الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

مقابلة مع الأستاذ عبد الكريم غلاب، مدير جريدة "العالم" المغربية

Share

- 1 - س - معاشرتكم الحميمة للحركة الفكرية والأدبية بالمغرب قبل الاستقلال وبعده تجعلكم فى موقع الاطلاع على التطورات التى حدثت لهذه الحركة وعلى المؤثرات التى خضعت لها . فما أهم هذه التطورات وهذه المؤثرات ؟

ح - يمكن اجمال أهم التطورات التى حدثت فى الحركة الفكرية بالمغرب فى النقط الاتية :

1 - عودة الوعى بالوجود الذاتى للمغرب عند الذين يواكبون الحركة الفكرية . فقد كان الوعى بهذا الوجود عند النخبة المناضلة فى الحركة الاستقلالية ، فعن هذا الوعى كانت تصدر فى النضال من اجل الاستقلال السياسى والاستقلال الفكرى ، حاملة هذا الوعى فى يدها وهي تبشر أجيال الشباب بالوجود الذاتى للمغرب ، فى اطار وجوده العربى والاسلامي ، وفي اطار المغرب العربى او ما كان يسمى بالشمال الافريقي .

وقد كان التوجيه الثقافى فى المدرسة المغربية الفرنسة يسير على عكس هذا الاتجاه ، كان يقتل كل احساس بالوجود الذاتى ، وليس دائما بالطرق المباشرة . ولكن فى كثير من الاحيان بالطرق غير المباشرة حينما كانت لغة التعليم هي الفرنسية ، والابطال الممجدون فى التعليم هم الابطال الفرنسيون ، والحركات التحرريه والثورية والانقلابية التاريخية هي التى يتضمنها تاريخ فرنسا . ولذلك كانت الصورة التى يتصورها الاستعمارى المتعصب عن الوجود المغرب بتاريخه وحقيقته تنتقل سريعا الى الشاب المغربي الذي يفترض فيه ان يكون نموذج المفكر المغربي .

وقد لا يكون هذا الاسلوب اندثر نهائيا من التعليم بالمغرب نتيجة الرواسب التى ما تزال تفعل فعلها فى البرامج والمناهج ، بل فى فلسفة التعليم نفسها ، ولكن الوعى الذى بشر به المفكرون الذين ناضلوا من اجل انقاذ المغرب - وفى مقدمتهم المفكر علال الفاسى - برز الى الوجود على صورة واسعة عند جيل ما بعد الاستقلال .

اذا كان الاستلاب اللغوي ما يزال له الاثر فى التوجيه المعاكس عند بعض الشباب ، فان الاكثرية الكاثرة ممن يمكن أن يكون لهم اثر على التطور الفكرى تشبعوا بالوعى بالوجود الذاتى للمغرب . وأصبح لهم وطن له مقوماته الفكرية الماضوية والحالية ، ويعملون على أن تكون له مقوماته الفكرية المستقبلة .

وقد ظهر هذا التطور الفكرى فى التطور الادبى . فبعد أن كان الادب الحديث بالمعنى الحقيقى للحداثة ) قصة ، رواية ، شعر متطور ( يكتبه بعض شباب المدرسة الحديثة بالفرنسية ، ويعبر أحيانا عن آفاق أجنبية وبعقلية مستلبة، واذا تحدث عن النموذج المغربى أو صورة المجتمع المغربى تحدث عنها بروح الاحتقار او بشكل فولكلورى كما كان الامر عند رواد التعبير بالفرنسية من أمثال ادريس الشرايبى وأحمد الصفريوي أصبح التعبير الادبى الحديث باللغة الوطنية ويعبر عن آفاق وطنية وقومية وبعقلية ممتزجة بالمواطنين وعن نماذج انسانية من المدينة والقرية ويقدم صورا اجتماعية هادفة ، بل يدفع بالادب فى معركة الوجود الذاتى للانسان المغربى وللمواطنين كشعب مناضل لا في سبيل البقاء فحسب ، ولكن فى سبيل التطور واحتلال المكانة اللائقة بشعب متمرد على كل الاوضاع الحالية وعلى رواسب الماضى السحيق.

