الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

مقارنة بين تلخيص الابريز الى تلخيص باريز، لرفاعة رافع الطهطاوي والاستطلاعات الباريسية لمحمد السنوسي

Share

تميز القرن التاسع عشر (*) بتفتح مصر وتونس على أوربا لعوامل سياسية اقتصادية فى معظمها . وقد تجلى ذلك التفتح فى صلات حكام البلدين بالدول الاوربية وخاصة فرنسا . وقد حصل على أثر ذلك بمصر وبتونس وعى بتقدم الأمم الغربية المسيحية وتأخر الامم العربية الاسلامية كما حصل انتباه الى وجوب إصلاح أوضاع ديار الاسلام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا . وتبلور فى أذهان المصلحين اهتمام صادق بوجوب تحقيق ذلك الاصلاح على هدى الاساليب الغربية فولد هذا الامر فى نفوس النخبة النابهة من المصريين والتونسيين عصرئذ عقلية جديدة اتسمت بنبذها الجمود والانطوائية وباقبالها فى حماس وجدية على الاقتباس من وسائل رقى الغربيين والنهل من حياض تقدمهم . وقد امتازت فرنسا من بين بلدان أوربا بعناية رجال الاصلاح المسلمين لاسباب أهمها إشعاع الافكار التحررية المتولدة عن الثورة الفرنسية لسنة 1789 وذيعان صيت نابليون الاول وسحر باريس مدينة النور .

ومن أشهر أعلام النخبة الواعية التونسية الذين تبنوا عصرئذ تلك العقلية المتفتحة وكيفتهم تلك الظروف :

خير الدين التونسى ( 1810 - 1890 ) صاحب كتاب أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك ، وأحمد ابن أبى الضياف ( 1802 - 1874 ) صاحب كتاب اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الامان ، ومحمد بيرم الخامس دفين مصر ( 1840 - 1889 ) صاحب كتاب صفوة الاعتبار بمستودع الامصار والاقطار ، ومحمد السنوسى ( 1851 - 1900 ) صاحب كتاب الرحلة الحجازية وكتاب الاستطلاعات الباريسية .

ولما درسنا مؤلفات هؤلاء الاعلام التونسيين الاربعة تبين لنا وجود توارد بينهم فى التفكير والتعابير ثم لما استقصينا البحث اتضح لنا أنهم تأثروا جميعهم بتآليف الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى وخاصة كتابه تخليص الابريز الى تلخيص باريز فعمدنا من أجل ذلك فى هذه الدراسة الى كشف الغطاء عن هذه الظاهرة من خلال المقابلة بينه وبينهم لاثبات أن كتاب تخليص الابريز كان المصدر الاكبر الذى استقى منه أولئك الكتاب التونسيون الاربعة سواء فى الاغراض أو فى الاوصاف أو فى الملاحظات . ونبدأ هذه المقابلة بإيراد شهادتهم بصريح عبارتهم حبرا على ورق بأنهم اطلعوا جميعهم أثناء تصنيفهم لتآليفهم على كتاب الشيخ الطهطاوى .

فهذا خير الدين التونسى يقول فى كتابه أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك الذى ظهر سنة 1867 ( ط . 2 . تونس 1972 ) بعد أن تحدث عن أهم المكتشفات والمخترعات من القرن الرابع عشر الى القرن الثامن عشر :

/ ومن تاقت نفسه الى تفاصيل العلوم والفنون المشار اليها فعليه بمطالعة الفصل الثالث عشر من المقالة الثالثة من رحلة العالم البارع الشيخ رفاعة أحد علماء مصر المسماة بتخليص الابريز الى تلخيص باريز فقد كشف فيها الغطاء عن تدبير الامة الفرنساوية التى رفعت راية التمدن وأجاد فى ذلك وأفاد . /

وهذا الشيخ أحمد ابن أبى الضياف يقول فى كتابه إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان ( ط . تونس سنة 1963 . ج 1 . ص : 45 - 46 ) :

/  واذا تتبعت فروع القوانين على اختلاف أنواعها لا تجدها خارجة عن مقتضيات العدل المعتبر وجوبه فى كل ملة وسد أبواب ضده . ومن أراد الاطلاع على عقد نفيس فى هذا المعنى فعليه بمطالعة الفصل الثالث من المقالة الثالثة من تأليف الشيخ الالمعى الفاضل أبى محمد رفاعة بدوى رافع الطهطاوى المصرى الذى ألفه فى رحلته لباريس وسماه : تخليص الابريز الى تلخيص باريز .فانه لخص فيه القانون الفرنساوى تلخيصا حسنا بديعا يشهد له بالانصاف وحدة

