اليوم يوم ح .. ز .. ن ، نهض من فراشه باكرا بعد أن أطرد عنه شبح النوم العنيد ، ودون أن يغسل وجهه ، ودون أن ينتبه الى نفسه فى المرآة والى شعره الذى يشبه فى علوه وانحداره أمواج البحر المتضاربة ، دخل تحت جبته الصيفية ودفع الباب قاذفا بجسمه الى الشارع . لم يكد يمضى نصف حتى تسمر فى مكانه متأففا :
أوه . . لقد نسيت النقود !
ركض عائدا حتى انه عندما حياه صديقه الحميم (( فوزى المسكين )) تحية الصباح لم ينتبه اليه فظل فوزى مشدوها لأمره ! وما هى الا لحظات حتى كان قبالة (( الكشك )) يقتنى صحيفته الحبيبة . ودون أن يغادر مكانه تصفحها الى أن أرسى بصره عند صفحتها الادبية . قلب العناوين والاسماء الموقعة تحتها مرات ومرات فلم يعثر لاسمه على أثر كما حلم فى الليلة الماضية .
- اذن كان الحلم زيفا ؟ كان زيفا أليس كذلك ؟!
انتبه اليه بعض الزبائن مرتابين فى أمره بينما طمانهم صاحب (( الكشك)) الذى اعتاد تصرفاته ، حملق فى وجوههم جميعا بكثير من التحدى .
ألقى بالصحيفة لبائعها وغادر السوق مارا (( بالربط )) متخذا الشارع الخلفى الواسع تحت السور رفيقا له وهناك ما بين البحر وصمت المقبرة الخاشعة ركن بزاوية مقفرة قبالة (( سيدى المازرى )) وصورة صديقه الذي تطارده التعاسة لا تفارقه لحظة !
كان يجيب جبته دائما قلم متمرد وورقة عذراء ناصعة البياض جعل يلطخ شرفها بالمداد :
- (( اسمى فوزى بن عبد الله الم ..ج .. ن .. و .. ن .. عمرى ثلاثون جنية وزنجيتين ، مطلق منفصل ولى فى كل شارع حبيبة تعسة تقف فى النافذة عارية فى انتظارى خلف قضبان النار وزجاج القطيعة ؟ تكالب القدر على وجودى فطعن المطلق غدرا لبعثى ! وذات فجر ارتعشت فيه أوصال الليلة الماضية ، غافل أبى أمى بعد هجر طويل ، فضاجعها عنوة وهى تستحم فى نوم لذيذ مقيدة تحت براثن نوبة عصبية ، مضت تسعة أشر ناقصة تدحرج على اثرها رأسى ببيت يعرفه الجميع .
كنت أغفو وأصحو وملعقة الذهب لا تفارق فمى وكنت لا اعرف من صروف الحياة غير مقعد يحتضننى بجانب والدى فى سيارته الطويلة العريضة الضخمة .
عندما بدأت أفقه سر الاشياء عرفت أن والدى صائغ تبر وألماس وأنه من أعيان البلد يشتهى كل امرأة تدخل متجرة .
أمى الجميلة مريضة بحبه حتى الفناء .
أختى الملاك الذى سرق شعر بريجيدا ، وعينى أورنيلا وجمال ميراى ، ورشاقة دليدا ، هى عشيقة فتيان الحي تحيطها السواعد من كل جانب .
كلوديا حاولت أن تنتحر من أجل الفوز بأخى فى شريط (( البترولاز )) . وعرفت أخيرا أن قدرى اسمه - باتريسيا - .
وبمرور الايام أدركت أنني شاذ عن الحقيقة ومهووس حتى النبوغ ومتوحش حتى الهدوء . واكتشفت أخيرا أن العالم حشرة فى قبضتى واني متأكد من عبقريتي المتغذية من فكر " طاليس " تأكدى من قولك عني : فى هذه اللحظة " لكننى أصفعك بحدسي اذ لم أصادف فى حياتى أبله مثلك لا يفهمني ويصر على قراءة بقية قصتى وتجميد ساعة من حياته لمجرد خروجى من قمقمي ودخولى فى مسامه لتحنيط جلده ..
