ان مشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة لم تزل تحتل عند اللاهوتيين الفلاسفة مكانة هامة (1). فمنذ أكثر من ألفى سنة ما انفك الفكر الانسانى شغوفا بها يعالجها بكامل الجدية وكامل العناية. ففلاسفة اليونان وإن كانوا متحررين تجاه الطقوس الدينية وإن تحفظوا من النيل من الديانات الجمهورية مع كل ما كان يحف بها من رموز وخرافات وأساطير، لم يغفلوا عن إظهار مضموناتها الفلسفية. فقد انتقلت هذه البادرة من بعدهم إلى ((فيلون)) Philon اليهودى الاسكندرى الذى حاول بدوره اتباع المنهاج التأويلى ليقدم للمثقفين الحيارى من أهل ملته المعانى الفلسفية الكامنة فى ظاهر الشريعة، ألا ترى انه حاول التوفيق بين الشريعة والفلسفة وجمع بين رأيى أفلاطون وموسى عليه السلام وكان لمحاولته صدى قوى وانصار كثيرون ناهيك بأن كثيرا من النصارى اللاهوتيين كـ (Clement) و (Origene ) سارو على خطاه فأصبحت الكنيسة كما قال (Arberry) (2) شركة تأمين لمذهب أفلاطون وزينون (Zenon). ولكن عندما وضع مشكل اتصال الحكمة بالشريعة فى الاسلام وجد المفكرون المسلمون أنفسهم أمام صعوبات لا يستهان بها. فاذا كانت الميثولوجية الجاهلية لا تتصادم مع الفلسفة اليونانية وكان من اليسير عليها أن تتفق مع معطياتها فالامر ليس كذلك بالنسبة إلى الدين الاسلامى الذى يبدو لاول وهلة مضادا لتفلسف اليونان الجرىء. فكان لا بد لمفكرى الاسلام من حذق وافر ليوفقوا بين تعاليم الفلسفة اليونانية والرسالة القرآنية وكان لزاما عليهم أن يشرعوا فى هذا التوفيق إن أرادوا النجاة من اضطهادات المتعصبين من رجال الدين ومن الحشوية الذين يعلنون العداوة للفلسفة المفضية حسب قولهم الى الزندقة والانحراف عن العقيدة والشريعة فكان من الضرورى أن يقوم الفلاسفة ورجال الفكر ببيان تكامل الفلسفة والدين وتقرير ما بينهما من اتصال والتصريح بأنهما يدعوان إلى حقيقة واحدة وإن اختلفا فى مناهج
البحث عنها وكيفية البوح بها. ثم كان على الفلاسفة أن يحلوا تلك الاختلافات الظاهرية القائمة بين الدين والفلسفة حتى يبددوا تلك الحيرة التى استولت على عديد من رجال العلم فقسمت المسلمين إلى ملل ونحل متناحرة، كما كان من الواجب عليهم أن يعيدوا احياء التفكير الدينى وأن ينظروا إليه على ضوء المكاسب الثقافية التى اقتناها العرب إثر اتصالتهم باللاهوتيين المسيحيين واحتكاكهم ببعض الحضارات كحضارة السريانيين والفرس والهنود والروم.
إن أول محاولة توفيقية بين الدين والفلسفة فى الاسلام قام بها المعتزلة الذين راموا التحرر من عقال قيود السنة ورفع العقل إلى مستوى المعيار فى أمور الشريعة. وساعدهم اضطلاعهم بالمنطق على استعمال المقاييس والبراهبن عند النظر فى العقيدة. أما أبو اسحاق الكندى (870-796 م) فهو وإن كان محتكا بالمعتزلة فلم يكن ينسب إليهم غير أنه كان موقنا مثلهم بأن هناك اتصالا جذريا بين البحث الفلسفى والرسالة القرآنية. فالعلم الالهى والعلم الانسانى يمثلان حسب رأيه صورتين أو درجتين من المعرفة ليستا متضادتين بل متكاملتين أتم تكامل. ولم يقتصر هذا الشعور على الكندى فحسب بل شمل جميع فلاسفة الاسلام تقريبا، غير أن الذى يجدر ذكره هو أن المحاولات التى قام بها الفلاسفة فى هذا المضمار لم تكن إلا تلميحات بسيطة مقتضبة ضمنوها تآليفهم الفلسفية ولم يعمدوا إلى عرض مشكلة