الفكر فقال فيه : فلنذكر لك وان كان غالب ما فيه ليس فى كتاب الله تعالى ولا فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعرف كيف حكمت عقولهم بأن العدل والانصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم فلا تسمع فيهم من يشكو ظلما أبدا والعدل أساس العمران . اهـ . ( تخليص الابريز . ط . 1 . ص 73 ) .

وقد رأينا مصداق ذلك بالمشاهدة لما سافرنا لباريس مع المشير أبى العباس أحمد باى سنة  1262 ( 1846 ) . وجاراه فى هذا المضمار أمير الامراء الوزير خير الدين التونسى فى تأليف له سماه : أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك . جمع فيه من فوائد السياسة ما تتحلى به الرئاسة عرب أكثره من كتب فرنساوية على أسلوب غريب المنحى يشهد لصاحبه بالتقدم وقوة العارضة . /

وهذا الشيخ محمد بيرم الخامس يقول فى كتابه : صفوة الاعتبار . ( ط . مصر سنة 1302 هـ . ج 3 . ص 76 ) عندما تعرض لحديث عن احتفالات أهل باريس :

/ والموسيقى تصدح بلحن المرسيلياز وهى قصيدة فى اثارة الحمية لأهل الوطن كانوا أعلنوا بها فى الثورة الكبرى سنة 1830 لطلب الحرية . وقد كان ترجم هاته القصيدة العلامة رفاعة باشا رحمه الله ونظمها ودونكها بنصها :

فهيا بنــــى الأوطـــان هيـا     فوقت فخاركم لكم تهيا

أقيموا الراية العظمى سويا    وشنوا غارة الهيجا مليا

وهذه القصيدة جعلوا لها لحنا خاصا وكانوا يترنمون بها فى ليلة تذكار الجمهورية . /

وهذا الشيخ محمد السنوسى يقول فى كتابه : الرحلة الحجازية ( ط . تونس 1976 . ج 1 . ص : 30 - 31 ) :

/ وقد أصبحت يوم الاحد مقيما فى روشن منزلى أتفرج فى ذلك السواد الاعظم لكن لكثرة كنائس البلد ( نابلى ) لم ينقطع عن مسمعى قرع النواقيس مع كثرة مرور العجلات فى تلك المحجات المبلطة حتى تألمت أسماعى وسرى ألم

ذلك إلى القلب بما وحدته من ألم النووى فرددت بيتين رواهما الشيخ رفاعة بك وهما قوله : ( من البسيط )

مذ جاء يضرب بالناقوس قلت له     من علم الظبى ضربا بالنواقيس

وقلت للنفس أى الضرب يؤلمك      ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسى

( انظر : تخليص . ص 29 ط . 1 )

وحيث أنا فى بلاد الاسلام كنا لا نسمع النواقيس الا قليلا وعندما نسمعها تسرع ألسنتنا الى تلاوة : الكافرون والاخلاص حفظا لايماننا نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت كنت فى ذلك اليوم مغتما كثيرا مما أسمعه فضلا عن كونى أشاهد بالقول لباس السواد وكشف الرؤوس أو تغطيتها الا بالبرانيط وفى أثناء ذلك قلت : ( من البسيط )

تشابهت نابلى عندى بما جمعت       وأن غدت مثل أذناب الطواويس

ان رمت تنزيه طرفى فى محاسنها       أصم سمعى ارعاد النواقيس

وفى مراتعها حسن يروق بها              والارض تصطك من ذى الكراريس

من كل سيارة فيها يرى قمر               أو المها أو ظبيات المكانيس /

ثم يقول الشيخ محمد السنوسى فى كتابه : الاستطلاعات الباريسية ( ط. تونس 1308 / 1891  . ص : 122 ) محدثا عن مكتب اللغات الشرقية بباريس :