كنت ليلة اجتيازى مرحلة (( السيزيام )) امزق جميع كتبى وكراساتى وأحطم ادواتى المدرسية ثم ارتدى جبة جدى وعمامته وأحلى معصمى بسبحته بعد أن أطفئ النور .. وأشعل الشموع مسترسلا فى قراءة سور من كتاب الله
الكريم حتى (( والعصر ان الانسان لفى خسر ، الا . . . )) وأظل أسبح باسم الرب وأرجوه أن لا يبخل بى ساعة الامتحان .
بكيت طويلا وأنا ساجد على حافة السرير أناجيه .
نظرت الى سقف البيت . فلم أعثر له على ملمح .
ذهبت أطل من النافذة المطلة على السطوح . كان لون السماء أزرق وكانت المدرسة تقول لنا فى الفصل : ان الله يختفى خلف هذه الزرقة الممتدة الشاسعة النيرة العملاقة ... ما ان تذكرتها حتى احسست بقشعريرة تسرى فى دمى ورغبة تطن فى رأسى ، قفزت داخل الفراش ، نزعت الجبة والسبحة وثيابى قطعة قطعة وبقيت أنظر الى نفسى عاريا تحت الغطاء والى الكتاب ملقى على الوسادة . كانت اللحظة عسيرة الوصف ! وكان صوت الله يؤنبنى الا انه رغم أنفى كان الفراش يهتز والعرق يتصبب منى وكان طيف مدرستى "نتيلة" يلازمنى ويهتز معى بلباسه الشفاف القصير .
كنت فى عالم آخر من الاحلام اللذيذة أسبح مع العينين الخضراوين والشعر الكستنائى .
سنة كاملة وأنا احتل الطاولة الاولى واسقط أدواتى المدرسية تحتها عشرين مرة فى اليوم حتى أننى ما عدت أجلس فوقها بقدر ما أقبع تحتها . وكانت دائما تتعمد عدم الانتباه الى أو الاكتراث بى ! الا انني عندما حاولت ذات مرة أن المس يدها المستريحة فوق الطاولة وهي تشرح لنا درس التربية الوطنية نهرتنى بصفعة مازلت أتحسس بصماتها على خدى . وعوض أن أعود الى البيت يومها فى منتصف النهار عدت على الساعة الخامسة مساء فى سيارة والدى رفقة السيد المدير الذي نزل ضيفا عندنا ليلتها وقبل أن يفارقنا ليوصله أبى حتى باب شقته سمعته يعتذر مقسما بعقاب (( أبلة نتيلة )) وكدت أصرخ : لا ! الا اننى كتمت الصرخة فى قلبى . ومن يومها أصبحت صديقا لابن المدير أعبث بكل شئ وآخذ الحلوى والشكلاطة وكل شئ ... كل شئ ... لقد أصبح الكل يهابنى . . .
تطلعت من النافذة بعد طلوع الفجر والليل يهرول مخلفا حذاءه فى الشارع الى قوافل التلاميذ تخف السير نحو المعهد الثانوى ، وكنت وحدى (( تحت السور )) اثر هروبى من الساحة أرمى السيارات المارة بالحجارة وألوذ بالفرار . 808 72
عندما بزغت عيون الشمس فى فؤاد السماء كنت على الشاطئ اوغل نظرى فى اللحم الناعم مكدسا على الرمال فى كل مكان . لم يتجاوز عمري الثانية عشرة انذاك وكنت كلما لاحظت فاتنة تتقدم نحو الامواج الصاخبة ركضت بجانبها لارشها بالماء وأغوص مفتعلا عدم الانتباه واللامبالاة . لكننى ( ولحسن حظى ) لم أنح من عقاب فقد حاول أحد أقربائها اغراقى بعد امطارى لكما وشتما .
وكدت اغرق فعلا لولا تلك الفاتنة التى انقذتني وأنتبه فى آخر لحظه ... كنت في شبه غيبوبة وكانت تجذبنى نحو الشاطئ ورأسى ملقى على واحة صدرها . وكان نهداها يهتزان مع الامواج التى تهزنى معهما . وخلت نفسى بين حلم وشبه يقظة لم أصدق اننى بين يدى ابلة نتيلة فتشبثت بالجسد الذى بحوينى لينتشلنى من هوة النهاية وتشبثت بالنجاة 000 بالحياة أكثر فأكثر 0٠٠ وابتسمت ثم غبت عن الوعى !!!
