يقول " واين بوث " : لا بد لكل أثر فني من صورة ما لمؤلف ، وحتى الروايات التى لا يتجلى فيها راو تفرض صورة ضمنية لمؤلف مختف فى الكواليس ، يضطلع بدور مخرج أو محرك دمى أو إله لا مبال يقلم أظافره " (1) .
لكن من هو المؤلف ؟ ، هل هو ذلك الرجل الحقيقي ذو الهوية المدنية أم هو "كائن ورقى " يختلف اختلافا تاما عن المؤلف المادي للرواية ؟
والذى يتحدث فى السرد هل يختلف عن الذي يكتب " فى الحياة "، والذي يكتب يختلف عن الكائن الواقعي " ؟ .
ذلك ان المؤلف إذ يكتب " ويبتكر فى الآن نفسه ترجمة مصعدة لذاته " ويجرد من نفسه " أنا ثانيا " un second - moi يمثل غالبا ترجمة نقية ، مطهرة ، فطنة ، حساسة أكثر قابلية للتأثر بالحقيقة (1) .
حاجة القارئ إلى راو :
لكى تتم عملية التخاطب بنجاح لا بد من توفر العناصر الضرورية لها ، وتسليما بأن الاثر الادبى عملية تخاطب تختلف فيها وسيلة الابلاغ عن الوسائل الهوائية أو السلكية . . . فان منزلة المخاطب تبدو فى وضع محرج ، متردد ، غريب ، زائد ، فالخطاب مكتوب على الورق ، ولا حاجة للمتقبل بباث .
ولكن غني القارىء عن " باث الخطاب " وهم شكلى ، اذ أننا كثيرا ما نهتم بالطريقة التى يعكس بها وجدان الراوى الاحداث الطارئة ، أكثر من اهتمامنا بما يقدمه المؤلف نفسه من جوانب أخرى ( 2 ) ذلك اننا نشعر بحاجه الى واسطة تربط بيننا وبين الخطاب الادبى تفرضها :
- حاجتنا للواقع المطمئن : حتى لا نشعر بأن الرواية تصلنا بطريقة فوقية قدرية 》 Transcandante 《
- حاجتنا الى المثل العليا والقيم الجمالية : ذلك ان المؤلف يجرد من نفسه راويا مصعدا يجسم جملة من المبادئ ، تتجلى فى مواقفه الضمنية وفي سلوك الاشخاص أو فى تدخلاته المباشرة ان وجدت .
مقدار الرؤية :
الراوى هو الواسطة بيننا وبين الحدث يقدمه لنا ضمن رؤية معينة ، لها ، من حيث الكم ، حدان ، تنعت حسبهما ، فهى :
- خارجية : لا يعرف الراوي شيئا عن أفكار الاشخاص . . لكن هذه الرؤية محدودة الاستعمال اذ ان القصص يستحيل اذا اطردت ، وحيثما وقعت ، كونت لغزا . . مثال ذلك : طار الولدان كفرخي حمام نبت ريشهما ( 3 ) ولا يعلم الراوي مكانا معلوما قصداه ، فالراوى فى هذه الجملة لا يدرك من أفعال الاشخاص الا ما بدا للعيان ، وما يقدر أن يعلمه متفرج ، محايد ، لا مبال .
- داخلية : يطلع الراوى على الاشخاص ودواخلهم وأفكارهم ، وينتصب إلها عالما بأسرارهم ومستقبلهم .
وقد يتراوح الشكلان عند الحديث عن الشخص الواحد ، وقد ينسحب أحدهما على شخص دون آخر وقد ينتشر على طول الرواية وقد ينحصر في بعض منها ( 4 ) .
ويورد " رولان بارط " ( 5 ) ثلاثة مفاهيم عن الراوى ، فهو يعتبر :
* أن السرد يبثه شخص حقيقي بالمعنى الحسي والنفسانى ، ذو هوية ، هذا الباث هو المؤلف ، تتعاقب فيه مظاهر الشخصية ودواعى الفن . . . هو شخص يتناول القلم ليكتب ، وبذلك يكون السرد متسربا من خلال وجدان راو نهتم به ونجمع القرائن الدالة عليه حتى تتكون لنا صورة واضحة عنه .
* أن الراوى عقل مطلق يبث الحكاية من وجهة نظر عليا هي وجهة نظر الاله ، فهو فى آن واحد داخل الاشخاص اذ يعلم ما في صدورهم ، ومتميز عنهم لانه يتجنب التطابق مع اى منهم . وهذا المفهوم ذكرناه عن تودوروف وقد أسماه " الرؤية الداخلية " أو " الرؤية من الداخل " .
* ويحدد المفهوم الثالث للراوى مقدار رؤية الاشخاص . . . فيورد الاحداث مروية عن لسانهم ، فهو فى هذه الحال يتطابق معهم فيتحطم جدار التعالى الذى شيده المفهوم القديم لدور الراوي ( عرس الزين للطبيب صالح ) .
لكن رولان بارط يعتبر أن هذه المفاهيم الثلاثة محرجة لانها تتفق على اعتبار الراوى والاشخاص جميعا كائنات حقيقية ، حية ، كما لو أن السرد لا يتحدد أولا الا فى مستواه المرجعي فى حين أنه يعتبر الاشخاص والراوى على حد سواء كائنا ورقيا لا غير ( 6 ) .
الا ان " خريف " لا يتوقف عند هذه الاشكال الثلاثة التى نظرها الهيكليون فاشتق منها فروعا متنوعة . . . وأتى بضروب مختلفة من العلاقات بالقارئ فهو :
* يفهم اللغة الباطنية للاشخاص ويفسر ما غرب منها عن القارىء ( قال بخطر فلان شرى اليوم اللحم : رأي الذبان على فم القلة الجديدة ص 18 ) وبذلك يخضع المؤلف القارئ لسلطة أدبية أساسها التفوق في الالمام بعالم الرواية وخفاياه .