/ وفى ساحة المدرسة صورة المعلم ساسى سيلفستر ( سيلفستر دى ساسى ) شارح مقامات الحريرى وهو أول مدرس بالعربية فى تلك المدرسة . وقد أثنى عليه الشيخ رفاعة بك فى رحلته . واجتمعت بحفيده للبنت فى سن الشيخوخة يحسن العربية وشهرته فى الفارسى والتركى ... /

وزيادة للايضاح نورد هنا ثناء الشيخ رفاعة فقد قال فى تخليص الابريز ( ط . 1 . ص : 57 - 58 ) :

/ ومع ما يتراءى ان الاعجام لا تفهم لغة العرب اذا لم تحسن التكلم بها كالعرب فهذا لا أصل له وما يدلك على ذلك أنى اجتمعت فى باريس بفاضل من فضلاء الفرنساوية شهير فى بلاد الافرنج بمعرفة اللغات المشرقية خصوصا اللغة العربية والفارسية يسمى البارون سلوسترى دساسى وهو من أكابر باريس وأحد عظماء جملة جمعيات من علماء فرانسا وغيرها . وقد انتشرت

تراجمه فى باريس وشاع فضله فى اللغة العربية حتى انه لخص شرحا للمقامات الحريرية وسماه مختار الشروح . وقد تعلم اللغة العربية على ما قيل بقوة فهمه وذكاء عقله وغزارة علمه لا بواسطة معلم الا فى مبدأ أمره ولم يحضر مثل الشيخ خالد فضلا عن حضور المغنى مع أنه يمكنه قراءة المغنى كيف وقد درس البيضاوى عدة مرات ... /

ونحن أمام هذه التصريحات لا يسعنا الا التأكيد بوجود صلات متينة بين أصحابها وبين صاحب كتاب تخليص الابريز وذلك يثبت لنا أن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى قد أدرك بحق وهو فى باريس فى فترة ما بين سنة 1826 وسنة 1831 خطورة الدور الذى عليه أن يقوم به لفائدة الامة العربية الاسلامية فكان أول من انتبه الى أن أمر الاصلاح انما يكون فى محاربة ذهنية محافظة عنيدة هى ذهنية القرون الوسطى أو لا يكون . لذلك شهر على تلك الذهنية حملة عنيفة عمدنا فى هذا البحث الى أن نتتبع منهجيتها عبر محتوى كتابه تلخيص الابريز حيث يقول ( ص . 4 ) : وليست هذه الرحلة مقتصرة على ذكر السفر ووقائعه فقط بل هى مشتملة ايضا على ثمرته وغرضه وفيها ايجاز العلوم والصنائع المطلوبة والمتكلم عليها على طريق تدوين الافرنج لها واعتقادهم فيها وتأسيسهم لها )) .

فهو بادر الى وضع النقط على الاحرف منذ خطبة الكتاب فبين مقصوده فى صراحة وجرأة عديمى النظير فى عصره حين قال : فلما رسم اسمى فى جملة المسافرين وعزمت على التوجه ( الى فرنسا ) أشار على بعض المحبين لا سيما شيخنا العطار .... أن أنبه على ما وقع فى هذه السفرة وعلى ما أراه وأصادفه من الامور الغريبة والأشياء العجيبة وأن أقيده ليكون نافعا فى كشف القناع عن محيا هذه البقاع ( يعنى باريس ) التى يقال فيها إنها عرائس الاقطار وليبقى دليلا يهتدى به الى السفر اليها ( يعنى فرنسا ) طلاب الاسفار خصوصا وأنه من أول الزمن الى الآن لم يظهر باللغة العربية على حسب ظنى شئ فى تاريخ مدينة باريس ( انظر : ط 1. ص : 3 - 4 ) )) .

لقد تأثر فعلا الشيخ رفاعة الطهطاوى بالمشاهد العمرانية فى باريس وفرنسا فقابلها بما كان عليه وضع مصر وبقية الممالك الاسلامية وفى هذا الصدد قال :

(( ولعمر الله اننى مدة إقامتى بهذه البلاد لفى حسرة على تمتعها بذلك ( يعنى العلوم البرانية والفنون والصنائع ) وخلو ديار الاسلام منه )) . ( انظر : تخليس : ص . 4 ) .

