعر والمضمنة إياه ، وما سقنا ما سقناه إلا مقاربة ، وحد المقاربة أن يعتمد منهج عملي لا يشاك في صلاحه ذاتيا ولكن لا يجزم بخصب نتائجه سلفا عند تطبيقه فى الظرف المعين للممارسة ، على أننا قد نتجرا على تقرير أن التركيبات البنائية فى شعر المتنبى لا يمكن أن يحكم سر شعريتها إلا من موقع إن لم يكن ألسنيا فلا أقل من ان يحكم إلى المنظور اللغوي بعناصره الموضوعية وتشكيلاته العقلانية

كذا يتسنى استقراء الخصائص الفنية أو ما يصطلح عليه جزافا بالاسلوب الشعرى ، وكذا يمكن استعراض عينات من المحاكاة النغمية كما في

كفي بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا

أو فى

بناها فأعلى والقنا يقرع القنا وموج المنايا حولها متلاطم

وكذلك استعراض ظاهرة التقفية الداخلية او ما اصطلح عليه البلاغيون بالترصيع كما في :

أ ( في تاجه قمر في ثوبه بشر فى درعه أسد تدمى أظافره

ب ( قليل عائدى سقم فؤادى كثير حاسدي صعب مرامي

ج ( أنا ترب الندي ورب القوافي وسمام العدى وغيظ الحسود

د ( بضرب أتى الهامات والنصر غائب وصار إلى اللبات والنصر قادم

وكذا تغدو الحداثة مقولة عربية فيندك صرح المشكل الزائف مشكل الكلاسيكية أو المعاصرة

عفوا : تصويب خطأ في العددين 2 و 3 السنة 23

الخطأ يبحث لكل بعيد شباب رحلته ومحضره الشعر والنشر وقد كادت المخالفة طريق تغييره التقنية بنفس السكوت

الصواب يبحث كل بعبد شاب حلته ومحصره الشعر والنثر وقد كانت المحالفة طريق تغيير التقية وينفى السكوت

الصفحة 2 3 8 45 45 46 47 48 52

السطر 1 21 1 21 22 18 17 17 5

العدد 2 2 2 3 3 3 3 3 3

اشترك في نشرتنا البريدية