قراءة ثانية بربك أيها القارئ الحبيب ، قراءة ثانية وإن . . . عطفا .
فى الطابق الثالث من عمارة كبيرة تبدو شرفة ليلى ، تحتل الزاوية اليمنى من البناية . . كانت الساعة تشير الى الثانية والنصف بعد الزوال ، وكان الحر شديدا فى هذه الايام الاخيرة من شهر أوت ، لهب حارق يسود الأجواء ويلهث كلبا صغيرا ممددا فى مدخل البناية . . الصمت يغمر هذا الشارع الكبير من المدينة . . من شقة أرضية يتلاشى حسيس أغنية فى نغمة شتائية الطمع فيها حب أو ملل حب . . .
تململ زوج ليلى وألقى ما بيده من صحف يومية ثم أرسل بصره الى زوجته المضطجعة على أريكة كبيرة تنام أو تحاول النوم ، ساقها ممددة تبدو مستطيلة . . . بجانبها تجثم قطة بيضاء . . .
مد يده الى مجلات تكدست على رف سفلى لطاولة مستديرة أمامه ، ثم نهض الى الشرفة ، وقف أمامها وقتا ثم اتجه الى مقعد زوجته وأخذ القطة بين يديه لحظة ثم مد يده الى عقب ساق ليلى ففتحت نصف جفنيها ثم استدارت وضمت رجليها . . . قال لها :
- الفراش ، ليلى ، - فيه راحة لك من هذه الضجعة . فضمت كفيها تحت رأسها وانجذبت الى إغفاءتها . . .
أز ظهر المقعد من تململ ليلى عليه تحاول النوم فنهضت تطلب شرابا باردا ولما عادت الى القاعة ارتمت أرضا وهمست : " لقد تآكلت المتكآت والحشيات والمفارش وطغى وحل الراحة فصرت أعاف لين الفراش ونعومة اليد وبرودة الشفاه " قالت لزوجها :
- هل عرفت نساء قبلى ؟ فأجاب : - ثلاثا فقط .
- وأحببتهن ! - حبا عنيفا جميعا . - وضاجعتهن . - إلى الملل . - ونفرت منهن !
- لأنى لم أجد فيهن المرأة . . ، المرأة شيططانة صرفا أو ملاكا صرفا ، أو صدقا صدقا .
- ووجدت فى إمرأتك فتزوجتنى ؟ - لا . وإنما يأسا و . . وهكذا .
- أو ليس روعة الأمور فى أنها اذا ما لم تشبعك ألوانها ، فتقسو عليك شدة هذا اتلون وتؤلمك حدة ذاك . . ، وما تزال الشيطانية والملائكية فى تراقص رقص حميم حتى يولد الخلق الجديد . قال ببرودة : - أذكر أنى قرأت عن ذلك . . .
فنظرت فى وجهه مليا ، متفحصة ، مستكنهة . . . فغيمت فيها أحاسيس أفكار ، فلوت وجهها . . . وفى حر كة آلية مدت يدها الى كراس على المنضدة أمامها ، فتصفحتها ، إنها لولدها عفيف ، انه لما يبلغ السادسة من عمره . . . فى الورقة الثانية تمرين للخط : أسطر ثلاثة تكرر فيها رسم حرف الباء وسطر تكرر فيه رسم كلمة " باب " فهمست وهى ترفع عينيها الى زوجها " الباب " فابتسم لها ، فأغضت عنه وعادت الى الكراس : الحرف مجهد ، معوج ، متعثر يتلوى حينا ويستقيم جانب منه حينا آخر . . . قالت فى سرها : " ما أشد قيام الكيان ! إن الحرف لا يلين لليد ولا تسلس هى له إلا بعد جهد عنيد " ، أخذت قلمها وأرادت أن ترسم شيئا ما ، ولكنها لم تفعل لأن شيئا مما أرادت كتابته استعصى على الحرف ونفر وأنكر فألقت بالقلم بحركة عصبية . . .