لذلك عمل الشيخ رفاعة الطهطاوى على أن ينبه فى كتابه أمم الاسلام وفى هذا الصدد قال : (( وأسأل الله ...  ان يوقظ به ( يعني : تخليص الابريز ) من نوم الغفلة سائر أمم الاسلام من عرب وعجم )) . ( انظر : تخليص : ص . 5 )

أما أسباب التمدن التى تنقص العالم العربى الاسلامى فقد أشار اليها عند الحديث عن رحلته قال : (( وأنطقتها ( يعنى الرحلة تخليص الابريز ) بحث ديار الاسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع فان كمال ذلك ببلاد الافرنج أمر ثابت شائع )) . ( انظر : تخليص : ص . 4 ) . ولعمرى أفليست هذه الاشارة تلمح الى برنامج اصلاحى كامن فى ذهن الشيخ رفاعة الطهطاوى هو برنامج يرتكز على اصلاح نظام التعليم بمصر وهو ما أتاحت له الاقدار تحقيقه عندما عاد الى مصر واختير عضوا فى لجنة إصلاح التعليم سنة 1836 ؟

ذلك أن الحصول على العلم قد أصبح يعتبر بالبلاد الاسلامية منذ أجيال من الوجهة الدينية الاخلاقية أكثر من أن يعتبر كمحاولة فى التحرر من المجهول وفى الاستجابة الى متطلبات الفكر ولا مراء فى أن أشرف العلوم عند المسلمين هو العلم الذى غايته معرفة الله عز وجل ( انظر : الامام الغزالى : آداب المتعلم والمعلم ) وقد انجر عن تصور العلم وكسبه بهذا الاعتبار ظهور اتباعية ضيقة الآفاق حرصت على سلوك الطرق المعبدة وعلى هجر سبيل المغامرة نحو كشف المجهول وتسبب ذلك فى ازدهار اندفاعات صوفية وجر الى اهتمام بالاستقرار فى السرمدى فأثر ذلك فى المنهج التعليمى وانتهت العناية بالعلوم الى الاقتصار على الدراسات الدينية واللغوية كما انتهى جهد العلماء فى مصر وفى تونس وغيرهما من الاقطار الاسلامية الى وضع الشروح والتفاسير أو التهميش أو التعليق أو الاختصار لأمهات الكتب القديمة فى الفقه والحديث وغيرهما من العلوم الدينية واللغوية .

والى هذا المعنى أشار الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى فقال : (( ان البلاد الاسلامية قد برعت فى العلوم الشرعية والعمل بها وفى العلوم العقلية وأهملت العلوم الحكمية بجملتها فلذلك احتاجت الى البلاد الغربية فى كسب ما لا تعرفه وجلب ما تجهل صنعه ولهذا حكم الافرنج بأن علماء الاسلام انما يعرفون شريعتهم ولسانهم يعنى ما يتعلق باللغة العربية ولكن يعترفون لنا بأنا كنا أساتيذهم فى سائر العلوم )) . ( انظر : تخليص : ص . 7 )

فبعد أن كان علماء الاسلام أساتيذ الغربيين بفضل ما استطاعوا استفادته مما جمعوه من عناصر البحث بفضل ادراكهم أن التجربة والملاحظة أنفع من أفضل الكتب أصبحوا بسلوكهم الطرق المعبدة فى تأخر عن ركب الحضارة والمدنية ولذلك أعلن الشيخ رفاعة الطهطاوى أن العناية بمصادر العلم والمعرفة من أهم الامور كما اعتبر أن مراجعة النظر فى مفهوم العلماء والمعلمين من أوجب الواجبات . فهو أثناء إقامته الطويلة بباريس تمكن من الاطلاع عن كثب على مناهل العلوم فى فرنسا وعلى وضعية المعلمين فيها باعتبار ذلك أهم عامل لبث العلوم بين الناس .

