الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مقارنة بين تلخيص الابريز الى تلخيص باريز، لرفاعة رافع الطهطاوى والاستطلاعات الباريسية لمحمد السنوسي

Share

- 3 -

ان الدارس لمشكل حركية هذا التطور يجد خير مثال فى كتاب تخليص الابريز لما تضمنه من محاولات فى معالجة ما له صلة بالحياة الواقعية معالجة عقلانية انسانية اصلاحية فى لغة ميزتها السهولة فى التعبير والتحرر من قيود الصناعة البديعية وفى هذا المعنى قال الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى : " وقد حاولت فى تأليف هذا الكتاب سلوك طريق الايجاز وارتكاب السهولة فى التعبير حتى يمكن لكل الناس الورود على حياضه " . ( انظر : تخليص الابريز : ص . 5).

والجدير بالملاحظة أن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى بدا فى هذا الكتاب مؤلف مداخل بشرت بالافكار الجديدة الجريئة التى أودعها فيما بعد كتابه : مناهج الالباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية ، وكتابه : المرشد الامين فى تربية البنات والبنين كما أودعها ما نشره من كتابات عديدة دورية فى الوقائع المصرية وفى مجلة روضة المدارس .

فهذا النوع من التأليف المدخلى هو الذى تطور الى قصة اذ منه انبثق التأليف فى موضوع واحد بعد أن كان فى أغراض شتى كما هو الحال فى كتاب تخليص الابريز . ثم ما لبث التأليف فى موضوع واحد أن أصبح يكون مادة كتاب مستقل بعد أن كان يظهر للناس فى صورة رسائل ومقالات تنشرها الصحف والمجلات . وكثير من كتب الادب جمعت كما نعلم مما كان نشر بتلك الكيفية .

بما هذه الصورة كانت نشأة القصة الحديثة فى الادب العربى المعاصر وتلك الكيفية ابتدأ النثر العربى يخطو حثيث الخطى نحو التطور الى أن بلغ درجة الجزالة مع أحمد زكى ( I934-I867) فى كتاب رحلته : السفر الى المؤتمر ثم جاء محمد المويلحى ( I930- 1868) فاستطاع أن يحرر الكتابة من نير المحسينات البديعية فى كتابه : حديث عيسى بن هشام . وقد استغل محمد المويلحى كل الاغراض التى حواها كتاب تخليص الابريز مستثنيا منها الاغراض التعليمية المدرسية وبذلك حقق التوفيق بين فن المقامة وقصة الاخلاق والنقد الاجتماعى .

ومما لا ريب فيه أن ميزات أدب الرحلة فى كتاب تخليص الابريز يؤكدها ما ذهب اليه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى من منهجية ميزتها تمازج السرد القصصى التاريخى مع الملاحظات الوصفية الدقيقة والمقالات التعليمية والسبر المستقصى للحياة الغربية فى أشد مظاهر تنوعها على غرار الطريقية الموسوعية التى استعملها الجغرافيون العرب فى العصور الوسيطة .

غير أن مسلك البساطة فى التعبير واستعمال الصيغ الجديدة فى تخليص الابريز من الامور التى جعلت الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى يكون بحق امام مدرسة يكتب أدباؤها بلغة مرنة صحيحة ويفكرون تفكيرا فيه تعطش الى الجديد وفيه حرية وتسامح . وفى نظرنا لا يتيسر للباحث أن يحلل ما ظهر من القصص العربى منذ مطلع القرن الحاضر كقصة أديب لطه حسين وقصة عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وقصة قنديل أم هاشم ليحيى حقى وغيرها دون أن يقرأ حسابا للدور الذى قام به الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى واعتباره كنقطة انطلاق وما قام به محمد المويلحى باعتباره همزة وصل بين قرنين .

وما دمنا فى سياق الحديث عن فن الكتابة يجدر بنا الاشارة إلى أن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى قد استطرد الى هذا الموضوع فى صفحات عدة من كتابه تخليص الابريز فاهتم بالنثر وتحدث عن الشعر العربى ومعالجة نقاد العرب في القرن الرابع الهجرى لبعض قضاياه ( انظر : تخليص الابريز ص . I86-184 ) .