. . . قالت ليلى تحدث زوجها : " ذات عشى ، أبصرت على رأس قطتى آثار عض رفيق ، فدعوتها ، فاذا أنفها يرمع كمن افتاق الى جنون . . . فجاءت الى قدمى تستلهم الحلم فباغتها النوم فصارعت الغفوة الى أن سمعت مواء سيدها يطلبها ، فتر كتنى وذهبت الى زربية ناعمة تمددت عليها ثم ما لبثت أن تقلبت مرارا ثم نظرت الى وأنا الى أنشودة أقص مقاطعها وعينك الى فمى ترعى
الصوت . . . وبعد حين غادرت القاعة الى السطح . . . ، سمعتها فى أعماق الليل تصيت صوتا رقيقا مؤلما . . . ورأيتها بعد يومين فما جاءتنى ولا عانقتنى فدعوتها فتأبت ، ورأيت على عينيها كالغمام تفر من الاستقرار فقدمت إليها طعاما شهيا فنظرت الى لحظة ثم عادت الى السطح . . . وبعد أسبوع أقبلت فاذا هى الى مألوف حياتها معى . . .
قال الزوج : - ما أجمل قصص الحيوان . . .
. . . دخل أحمد على ليلى فى مكتبها قائلا : - أين أنت أمس ، لماذا لم تأتى الى العمل ؟ خشيت أن تكونى . . . فقالت ليلى :
- أن أكون ماذا ؟ . فأجاب : - أن تكونى قد مت قبل أن أدعوك للموت . فنظرت اليه دون أن تتكلم . . . وأحمد هذا هو رفيق لها فى الدراسة وزميلها فى العمل . . .
قال أحمد : دخلت أمس صباحا مكتبك فاذا هو فارغ ساكن سكون ما باغتنى فى تلك اللحظة من انطفاء وضياع ، مقعدك وراء الكتب مائل فى اتجاه الباب . . . وقفت فى الشرفة المطلة على الساحة : البواب حركته سريعة بين الساحة وبيته . . . ، أمامى ، فى أقصى الساحة بناء يلصق بتؤدة وأناة مستطيلات الجليز الابيض على الحائط . . . . ، شمس لينة تغمر المكان . . . من حين لآخر يتناهى الى صوت السيدة " ع " نافرا ، ناشزا . . وفجأة عتا على شعور جاد بالفراغ فتر كت الشرفة ، فاقتبلنى زميلنا " س " وأخذنى فى حديث جدى عن الادارة والمدير و . . . فابتسمت له يائسا ونزلت ، وبعد لحظات طالعنى باب مكتبى فأشعلت لفافة تبغ وفكرت : " لو أقتلك ! ما أروع الفناء المراد ! أى مهب يجب أن يعصف لأكون مشيئة مطلقة تريدنى وأريدها إرادة كمالا ؟ " .
قالت ليلى : أحمد لم لا تتزوج ؟ قال : لأنى أردت أن أكون نطفة فى رحم دافئ ، بلا حب ولا جمال ولا زيف كيان .
قالت ليلى بصوت متغضن كترهل عين أرهقها ليل فباحت باعياء : وقفت هذا الصباح الى المرآة فاذا عيناى مخضلتان ، وعلى أجفانى انتفاخ كالورم بان لماعا من تأثير الطلاء ، لا إشعاع فى محياى ولا حرارة شباب فهرعت الى الماء البارد أنضح به وجهى ورقبتى وصدرى الى أن شعرت بقشعريرة ترعد فرائصى فحملت يدى الى وجهى فاذا هو محبب ، أحصب ، فملت الى الحائط أحفر بظفرى ثقبة مسمار المرآة التى تكسر نصفها الأعلى ، فهالنى صمت الحائط وصبره وسكونه . . .