التوفيق بصفة خاصة. فقد رجعوا إلى الشريعة وأخذوا يؤولونها بكثير من الجرأة والتحرر. فالملائكة لم تكن حسب بعضهم غير عقول مفارقة. أما ((القلم)) و ((اللوح)) فليسا سوى موجودين سماويين. وقال الفارابى بأن ((الجنة)) ليست إلا خلود النفوس الفاضلة وبأن ((الميزان)) و ((الصراط)) لفظان لا معنى لهما (3) وهكذا فقد ظل مشكل التأويل الرمزى للشريعة تتجاذبه الفلاسفة ويتطرقون لحله بدون أن يرسموا له قوانين ويضبطوه ضبطا موضوعيا يجعله فى مأمن من الفوضى والجرأة الممقوته؛ فتعرض ابن رشد لهذه المسألة وتفرغ لحل مشكلة التوفيق بين الحكمة والشريعة وأبدى فيها طرافة وأصالة لم تكونا لسابقيه من الفلاسفة. والفضل فى ذلك يرجع إلى عدة عوامل تاريخية واجتماعية ساعدته على القيام بمهمته وأملت عليه طريقته ومذهبه فقد كان المتكلمون فى عصره يبدون عداوة صريحة للفلسفة اليونانية ويضمرون لأرسطو بغضا قويا نماه الغزالى بتهجماته العنيفة على المشائين العرب فحقدوا على الفلسفة والفلاسفة وعلى نظرهم الدينى الفلسفى الذى يزعزع حسب رأيهم صرح العقائد الدينية ويرمى بالمسلمين فى الفتور
الدينى. فكان هؤلاء المتكلمون يشاطرون الغزالى نظرياته التى بسطها فى كتابه الشهير ((تهافت الفلاسفة)) حيث أراد أن يبرهن للفلاسفة على أن البرهنة الفلسفية لا تبرهن على شئ. فثار ابن رشد على هذه المواقف السلبية وأراد أن يزيل بقول فصل تلك الخصومات التى كانت قد قسمت الفلاسفة والمتكلمين ومزقت الشريعة شر ممزق وبعثت بالجمهور الى التطفل على الفلسفة وذمها. فكان لا بد لابن رشد من أن يبين انه لا يوجد تعارض بين الحكمة والشريعة وأن الفلسفة آلة ثمينة تمكن من تفهم حقيقة الشرح وجوهره فرام باسقاطه حجج الغزالى ردع المتكلمين الذين تشبثوا بالمظاهر الجامدة من الشريعة والرأى عندى أن ابن رشد كان يؤمن بأن الدين ينبغى له أن يستجيب للمقتضيات العقلانية وأن ينقاد للتطور التاريخى إذا كان صالحا لكل زمان ولجميع الأجيال فى كل مكان. وفى ذلك ضمان له أن يسلم من اليبوسة وألا يكون دمية متاحف. فلجميع هذه الاسباب تعرض ابن رشد لفحص مشكلة الدين والفلسفة وما بينهما من اتصال فى كتبه ((فصل المقال)) و ((الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة)) و ((تهافت التهافت)).
وغرضى الآن أن أتناول بالبحث كتاب ((فصل المقال)) لأستخرج منه نظرية ابن رشد فى التأويل الرمزى للشريعة وبسط قوانينه.
يبدو هذا الكتاب مطالبة ملحة تكفل للفلاسفة حق تأويل الشريعة بنور العقل بشرط أن يحترموا مبادئها الأساسية كالاعتقاد بوجود الله وخلود النفس. وما دام الفلاسفة يقرون بهذه المبادئ فلهم أن يتفهموا الشريعة وأن يتساءلوا عن ماهية الله وحدوث العالم وأحوال المعاد. وإن حق التأويل الذي يطالب به ابن رشد تنص عليه الشريعة فلا خوف من تعاطيه بل أن البرهانيين مطالبون بالقيام به مضطرون إليه ولكى يكون التأويل قانونيا مسموحا به فلا بد من أن يقتصر على الخاصة وإلا مزقت الشريعة وساد التشويش الأذهان وابتعد الجمهور عن الدين، وللمأول أن يراعى طبقات العقول والمستويات الذهنية حتى لا يضر بالمؤمنين فى معتقدهم وبهذا الشرط يقوم الدين بدوره الأخلاقى والاجتماعى فيقدم للناس مبادئ عملية يضمن القيام بها السعادة الكاملة ويساعد على التعايش الاجتماعى المشترك الذى يسوده التفاهم والاخاء.