ومما امتاز به هذا الكتاب كثرة الشواهد الشعرية الى حد أن عدد الابيات الشعرية فيه يقارب 4I3 بيتا .

ولئن لم يكن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى شاعرا فحلا فانه على كل قال الشعر ومدح مصر مدة اقامته بباريس بقصيدة تضمنت مدح الخديوى محمد على . وقد استهل تلك القصيدة بقوله :

ناح الحمام على غصون البان فأباح شيمة مغرم ولهان ... ثم قال :

والذل للعشاق غير معرة      بل عين كل معزة للعانى

أصبو الى من حاز قدا أهيفا   يزرى ترنحه بغصن البان

. . . ثم قال :

ولطالما قضيت معه حقبة    ونسيم مصر معطر الأردان

زمن على به لمصر فديتها   حق وثيق عاطل النكران

(انظر : تخليص الابريز : ص . 45-46-47).

غير أن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى لم ينسج على هذا المنوال فيما عربه من أشعار فرنسية كقصيدة : لامرسيليز مثلا فهو فى ذلك تميز بتجنبه للطريقة التقليدية وسلك مسلك ابن المعتز ( 247-296 ه . /  908 -861 م .) أو عمد الى الموشح والزجل على غرار ابن قزمان (توفى سنة 555 ه ./ II60 م .) مثال ذلك قوله من القصيدة المسماة نظم العقود فى كسر العود للخواجة يعقوب المصرى منشأ الفرنساوى استيطانا . قال الشيخ رفاعة : واعتنيت بترجمتها سنة ألف ومائتين واثنين وأربعين ( I827 م . ) وأخرجتها من ظلمات الكفر الى نور الاسلام قول صاحبها ونظمه للعبد الفقير :

زاد بى الحال اذ صفا لى       حانى وغناى بالعود والألحان

باسم ربى والسادة الأعيان     وترنمت شجوة بالحسان

               وبسعدى ذات الجبين المفدى

فصغى سمعها الى انشادى     ورمى النار لحظها فى فؤادى

فلهذا شعري غدا فى اتقادى    وبدا من حماسه فى انفراد

              ذوى الفهم والمعارف يهدى

أحرق العشق قلبها كاحتراقى   فأتت تطفئ اللظى بالعناق

فتضامنمنا ضمة المشتاق       وتلاثمنا عادة العشاق

                 فتثنت لتخجل الغصن قدا

شنف السمع من رقيق التغانى    واستمع يا أخى صوت المثانى

يا خليلى بالله هلا ترانى أننى      قد أحييت شعر ابن هانى

                     بعد أن كان قد توسد لحدا

( انظر : تخليص الابريز : الطبعة الاولى : ص . 62-63) .

وأبدى الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى رأيه بخصوص ترجمة الشعر فقال : وهذه القصيدة كغيرها من الاشعار المترجمة من اللغة الفرنساوية عالية لنفس فى أصلها ولكن بالترجمة تذهب بلاغتها فلا تظهر علو نفس صاحبها ومثل ذلك لطائف القصائد العربية فانه لا يمكن ترجمتها الى غالب اللغات الافرنجية من غير أن يذهب حسنها بل ربما صارت باردة " . ( انظر نخليص : ص : 64) .

هكذا مهد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى السبيل لان تظهر فى الشعر العربى الحديث نزعة تجديدية كان من أبرز ممثليها الشاعر المصرى اسماعيل صبرى ( I923-I854 ) . واسماعيل صبرى أحد الذين تأثروا الى حد بعيد بقراءتهم لروضة المدارس وكان يقارن بالشاعر الفرنسى : لامرتين ( I790 - I860 ) . كما مثل تلك النزعة التجديدية فى الشعر أمير الشعراء أحمد شوقي ( I932-I868) الذى ألف مسرحيات شعرية فى طليعتها مسرحية : على بك الكبير سنة I893 . وهى مسرحيات اتسمت بما فيها من لطاقة وروعة وجودة شعرية أكثر مما اتسمت بما فيها من فن مسرحى .