2- الانفتاح على الوطن العربي والاسلامي والافريقي ثم على العالم . فقد اصبح لفكر المثقف المغربي أبعاده في العالم الذى يحتك به . عادت الصلة الفكرية مع الوطن العربي عن وعى وادراك لصلة الجزء بالكل . وعادت الصلة قوية بين الانتاج الادبى والفكرى مع الانتاج الادبى والفكرى فى الوطن العربي . فأصبح هناك تبادل ، ولو عن طريق التأثر فحسب ، لا التأثير ، واصبح هذا الانتاج يكمل الصورة عن الانتاج الفكرى العربى الذى كان منحصرا فى مصر وبلاد الشام وبقدر ما تدخل تونس أو الجزائر أو العراق مثلا فى التجربة الفكرية الادبية العربة يدخل المغرب ، بفضل التطور الذى حدث للفكر المغربي ، وبفضل الارتباط الطبيعى بين مغرب الوطن العربي ومشرقه .

ولم يكن هناك تخلف عن مواكبة التطور الفكرى العالمى والانتاج الادبى ، فمن خلال التأثر بالقراءة الواعية فى الآداب الاجنبية بلغاتها الاصلية او مترجمة الى العربية استمر الاحتكاك ، وقوى ، مع الفكر والآداب الاجنبية وتطعم الانتاج المغربي وخرج من عزلته التى كانت تحصره فى بعض فترات تاريخه الحديث مع الادب العربي قديمه وحديثه.

3-تطور ملحوظ في الشكل والاسلوب الى جانب التطور فى الموضوع  والمضمون . فقد اصبح رواد الشعر المتحرر من الوزن والقاقية - وربما التحرر من المنطق الشعري القديم أيضا - أكثر من رواد الشعر الملتزم بالمفاهيم القديمة ، واصبحت القصة الحديثة المتحررة من مفاهيم القصه التقليدية - او ما يمكن أن تسمى تقليدية - أصبحت هي الغالبة على الأدب القصصى . وحتى اللغة والاسلوب التعبيري أصبح يتسم بالحركية بقطع النظر عن التوفيق فى هذه الحركية او عدم التوفيق . ودخلت عديد من المفردات التى تستعمل الان عند نفر من الكتاب في المشرق ، اما مترجمة أو مولدة من كلمات عربية ، بقطع النطر ايضا عن التوفيق أو عدم التوفيق فى استعمال هذه المفردات التى تفقد معناها اللغوى العربى فى كثير من الاحيان.

4-وقد واكب النقد هذا التطور الادبي . واذا كان النقد ما يزال يبحث عن نفسه متعلقا بالأسس ، أو قل " التعاليم " ، التى تسربت الى النقد العربى من النقد كما عرفته الاداب الغريبة ، فهو مع ذلك قد تحرر من النقد التقليدى الذى كان يحصر همه في التعبير بالكلمة . غير أن النقد فى المغرب لم ينطلق من مرحلة التخلف التى يجتازها النقد فى البلاد العربية . واعتقد أنه دخل مرحلة متخلفة أخرى هى مرحلة الشكل وتقييم الابداع شكليا من جهة ، وتحكم الاتجاهات السياسية المتمسحة بالايديولوجيات من جهة أخرى . ولعل الذى يشفع لحركة النقد فى المغرب هذا التخلف هو انها مقتفية أثر حركه النقد في العالم العربي ، وهي حركة ما تزال تمشى على استحياء .

5 - هناك تطور ملحوظ خاص بالحركة الفكرية يتصل بارتباط الفكر بالانسان وبالوطن . فلم تعد الدراسات الفلسفية معزولة عن الانسان فى حياته اليومية ، ولم تعد الدراسات الاقتصادية أو التاريخية تسبح فى الارقام المجردة او في الماضي كماض مجرد ميت . بل أصبح الفكر السياسى او الفكر التاريخي او الفكر الفلسفي نابعا من حياة الانسان متطلعا الى نقد الماضى والحاضر لبناء المستقبل المشرق . واتسع أفق التفكير فى القضايا المصيرية من التفكير فى الافق الضيق الى التفكير في الافق الواسع سواء بالنسبة للحاضر الذي ارتبط