رفعت جفنى ببطء فاذا والداى يقفان أمامى من خلف غشاوة بدأت تتضح شيئا فشيئا وكانت هى تجلس على حافة السرير تبتسم ، وفتحت عينى أكثر فاذا بى وسط حجرة واسعة كالحة البياض بها مرضى وممرضين يرتدون نفس الزى بنفس اللون ولا شئ أمامى غير أبى وأمى يطمئنانى على صحتى ويسألانى عما حدث ، بحلقت جيدا ولم أجب بغير جملة واحدة : (( أين أبلة نتيلة ؟! . . ))
تراكمت الايام وتناحرت الليالى وغادرت المدرسة واصبحت أرافق أبى الى مصاغته . وفى غمرة نشوتى بالحياة فارقت أمى الحياة بسكتة قلبية ولحقها والدى فى نفس السنة بعد اصابته بنزيف فكرى تداعت له شجرة المخ ، وتزوجت أختى أحد فتيان الحى الذي امتص رحيق شبابها ثم رماها لمخالب الافلاس وباع أخى أملاكنا وهاجر الى حيث توجد برييجيت ونينا ، وجانيت . وبقيت أنا معكم أقتفى أثركم وتقتفى اليد الحمراء أثرى ؟
تزوجت بحميدة المصابة بمرض القلب ، دخلت بيتى عذراء وغادرته بعد سنتين كما دخلته كنت كلما وضعت عليها يدى أشعر بالنار تحصد أناملى وقد حاولت كثيرا الى أن اكتشفت اننى عاجز !! ولم تكد تمضى الحلقة التاسعة من مسلسل (( أديب )) حتى انفصلت القمة عن السفح .
حاولت كثيرا ان أجد لنفسى مكانا فى زحمة الحياة الى أن وجدتنى مكبلا بين أصابع أخطبوط آخر احتل بيتى بعد ايهامى بوقوعى فى الشراك مقابل 73 809
اخماد عواء بطنى وحماية جسدى بالقليل مما تجود به فضلات سوق السبت الاسبوعية ، وأمام المحتوم رضيت بالعيش فى (( الفاراج )) حيث أبيع الفلفل والطماطم والبطاطا لحسابه وعندما تزحف الظلمة ويقفل الباب على من الخارج تجدنى أخط بالطباشير على الجدران بأحرف غليظة :
(( نتيلة أين أنت ؟ أين . . . انى أحبك . . أحبك . . . ))
تم اتكوم على السرير الذى يظل يهتز بى حتى الصباح وأنا أتصبب عرقا ٠٠٠
تلفح اشعة الشمس الصيفية السقف والجدران ثم تتسرب أشعتها من تحت الباب الخشبى فتحتل نصف المكان . أرمى بمجموعة (( امرأة تعترف )) تحت الوسادة ثم أضرب بقبضتى على الحائط الفاصل بيننا فتخرج زوجة صديقى (( العنكبوت )) التى طالما أقسمت بأنه لن توجد القوة التى يمكنها أن تكرهها على الخروج من هذا البيت !
ادفع الباب وأسير فى اتجاه المقهى المجاور ، يرحب بى الجلاس الذين اعتادوا انتظارى كل صباح بعد نظرة شبه ساخرة الى ظهرى المقوس وفمى المزبد وعينى الغائرتين . يطلبون لى قهوة بطابع واحد من السكر ويتحلقون حولى راجين منى امتاعهم كل مرة بقصة جديدة .
وعندما أصمت معلنا عن البداية يهلل جلاسى وأصدقائى بالتصفيق فرحين مسرورين مكبرين فحولة قريحتى وفصاحتى وبلاغة قصصى ثم يدخلون فى ضجيج طويل حاد أحسمه أنا بقولى منتصرا : تى . . . زى . . فو . . .
هنا يأتي نادل المقهى باذن من مستخدمه ليرمى بى الى الشارع الطويل ، فأمكث وحدى على الرصيف أبكى ويظلون بعدى يضحكون . . . ولا يقترب منى منهم غير(( فوزى المجنون )) .
ويظل (( فوزى العبقرى )) يبحث عن نفسه معى وابحث معه عن حبه ... عن لغز الحياة ... عن الانتحار فى القمة ... عن الجريمة فى السفح ! 0