وليس فى ذلك ما يستغرب اذ أن الفن المسرحى هو فن طارئ على لغتنا العربية ظهر فى بادئ أمره مع اللبنانى مارون النقاش ( I855-I817 ) ومع من جاء بعده تعريبا واقتباسا وتقليدا أكثر مما ظهر ابتكارا . ومن أجل ذلك كان جل ما يعرض من مسرحيات بالأوبرا الملكية التى أنشأها الخديوى اسماعيل بالقاهرة فنا أجنبى الروح ليس فيه ما يتصل بأهواء الناس أو يسرى عنهم فى محن الحياة .

لقد اكتشف الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى المسرح منذ أن وطئت قدماه أرض فرنسا وعده من الامور الغربية فقال :

" ومما رأيته في مرسيليا الملعبة المسماة : السبكتاكل ، وأمرها غريب ولا يمكن معرفتها بوصفها بل لا بد من رؤيتها بالعين " ( انظر : تخليص الابريز : ص . 35-36) .

انه التجأ الى استعمال الكلمة الفرنسية : سبكتاكل والى تفسير مدلولها بكلمة : ملعبة حرصا منه على الافهام وعلى تقريب الامور الى الاذهان . وكلمة سبكتاكل هى احدى الاربع وستين كلمة فرنسية التى أوردها فى كتابه تخليص الابريز وجلها خاص بالحياة العملية كالعربات والاثاث والثياب والابنية .

تلك هى الطريقة التى سلكها فى تأليفه الاخرى وقد بررها بالعسر الذى كان يلقاه المترجم نظرا الى الفراغ اللغوى الذى كانت تعانيه اللغة العربية عصرئذ من حيث المصطلحات السياسية والاقتصادية والحضارية الامر الذى حتم عليه آنئذ الالتجاء الى استعمال الكلمات الافرنجية لافتقار الحضارة العربية الى مدلولات تلك الكلمات باعتبار أن المدلول يسبق الدال بل يوجده .

وقد وضح الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى هذه الطريقة فى استعمال الدخيل المعرب بقوله فى مقدمة ترجمته لتأليف الكاتب الفرنسى جورج برنار دوبين ( I853-I784 ) : قلائد المفاخر فى غريب عوائد الاوائل والاواخر ( ط . بولاق ، القاهرة I249 ه . / I833 م .) :

" وحيث ان الكلمات هى فى معظمها أعجمية ... فاننا عربناها على سبيل التقريب باستعمال أصوات أكثر ملاءمة كى تصبح فيما بعد ألفاظا من الدخيل مثل التى دخلت من الفارسى واليونانى " ( انظر : قلائد ، ص . I) .

هذا ما اهتدينا الى استقصائه من بين أغراض كتاب تخليص الابريز ونرى الآن من المفيد أن نستعرض فى اطالة عينات من محتوى كتاب الاستطلاعات الباريسية للشيخ محمد السنوسى قصد تبرير ما أشرنا اليه فى مطلع هذا البحث من أن كتاب الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى كان المصدر الاكبر الذى استقى منه كتاب تونس فى القرن الماضى عندما ألفوا عن رحلتهم الى باريس فأهمية كتاب الاستطلاعات الباريسية فى معرض سنة I889 تتجلى فى المقابلة بين الحالة الراهنة فى باريس وبين حضارة الاسلام بما اقتضته الاحكام والتواريخ والآداب والعوائد . وفى هذا الصدد قال الشيخ محمد السنوسى :

" ورأيت أن ما طالعته فى هاته الفصول له الاهمية الكبرى فيما تهم معرفته للشرقى . ولذلك التزمت أن نشرح فى رحلتى هاته ما وصل اليه قصر باعى وضعف اطلاعى ، حتى يرى قومى أنى ألحق بأمسى يومى . ( الاستطلاعات ص . 95) " .