فيه المغرب بالوطن العربي - والمغرب العربى فى المقدمة - او بالقارة الافريقية او بالبلاد الاسلامية او بالعالم الثالث ، او بالنسبة للمستقبل الذى تتسع آفاقه أمام شعب يعمل لكون جزءا من العالم متحررا من العزلة ومن ضيق الافق

وقد بدأ ريادة هذا الاتجاه المرحوم علال الفاسى حينما كتب كتابه الرائد "النقد الذاتي " الذي يعتبر فتحا جديدا فى التفكير السياسى والوطنى وفى دراسة مستقبل الانسان المغربي فى الاطار العربى والانسانى . وصدرت بعد ذلك دراسات تاريخية وفكرية تعتبر من المجهودات الفكرية الناجحه للمفكرير والكتاب العرب

هذه باختصار بعض مظاهر التطور الذى حدث فى الحركة الفكرية والادبية فى المغرب قد لا تغنى هذه اللمحات عن التعمق فى دراستها ولكن حديثا سريعا مثل هذا قد لا يحتمل أكثر مما ذكرنا .

-2- س - ما هي المقومات الفكرية التى استند اليها المغرب لمقاومة الاستعمار ؟ وهل هي ذاتها باقية الآن في معركة المغرب - من جملة البلاد العربية - لاثبات الذات ومقاومة الاستعمار الجديد والاستلاب بأنواعه ؟

- ج - قد تكون فكرة الوطنية فى مقدمة المقومات الفكرية التى استندت اليها الحركة الاستقلالية لمقاومة الاستعمار . والوطنية كانت تعنى عدة مفاهيم فى مقدمتها الأمة والشعب ، ضدا على القبلية والعنصرية اللتين كان الاستعمار يعتمد عليهما فى تمزيق البلاد وفرض التبعية الدائمة عليها . ثم كانت من مقوماتها الاسلام والعروبة ، وهما يعنيان - من جملة ما يعنيان - الارتباط بعالم آخر هو غير عالم المستعمر ، كما يعنيان التشبث بأصالة الحضارة الدينية والفكرية للمواطنين المغاربة ، ويرفضان القيم الجديدة التى كان الاستعمار يريد ان يبني عليها المغرب المستعمر من دين أجنبى عنه ، حينما كان المبشرون الاداة الاولى للاستعمار ، ومن لغة أجنبية حينما أصبحت هى لغة التعليم والإدارة والعقود والقضاء واشارات الشوارع ولافتات المتاجر ، في انتظار أن تصبح لغة التخاطب بين أفراد الشعب بعد أن كانت لغة التخاطب مع الادارة. ومن قضاء يطبق فى المحاكم المدنية والجنائية وقضايا الصحافة والتجارة

والبحرية القانون الفرنسي وأمام المحاكم " العصرية " الفرنسية . وقد تضمن هذا الاتجاه " الظهير البربري " الذي صدر فى 16 مايو 1930 وتضمنته القوانين التى صدرت قبل ذلك وبعد ذلك لتسلب المغرب من كل مقوماته الفكرية والحضارية لتجعل منه بلدا تابعا " لأم الوطن "

معارضة هذه القيم واعتناق المقومات الفكرية الحقيقية للمغرب هى الاداة التى ناضلت بها الحركة الاستقلالية فى المغرب.

ثم كان من المقومات الفكرية - لو ان مظهرها اقتصادى - التشبت بالارض. فقد كان الاستعمار يمتص الوجود الذاتى للمواطن عن طريق اخراجه من أرضه ، وهي أساس الارتباط بالوطن ، لذلك كانت توعية الفلاحين بتشبثهم بأرضهم ومقاومة استعمار الارض فى مقدمة المقومات التى استندت عليها الحركة الاستقلالية فى مقاومة الاستعمار.

وكانت التوعية أيضا بالتحرر من التبعية الاقتصادية ، ومقاومة الاحتكارات الاجنبية من بين هذه الاسس.