وقد استغل الشيخ رفاعة الطهطاوى سعة اطلاعه فى هذا المضمار ليقارن تلك المصادر بما ألفه فى وطنه مصر . واعتبر التعليم جهازا اجتماعيا يقوم على المعلمين ولذلك كانت مقارنته للمعلم المصرى بزميله الفرنسى من أهم النقاط التى حظيت بتفاصيل معتبرة فى كتاب تخليص الابريز حيث قال : (( أما علماؤهم فانهم منزع آخر لتعلمهم تعلما تاما عدة أمور واعتنائهم زيادة على ذلك بفرع مخصوص وكشفهم كثيرا من الاشياء وتجديدهم فوائد غير مسبوقين بها فان هذه عندهم هى أوصاف العالم وليس عندهم كل مدرس عالما ولا كل مؤلف علامة بل لا بد من كونه بتلك الاوصاف ولا بد له من درجات معلومة فلا يطلق عليه ذلك الاسم الا بعد استيفائها والارتقاء . ولا تتوهم أن علماء الفرنسيين هم القسوس لان القسوس انما هم علماء فى الدين فقط . وقد يوجد من القسوس من هو عالم أيضا وأما ما يطلق عليه اسم العلماء فهو من له معرفة فى العلوم العقلية ومعرفة العلماء فى فروع الشريعة النصرانية هينة جدا . فاذا قيل فى فرنسا هذا الانسان عالم لا يفهم منه أنه يعرف فى دينه بل أنه يعرف علما من العلوم الاخرى وسيظهر لك فضل هؤلاء النصارى فى العلوم عمن عداهم وبذلك تعرف خلو بلادنا عن كثير منها أن الجامع الازهر المعمور بمصر القاهرة وجامع بنى أمية بالشام وجامع الزيتونة بتونس وجامع القرويين بفاس ومدارس بخارى ونحو ذلك كلها زاهرة بالعلوم النقلية وبعض العقلية كعلوم العربية والمنطق ونحوه من العلوم الآلية . والعلوم فى مدينة باريس تتقدم كل يوم فهى دائما فى الزيادة فانها لا تمضى سنة الا ويكشفون شيئا جديدا فانهم قد يكشفون فى السنة عدة فنون جديدة أو صناعات جديدة أو وسائط أو تكميلات )) . ( انظر : تخليص : ص . 124 )

وتحدث الشيخ رفاعة الطهطاوى عن الامتحانات التى صنعت معه فى مدينة باريس خصوصا الامتحان الاخير الذى أعقبه رجوعه الى مصر فاغتنمها فرصة

للطعن ضمنيا فى الاجازة العلمية عند المسلمين حين قال : (( اعلم أن من عادة الفرنساوية أن لا يكتفوا فى العلم بمجرد شهرة الانسان بالفهم أو الاجتهاد أو بمدح المعلم فى المتعلم بل لا بد عندهم من أدلة واضحة محسوسة تفيد الحاضرين فى الامتحان قوة الانسان والفرق بينه وبين أمثاله وهذا يكون بالامتحانات العامة يحضرها العام والخاص )) . ( انظر : تخليص : ص . 152-153 ( . وفى هذه القولة بذرة أخرى لتلك العقلية الجديدة التى ما انفك الشيخ الطهطاوى يدعو اليها منذ الصفحات الاولى من كتابه تخليص الابريز . ( ص . 4 ) حيث قال : (( واياك أن تجد ما أذكره لك خارقا عن عادتك فيعسر عليك تصديقه فتظنه من باب الهذر والخرافات أو من حيز الافراط والمبالغات وبالجملة فبعض الظن اثم والشاهد يرى ما لا يراه الغائب )) .

وأول ما أثار انتباهه فى أمر التعليم كثرة المدارس وتنوعها من حيث الاختصاصات والدرجات العلمية . فالصبيان الصغار لهم مدارس خاصة بهم تعلمون فيها ما يحتاجون اليه من كتابة وعلوم الآلات كالحساب والهندسة وغيرها كالتاريخ والجغرافية وفى هذا الصدد قال : (( من عادة أهل باريس أنهم فى التعليم يبتدئون بتعليم الانسان القراءة فى كتب عظيمة الحروف لترسم صورها فى أذهانهم وفى هذه الكتب توجد الحروف الهجائية بتركيبها ثم بعدها عدة ألفاظ لغوية من الاسماء والافعال . فهذه الطريقة يتعلم الانسان منها الكتابة ويحفظ هذه الكلمات وينطق بها كما ينبغى حتى تخرج لغته من صغره صادقة الجودة . ثم بعدها تلقى فى هذه الكتب عدة جمل سهلة التعقل تناسب الصغار .

(( فمن هذه الجمل ما وجدناه فى الكتاب الذى قرأناه : هذه فرس لها أربع أرجل والطيور ليس لها الا رجلان لكن لها أجنحة تطير بها وأما السمك فانه سبح فى الماء . ونحو ذلك مما هو معلوم للمخاطب فهو مثل قول النحاة : السماء فوقنا والارض تحتنا ، المثل به لما يفد فائدة جديدة على اختلاف تفسير الوضع فى قولهم : الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع .

(( ثم بعد ذلك يوجد فى هذا الكتاب أوصاف الحيوانات المعروفة خصوصا التى تتعلق الصغار باللعب بها من العصافير والطيور والسنانير ونحو ذلك . ثم بعد ذلك نبذة صغيرة فى كيفية سلوك الصغار وطاعتهم للوالدين ونحو ذلك . ثم نبذة فى علم الحساب . فبعد فراغ هذا الكتاب يبدأون فى قراءة كتاب أهم منه وفى كتاب النحو الفرنساوى وغيره .

(( وتقسيم الزمن على دروس الانسان فان الانسان يتعلم فى النهار عدة أمور مختلفة فيقرأ فى الصباح مثلا التاريخ ثم بعده درس تصوير مع معلم الرسم ثم بعده درس النحو الفرنساوى ثم بعده درس تقويم البلدان ودرسا مع معلم الخط لتعلم قواعد الكتابة الى آخره )) . ( انظر : تخليص الابريز : ص . 137 ) .

لقد قارع الشيخ رفاعة الطهطاوى المعاصرين له من المسلمين بحجج علمية أفحمهم بها وقرب الى أذهانهم فكرة اقتباس ما سماه بالعلوم البرانية ومن ذلك أنه يرجع الى مفهوم الفتوحات الاسلامية ويحمل المسلمين مسؤولية عدم وصول الدين الاسلامى الى القارة الامريكية ويعلل هذا التقصير بالعجز الناتج عن انعدام العلوم الصحيحة عند المسلمين وبالتالى يرى أن مصدر القوة والنفوذ بالنسبة للشعوب هو العلوم الصحيحة والدليل هو أن الافرنج حققوا ما عجزت عنه الامم الاسلامية والى هذا المعنى أشار عندما قال : (( ولم يوجد بها ( يعنى امريكا ) دين الاسلام وسببه قوة الافرنج فى علوم ركوب البحر ومعرفتهم العلوم الفلكية والجغرافية )) . ( انظر : تخليص : ص . 16 ) .

فالعلوم التى تحتاجها مصر بل الامة الاسلامية كى تلتحق بركب الحضارة والمدنية هى كما قال فى الباب الثانى من مقدمة تخليص الابريز : (( الحساب والهندسة والجغرافية والتاريخ والرسم والحقوق والعلوم الادارية وعلوم الاقتصاد وعلم العسكرية وعلم الطب وعلم الفلاحة ثم الترجمة )) . وبعد تعداد هذه العلوم تحسر قائلا : (( فاذا نظرت بعين الحقيقة رأيت سائر هذه العلوم المعروفة معرفة تامة لهؤلاء الافرنج ناقصة أو مجهولة بالكلية عندنا ومن جهل شيئا فهو مفتقر إلى من أتقن ذلك الشئ ( انظر : تخليص : ص . 11 ) .

فنظرة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى الى العلوم هى نظرة ثورية خصوصا اذا ربطناها بالمعتقدات الخاصة بهذه العلوم والسائدة بين المسلمين فى عصره اذ كلمة علوم لم تكن تعنى فى عموم البلاد الاسلامية الا العلوم الفقهية وعلوم اللغة اما ما كان من العلوم فى غير الدين فالمسلمون كانوا يعتبرونه بدعة وكل بدعة ظلالة ومروق وذلك ما أدى الى ضعف الحركة العلمية عند العرب بينما سار الاوربيون بالحضارة فى دورها الجديد على طريقة تعتمد على التفكير والتجربة والملاحظة .

ولقد فكر الشيخ رفاعة الطهطاوى وجرب وهو فى باريس ولاحظ أن ارتباط مشكل العلم والمعلمين بقضية المدارس والمؤسسات التعليمية أمر منطقى ولذلك خصص صفحات عديدة فى كتابه تخليص الابريز للتنويه بالانظمة التعليمية الفرنسية وكأنه بذلك يدعو المصريين وسائر أمم الاسلام الى النسج على ذلك المنوال فى نظام التعليم واختصاصاته .