ثم قال فى الغرض نفسه : " إذا رآها العالم الاريب ... وصل به الرأى السديد الى غاية محاسن العصر الجديد بما يراه من أوجه التمدنات والتقدمات التى بلغت مبالغ الاختراعات واتسع بها مجال الحضارة بين أهل المهارة فاصبح معنى العمران عبارة عن نتائج وفور الثروة والعرفان فى نوع الانسان الى الغاية التى وصلت اليها باريز ( الاستطلاعات : ص . 276 ) " .

وقال في دعوة الامة العربية الى الاخذ بأسباب التمدن التى تنقصها : " ولذلك نذكره هنا عسى أن يكون قدوة للامة العربيه فتاخد نهايات ما بلغت اليه النظامات العلمية في بدايات تراتيبها لنرى لها رجوعا الى شأن العلوم التى بها حياة الامة اذ لا شك أن حاجة الامة تدعو الى جميع العلوم والصنائع بما يقتضيه حالها ( الاستطلاعات : ص . I45) .

وتحدث الشيخ محمد السنوسى عن أحوال المعارف الجارية بين المدارس والمكتبات والمتاحف والمجامع العلمية فقال : " والبلاد الافرنجية من اوربا وأمريكا بلغت اليوم أقصى مراتب العلوم الرياضية والطبيعيه وما وراء الطبيعة أصولا وفروعا . وفيهم الممارسون للعلوم العربية ... كما وصلوا لاتقان الصنائع وفنون الزراعة وطرق المتاجر . وأما البلاد الاسلامية اليوم فاشتهرت بالعلوم الشرعية والعلوم العقلية . ولا أظن أنه يخفى على أحد ". ( الاستطلاعات : ص . 90) .

ومما يؤكد الحجة على ما للشيخ محمد السنوسى من عناية بشؤون التعليم انه اغتنم وجوده بباريس ليحضر مؤتمر التعليم الذى انعقد فى المعرض الملتئم بها وقتئذ وتحدث عن أعمال هذا المؤتمر فقال : " وقر قرار المؤتمر على الاصول الآتية وهى أنه يجب أن يقصد من التعليم العمومى اصلاح شأن البشر بتهذيب كل فرد من أفرادهم ويجب أن يكون هذا التعليم علميا منبيا على الامتحان والاستقراء وأن يفيد الناس من وجه أدبى واجتماعى وصناعى وزراعى ليكون مستقبلهم أحسن من حاضرهم ولييزول بينهم كل جور واعتساف ومحسوبية وجهل وخرافة . ويجب أن تسهل طرق العلم لكل التلامذة أغنيائهم وفقرائهم على حد السواء " . ( الاستطلاعات : ص . 94).

وتعرض الشيخ محمد السنوسى لمشكلة المرأة وتعليمها فقال : " وفضلوا (يعنى الفرنسيين ) تعليم البنات والصبيان معا فى مدرسة واحدة واقيمت البراهين على أن ذلك يبث فى نفوس الطلبة روح الاتحاد ويقوى الآداب والفضائل أكثر مما لو انفصلت مدارس البنات عن مدارس الصبيان . أما مسألة تعلم النساء في شريعتنا الاسلامية فان الشريعة جاءت بتكليف النساء كالرجال فى سائر التكاليف الشرعية . ولا يقوم واجبها بغير العلم . والنسوة اللاتى روين عن صاحب الشريعة ما وصلنا بسندهن كثيرات . تلقين الشريعة ونشرنها . وعالمات الاندلس وشاعراتهم فى الاسلام لهن ذكر فى جميع التواريخ العربية . ولكن هذا الاختلاط الذى قر عليه قرار مؤتمر التعليم بالجمع بين البنات والصبيان تمنع منه الاصول الادبية من شريعتنا اذ أن

الصبيان عندنا فى العشر سنين يفرق فى المضاجع . وهذا التفريق تقتضى حكمته مزيد التحرز من اختلاط الصنفين لا محالة ولكن على كل حال هاته المبادى التى قر عليها قرار المؤتمر ما هى الا من أسباب تقوية عصابة التعليم لا سيما بالنظر الى العادة الاورباوية الجارية بعدم الحجاب بين النسوة والرجال " . ( الاستطلاعات : ص . 94-95) .