وفى معركة المغرب الحالية لاثبات الذات ومقاومة الاستعمار الجديد والاستلاب الذي هو النتيجة الطبيعية للتبعية ، يستمد المثل من معركته لمقاومة الاستعمار ورغم الظروف الجديدة التى خلقت مقومات جديدة وطنية واقتصادية وفكرية فان المقومات الفكرية الاساس ما تزال تهدى مسيرتنا التحرية .

-3- س - لكم كتابات فى مجال الخلق الادبى الفنى ، واخرى فى مجال الدراسات الادبية والفكرية والسياسية . فما هى أهم المبادىء التى تدافعون عنها فى كل ما كتبتم ؟ وهل هناك وحدة او تكامل بين المجالين ؟

ج - بالرغم من أن الشطر الثاني من السؤال يمكن أن يجيب عنه ناقد أو دارس يقيم هذا الموضوع من خارج الذات ، فاننى أعتقد أن هناك تكاملا قويا بين المجالين . ذلك أن الابداع الادبى عندى لا يستهدف خدمة هدف فنى مجرد أو تقديم نموذج بلاغي أو صورة من ابداع الخيال ، ولكنه يستهدف خدمة الانسان

المغربي العربي المسلم ، وانسان العالم الثالث على العموم . ومن ثم فان ما كتبته من وجهة نظري يعتبر عملا ملتزما مع الانسان المستضعف المناضل في نفس الوقت سواء كان فلاحا ) كما يبدو فى مجموعة " الارض حبيبتى " ورواية دفنا الماضي ( أو عاملا ) كما يبدو من رواية " المعلم على " ) أو مضطهدا ) كما يبدو من رواية " سبعة أبواب " ومجموعة " مات قرير العين " ( أو كان مناضلا لقلب الاوضاع السياسية والاجتماعية ) كما يبدو فى " دفنا الماضى . . " )

هذه الصورة فى مجال الخلق والابداع تكملها الدراسات الادبية والسياسية فكتاب "دفاع عن الديمقراطية " او " فى الاصلاح القروى " لا يستهدفان الا التعبير بطريق الدراسة عن نضال الجماهير التى ناضلت فى " دفنا الماضى و المعلم على " وعبرت عنها بطريق الابداع الفنى الادبى . حتى الدراسات التى تبدو بعيدة عن هذا الميدان ككتاب " صراع المذهب والعقيدة فى القرآن - وهو من الكتب التى أعتز بها - يسير فى نفس الخط اذ هو يصور بطريق الدراسة القرآنية الصراع الذى حدث فى فترة نزول القرآن بين المؤمنين والمنافقين والكافرين ، ولكل منهم عالمه الذى كان يدافع عنه ويصارع دونه ولكل منهم مذهبه فى الحياة الفكرية والحياة الواقعية.

كل من المجالين اذن كان تعبيرا بالطريقة التى يتطلبها عن هدف معين : هدف نضالى فى سبل الانسان الذي يحاول الظيم السلطوى والاجتماعى والانحراف الفكرى أن يجرده من قيمه وانسانياته وتفكيره ومشاعره ونضاليته .

- 4 - س - هل الموجة الجديدة من الكتاب المغاربة تسعى لتأكيد نفس المبادىء : أم ان لها بديلا آخر ، وما هو ؟

ج - هناك قاسم مشترك بين الكتاب المعاصرين هو التصاقهم - على العموم - بقضايا المواطن . فهم ملتزمون - فى غالبهم - مع المجتمع المتحرك . ولكن هذه الظاهرة العامة تختلف في مظاهرها باختلاف الكتاب . هناك كتاب وشعراء ملتزمون سياسيا ووطنيا مؤطرون فى هيئات سياسية نضالية . وهؤلاء تطبع كتاباتهم المبادىء الوطنية الاستقلالية والعربية . وابداعهم الادبى يشعرك بروح المسؤولية لان التزامهم نابع عن معاناة مع الجماهير ومن عمق الجماهير ، لا بركبون الموحة ، لانها موجة ، بنفس الاستعداد الذى يجعلهم ينحدرون معها حينما يطويها الفراغ . وهناك كتاب يقرأون فيتأثرون ، لا عليهم أكان تأثرهم