يبسط لنا ابن رشد فى مستهل كتابه ((فصل المقال)) الغرض من تأليف فيقول: ((إن الغرض من هذا القول أن نفحص على جهة النظر الشرعى، هل النظر فى الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به،
إما على جهة الندب وإما على جهة الوجوب وقبل أن يجيب على ذلك يبدأ بتحديد الفلسفة قائلا: "إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر فى الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعنى من جهة ما هى مصنوعات .. فان الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها.)) فهذا الحد الذى يقدمه ابن رشد للفلسفة يبدو ذاتيا متحيزا راميا إلى غاية لاهوتية كان الحد الارسطاطاليسى خلوا منها. ولعل ابن رشد رام ذلك عمدا ليتمكن من الدخول فى الموضوع مباشرة وليبرر النظر الفلسفى الذى لا يحيد حسب هذا الحد عن مقصد الشريعة. فلم يبق إذن لابن رشد إلا أن يعمد إلى القرآن ليستخرج منه الآيات الحاثة على النظر العقلانى فى الموجودات وبهذا تقرر شرعية دراسة الفلسفة وعلوم المنطق فياتى ابن رشد بهاتين الآيتين ((فاعتبروا يا أولى الأبصار)) ((أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ)) ويرى فيهما حثا صريحا على النظر والتأمل فى الكائنات. غير أن هذا النظر وهذا الاعتبار لكى يكونا مثمرين فمن الضرورى ان يكونا مركزين على القياس إذ ((الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه وهذا هو القياس أو بالقياس. فواجب أن نجعل نظرنا فى الموجودات بالقياس العقلى.)) (5)
فيتحتم علينا إذن لكى نقوم بما أمرنا الله به أن ندرس شروط البرهان اعنى نظرية القياس ثم نحدد أنواع البراهين (البرهان اليقينى والجدلى والخطابى والسفسطائى) ونقف على حقيقة كل واحد منها أى علينا أن نلم بأجزاء المنطق كلها قبل الشروع فى النظر الفلسفى إذ هى ((تتنزل من النظر منزلة الآلات من العمل.)) (ص 29) فان قيل إن استعمال القياس فى الأمور الشرعية بدعة أجاب ابن رشد أن الفقهاء يستعملون فى أحكامهم الأقيسة الشرعية أعنى آلات لم يعهدها المسلمون عند ظهور الاسلام بل أخذوها عن غيرهم من الشعوب والأمم المتحضرة، وعلى كل ((فأكثر أصحاب هذه الملة (الاسلام) مثبتون القياس العقلى إلا طائفة من الحشوية قليلة وهم محجوجون بالنصوص.)) (ص 31) ثم إنه ما دام يعسر على فرد أن يضع من جديد وحده العلوم المنطقية برمتها وما دامت هذه العلوم موضوعة فى كتب فلاسفة اليونان فلا ضرر من أن يرجع إليها ويستخرج منها أداة العمل اللازمة للشروع فى البحث الحقيقى الذى دعانا الله للقيام به وحثنا عليه فى غير ما أية من كتابه العزيز. فلو التمسنا مثلا وضع قوانين منطقية جديدة بدعوى
أن التى بين أيدينا قد وضعها قوم لا ينتسبون إلى الاسلام فنحن نكون قد أقبلنا على عمل يسير لا جدوى فيه يحول دوننا ودون تحقيق ما نحن به مطالبون وما الضرر فى الركون إلى مناهج منطقية مستمدة من غير أهل ملتنا ما دامت صالحة مفضية إلى نتائج إيجابية و ((كان كل ما يحتاج إليه من نظر فى أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه القدماء أتم فحص، فقد ينبغى أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم فننظر فى ما قالوه من ذلك فان كان كله صوابا قبلناه منهم وإن كان ما ليس بصواب نبهنا عليه.)) " (ص 32) وهكذا بعد أن نلم حسب ابن رشد بالمناهج العقلانية إلماما شاملا ونتمكن من كيفية استعمال الأقيسة البرهانية نتفرغ إلى النظر فى الموجودات ((فاذا فرغنا من هذا الجنس من النظر وحصلت عندنا الآلات التى بها نقدر على الاعتبار فى الموجودات ودلالة الصنعة فيها، فان من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع ومن يعرف المصنوع لا يعرف الصانع.)) (ص 32) وللقيام بهذه المهمة على أكمل وجه يتحتم علينا أن نستعين بما كتبه القدماء فى العلوم المنطقية وفى الفلسفة بوجه عام. فلو قيل إن علومهم مفضية إلى الزندقة مضلة عن سبل الشرع يجيب ابن رشد أن مقاصد فلاسفة اليونان هى عين ما ترمي إليه الشريعة: ((فقد تبين من هذا أن النظر فى كتب القدماء واجب بالشرع إذ كان مغزاهم فى كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذى حثنا الشرع عليه وان من نهى عن النظر فيها من كان أهلا للنظر فيها وهو الذى جمع أمرين أحدهما ذكاء الفطرة والثانى العدالة الشرعية والفضيلة الخلقية فقد صد الناس عن الباب الذى دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله وهو باب النظر إلى معرفته حق المعرفة. وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى.)) (ص 33)
(يتبع القسم الثانى: ((المستويات الذهنية وأقسام الشريعة.)))