واهتم الشيخ محمد السنوسى بمجمع العلماء فى باريس فدعاه ذلك الى اقامة مقارنة بوضع العلماء بتونس فقال : " هذا المجمع فى باريس يسمى أكدمية . . أما اطلاق لأكدميين فى الاصطلاح الفرنسوى الآن فهو يعم كبار العلماء الفرنسيين الذين يبلغون الى درجة عالية يصلونها بما يكابدونه م التعلم والامتحانات العلمية والتآليف المشهورة من غير أدنى ريب فى الحصول على ما بلغوا اليه . وبما أن العلم أعظم وجوه الشرف فلا يمكن عندهم الوصول الى شرفه بدرهم أو دينار ولا بمحاباة أهل الاختيار بل تلك معالى يصلها الرجل بقوته العلمية فيصير من الأكدميين أى أكابر العلماء المشهورين . ويسمى ديوان اجتماعهم أكدمية . ولا غنى لاهل العلم عن صيانته بجمع العلماء جمعا مضبوطا بالاصول العلمية على وجه قانونى يمنع أهواء ذوى الاغراض التى تعود على العلم بواسع الامراض . وقد أسس المشير الاول أحمد باشا ترتيبا علميا يتونس في رمضان I259 / ( أكتوبر I843 ) وقننته الدولة الصادقية بقانون جامع الزيتونة ( I875 ) . ولكن لم تزل الآمال متعلقة بحسن الاستقبال لتقدم المشروع العلمى فى أحسن الاطوار التى تقع على حسن الاختبار حتى تحمد منه الآثار " . (الاستطلاعات : ص . I44-I43) .

وتعرض الشيخ محمد السنوسى الى قضية تعلم اللغات وهو كما نعلم لا يحسن الا اللغة العربية فقال : " وبلغت عناية الدول فى هذا اليوم الى انعقاد مؤتمر اللغات الشرقية فى استوكلم قاعدة مملكة السويد حيث ان ملكها أسكار من أشهر ملوك العالم فى معرفة اللغات الشرقية وجمع لها مؤتمر انعقد أول أغشت من سنة 1889 أرسلت فيه الدول نوابا من علمائها فى هات اللغات . ولا شك أن تعلم الالسن فى الشريعة الاسلامية لمنفعة المسلمين بالتعلم لترجمة ما يحتاج اليه الامام والقاضى للفصل بين الخصوم واثبات ولحقوق أو غير ذلك مما تدعو اليه الضرورة والحاجة غير محذور وربما وجب وجوبا كفائيا " . ( الاستطلاعات : ص . II2) .

واستطرد الشيخ محمد السنوسى بعد ذلك الى الحديث عناية العرب بترجمة العلوم من كتب غيرهم فقال : " وبما أنى فى هذا الصدد ذكرت عناية

العرب باقتباس علوم غيرهم من كتبهم وهى خطة فضل جروا بها لفضائلهم فضائل غيرهم فلا يسعى أن أسكت عن اهتمام الاورباويين بعد ذلك الى اقتناء علوم العرب فقد كان منذ سنة 873 م . أمر هرتموت رئيس دير مارى غالن جماعة من رهبانه بدرس اللغة العربية لتحصيل معارفها " . ( الاستطلاعات : ص . II5) .