بأدب الجنس الفاحش او الشبق الملتهب . وقد يمرون - وهم يقرأون - بنموذج ملتزم مع مواطن او ظاهرة اجتماعية فيتأثرون لان قلمهم قابل لكل انطباع وهناك آخرون يكتبون لانهم يكتبون

وهناك كتاب يلتزمون ما يمكن أن يسمى باليسار او ما يمكن أن يسمى باليمين تطبع كتابات هؤلاء وأولئك اصطلاحات ومفردات يريدنها مميزة أو مؤشرة على الاتجاه الذي يختارون . وهم يلجأون الى الدفاع عن التزامهم اليسارى أو اليمنى ويناضلون بقلمهم فى هذا الاتجاه او ذاك .

كل هذه الفئات طبيعية فى بلد يجرب حظه فى نهضة فكرية وأدبية . ولكن المهم هو أن الريادة فى المغرب للاقلام الملتزمة المناضلة وفق مبادىء ومقوماء فكرية سليمة .

-5- س - فى نفس الوقت الذى صمت فيه من كانوا يكتبون بالفرنسية فى الجزائر وتونس ، ايمانا منهم بانتهاء الدور الذى كانت تقوم به اللغة الفرنسية فى بلاد المغرب العربى ، نشأت فئة هنا بالمغرب من الكتاب والشعراء الشبان ، خصوصا من لا تنقصهم الموهبة ، واقتصروا على التعبير باللغة الفرنسية . هل هذا نتيجة عجز أو اختيار ، واين يقع مركزهم من بين الاصوات المعبرة عن آلام وآمال الشعب العربي بالمغرب ؟

ج- ما تزال الفئة التى تعبر بالفرنسية قلة بحيث لم تستطع ان تكون تيارا كالتيار الذى كان موجودا فى الجزائر . وستظل هذه الفئة القليلة تظهر هنا وهناك - فى أقطار المغرب العربى - ما دام التعليم لم يعرب بكامله ، وما دام الفتيان والشبان يجدون فى المدارس الفرنسية بديلا عن المدارس المغربية. ولذلك فبعض الشعراء او الكتاب الذين اختاروا - عن اضطرار - أن يعبرو بالفرنسية وجدوا أنفسهم أمام أزمة الضمير التى وجد فيها الكتاب الجزائريون بعد الاستقلال . وأغلب هؤلاء كان ملتزما بالقضايا الوطنية والقومية ، يعبرون

عن آلام الشعب العربي بالمغرب بنفس الروح التى يعبر بها الكتاب الملتزمون باللغة العربية . وكثر من أفراد هذه الفئة يجربون حظهم في العربية مما سيعطي المثل أمام الشاب الذين ينشأون على منوالهم . فالاختيار فى مبدئه كان فى البداية عن طواعية لانهم تعلموا بالفرنسية وعبروا بها . ولكنهم شعروا بأن عجزهم عن التعبير بالعربية هو الذي يفرض عليهم الاستمرار فى التعبير بالفر نسبة . هذا باستثناء البعض ممن يعيشون فى منفاهم الاختيارى بفرنسا الذين يختارون الفرنسية لان مشاعرهم فرنسية ولانهم مستلبون فكريا وروحيا ووطنيا . وهؤلاء قلة لا يعدون كونهم مثالا .

والذي اعتقده أن هذه الفئة او تلك ستعود الى اللغة الوطنية لانهم سرعان ما يشعرون بأنهم معزولون عن الفكر الوطني فى بلدهم . لمن يكتبون ؟ هذا هو السؤال الذي سيضيع أمامهم المنعطف فيتحولون عن الاتجاه الذي ساروا فيه ، إلى الصمت - ان كانوا عاجزين عن أن يتعربوا - او الى التعبير بالعربية - ان كانوا قادرين على التحول