قال أحمد : - انها العين ، ليلى ، داء الحس وهم الفكر و . . ووهم الخاطر .
. . . دخلت ليلى مكتبها ، وكان اليوم خريفيا ، متقلبا ، نظرت الى ما أمامها من أوراق ثم سكنت الى رؤى صامتة تحاول تحسسها . . . ورفعت عينيها الى زجاج النافذة الكبيرة المطلة على الساحة : ظلال ، ظلال كثيفة ، مزمنة تحط على النافذة بلا حياة ، إن الحائط القائم أمامها يسد عليها كل منفذ للشمس . . . ، تركت مقعدها واتجهت نحو الشرفة ؛ المسرب أمامها غير نافذ يمتد مع الحائط الأمامى مسدودا ، لا أثر عليه لقدم وإنما خطوط رمال رقيقة ، تبدو متعرجة ، متراكبة رسمتها هذه الرياح الخريفية الصاخبة . . . ، بالزاوية اليمنى الأمامية عشب طفيلى استرق أنفاسه وسط أوراق ذاوية ، مقوسة ، مصفرة اللون ، عليها آثار كتابة . . . ، انه المكان المتروك من البناية " ولكن لماذا سدوه حتى تعفن ! " وأخذتها صور القحل وانقحط والضحل ، فنظرت الى ساعتها ثم الى مكتبها ، فبدا لها رهيبا ، فارغا ، فعادت الى النافذة : الجو مغبر ، دا كن كالابتئاس ، فى أعلى النافذة ذبابة صغيرة ملتصقة بلا حراك . . .
وعادت ا لى مكتبها . . . نظرت الى ما أمامها من ملفات ثم رفعت رأسها فقابلتها صورة كانت قد وضعتها صديقتها صباح ، إنها تمثل كبشا وأنثاه يقضمان الكلأ على مرأى من راعية حزينة : " ما أجمل الفحل السيد ، ما أبشع أنثى الحيوان ! " وخطر لها : " إن صباح بنت مرحة . يجب أن تكون المرأة مرحة مرحة فقط ، فى الحب ، فى الحر كة وفى النوم . . . ، يجب أن تغرقها موجة المرح فى هالة راعشة مرعشة الى الموت ، الى ما بعد الموت . ولكن أ يمكن للمرأة أن تموت ضاحكة ؟ يمكن للمرأة أن تتكلف المرح فينبثق فيها فيض الأنوثة ، فتنساق إليه ، الى الفعل . . . "
. . ارتطمت بذقن ليلى ذبابة فجأة ، والتصقت به ، فرفعت إليها يدا عجلى وأبعدتها بعنف فسقطت أمامها ، على المكتب ، ميتة . فبقيت تنظر إليها : " انها ذبابة صغيرة ، سوداء . . ، لقد سقطت على ذقنى سقوطا حادا مباغتا بسرعة عاجلتنى بها مذهلة فازعجتنى الى الصياح . . . ، لقد كانت ذات حر كة قوة ! " .
رفعت يدها الى ذقنها وتحسست منه مكان الذبابة ، فانزلق إصبعها ثقيلا على الطلاء الزيتى على وجهها : " لقد شوهت هذه المحتضرة زينتى ! " .
أخرجت مرآتها الصغيرة وتأملت فيها مليا فلم تتبين أثرا . . . " مسكينة ، الذبابة ، لقد سارعها إحساسها بالفناء فانتفضت مجنونة تستبقى الحر كة بل تبحث عن الراحة . . . ها هى أمامى فى راحة الأبد قد انتهت بلا شئ ، لا قوة ولا فعل ولا غاية . . . " تلمستها بظفر إصبعها النحيف فاذا هى خفيفة ، خفيفة : " ولكن لم تمت مستلقية على ظهرها كما يموت كل ذى قلب ! قد تكون أرادت ذلك ، بل قد أمكن أن يكون ذلك بدون إرادة ، عفوا أو جريا على عادة النظر الى السماء ، ولكن يدى هذه ، عنف يدى اللعينة أفسد عليها ذلك وحرمها الاستلقاء . . . " أطل عليها أحمد ثم نظر الى ساعته وقال : " أتشدك أعمال ثقال ؟ " فاغتصبت ابتسامة فارغة ، فدخل عليها ، فألقت يدها على الذبابة تخفيها ، فتأمل فى وجهها ، فى يدها ، فى مكتبها ثم قال : " يبدو عليك إجهاد وإعياء " فنهضت وأخذت له يده بيدها التى كانت على الذبابة وخرجا وتر كا المكتب مفتوحا . . .