فقد سبق الى الحديث عن تلك المؤسسات الفرنسية الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى وتلاه في ذلك خير الدين التونسى وكذلك فعل الشيخ أحمد ابن أبى الضياف ثم الشيخ محمد بيرم الخامس الا ان الشيخ محمد السنوسى أضاف إلى الاخبار والملاحظات التى كان قدمها سابقاوه لا تفاصيل مسهبة فقط بل ميلا الى مواقف كان من الصعب اتخاذها قبل سنة I889 بعشر سنين . مثال ذلك أن عرض الشيخ محمد السنوسى فى سياق الحديث عن المؤسسات السياسية الفرنسية يبتدئ بطريقة تذكر بمطالع كتاب اتحاف أهل الزمان للشيخ أحمد ابن أبى الضياف . قال الشيخ محمد السنوسى :

" لا خفاء أن أصناف الحكومات فى العالم بين ملك مطلق توزعه حكم الاستبداد بما أراد وبين ملك مقيد بالشورى تقوم فيه المجالس الشورية بكبح غوائل الملوك ورد سلطة مظالمهم وبين جمهورية أناطت مصالحها برأى ذوى الشورى وأمنت غوائل الملوك فأصبحت فى ظل من الامن والحرية بلغت به لسطوة يغبطها بها من سواها " . (الاستطلاعات : ص . I3) .

ثم مجد الشيخ محمد السنوسى نظام الشورى وتقييد الملك بها واستشهد على ذلك بالآية : وشاورهم في الامر . وذكر بما كان عليه مجلس عمر الخليفة الثانى رضه : " كان غاصا بأهل الدراية كهولا وشبانا وكان عمر يستشيرهم " . وقال منوها بالحكم الجمهورى :

" ومن رأى انتشار الحكم الجمهورى فى أوربا وأميريكا وتأصل الحكم الشورى فى بقية ممالكهم تحقق حالتهم في الامتناع من ظلم الملوك امتناعا قوى به شأن الامة . ومن علم ما سلكه السلطان سليمان فى تأسيس التنظيمات بسلطنته من اعطاء قوة الدولة ليد الامة حتى ساعد على اجرائها بأيديهم ليقوى شوكتهم ويريهم الحرية عيانا علم مقدار أسباب تقدم تلك الدولة العظيمة الشأن فى تقدماتها . ولكن من تأمل فى حالة الممالك المطلقة قديما وحديثا رأى القضايا معكوسة . والحرية بين يدى ملوك الاطلاق سبة . والعبيد المشتراة أجسامهم بالدرهم والدينار على شرط الجهل وخمول الافكار

لهم السيادة فى كثير من الديار ولن يحل محلهم الا من كان على هذا الاعتبار . وهل مع هاته الحال بقاء للامة ؟ كلا " .

وواصل الشيخ محمد السنوسى تنويهه بالنظام الجمهورى فقال :

" ولكن أحزم الناس أمم قامت بواجبتها وأناطت رئاستها بمن ينفذ ما تختاره الامة فحمت نفسها من ظلم الملوك وجهل عبيدهم أو من حل محلهم من أراذل الجاهلين وسادت بأصول السيادة فى العالم . وقد أسسوا ذلك على أصول محكمة السياج فكان للدولة الجمهورية فى هذا العام مزيد تقدم وعلو شأن فى نفس لامه لا تهمل اعتباره كل سياسة مرعية . وعلى ذلك تأسست حكومة فرنسا فكانت منوطة بمجلس الاعيان ومجلس النواب ومجلس الدولة وهاته المجالس الثلاثة قررتها الحكومة الامبراطورية فى الفصل الخامس والفصل السادس والفصل السابع من قانون الامبراطورية المؤرخ بسنة I870 " . ( الاستطلاعات : ص . I6-15) .

وتخلص الشيخ محمد السنوسى بعد ذلك الى الحديث عن الحماية الفرنسية بتونس فقال :

" وما زادت الدول المتمدنة فى هذا العهد تبصرا الا زادت سلوكا فى طريق الرفق لا سيما لمن تتولاهم من جديد حذرا من حملهم على ما يكرهونه في أمورهم الشخصية . وهذه الاصول قد صدقتها التجارب بين رجال السياسة الفرنسية حتى كانت حمايتهم للدولة التونسية على وجه ارتبط به الفريقان على السعى فى مصلحة المملكة . ولئن الآن وجد فى أحزاب الجمهورية من يميل لاجراء السياسة الجارية بالقطر الجزائرى على حماية القطر التونسى الا أن رجال الدولة ومحبى مصالح الجنسين قاوموهم أشد مقاومة " . ( الاستطلاعات : ص . 23 ) .