لقد انتبه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى الى خطورة مهمة مؤسسات تعليم الصبيان وكأنه يشير الى عقم مناهج التعليم فى كتاتيب مصر وغيرها من الممالك الاسلامية فى عصره . ولا شك أنه قصد بوصفه لعادة أهل باريس فى تعليم الصبيان ابراز حقيقة جوهرية هى أن المدرسة ليست وظيفتها تعليم النشء القراءة والكتابة والحساب فحسب ولكن وظيفتها اعداد الفرد لما يتطلبه المجتمع الذى يعيش فيه لما للمدرسة من الاثر فى خلق الانسان وسلوكه وأفكاره فهى توقظ فى الطفل قوى التفكير وتصقلها وهى تبعث ملكات الذوق وتهذبها .

كان الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى يرى أن اختصاص مناهل العلم يساعد على ضمان الجدوى وذلك ما شاهده فى باريس ومارسه وهو يتعلم ويترجم . وعند الحديث عن مستويات التعليم ودرجاته قال بخصوص التعليم العالى فى فرنسا : (( إن العلماء فى مدينة باريس لهم مجامع عظيمة تسمى بأسماء مختلفة فمنها ما يسمى أكدمية ومنها ما يسمى مجمعا أو مجلسا والانسطيطوت عندهم اسم عام يشتمل على جميع اجتماع الاكدمات أى المجالس الخمس وهى أكدمية اللغة الفرنساوية وأكدمية العلوم الادبية ومعرفة الاخبار والآثار وأكدمية العلوم الطبيعية والهندسية وأكدمية الصنائع الظريفة وأكدمية الفلسفة )) . ( انظر : تخليص الابريز : ص . 128 - 129 ) .

وحاول الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى تقريب مدلول كلمة أكدمية الى ذهن معاصريه من المصريين الذين لم يكونوا يعرفون من مؤسسات التعليم سوى الكتاتيب والزوايا والربط والمساجد وجامع الازهر فقال : (( فالمعنى ظاهر كما إذا قيل أكدمية مصر فالمراد بها الجامع الازهر لان المراد به ديوان أكابر علماء مصر )) . ( انظر : تخليص : ص . 129 ) . والى جانب هذه المؤسسات التى لا وجود لمثيل لها فى البلاد الاسلامية عصرئذ لاحظ الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى أن فرنسا كانت تتمتع بوجود جمعيات علمية غرضها إجراء بحوث ودراسات فى مختلف الفنون والاختصاصات وبفضلها يتقدم العلم وتتحقق الاختراعات .

وتفطن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى الى أهمية تلك الجمعيات العلمية ونوع نشاطاتها فهى دائبة فى البحث والتنقيب والحركة والتحديد اذ السر فى تجديد العلوم الفرنسية وفى تقدمها يرجع أغلبه الى نشاط تلك الجمعيات العلمية والى توفر المكتبات العمومية وخزائن الكتب ومنها الخزانة السلطانية بباريس التى يندر وجودها بمصر .

لقد امتاز الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى فى كتابه تخليص الابريز بكثرة المادة وغزارتها مع اسهاب تفصيل القول فى بعضها والعناية بالجزئيات قصد افهام قارئه وتقريب الامور الخاصة بالفرنسيين الى ذهن المصريين واعتمد فى

ذلك طريقة المقابلة . لذلك نراه لم يقتصر على الحديث عن المدارس والمعاهد والكليات والجامعات عندما تصدى لبحث مصادر العلم والمعرفة بفرنسا بل توسع فى الموضوع ووصف ما كانت تتمتع به تلك البلاد من من منشآت ومؤسسات تقوم بدور خطير فى نشر المعرفة بين الناس منها المتاحف وسماها : خزائن المستغريات وتفطن الى أهميتها العلمية لان الانسان يرى فيها الامور التى يتعلمها نظريا مجسمة ومشكلة وقال فى خصوص علاقة هذه المتاحف بالمعرفة :

(( ففى باريس كثير من الخزائن التى يقال لها خزائن المستغريات فيوجد بها ما تتشوق اليه نفوس الفضلاء ليستعينوا به على الغوص فى الطبيعيات كالمعادن والأحجار والنباتات وسائر الاشياء التى فيها آثار القدماء . وتعلق هذه الاشياء بالعلوم . ان الانسان يدرس ما يراه فى الكتب ويقابله فان رأى فى كتاب تعريف حجر كذا وحيوان كذا وكان الحجر أو الحيوان نصب عينه قابله مع الاوصاف المذكورة فى الكتب )) . ( تخليص : ص . 126 ) .