كانا فى الممشى يسيران ، فالتصقت به ليلى تحتمى من هبة ريح طافرة فحماها بذراعيه وهمس : " لقد بادرنا الخريف بتقلبه " . قالت وهى تنجذب من تطويق يديه وتعود الى مكتبها : " لقد نسيت أن آخذ معى أوراقا نسيتها على المكتب " فقال : " أسرعى ، سأترقبك فى السيارة لأوصلك الى بيتك " . دخلت الى مكتبها فاذا هو مضطرب من هبوب الرياح ، فنظرت الى مكان الذبابة فلم تجدها ، فبحثت عنها بدون جدوى . . .
. . . ونزلت الدرج لتعود الى بيتها من الباب الخلفى للبناية ، فاذا أحمد واقف يترقبها . . . دخلت الى السيارة دون أن تنظر إليه . . . كانت تسمع خطاه تقترب من السيارة ، وكانت تنظر الى الليل يحط حطه السريع وفكرت : " ها اللحم ير كبنى ، والعين تحم ، وها الأمر يكون " جلس أحمد أمام مقود سيارته ، ومد يده الى الزر وارتعشت المر كبة ، فلوت رأسها الى نافذة السيارة عن يمينها لتخفى دموعا صامته . . . قال أحمد :
- ما بالك ، ليلى ، تبكين ؟ قالت : - لا أريد البيت ! - وابنك ؟ - ويدى ؟ - نعم ويدك البيضاء ؟ - فى بترها ينتفى الفعل ، وقد يبدأ السلام .
. . . كانت السيارة تعبر طريقا مستقيما ، ممتدا وسط سهل فسيح ، وكان نورها يصارع ضبابا كثيفا يحط على السهل ككثيب الرمل . . . ، ضغط أحمد فجأة وبعنف على معطل السيارة وعاج بها الى رمال السهل ، فتململت ليلى وارتمت عليه ، فقال : " إنى لم أعد أرى شيئا ، إلى أين نسير ؟ " . قالت همسا :
- " الى الموت . ألم تطلبنى يوما الى ذلك ! "
. . . كانت رافعة اليه رأسها فى هيئة المبتهل أو كانت أصابعه على رقبتها تتحسس شرايينها فى نبضها المتسارع . . . قال : " كيف يمكن لى أن أقتل فيك المرأة ، ما أردتك إمرأة ، لا ، لا ، وإنما أردت ! . . ها هى عيناك ، ها هو ثغرك ، ها أنت فى ندائك المحموم ، فى سورة جسدك تشدين يدى دما ، دما . . . لا ، لا ، ليست هذه نهاية الأرب ، يجب أن لا تكون هذه نهاية الأرب . . . "
. . . كانت تصعد مدرج بيتها فى الطابق الثالث . . . ، وكان تصايح الاطفال داخل الشقات التى تمر بها كالمسسامير فى أذنيها . . . ترنحت أمام باب منزلها ثم فتحته هامسة : " أليس الحب والموت صنوين ؟ " . . . استقبلها زوجها حائرا :
- ما هذا التأخر ليلى ؟ قالت : - كنت عند الطبيب ، إنى حامل . وأغلقت وراءها حجرة نومها .