-6-7- س - الميدان الادبي مليء بالتنوعات فى المغرب . فهل تعتقدون بوجود مدارس او اتجاهات أم هي بكل بساطة "موضات" فحسب ؟ - فى زحمة التنوعات والتجديد وبدعوى التجريب ينشط التزييف ولا يمكن اكتشافه بسهولة ولا فى وقت قصير . كيف تواجهون هذه الظاهرة فى جريدة " العلم" وكيف يتعامل معها الدارسون والنقاد في المغرب ؟

ج - لعلى المحت الى الاجابة على هذا السؤال فيما سبق . ولكى أحدد المضمون الحقيقي لهذه الاجابة أؤكد أنه من الصعب تقييم الانتاج المتنوع في المغرب على اساس مدارس معينة او اتجاهات . فهناك ابداع جيد في القصة والرواية والشعر ، وهناك محاولات فى النقد ، ولكن لا يمكن أن تنسب هذا أو  ذاك إلى مدرسة معينة او اتجاه معين ، فأحرى أن تكون مدرسة متفردة أو اتجاه متفرد .

ومن الحق ان التزييف ينشط - ودائما كان نشيطا - ولو فى غير زحمة التنوع والتجديد . ففي اطار كل حركة ادبية نجد ادبا مزيفا بدعوى الاحتذاء او بدعوى التجربة الجديدة

ومن الحق ان المحاولات المزيفة كثرت فى السنوات الاخيرة فى كل الانتاج العربى ، بدعوى الخروج عن " التقاليد " الابداعية فى الشعر او القصة او   بدعوى تحطيم القيم اللغوية والاسلوبية والفكرية ايضا . ودخل الهوس عالم الادب . واستطاع هذا الهوس ان ينتشر وان يأخذ مكانه رغم بعده عن الفهم والعقل والمنطق ، بل انه تسلح بهذا البعد ليؤكد " التجربة الحديدة" و " الرائدة " و " الثائرة المتمردة " . ومن العجب أن الاجهزة المشرفة على النشر كدور النشر والمجلات والصحف - " والعلم " من بينها - تقع ضحية هذا التزييف فتنشر اعتمادا على أن المجرب اجتهد ويسير في الطريق . ولكنه فى الحقيقة لا يمكن ان يصل

من هنا ارى ان عالم الأدب لا ينبغى أن يبقى طويلا ضحية هذا الزيف فى فنون القول . فالاب الردىء المتهافت المهووس يجب أن يختفى ، وسيختفي ليترك مكانه للتجارب الجديدة الحقيقية المعبرة عن مفاهيم واضحة فى النفس الانسانية او فى الوجود الانسانى

والنقد يجب ان يلعب دوره الكامل وبشجاعة فى تعرية الزيف ، ولو تحلى هذا الزيف بألقاب الجديد " و " التطور " و " اللا معقول "

-8- س - الشائع الآن عن السلفية انها حركة رجعية لانها تتعلق بالماضى . ولكنها عندكم " هي الثورة على الحاضر لبناء المستقبل " هل لكم ما تضيفونه للتقليل من تناقض المفهومين ؟

ج - تحدثت عن هذا الموضوع فى كتابى الاخير عن " تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب " . واذا كان لى ما أضيفه هو الا يغرينا المفهوم اللغوي لكلمة السلفية فنشعر دائما بانها التشبث بالماضى . المشكلة فى الحقيقة قائمة على اساس مقاومة التشبث بالماضى . فالذين عاشوا فى عصور التخلف والانحراف فى العالم الاسلامى ، بل حتى فى العالم المسيحي ، كلهم كانوا يسندون

انحرافهم وتخلفهم بالتعلق بكل انحرافات الماضى . فكان من الطبيعى كشف وتعربة هذا الانحراف بابراز الجانب المضيء المستقيم فى الماضى لا للعودة اليه كما هو ، ولكن لكشف الانحراف فى الحاضر المتشبت بالماضى . ثم لاخذ هذا الجانب النير المستقيم للنضال به فى سبيل المستقبل الاكثر انارة واستقامة

وحينما اعتمدت الحركة الوطنية المغربية عند نشأتها على السلفية فى فهم الدين وفهم المجتمع كانت تستهدف تعرية الوضعية الاجتماعية المنحرفة والمعتمدة على الانحرافات الدينية والاجتماعية الماضية . وقد استطاعت الحركة أن تعرى بالفعل الانحراف الدينى والاجتماعى الذى كان يتشبث به بعض المتسمين باسم رجال الدين ، وكان الاستعمار يسندهم ، وعن طريق السلفية توصلت الحركة الوطنية إلى مواجهة مجتمع نظيف بالافكار التقدمية الثورية . وكانت الاستجابة سريعة بعد ان كشفت الحركة السلفية زيف المجتمع والفكر المنحرف .