واستطرد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى فى صفحات عدة الى الحديث عن دور الطباعة والصحافة وأولاهما اهتماما خاصا لاعتباره اياهما من أهم وسائل نشر العلم والمعرفة ومن أنجع أدوات رفع مستوى الشعوب من ذلك قوله : (( والجرنالات مختلفة الانواع والاصناف فمنها ما هو معد لذكر أخبار داخل مملكة الفرنسيس وخارجها ، ومنها ما هو مخصوص بأمور المملكة فقط وما هو للمعاملات وما هو للطب . ولكل علم على حدته كعلم الطب الى آخره . والجرنال الواحد ينطبع منه غالبا للبيع خمسة وعشرين ألف نسخة . وكل جرنال تكثر نسخه على حسب رغبة الناس فيه . وأرباب الجرنو يعرفون الاخبار الغريبة قبل غيرهم لان لهم مراسلات مع سائر البلاد )) . ( تخليص : ص . 135 )

لقد بهرت الحركة العلمية بباريس عقل الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى فقال : (( ومما يبهر العقول فى باريس دكاكين الكتبية وخاناتهم وتجارات الكتب فانها من التجارات الرابحة مع كثرتها وكثرة المطابع وكثرة التآليف التى تنطبع كل سنة فانها يعسر حصرها . وأغلبها المقصود منه الكسب لا النفع . ولا تمر سنة بمدينة باريس الا ويخرج من المطبعة كتب معدومة النظير . واعتناؤهم بالمعارف هو أحسن ما ينبغى أن يمدحوا به )) . ( تخليص الابريز : ص . 135 - 136 ) .

وقد أثرت ميول الشيخ الطهطاوى التعليمية فى ترتيب كتابه وفى مادته ولأجل ذلك تخللته دروس كاملة أحيانا فى علوم مختلفة فهو خصص مثلا فصلا كاملا للعلوم هو الفصل الخامس فى حين تعرض استطرادا فى بقية الفصول

لموضوع التعليم فى باريس . فهو يتحين الفرصة فيغتنمها لافادة قومه بمختلف ضروب المعرفة حتى ان كامل الفصل الثانى من المقالة السادسة لا يزيد عن كونه دروسا فى اللغة الفرنسية ( انظر : تخليص الابريز . ص : 177 - 180 ) . واستطرد فى حديثه عن العلوم الطبية فى باريس الى درس نموذجى فى كيفية المحافظة على الصحة استغرق أربعا وعشرين صفحة من صفحة 96 الى صفحة 111 . قال تبريرا لذلك الاستطراد : (( ولنذكر لك نبذة من فن قانون الصحة وتدبير البدن حتى تتم فائدة هذه الرحلة . وهذه النبذة ترجمتها فى باريز لقصد استعمال جميع الناس بمصر لها لصغر حجمها . فهى وان كانت تخرجنا عما نحن بصدده الا أن منفعتها عظيمة وثمرتها جسيمة )) . ( انظر : تخليص الابريز : ص . 96 ) .

ان هذه اللهفة على العلوم والمعارف دليل على مقدار اعجاب الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى بالعلوم التى اطلع عليها فى باريس وتلك هى أهم ظاهرة بهرت خاطره ولئن ركز اهتمامه على المعارف فان كتابه لم يخل من آراء وملاحظات تتعلق بالامور الاقتصادية وقد وردت تلك الملاحظات فى الفصل القصير الذى خصصه لاستعراض بعض مظاهر الحياة الاقتصادية فى نطاق حديثه عن كسب مدينة باريس وهذه الامور هى البنوك والجمعيات المالية ثم الصناعة وبعض مظاهر التقدم الصناعى قال فى الفصل الحادى عشر فى كسب مدينة باريس ومهارتها : (( ان أعظم التجارات وأشهرها فى باريس معاملات الصيارفة والصيارفة قسمان صيارفة المملكة أو الميرى وصيارفة باريس . ووظيفة صيارفة الدولة بالنسبة للتجارة ان تودع الناس ما يريدون وضعه ويأخذون كل سنة ربحه المعين في قانونهم فلا يعد عندهم هذا الربح ربا الا اذا زاد عما في القانون )) ( انظر : تخليص الابريز : ص . 114 - 115 ) .

اشترك في نشرتنا البريدية