واستطرد الشيخ محمد السنوسى عند الحديث عن شرف الدولة بالعفو والعدل فقال مقارنا بين الدولتين الفرنسية والانقليزية :

" ولقد طالعت فى صحيفة المقتطف العلمية بالصفحة 21  من الجزء الخامس من السنة الرابعة عشرة فى ذكر نظر الدول الى عيوب غيرهم دون التفات لعيوبهم ما لفظه :

" فالانكليز مثلا يلومون الفرنسيين لانهم قتلوا العرب في بلاد الجزائر واضرموا النار فى أفواه الكهوف التى لجأوا اليها لكى بمستوهم خنقا وقد

نسوا أنهم فعلوا مثل ذلك بالعصاة من جنود الهند فجمعوهم فى صف واحد وأطلقوا عليهم الرصاص دفعة واحدة ثم جمعوهم بعضهم فوق بعض وأضرموا فيهم النار حتى لا يبقى منهم حى " .

وعلق الشيخ محمد السنوسى على مقالة صحيفة المقتطف فقال :

" فمن نظر الى هاته الحالة التاريخية وما حضرناه فى الظروف الحالية علم الفرق بين الاحوال واختلاف الرجال بتقلب الاجيال . ولا شك أن حالة العفو عند المقدرة أكمل للعافى وأبقى لود المعفو عنه . ومن كلمات الامير عبد القادر الجزائرى الاحسان الى الاحرار يقودهم الى محبة المحسن من غير اختيار . وتلك السياسية الجامعة لمن تولوا أمر العباد منذ نشأة الملك " . ( الاستطلاعات ص . 22-23 ) .

ومما تجدر اليه الملاحظة أن الشيخ محمد السنوسى عمد عند الحديث فى كتابه الاستطلاعات الباريسية عن بنوك الاقتصاد فى فرنسا الى بسط القول عن وجوه تنمية المال بالوجه الشرعى فقال : " وليس جمع هذه الودائع فى البنوك الاقتصادية الا من باب الشركة الشرعية التى تنقسم أرباحها بين ارباب رأسمالها كل بمقدار رأسماله ويأخذ الشريك القائم بالعمل ما يقتضيه عمله بحسب التوافق ولا تخرج هذه الشركة عن شركة العنان أو شركة المفاوضة " . ( انظر : الاستطلاعات : ص . 72 ) .

فكتاب الاستطلاعات يفارق كتاب تخليص الابريز بمثل هذه التعليقات الفقهية التى يوردها الشيخ محمد السنوسى بين الفينة والأخرى بالاضافة ال الموقف السياسي الذي أوردنا النص الموفي بايضاحه . أما بخصوص الاوصاف والمشاهدات بباريس فكتاب الاستطلاعات يذكرنا دوما بما ورد فى تخليص الابريز ولا أدل على ذلك من هذه الفقرة فى وصف مرافق باريس : " فلا نتكلم هنا على انتظام طرق باريس واتساعها وحسن تبليطها بالحجر أو الخشب أو المغيط الذى يمنع صدأ العجلات على كثرتها ولا على تنظيف الطرق وتحسينها بالاشجار المتناسقة الوضع المتكاثفة الغصون أو بالفوانيس من نور الغاز الهوائي أو النور الكهربائى . . . ولا على انتظام المارة بحسب حراسة البوليس على كثرة العربات من الكراريس والامنيبوس والترامواى والشمندفير الكهربائى والخيل والمشاة الى غاية تظهر بها البلفرات عن بعد كالاودية السائلة وكل مركبة كبرى تظهر كالجزيرة فى ذلك السيل . فاذا نظرنا إلى نسب طريق شانزيليزى من شارع أبى جعفر ( ببغداد ) ونسبة غوطة دمشق من بو

( غابة ) دابيولونيا ( غابة بضاحية باريس ) وأخذنا فى الموازنة بين التاريخ الحاضر والغابر أمكن لنا أن نفهم أن سر هذا التقدم بحسب تقدم الامة " .