مفهوم السلفية اذن ينبغى ان يؤخذ من دراسة الفكر السلفى ودراسة الواقع فى العالم الاسلامى فى أوائل هذا القرن ، لا بالمفهوم اللغوي للكلمة ، وهو مفهوم ضحل تتمسك به الاقلام الضحلة.

-9- س - ما هى مكانة الاديب والكاتب في المجتمع المغربي ؟

ج - لا يمكن أن أقول أن الاديب والكاتب قد اصبحت له مكانة ممتازة فى المجتمع العربى ، اذ ان هذه المكانة لم يحققها الاديب والكاتب فى أى قطر من الاقطار العربية . ولكن الذى استطيع ان اقوله ، ان الادباء والكتاب أوجدوا لهم مجتمعا ، مهما يكن ضيقا وصغيرا فهو مجتمع على كل حال ، يقرأ ويتجاوب ويفكر وينقد ويتحرك مع الادباء والكتاب .

مجتمع صغير ، ولكن المهم انه يكبر باستمرار ، رغم موجة الدعوة الى سيادة الفكر التقني ، ورغم ازمة الاستغراب التى تحدثت لكم عنها ، اى سيادة اللغة الاجنبية التى تضع الكتاب والقراء أمام أزمة ضمير ، فان مجمع الكتاب والقراء بالعربية يتسع يوما بعد يوم.

ولعلنا لا نطمع للاديب والكاتب فى مكانة اكبر من هذه فى المجتمع المغربى بكامله الا ان تكون مكانة التقدير لما يكتب ويبدع . وأستطيع أن أقول ان

المبدعين الحقيقيين حققوا لهم مكانة مرموقة ان لم تكن ممتازة على قدر ما تستطيع القراءة أن تحقق هذه المكانة

- 10 - س - ماذا بقى على كتاب المغرب العربى ان يصنعوا ليأخذوا مكانهم ضمن الطلائع الحقيقية للكتاب العرب خاصة ، وكتاب العالم الثالث المستلب بصفة أعم .

ج - عليهم أن يناضلوا .

ذلك ان تخلف الفكرة العربية وتخلف معلومات المثقفين العرب ما يزال كل ذلك يجعل من كتاب المغرب العربى معزولين ، كل فى قطره ، وان اتسعت الدائرة قليلا ففي هذا الجزء من الوطن العربي الذى يسمى المغرب العربى.

اننا مدعوون ان نحمل انتاجنا للتعريف به أولا فى الاوساط الادبية العربية . وعلينا أن ننافس فى دور النشر العربية وفي الصحف والمجلات العربية حتى يصبح اسم كاتب من تونس أو الجزائر أو المغرب فى العراق أو  سوريا او مصر او السودان لا يختلف - فى المعرفة على الاقل - عن اسم كاتب من مصر او العراق او سوريا او لبنان

لا أشك فى أن من كتاب المغرب العربى من يقف فى صف أجود كتاب المشرق العربى . ولكن كتابنا ، كالبضاعة الجديدة فى حاجة ، لكى تشق طريقها للسوق الى الاعلان والحاح فى الاعلان.

ثم علينا أن نسعى لكى يترجم الجيد مما ننتج الى اللغات المعروفة حتى نشق طريقنا الى العالم الثالث . وهذه نقطة يستوى فيها الكتاب المغاربة والمشارقة على السواء . فقراء العربية محدودون في هذه الجزيرة التى ندعوها العالم العربى . ولكى يتعرف علينا الآخرون لا بد أن نبحر.

أجرى الحوار عبد الواحد ابراهم

اشترك في نشرتنا البريدية