* ويتواطأ مع الاشخاص على القارئ وبرهن على أن الشخص صنيعته وبعض منه : فعلمه من علمه ، وبذلك ينحاز الشخص له ضد القارىء الجاهل الغريب . . ثم " يتواضع " المؤلف ويشرح للقارئ ما أشكل عليه ، وبذلك تتجدد علاقة القارىء بالرواية كخطاب . . فيتجاوز بعضها رصيده الثقافي المشترك بينه وبين المؤلف . . فيضطر الاخير للاستنجاد بلغة أكثر " عمومية " للافهام ، فالرواية حينئذ عالم ذكي يتجاوز مدارك القارىء ، والمؤلف عقل ذكى . . عالم مطلق الاطلاع .
ولا يتكتم المؤلف على جهل القارئ ولا يستر نقيصته ، بل يشهر بجهله وذلك باستعمال وسائل لغوية فاضحة :
- ذلك أن : ص 57 . - يقصد : ص 92 . - والقصد هنا : ص 210 . - أى : ص 419 . أو وسائل أخرى لعلها أكثر تشهيرا كالنقطتين : فلان شرى اليوم اللحم : رأى الذبان على فم القلة ، ص 18 . أو القوسين : تو أم تجرمني ( تضربني ) ، ص 153 . أو التفسير فى الهامش . فالمؤلف من هذه الناحية أستاذ معلم ، والقارئ تلميذ بليد الفهم ، غبي .
. وبقدر ما يلتحم المؤلف بالاشخاص فهو حريص على التميز عنهم :
- فى الهوية : باستعمال ضمير الغائب : وذلك دأبهم إذ لا نشاط لهم غيره ، ص 19 . - فى المكان : وهو أمر فى الجريد من الغرابة بمكان ، ص 76 . -فى الزمان : وهؤلاء لهم عوامل أخرى اختص بها جيلهم ، ص 133 . - فى المصير : والواقع أنهم وحدهم صائرون اليه ، ص 132. - فى التفكير : فكيف لا يحنون الى الماضي ، وكيف يكون شأنهم غير المحافظة ، ص 133 .
. والتحم المؤلف ( 7 ) بالراوى : وبذلك اصبح غير ذلك الاله المختفى فى الكواليس ، بل ترجم عن نفسه باستعمال ضمير المتكلم ، فاقترب أكثر من القارىء ، وقد تعالى عنه حينا . بل أن القارىء ينتعش وضعه على المستوى الروائى فيحسب له المؤلف بعض الحساب :
ويقسم له على صدق قوله: " لعمري ! لقد أجهدت نفسها لتكون له خير حاضنة " ، ص 9 .
وقد يعتذر له عن خطا أو نسيان : عفوا ، هناك فئة ناشطة هى فئة العدول ، ص 19 .
ويتدج مستواه " العلمي " فينتقل من ذلك الجاهل الغر الى " مثقف " قد يستوى علمه بعلم المؤلف : " وهذا البيت كما ترون أقرب الى الشعر التجريدى منه الى الشعر فقط " ، ص 99 .
* وقد يلتحم به كليا فتجمعهما جبة ضمير متكلم واحد : وأعانتها عادة خبيثة تذكرنا بعادات القدامى من الهنود ، ص 57 .
* ويتكاثف الحضور الثقافي للمؤلف ، فتتجلى ثقافته :
- أدبية عربية : وهذا البيت كما ترون أقرب الى الشعر التجريدى . . . ص 99 .
حتى أنهم اذا رأوا أحد الخلعاء يصيبه ما أصاب أبا العتاهية ، ص 73 .
- تاريخية عربية : وصارت تشتهى أن تسمع من ولدها كلمة مأثورة عن ابن الزبير عزى بها الاحنف بن قيس لما قطعت رجله . . . ص 114 يؤججون بها حرب البسوس ، ص 285 .
- انترباوجية واعانتها عادة خبيثة تذكرنا بعادات القدامى من الهنود فى إماتة المرأة بعد زوجها ، ص 57 .
-تاريخية غربية : . . . اسوة بفرسان القرون الوسطى ، ص 229 . تحدث فى هدوء سقراط عند شرابه الشيكران ، ص 322 . - فلسفية : فينزعون عنهم تلك الافكار الوجودية ، ص 137 . - حربية : . . . مع الروبلان والغاز المخنق ومدافع الخمسة والسبعين ، ص 78 . - اجتماعية : ( Mondaine ) يترشقن ترشق الاوز فى بناويرهن القشيبة المتخلفة عن " موضتها " بمرحلة على الاقل ، ص 269 .
. ويتدخل المؤلف للتعليق على الاحداث والاشخاص ، أو يصدر أحكاما :
- تأملية : وليس لمن قاوم سبيل الطبيعة الا ان ينبجس تيارها من منافذ ملتوية خطرة ، ص 54 . - أخلاقية : وذهبن فى هذا حتى الاسفاف ، ص 118 . - انطباعية : وهو أمر فى الجريد من الغرابة بمكان ، ص 76 .
. وقد تقدم الاحداث من وجهة نظر محايدة تماما :
يقال : إن جماعة من هؤلاء كانوا قاعدين على ربوة ، ص 18 .
. وقد يكون الراوي معروفا لدى المؤلف لكن يكتم هوبته عن القارىء :
قال الراوى : فجلس الرجل على جانب الطريق . . .ص 87 .