وتعرض الشيخ محمد السنوسى لاهمية المراقص فى الاجتماعات الاوربية ولا سيما منها المراقص العمومية التى تقام اكراما للاضياف أو لجمع التبرعات أو نحو ذلك من المناسبات فساق استطرادا حكاية أبى نصر الفارابى مع سيف الدولة الحمدانى أمير حلب للتنبيه على أن عظام فلاسفة العرب من العلماء كانوا لم يتركوا حظهم من فن اللحون والمغانى ( انظر : الاستطلاعات : ص . 54). ولاحظنا أن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى قد سبق الشيخ محمد السنوسى فى سوق خبر الفارابى مع سيف الدولة الحمدانى فى كتابه تخليص الابريز لك فى مناسبة أخرى هى أن أبا نصر الفارابى كان يحسن سبعين لسانا ( انظر تخليص الابريز : الطبعة الثانية ، القاهرة I849 ، ص . 66-67 ) .

وبالاضافة الى ذلك تجدر ملاحظة ما يوجد من الشبه بين كتابى المؤلفين من حيث طريقة الكتابة لا سيما فيما يتعلق بعدم الالتزام بموضوع معين . فالاستطراد شيمة الكتابين اذ ما ان يشرع المؤلفان فى معالجة موضوع حتى لا يلبثا أن ينتقلا الى غيره . ومهما يكن من الامر فان الاجراء الايجابى على مستوى الاسلوب فى الرحلتين انما هو تلك المحاولة الملحوظة التى اشتركا فى انتهاجها عصرئذ وهى توخى السهولة فى التعابير واجتناب المحسنات البديعية التى كانت تطغى على كل انتاج مكتوب . وقد أشار الى هذه الظاهرة الشيخ محمد السنوسى بقوله :

" وما أردت مما كتبته سوى افادة الاخوان بغاية ما وصل اليه علمى فى هذا الشأن من غير اعتناء بأوجه التحسينات التى يمنع من الجمع بينها وبين الغرض ضيق الاوقات " . ( انظر : الاستطلاعات الباريسية : ص . 276) .

ولئن تواردت الاغراض غالبا والتعابير أحيانا وخاصة ألفاظ الدخيل فى كل من كتاب تخليص الابريز الى تلخيص باريز وكتاب الاستطلاعات الباريسية فذلك مرجه الى أن الشيخ محمد السنوسى قد تأثر الى حد بعيد بمطالعته لرحلة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى وقد صرح بذلك ضمنيا عند الحديث عن ظروف تأليف رحلته الى باريس ونحن نعلم أنها رحلة استغرقت مدة تنقص عن الشهر ( من 5 جويلية سنة I889 الى غرة أغشت سنة I889) والى هذا المعنى أشار عندما قال :

هذا ما وصل اليه جهد المقل وان لم يف بحاجة الآذان والمقل وما هو الا جمع للمتفرقات التى صرفت فى مطالعتها وتنضيدها وجيزا من الاوقات " . (انظر : الاستطلاعات : ص . 276).

فهذا التصريح وغيره من اعترافات الكتاب التونسيين التى أوردناها فى مطلع هذا البحث تؤكد الدور الطلائعى الذى قام به الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى وتثيت اثباتا أنه كان أول من لاح له قبل غيره من مفكرى عصره من المسلمين أن وجه الاصلاح من الواجب استيحاؤه من النظم المستحدث بفرنسا .

وأملنا أننا يبحثنا هذا الذى اجتهدنا كى نبرز فيه أهم محتويات كتابه تخليص الابريز مع محاولة مقابلتها بأهم محتويات كتاب الاستطلاعات الباريسية للشخ محمد السنوسى قد وفقنا الى المساهمة المتواضعة فى احياء ذكرى مربى فحول المترجمين وزعيم دعاة الاصلاح فى القرن الماضى من عرب ومسليمين .

اشترك في نشرتنا البريدية